الثلاثاء، أغسطس 04، 2020

كما اللون الأبيض انعدام للون فإن الشر هو انعدام لفعل الخير

من سلسلة مقالات (اجوبة صادمة)
 كما اللون الأبيض انعدام للون فإن الشر هو انعدام لفعل الخير
 فكرة الله، احترام للذات البشرية: 
 بين من يعتقد بوجود إله خلق الكون وسيبقى الكون خالداً بإرادة هذا الإله، ومن يعتقدون أن الكون خلق من عدم، ومصيره العدم. يبقى الاعتقادان نظرية غيبية مجرَّدة قائمة على الافتراض والاستقراء والاستنتاج. وهنا يتساوى الاعتقادان بإمكانية الإصابة والإخفاق. ولذلك لا يستطيع أي منهما أن يدحض بيقين أسباب الآخر باعتقاده طالما استند الإثنان إلى القواعد الغيبية في تفسير ما توصلوا إليه. ولهذا ليس هناك كافر ومؤمن. فكل منهما كافر من وجهة نظر الآخر. والأمر كذلك، فليؤمن من يشاء، وليكفر من يشاء. أما نحن فنرى التمييز بين الاعتقادين، بأننا ننحاز إلى جانب المقولة المنطقية التي تقول: (لا معلول من دون علة). منطلقاً من هذا الاعتقاد، ومستنداً إليه، وإن كان مبنياً على نرجسية بشرية، أقول: بأنه لن يتساوى مصير الحجر والشجر والحيوان مع مصير الإنسان. وإذا كان العدم مصير كل من هذه الموجودات فهذا ليس مصير الإنسان لأنه يُعتبر سيدها على الكرة الأرضية، والدلائل والبراهين العيانية على ما نقول به، أكثر من أن تحصى. ويكفي الإنسان أنه يستطيع أن يُسخِّرها جميعها لخدمته. وأما لماذا الإنسان يتميَّز بما ذكرنا، فلأنه يمتلك مقدرة عاقلة، تدل تجارب التاريخ وتطور الحضارة البشرية على تلك المقدرة. فمسار الحضارة والتطور البشري يتصاعد بشكل يثير الدهشة والإعجاب. وهي تصل إلى مستوى التطور التصاعدي الهائل. إن المقدرة العاقلة عند الإنسان جزء من ذات الله الذي خلقها على غاية من التعقيد مما يعجز أحياناً عقل الإنسان على إدراكها. ووهبها المقدرة على التطور التصاعدي. وهذا ما يفسِّر النقلات النوعية فيها على شتى الصعد. وإذا كانت الحضارة المادية قد تصاعدت بهذا الشكل الهائل، والتي فيها تسود النزعة المادية على ما عداها من النزعات النفسية والروحية، فهذا يفسِّر لنا مدى خطورة الافتراق بين التطورين، ومدى خطورة غياب التوازن بينهما، الذي إذا ما اختلَّ فسوف تعاني البشرية من آثارها البشعة على مستقبلها الأقرب فالأبعد. لقد حاولت الأديان أن تردم الهوة بين التطورين، ولكنها فشلت وضلَّت الطريق لأنها استخدمت مقاييس البشر المادية في تهذيب النفس والروح، وحصرت وسائلها بالعبادات دون غيرها من العناية بتربية النفس والروح تساوقاً مع سموها وتعقيدها. ولعلَّ أخطر تلك الوسائل عند الأديان، هي الزلفى إلى الله لأنها تعتبره الأقوى؛ وتعتقد بذلك، كما لو كان الله إنساناً نرجسياً ترضيه الأدعية والصلوت والعبادات، والله أبعد ما يكون عن ذلك. ولعلَّ أهم تلك المعضلات، كانت مسألة خلق الأفعال، إذ أخطأ الذين ينسبونها إلى الله، والاعتراف بقدر الله ومشيئته، ونكران مقدرته على أن يهب الإنسان حرية اختيار أفعاله. فإذا حصل خير من الأفعال فهي بفضل من الله، وإذا حصل شر فبقدر مكتوب منه. وعلى الرغم من ذلك تقوم بتحميل الإنسان وزر ما يحصل، على فرضية أن الله سيحاسب البشر على نتائج تلك الأفعال؛ فالعقاب لمن يخطئ، والثواب لمن يصيب. إشكالية العلاقة بين الخير والشر: ليس الشر كما هو معروف عنه أنه متلازم لثنائية (الخير والشر)، وهو ليس نزعة قائمة بذاتها، بل هو انعدام لوجود شيء آخر، وهو انعدام الخير. الله الذي نؤمن به، كما نعتقد، لم يخلق في الإنسان نزعتين، نزعة الخير ونزعة الشر، بل هو خلق نزعة الخير فقط، ومن لم يمارس تلك النزعة فكأنه يعمل شراً. فعمل الخير، إذن، هو الفطرة التي خلق الله الإنسان عليها. أي حضَّ الله البشر على القيام بأفعال الخير من أجل سعادتهم، فمن فعل خيراً فلنفسه ومن أجل سعادته، ومن خالف هذه النزعة فكأنه يمتنع عن فعل ما يصب في توفير تلك السعادة، وهذا ما تمَّ الاصطلاع عليه بـ(فعل الشر). تلك فرضية اقتضى قولنا بها أسباب ووقائع ونتائج استنباطية زوَّدتنا ببراهين للدفاع عنها. وهذا ما سوف ندرسه في هذه المقالة. أولاً، وقبل أي شيء آخر، نرى أن ما نبحث عنه، هو من المقولات الغيبية الماورائية. ففكرة الله استنتاجية واستنباطية تعود أصولها إلى البحث عن وجود قوة تفوق قوة البشر، لا بل تقهرها. والبحث عن فرضية وجود خالق للكون. وتراوحت الفرضيات بين وجود الله أم عدم وجوده. ولأن فكرة الله ما ورائية، فهي لا تتساوى مع مستوى الواقع العياني الملموس أو المنظور أو المحسوس، بل ترقى إلى مستوى المنطق النظري البرهاني المجرد. ولهذا نعتبر أن المسألة المطروحة مسألة قديمة تعود أصولها إلى أول محاولة للعقل البشري انكبت على البحث في فكرة الله، وتعود جذورها إلى متلازمة (العلة والمعلول)، أي أنه لا بد لأي موجود مصنوع من وجود صانع له. فالكون الواسع بكل تفريعاته وتعقيداته لا يمكن أن يُخلق من عدم، ولا بُدَّ من وجود صانع له. فكانت فكرة وجود (العلة الأولى) التي اصطلح على تسميتها باسم (الله). واستتبع وجود هذا البرهان العقلي، البحث في وجود الإنسان ومصيره قبل الموت كواقع عياني، ومصيره بعد الموت كافتراض ما ورائي غير منظور أو ملموس. ولهذا ابتكر الإنسان وجود (فكرة الله)، واعتبر أنه مخلوق من مخلوقاته. ولأن الإنسان يمثل الوجود العاقل على هذه الأرض، فهو يشكل محور هذا الكون المنظور (الكرة الأرضية). ولأن ظاهرة الموت استدعت وجود أسئلة عن مصير الإنسان بعد الموت، اكتنز تاريخ العقل البشري الكثير من الأسئلة المعقَّدة التي وجد أن البحث عن أجوبة لها مهمة عسيرة وأكثر تعقيداً ولكنه لم يستسلم بل ظل مستمراً في البحث عنها على الرغم من أنه لم يجد حتى الآن براهين عيانية تقنع الأكثر تفكيراً عقلانياً، وكذلك الأكثر سطحية. فالبراهين العيانية جامع مشترك بين المستويين. ومن بين أهم تلك الإشكاليات، أمام من يبحث عن مصيره بعد الموت، كانت إشكالية الحساب بعد الموت. وقد ساد حتى الآن عند من يعتقدون بوجود إله، ووجود حساب بعد الموت، أن من فعل خيراً سوى يلقى حساباً يؤدي إلى خلاص نفسه ودخولها إلى الجنة. وإن من فعل شراً سوف يلقى حساباً يؤدي إلى دخول نفسه إلى النار. تلك الإشكالية قادت إلى إشكالية أخرى تتلازم معها، هي السؤال عمن خلق تلك الأفعال التي يتم محاسبة الأنفس عنها. هل هي من خلق الله، أم هي من خلق الإنسان. وتلك، بلا شك، كانت من أهم المعضلات التي واجهت الفكر الديني في شتى مراحل ظواهره. وما زالت تشكل حتى الآن المعضلة الأهم، والأكثر جذباً لحركة العقل البشري. والتي منها انبثقت ما تُسمى بـ(ثنائية الخير والشر). ترابط خلق الأفعال بفكرة الخضوع والسيطرة: تعود أصول خلق الأفعال إلى بداية العلاقة بين القوي والضعيف. القوي الذي يمتلك المواد الأولية التي لا يمكن للحياة أن تستمر بدونها. فالطفل الوليد بحاجة إلى قوة الأب الذي يوفر الغذاء، وقوة الأم التي تحضن الأطفال. والأب بحاجة إلى مساعدة توفرها قوى أكثر مقدرة منه. وهكذا تتكامل الحياة البشرية بوجود من يملك، ووجود من لا يملك. فالذي يملك هو الأقوى، والذي لا يملك هو الأضعف. وبدلاً من وجود حالة التكامل والتبادل بالخدمات فقد سادت فكرة الخضوع والسيطرة. وهذه الفكرة عزَّزت نزعة الخاضع إلى كسب رضى الأقوى، ونزعة الأقوى للسيطرة على من هم بحاجة إليه. وكانت النزعتان مرتبطتين بمسألة خلق الأفعال. فكانت البدايات المعرفية تقوم على أن الأقوى هو من يخلق الأفعال، وهو الذي يحاسب الآخرين ليستحوذ على إرادتهم ويضمن خضوعهم له، وطلب رضاه. فطاعته خير، والتمرد عليه شر. واستناداً إلى هذه البدايات المعرفية، نسبت بعض الدعوات، وخاصة الدينية منها، خلق الأفعال إلى الله، وكأنها تعيد المقولة المعرفية بأن الله هو الذي خلق الأفعال بالبشر ويحاسبهم عليها تماماً كما كانت خاضعة لمقولة العلاقة بين الإنسان المسيطر والإنسان الخاضع؛ فالمسيطر له الحق في كل ما يفعله لأنه لم تكن سيطرته خاضعة إلى أي قيد من القيود، يتصرف تجاه الضعيف كمالك له مثله كمثل أية مادة أخرى يستطيع امتلاكها. ولا ضير أن يحاسبهم على أفعال لم يصنعوها، وذلك ترابطاً مع نزعة السيطرة التي يتميز بها الأقوى بين البشر. فهو من يملك قوة فعل كل شيء، وفي ما يفعله الخير كله، وفي ما يرفضه الشر كله. استناداً إلى التجربة الإنسانية العيانية المعاشة، ابتدأ تكوين المعرفة الدينية، فاعتبرت أن الله القادر الوحيد والأقوى، شبيهاً بالإنسان القوي القادر، وأضفت عليه صفات إنسانية يمارسها القادر من بين البشر، ولنسمه (الحاكم، أو المالك). وتلك مواقع بشرية يستخدم فيها سلطته للهيمنة والسيطرة على غيره من البشر ممن هم بحاجة إليه. يهب الطعام لمن يشكر، ويحجبه عمن يتمرد على الأوامر. ويمارس الضعفاء دور المسكين المحتاج لأعطيات الأقوى، ولا ضير من أن يقدموا إليه فروض الطاعة والخضوع لنيل الرضى والمغفرة. بينما الله خالق الكون، كما نعتقد به، خلق الإنسان ليس ليكون عبداً، بل خلقه ليكون حراً مسؤولاً عن أفعاله. هذا هو الله، الذي لا يحتاج إلى عبودية ولا شكر، بل هو يمثل دور قيم الأبوة والأمومة. وبحيث كانت تلك القيم من قيم الله، فكما أن الأب والأم لا يحتاجا إلى شكر من أولادهما، ويمتنعان عن عقابهم مهما كانت الأسباب، فكذلك هو الله الذي خلق تلك القيم. وأما عن السؤال عما إذا كان المخطئ والمصيب يتساويان في الحساب، فلنترك هذا الأمر لأننا لن نصل منه إلى أية نتيجة طالما ظلَّت تخضع لأسباب غيبية. وبدلاً من ذلك، لنتفرَّغ إلى استكناه ما نعتبره أهم غاية خلق فيها الله الإنسان، وهو هدف أن يكون الإنسان سعيداً يتمتع بحياة سعيدة وذلك بسلوك الطرق السليمة للوصول إليها، وهو ما نرمز إليه بوسائل تطبيق أفعال الخير التي تعني الإنسان ضمن مجتمع، سواءٌ أكان المجتمع صغيراً أم كان كبيراً، تبدأ من علاقة الأبوين بطفلهما، وتنتهي عند حدود المجتمع العالمي الأوسع. الله خلق فطرة الخير وعلى الإنسان أن يستفيد منها لصنع أفعاله: ولأننا عالجنا تلك الإشكالية في مقالة سابقة، عرضنا فيها قناعتنا بما جاء في كتابات الأولين عنها، خاصة ما أتت به فرقتا القدرية والجبرية، على الرغم من تعارض هذه الاستنتاجات والبراهين مع الفقه الديني، واعتبرنا فيه أن أعمال الإنسان هي من فعل الإنسان، وليست من خلق الله وقدره، فإننا سنتابع في هذه المقالة، موضوع ما يتم تسميته بثنائية (الخير والشر)، ولعلنا نستطيع أن نعبِّر فيه عن وجهة نظرنا، وعلى أن تكون بشكل أكثر وضوحاً لدى القارئ. نعتقد أولاً أن الله خلق في الإنسان فطرة الخير فقط، ولم يخلق فيه نزعة الشر، وهذا ما يقوِّض الأسس التي قالت بها الأديان السماوية والتي أدَّت إلى ثنائية (الله والشيطان)، ومنها افترضت أن هناك نزاعاً دائماً بين الله والشيطان، أي بين الخير والشر. وفي هذا النزاع كأنني بالأديان السماوية قد افترضت وجود إلهين، واحد يأمر بالخير، والآخر يأمر بالشر. وفي هذا الافتراض ما فيه من تناقض مع نظرية التوحيد الإلهية. بينما تعريفنا هو أن هناك إلهاً واحداً يدعو للخير فقط، ولا يصدر عنه ما يدعو إلى الشر أو السماح بوجود من يدعو إليه ويأمر به. وفي هذا تقويض لثنائية (الله – الشيطان)، وكذلك ثنائية (الملاك – الشيطان). وبهذا نريد القول بأن الله غرس فطرة الخير فقط في نفس الإنسان العاقل، ورسم له وسائل تطبيقها. فإذا طبَّقها حصل على سعادته، وإذا فشل فقد تلك السعادة. وهنا نجد أنه لا بُدَّ من البدء بتوضيح رؤيتنا في تعريف هذه الفطرة. الخير هو الفطرة التي خلقها الله في الإنسان: إن الله خلق الإنسان ليكون سعيداً في حياته، وخلق فيه كل ما يساعده للعمل على توفير تلك السعادة. وترك له حرية خلق أفعاله، لأنه لو خلقها فيه ويخضعه للحساب لكان ما يصدر عن الله منافياً لقواعد العدالة، وتلك من الصفات التي لايجوز أن نفترضها عند إله عادل. وعندما خلق الله إرادة الخير فقط، ورسم فيها حرية الاختيار، فقد خلق في الإنسان العوامل التي تساعده على توفير سعادته. فإن أحسن تدبيرها فسيبقى سعيداً، لذا يكون استمرار السعادة مرتبطاً بإرادة الإنسان طالما ظلَّ محافظاً على القيام بالأفعال التي تحافظ على سلامة أعضائه الجسدية والنفسية، وكذلك القيام بدوره المنوط به بمساعدة الآخرين. وإن أساء التدبير فسوف ينحدر إلى مستوى التعاسة الذاتية، والامتناع عن القيام بدوره الاجتماعي سوف يساهم بخلق التعاسة عند الآخرين، وهذا ما نعني به ارتكاب الشر عندما يمتنع عن صيانة عوامل الخير بالنسبة للذات وبالنسبة للآخر. تعريف عمل الخير: لأن السعادة، كهدف مقصود للبشر، نعتبر كل ما يصب في توفيرها هو فعل للخير، وكل إهمال لها هو شر. وفعل الخير ينقسم إلى أفعال مادية، وأفعال نفسية. فالله، حسب فرضية العلة والمعلول، خلق الإنسان من روح وجسد. ولكل منهما عوامل تساعد على تنميته لتبقى عناصر تكوينها سليمة، وسلامتها دليل على الحصول على السعادة الجسدية، وكذلك السعادة النفسية. وهذه التنمية هي فعل من أفعال الخير. وإذا أهمل الإنسان هذه التنمية، فسوف تصاب العناصر التي توفر السعادة بالتلف، وهذا ما يؤدي إلى عكس السعادة، وهذا ما نسميه بفعل الشر. وفعل الشر مترابط ومتلازم مع فعل الخير، لو لم يوجد هذا لانتفى وجود ذاك. فموضوعة الشر ليست قائمة بذاتها كما هو حاصل لفعل الخير، وهذا شبيه بتعريفنا للون الأبيض الذي لا وجود له، وهو ما نسميه بـ(انعدام اللون)، وكذلك فإن فعل الشر هو انعدام فعل الخير. أي ليس هناك عمل من أعمال الشر، بل هو تقصير في عمل الخير. فعمل الشر المتعارف عليه في التقليد المعرفي، ليس عملاً له شروطه ولا موجباته ولا آلياته، بل هو انعدام عمل الخير. في مواجهة الحساب يتحمل الظالم والمظلوم مسؤولية نسبية: لأن الإنسان خالق أفعاله يتحمل مسؤولية الإصابة في خلقها أو الإخفاق فيها. ولأن القوى الأخرى، المساعدة للفرد في خلق الأفعال لها دور محوري في خلق أفعال السعادة، ولا يستطيع الفرد أن ينجح في عملية الخلق من دون العوامل المساعدة، يتحمل العامل المساعد، حسب تعريفنا له، مسؤولية مماثلة. وهذا ما يمكننا تعريفه بمبادئ الحقوق والواجبات. فمن يقصر في واجباته مسؤول عن التقصير، ومن يقصر بالحصول على حقوقه فهو مسؤول أيضاً. ولذلك، يتحمل الفرد المسؤولية على مستويين: الأول، إخفاقه في خلق الأفعال. والثاني، امتناعه عن مطالبة العوامل المساعدة بحقوقه عليهم. وظيفة رجل الدين الحثَّ على الالتزام بالحقوق والواجبات: آخذاً التكوين المعرفي في علاقة الأضعف بالأقوى بين أبناء البشر، بحيث يؤدي الأضعف فروض الطاعة للأقوى، اختصر رجل الدين، ومن بعده المؤسسات الدينية، وظيفته بالدعوة إلى عبادة الله، وأتقن فنون القيام بها. ونحسب أن تلك الوظيفة ترتبط تاريخياً ومعرفياً بالدعوة إلى طاعة الأقوى التي تعود جذورها إلى تقديم فروض الطاعة للأسياد التي سادت في العصور الأولى لنشأة الإنسان، والتي قام الفقهاء والكهنة، في شتى العصور اللاحقة، اتصالاً بالمراحل الحاضرة، لترويجها والحضِّ عليها. ولما كانت عبادة الأقوى هي التقليد الذي لم تشذُّ عنه الأديان السماوية، فقد كانت تلك عادة انعكست على تعريف علاقة المخلوقات بالخالق بعد أن سادت رؤية التوحيد الإلهي. وصوَّرت الأديان السماوية الله بشكل بشري يغضب وينتقم ويعتبر البشر عبيداً له عليهم أن يؤدوا فروض الطاعة والعبادة له. ولأن الله الذي نعتقد به لا حاجة لعبادة البشر، ولأنه خلقهم بأفعالهم ليصلوا إلى مستوى متقدم من السعادة الذاتية، وحثَّهم على الفعل الذي يحافظ على سلامتهم الجسدية والنفسية، وهو ما رمزنا له بفعل الخير لخدمة الذات وخدمة الآخرين، نعتبر بناء على ما تقدم أن من ينتدب نفسه للإرشاد الديني أن يحث على قيام الإنسان بواجباته تجاه نفسه، وأداء حقوق غيره، على قاعدة أنه ليس هناك أقوى وأضعف، بل هناك تكامل جماعي يؤدي فيه كل فرد واجباته. وفي هذه القاعدة ما فيها من الأصول القيمية التي تساعد على الوصول إلى السعادة التي أرادها الله، وليس إلى تعليم فنون العبادات التي لا يحتاجها الله على الإطلاق. فمن دعا إنساناً للمحافظة على واجباته تجاه ذاته، وتجاه غيره من البشر. وكل من حثَّ إنساناً على المطالبة بحقوقه ممن عليهم أن يؤدوا تلك الحقوق، خاصة أن الله خلق البشر لأجلها، لكان أجدى وأنفع للبشر من كل العبادات التي لا يحتاجها الله. ونحن نعتقد بذلك لأن الله، بكماله، خلق البشر ليس لذاته، بل خلقهم ليكونوا سعداء. ولم يخلقهم ليعبدون.

الخميس، يوليو 30، 2020

قوة الحراك الشعبي تُقاس بقوة مطالبه ومشروعيتها الشعبية

قوة الحراك الشعبي تُقاس بقوة مطالبه ومشروعيتها الشعبية

لقد ابتدأت التساؤلات، في الآونة الأخيرة، تتصاعد عن مصير انتفاضة لبنان التي شهدت أكثر فصولها اتساعاً على مستوى شمولها الساحة اللبنانية، وانتشارها بين صفوف شتى الشرائح الاجتماعية والسياسية والأطياف الدينية.

بعض تلك التساؤلات ازدادت بين أحزاب السلطة الحاكمة، وبعضها الآخر على مستوى الجماهير الشعبية بشتى تلاوينها والتي شملت تلك التي تدين بالولاء لتلك الأحزاب. ومستوى الحراكيين أنفسهم الذين لا يزالوا قابعين في خيم الاعتصام أو أولئك الذين يتحركون في شتى الاتجاهات حيث توجد المؤسسات الحكومية الأكثر ضلوعاً في جرائم الهدر والفساد والرشوة.

إن ظاهرة جديدة في لبنان بحجم تلك الانتفاضة التي هزَّت عروشاً بنتها أحزاب السلطة من جرائم السرقة والنهب والضحك على ذقون الأنصار والمحازبين المنساقة لأطروحاتها الفاسدة، لن يكون من المستغرب أن تكون محوراً لأنظار من هو ضدها ومن هو معها، لمعرفة وضعها الراهن الآن بعد عشرة أشهر من اندلاعها.

فأما أحزاب السلطة فتتمنى أن ينزاح عن كاهلها عبء ثقيل إذا ما استمر فهو يهدد مصيرها السياسي ومصالحها المالية. ولذلك فهي لا تترك منفذاً لضربها إلا وسلكته، سواءٌ أكان على طريق الترهيب بواسطة أدواتها المخصصة لـ(البلطجة)، أو بواسطة مثقفيها من الإعلاميين، أو حتى برشوة أنصارها بصناديق من المؤن التموينية أو بإغرائهم باستمرار دفع رواتبهم ومساعداتهم الهزيلة. وبالطبع بين هذا وذاك يُصرُّ أمراء الأحزاب الحاكمة وقديسيها على إجهاض تلك الانتفاضة التي هزَّت مكانتهم التي وصلت إلى حدود القداسة بنظر أتباعها.

وأما فقراء أنصار أحزاب السلطة فيتساءلون، على الرغم من مرارة ما يتساءلون عنه، عن مصير الانتفاضة ليس كرهاً بها ولكنهم يستجيبون إلى نداء بطونهم الخاوية وعجزهم عن مواكبة الانهيار الهائل في عائداتهم أو رواتبهم على ضآلتها. هؤلاء وإن كانوا يخشون غضب الأسياد والأمراء، لكنهم يدعون من كل قلوبهم أن تستمر الانتفاضة حتى لا يفقدوا الأمل في إزاحة كابوس المجاعة والعوز الآتي إليهم، والذي يزيد من همومهم كل يوم كابوساً على كابوس.

وأما الحراكيون أنفسهم، فهم بدورهم يتساءلون أيضاً، خاصة بعد أن تقلَّصت أعداد المشاركين في نشاطاتهم. وتساؤلاتهم لا تنم عن إحباط لأنهم تجاوزوا مرحلة الإحباط، ولكنها تنم عن الشعور بالخيبة من غياب الفقراء عن النزول إلى الشارع لتدعيم الصوت الوحيد الذي يعبِّر عن آلامهم وحاجاتهم.

وبناء على هذا التقسيم، يُعتبر الصراع الدائر بين أحزاب السلطة كطرف أول وبين الحراك الشعبي كطرف ثاني، بمثابة صراع على من يستطيع كسب الأكثرية الشعبية الصامتة، أو المقهورة على أن تمارس الصمت. والتي بكثرتها إلى جانب هذا الطرف أو ذاك تُعطي الأرجحية بكسب المعركة. فالأكثرية الشعبية تمثل المساحة الرمادية بين المشروعين، مشروع الانتفاضة، ومشروع حماية نظام الفساد والسرقة والنهب. وكل منهما يراهن على أن من يستطيع كسبها إلى جانبه، كأنه يوفِّر عوامل النجاح لطرف في معركته ضد الطرف الآخر.

ولذلك، في المشهد الراهن، تبدو أحزاب السلطة متفوقة بحق القوة لأنها تستطيع حتى الآن أن تدجِّن الأكثرية الشعبية، وتصادر قرارها بفعل عوامل القوة التي تؤثر بها عليها. ولعلَّ من أهم مصادر قوتها على الأكثرية الشعبية موجودة في المزيد من الحقن الطائفي، أو توفير الوظائف للبعض منها، أو بما تستخدمه من ضخ مساعدات ضحلة من حصص التموين أو المساعدات المالية التي تسد بعض الرمق ولكنها لا تغني عن فاقة في مواجهة فاتورة طويلة من الحاجات المعيشية. وفي حسابات القوة تُعتبر أحزاب السلطة، بالنسبة للأكثرية الشعبية، أكثر قوة وتأثيراً من عوامل القوة التي تمتلكها الانتفاضة الشعبية.

وأما مشهد الانتفاضة الشعبية الراهن، فهي وكما امتلكته قوى الحراك الشعبي منذ سنوات سبقت انتفاضة 17 تشرين الأول، فهي لا تزال تمتلك قوة الحق بما تختزنه من صدقية في رفع أهداف شعبية، كانت ولا تزال تلامس عواطف الأكثرية الشعبية وتأييدها، من دون استطاعتها أن تجذب العدد الأكبر منها إلى الشارع كما كانت عليه أعدادها في بداية الانتفاضة قبل عشرة أشهر.

وهي وإن نجحت في ملء الشوارع والساحات بعشرات الآلاف من الشعب اللبناني، ومن شتى الانتماءات الطائفية، ومن شتى المناطق الجغرافية، لكنها لظرف أو أكثر فقد قلَّت أعدادها الآن بما لا يُقاس بما كانت عليه أعدادها في الأشهر الأولى من الانتفاضة الأولى الأم. ولعلَّ في مرحلة الانحسار الشعبي تلك ما أثار شهية المحللين على رفع السؤال: ما هو مصير الانتفاضة الشعبية في ظل هذا الانحسار الشعبي بعد مرور عشرة أشهر على انطلاقة الانتفاضة؟

انطلاقاً من مفهومنا لقوة الحق الذي هو سلاح الحراك الشعبي في مواجهة الحق بالقوة الذي هو سلاح أحزاب السلطة، لا نرى بديلاً عن حتمية الانتصار الذي يقف إلى جانب قوة الحق. ولكي لا نكون رومانسيين في إطلاق الشعارات، بل نؤمن بأن الدنيا لا تؤخذ بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابا. يدفعنا إلى التأكيد بأن قوة الغلاب تمتلكها الانتفاضة في تعبيرها عن حقوق الشعب المأكولة والمسروقة والمنهوبة، وهي تضعف بمقدار ما يتم إضعاف من يرفع صوت الشعب، وهنا لا تُقاس قوة الحق بعدد من يطالب به، بل بما يمتلك من شرعية إنسانية ووطنية، وبقوة تعبيره عن الحقوق الشعبية بالعدل والمساواة. ولأن صوت الحراك هو صوت الشعب الحقيقي، فهو يمتلك القوة إذن. وهذا ما يُوجب على المنتفضين، على قلتهم الآن، أن يتسلحوا به.

أما وأن قلة العدد فيه ما يُحبط البعض، فعليهم أن يتأكدوا أن من لم ينزل إلى الشارع الآن، سينزل غداً. لأن وطأة الأزمة تزداد وتتفرع، وإن صناديق التموين لن تلبي كل حاجات الفقراء، وهي تسكت بعض الجوع، ولكنها لا تعني شيئا أمام هموم الشعب الأخرى. فعلى ذلك الصوت أن لا ينطوي على نفسه، لأن من لم يسمعه أو هو مقهور على الامتناع عن سماعه، سيبقى صوت الانتفاضة أمنية راسخة لا يتمنى الصامتون أن يسكت، لأنهم سيجدون أنفسهم في يوم ما بين الصارخين في الشوارع والساحات بعد أن ينكشف الضعف والكذب في أخاديع أحزاب السلطة.

إن أحزاب السلطة، ستصل في مرحلة من المراحل إلى الإفلاس الإعلامي والأخلاقي والتبريري، خاصة بعد أن تجف مواردها التي تحصل عليها من الخارج أو من سرقات الداخل، وساعتئذ لن تجد ما يغطي على كذبها بعد أن يتمَّ تجفيف مواردها، وستفقد الشعرة التي كانت تربطها مع الفقراء والمحتاجين. وإننا نعلم أن سرعة التضخم الذي يعاني منه الاقتصاد اللبناني، وخاصة السرعة الهائلة التي تنهار فيه العملة الوطنية، ستجعل ما يتم تقديمه من مساعدات على قواعد طائفية بدون قيمة أو معنى، لأنها لن تكفي أكثر من سد جوعة مؤقته، سوف تذوب بسرعة البرق. ولكن هل كرتونة تموينية ستسدد فاتورة الكهرباء والمستشفى والمدرسة وإيجار المنزل، ووو...

إن قوة الحراك الآن، وفي هذه المرحلة، لا تُقاس بعديده، بل تُقاس بقوة مطالبه ومشروعيتها الشعبية. وإن قتله تحت هذه الحجة أو تلك كأنه قتل للضمير، وقتل الضمير هو خسارة المعركة. وهذا ما يحدونا لوضع صورة لمستقبل الحراك على قاعدة أنه قوي بالفعل بقوة الأهداف التي يرفعها:

-مبدأ الاستمرارية لا جدال فيه على الرغم مما ستتحمله القلة القليلة من أبناء الانتفاضة وبناتها من أعباء وجهود وتضحيات، وتخويف وإحباط وزرع اليأس في النفوس.

-الانتفاضة ليست ضعيفة، بل هي قوية بأكثر مما نتصور، فهي وإن كانت قليلة العدد في الساحات والتظاهرات، لكنها قوية بمن يحيط بها ويحميها من مثقفين ومفكرين وسياسيين وذوي اختصاص، ووسائل إعلامية وطنية، ونقابات لعلَّ نقابة المحامين الأكثرها تأثيراً.

-إن استمرار الانتفاضة يشكل ناقوس النعي الدائم لأحزاب السلطة، والكشف عن جرائمها المعروفة، والعمل على كشف ما ظلَّ مستوراً منها حتى الآن، أشد إيلاماً وأكثر وطأة على المجرمين، وإنهم سيتنفسون الصعداء إذا ما بشرَّهم الناعي بموت الحراك في الشوارع، فعلى الانتفاضة أن تستمر لكي لاتدع أعين المجرمين تغفو للحظة واحدة.

-المحافظة على لامركزية الانتفاضة، وتوسيعها إلى أكثر مما هي عليه الآن، لكي لا تُثبت أن هناك مساحات مملوكة لهذا الحزب المشارك بالسلطة أو لذاك. وذلك تطبيقاً لشمولية الاتهام (كلن يعني كلن).

-العمل على تفعيل وسائل الحراك بوسائل جديدة، ولعلَّ شعارها الأخير بالدعوة إلى العصيان المدني يعابر من معالم التصعيد بالوسائل.

-أن لا يخشى المنتفضون ممن يتفرجون عليهم من على الشرفات، وأن لا يعتبروهم من المعادين لانتفاضتهم، بل هم أكثر ممن يدعون لها بالوصول إلى أهدافها لأنها أهداف لهم. فهؤلاء إلى أن يحين الظرف المناسب ليترجموا دعاءهم من على الشرفات إلى فعل نزولهم للمشاركة في الشوارع، فهم ممن تربوا على ثقافة التواكل والتمني، فهم لا يزالوا ممن يؤمنون بالمثل التالي: (اليد التي لا تستطع كسرها، قبِّلها وادع عليها بالكسر). وهم سوف يغادرون مواقع التواكل إلى مواقع الفعل إذ أنهم سيشاركونكم، وإن جاؤوا متأخرين، بكسر الأيادي، التي كانوا يقبلونها، بأنفسهم.

  


الأربعاء، يوليو 22، 2020

عرض كتاب (تهافت الأصوليات الإمبراطورية) (الحلقة الثالثة 3/ 4)

عرض كتاب (تهافت الأصوليات الإمبراطورية)

(الحلقة الثالثة 3/ 4)

(الفصل الخامس والسادس)

المرحلة الثانية:

 الحل في المفهوم القومي والدولة القومية المدنية

الذي افترض فيه الباحث أن الحل لا بدَّ من أن يكون عبر المشروع القومي العربي. ولهذا خصص الباحث لها ثلاثة فصول، الخامس والسادس والسابع. وتوَّج البحث بخاتمة تسهم في تأسيس أفكار ومشاريع تصب في خدمة الحل القومي العربي.

-الفصل الخامس:

 قبل ردم المسافة بين الديني السياسي وبين القومي، إشكاليات والتباسات للمعالجة:

يستهل الباحث هذا الفصل بتحديد العلاقة بين الطبقات الاجتماعية والتيارات السياسية، بمن فيها التيارات الدينية والقومية، بالإضاءة على أهمية عوامل التعاون بينها في معارك الاستقلال الوطني، التي من دون الحصول عليه، فلا معنى للعمل من أجل تجميل الدولة ورأسها مهدَّد بالقطع. ويصل إلى البرهان أنه بالإمكان توحيد الجهود على تلك المستويات من خلال ثورات التحرر الوطني في أكثر من قطر عربي. وأما السبب فلأنه (حيثما تشارك الديني والوطني في معارك الاستقلال السياسي كانت تذوب المشاعر الدينية لصالح  المشاعر الوطنية، لكنه عندما تعجز السلطة الوطنية عن الغاء هواجس الخوف المتبادل بين الإثنيات الدينية، أو عن إحداث مصالحة بينها، أو بالتالي عندما تعجز  عن توفير العدالة والمساواة الطبقية، فإنها كانت تترك مساحة فراغ يتسلل إليها أي اتجاه معادي ويعمل على ملئها وتعميقها).

ويستطرد الباحث من أجل ردم الهوة بين التيارات القومية والدينية، مسجلاً: (وكما أن التأسيس للمجتمع القطري يتمُّ عبر استبدال نخب المجتمع بالمجتمع النخبة، كذلك يتم الانتقال من المرحلة القطرية إلى المرحلة القومية، في العمل على توليد المجتمع القومي الواعي الذي يجد، نظرياً على الأقل، أن المرحلة القومية هي حاجة ضرورية لحماية المكتسبات القطرية وليست عبئاً عليها أو مصدراً لخوفها).

وكانت أسباب الريبة بين شتى التيارات السياسية والحزبية والفكرية العربية، تعود إلى أن (الخصوصيات التاريخية التي حملت، أو ما زالت تحمل الاتجاهات الانفصالية. فالاتجاهات الدويلاتية كانت، في أسوأ حالاتها، مرتبطة مع المركز المرجعي السياسي (الخلافة) بالولاء والطاعة والجزية). و(كان الإسلام هو المؤثر الفاعل في صياغة التاريخ الوحدوي للمنطقة العربية، وكان له الأثر في تعميق الشعور الوحدوي، السبب الذي طبع العلاقة بين القومية والدين (العروبة والإسلام) أحياناً إلى حدود الاندماج. فبدا  الإسلام وكأنه يصنع التاريخ العربي لوحده، في الوقت الذي كانت تتفاعل فيه، عوامل الإثنيات الدينية الأخرى غير  الإسلام. تلك الإثنيات لم تفقد الأمل في أن يكون لها دور ما، يبعد عنها حالة التهميش، التي كانت تمارسها المرجعية الوحدوية الإسلامية، عليها). لذا كانت الاثنيات الدينية، غير الإسلام، لا تشعر بالانجذاب، نحو المرجعية الإسلامية، فموقفها هذا نابع من أنه غير معترف لها بالمساهمة في صنع التاريخ). ولهذا انقسم العرب، إلى فئتين:

الأولى: فئة العرب المسلمين: تشعر بأن التاريخ العربي الإسلامي هو تاريخها، والأمجاد أمجادها، فارتبط عندها العقائدي- الديني بالتاريخي- السياسي.

 أما الثانية فتشعر أنها تقف على حافة ذلك التاريخ، فهي لا تنجذب إليه إلاَّ بالمقدار  الذي يتحرر فيه من أحادية التأثير العقائدي الإسلامي؛ كما أنها تتطلع إلى المشاركة والمساهمة في صنعه؛ وهي لا تملك خياراً آخر، بحكم ارتباطها القومي باللغة والجغرافيا، وهذه الفئة من الذين يشعرون بالانفصام بين العقائدي الديني، والتاريخي السياسي).

ولهذا (كانت المؤثرات العرقية والطبقية والمذهبية، حجر الأساس في تنمية الاتجاهات الانفصالية)، وعن هذا يؤكد الباحث على أن التطمين الداخلي، عامل أساسي يساعد تلك الإثنيات للاتجاه نحو الوحدوية الداخلية؛ لهذا يرى أن الانتقال من الانفصالية إلى الوحدوية له علاقة بالتفاعل بين النظام الفكري/ الثقافي للانفصالية القطرية، وبين النظام الفكري/ الثقافي للوحدوية القومية. وإنه بالقدر  الذي تكون فيه تلك المضامين ومكوناتها واضحة، تضمن بدقة مصلحة الإثنيات المتعددة، تتسارع إمكانيات الانتقال بسهولة؛ عبر عملية تربوية نفسية وفكرية سياسية مستمرة وطويلة الأمد.

ويُنهي الباحث هذا المقطع بالتساؤل التالي: أية حضارة نريد، أمادية هي أم روحية ؟ وأي روحي نريد؟ هل هو الروحي الذي له علاقة بالقيم الأخلاقية؟ أم هو الروحي الديني الذي له علاقة بالماورائي الذي أسبغ حتى على الزمن السياسي صفة المقدس؟

ومن أجل رؤية واقعية للإشكاليات المطلوب دراستها، ووضع حلول لها، يُفرد الباحث المقطع الثاني من الفصل، لدراسة التجربة العراقية بعد الاحتلال.

لقد احتلَّت القضية العراقية بعد الاحتلال مساحة واسعة من الاهتمام العربي والعالمي، بما أظهرته من إشكاليات والتباسات كان لا بُدَّ من التوسع في دراستها، ولهذا يرى الباحث أن الإشكالية العامة في دراستها، تتمظهر في منطقين ومعادلتين:

-المعادلة الأولى: بما أن الحق خاضع لمنطق الأقوى على الأضعف أن يأخذ من حقه ما يجود به القوي، ويتهم أصحاب تلك المعادلة الآخرين، إذا ما ناضلوا لاستعادة الحق كاملاً، بالرومانسية تارة، وبالسوريالية تارة أخرى.

-أما المعادلة الثانية، فتربط منطق الحق مع السيادة بالحق في تقرير المصير الوطني، وبالتالي له ارتباط بمفهوم الكرامة الوطنية والقومية.

منطلقون من موقفهم السياسي السلبي من النظام الوطني في العراق، أعلن بعض المثقفين والمفكرين العرب، تأييدهم لمنطق الاحتلال، واستندوا في إعلانهم، إلى شهادات المعارضة العراقية. ولما كان على العقل الموضوعي أن يستند إلى شهادات موثوقة، فقد سقطت مصداقية النتائج التي توصل إليها هؤلاء المفكرون والمثقفون بعد أن تأكدت لا وطنية أطراف تلك المعارضة. وتمظهرت تلك اللاوطنية بأنها استقوت بالقوى المعتدية على الأمة العربية وعلى العراق أولاً، وبأنها عادت إلى وطنها العراق على دبابة الاحتلال الأجنبي ثانياً، وأنها أتمرت بأوامر قوى الاحتلال ثالثاً.

وهكذا يترتَّب على النظر إلى القضايا الوطنية والقومية بمنظار الغرض السياسي، وليس بالمنظار الفكري الموضوعي، الكثير من القصور والأخطاء في النظر إلى كل قضية وطنية قطرية عربية. وهذا ما حصل بالفعل من أخطاء في النظر السياسي إلى القضية العراقية، ومنها ظهرت بعض الإشكاليات، ومن أهمها: الخطأ في تحديد الأولويات الوطنية والقومية النضالية. والنظر إلى استقواء المعارضة المحلية بالخارج خيانة موصوفة. والازدواجية بين ظاهرة تتعرض للنقد وأخرى مسكوت عنها. والتناقض بين دعاة «الواقعية»، ودعاة «الرومانسية». وإشكالية شرعية تصدير الثورة من الخارج بوسائل القوة.

وفي المقطع الثالث من الفصل الخامس، يقدِّم الباحث بعض الأفكار التي تسهم في تصويب مهام الفكر العربي، لمعالجة تلك الإشكاليات، يطرح السؤال التالي: كيف يستفيد الفكر القومي العربي من تجربة العراق؟ ليجيب:

لقد ظهرت من خصوصيات التجربة العراقية عدة مسائل في غاية من الأهمية، ومنها:

-الالتباس في الموازنة بين الديموقراطية المحلية والسيادة الوطنية.

-أما الثانية فهي الالتباس في الموازنة بين الولاء للمذهب أو الدين والولاء للوطن أو القومية.

-أما الثالثة فهي الالتباس في الموازنة بين تحقيق الديموقراطية بنضال يقوده الوطنيون أو طلب المساعدة من قوى معادية خارجية للقيام بالنيابة عنهم في تحقيق الغرض.

ويختم الباحث الفصل الخامس، بما يلي: (وإذا كان من المطلوب أن نحدد مدى استفادة العرب من محنة العراق نرى أنه لن يتم ذلك إلاَّ على قاعدة أن تتشكَّل حركة ثقافية عربية تأخذ على عاتقها تفعيل حركة العقل العربي المجرَّد المرتبط بقضايا أمته ومشاكلها من تعقيدات ومزالق الفعل وردَّات الفعل).

-الفصل السادس:

شروق العصر القومي تحول جديد في مفاهيم نهاية التاريخ.

يقسم الباحث هذا الفصل إلى أربعة مقاطع وخاتمة: وفي المقطع الأول يؤكد الباحث على أن النظرية القومية العربية حالة ثابتة عصية على الاجتثاث والإلغاء، والدليل على ذلك، أنها ما زالت حية تقاوم ثلاثة أنواع من الإمبراطوريات الجديدة: الاستعمار الأميركي والصهيونية العالمية، ومشاريع الأممية الاشتراكية، ومشاريع الحركات الإسلامية السياسية.

-وأما عن النوع الأول: يعتبر الباحث أن انتقال النظرية القومية إلى المقاومة الشعبية منذ انطلاقتها الأولى بعد الحرب العالمية الأولى؛ وتصاعدها وتوسعها بعد الحرب العالمية الثانية، وتعميقها في تجربة المقاومة الوطنية العراقية في العام 2003، هو دليل على أنها نظرية واقعية، يسطر نهاية التاريخ  الرأسمالي الإمبراطوري.

-وأما عن النوع الثاني، وعلى الرغم من المخاطر الاستعمارية، لم تلجأ الحركة القومية العربية إلى الارتماء في أحضان المعسكر الشيوعي، بل إنها عقدت معه تحالفات على قاعدة المصالح المشتركة. وأخيراً انهار ذلك المعسكر، واستمرت الحركة القومية العربية تنبض بالحياة تناضل حتى في ظل استفراد الرأسمالية الاستعمارية بحكم العالم.

-وأما النوع الثاني، فقد اكتشفت الحركة القومية العربية مخاطر مشاريع حركات الإسلام السياسي وتأثيراته على تفتيت الوطن العربي إلى دويلات طائفية متناحرة، تحمل أوبئة التقسيم، ولا تنفصل مشاريعها عن مثيلاتها الاستعمارية والصهيونية. وهذا ما يقوم الباحث بتفصيله في المقطع الثاني من الفصل. وفي المقطع الثاني الذي يحمل عنوان: (نهاية صلاحية الدولة الدينية التوسعية) يبرهن على رفض الحركة القومية لقيام دولة دينية. ويعيدها إلى أربعة أسباب:

-الأولى: في عصر مبادئ حرية الشعوب بتقرير مصيرها، تستحيل العودة إلى مرحلة الدولة الدينية المفتوحة الحدود.

الثانية: واستحالة الاتفاق على مفاهيم المقدَّس عند العشرات من الأديان والفرق المتفرعة عنها.

الثالثة: مفاهيم التكفير، وثنائية المؤمن والكافر، تؤدي إلى اقتال دائم بين رعايا الدولة الواحدة.

-الرابعة، التباس مبادئ الانتماء والولاء إلى دين أو مذهب، أو الانتماء والولاء إلى الدولة الوطنية.

ويُنهي الباحث هذا المقطع إلى استحالة العودة إلى عصر الدول الدينية. ليبدأ بإعطاء البديل في المقطع الثالث المعنون: لماذا نراهن على صلاحية الدولة القومية؟

يبدأ الباحث بالتأكيد على أن النظام السياسي القومي في أوروبا حقق للمجتمعات الأوروبية ثلاثة مكاسب، وهي:

-الأول: استقلال سياسي واقتصادي يعيدان صياغة أسس جديدة لمجتمع متجانس قومياً، يوظف إمكانياته وثرواته لمصلحة المجتمع القومي نفسه.

-الثاني: استقلال فكري غير محكوم بدوغمائية دينية متسلطة بمقدسات لا تبيح حرية الفكر، سلطة دينية طالما لاحقت وحاكمت وأحرقت العلماء والفلاسفة.

الثالث: وفَّرت عوامل الاستقرار والحوار بين قوميات أوروبا.

وبعيداً عن النزعات الاستعمارية التي سادت المجتمعات الأوروبية، كان من المؤكد أن بناء الأنظمة القومية، دفعت شعوب أوروبا إلى بناء نفسها، بناء نهضوياً حديثاً.

وبعد أن يقوم بتفصيل مسهب لفضائل قيام نظام قومي عربي وانعكاساته الإيجابية على كل الأقطار العربية، ومن خلال هذه الرؤية، وبناء على نتائجها، ينهي الباحث هذا الفصل، بالمقطع الرابع، وخاتمة الفصل، تحت عنوان (رؤيتنا للمستقبل مشرقة، وكيف يمكننا منع النظرية القومية من أن تتحول إلى أصولية أخرى؟).

يعالج الباحث في هذا المقطع، مميزات نظام الدولة المدنية، تحت العناوين التالية:

1-ثوابتنا وطنية وقومية، لا ثوابت دينية ومذهبية:

2-ثوابتنا تكاملية بين أبناء الوطن الواحد، وإنسانية بين قوميات العالم:

أ-الثوابت على صعيد الأنظمة القومية

ب-المضمون السيادي للقومية:

ج-المضمون العلائقي في المجتمع القومي:

-المضمون الطبقي القومي منع استغلال طبقة لطبقة أخرى:

-المضمون الروحي القومي التزام وليس إلزاماً:

د-ثوابت إنسانية في العلاقة بين القوميات:

-المضمون الإنساني للقومية عولمة قيمية:

-مضمون تنظيم العلاقات بين التنوعات الثقافية العالمية

ويختم الباحث الفصل السادس بخاتمة تحمل العنوان: (الشعور القومي ليس نزعة رومانسية).