الجمعة، أكتوبر 08، 2010

تعريب القضية العراقية مطلب ضروري

تعريب القضية العراقية مطلب ضروري
على قاعدة تحرير العراق ووحدته ووطنية النظام السياسي فيه
بعد أن أخذت تتَّضح نتائج استراتيجية الحوار التي تمارسها إدارة الرئيس أوباما مع دول الجوار الجغرافي للعراق، تمر القضية العراقية الآن، بعد تقليص رقعة الاحتلال الأميركي، بمرحلة استبدال الاحتلال العسكري بالاحتلال الديبلوماسي، أي استبدال الاحتلال المباشر بـ«الاحتلال المقنَّع»، وهو قائم الآن على أسس تحالف قائم بين ما تبقى من الاحتلال الأميركي من جهة والاحتلال الإيراني والتأثير التركي من جهة أخرى.
وفي الوقت الذي يتحول فيه الاحتلال بشكله وليس في وجهته وأهدافه، لا يزال النظام الرسمي العربي مستسلماً للأمر الواقع، ولما تمليه مصالح المنظومة الدولية والإقليمية من دون الاستفادة من فرصة إنهاك الرأسمالية الأميركية التي قدمتها لهم المقاومة الوطنية العراقية. بينما تستسلم معظم التيارات الحزبية العربية إلى ما تحسبه مواقف متقدمة للنظامين الإيراني والتركي، واهمة أن الدورين المذكورين يصبان في مصلحة القضايا العربية، وكأن القدر سخَّر هذين النظامين لخدمة العرب من دون تقاضي أي ثمن، بل جلَّ ما يفعلانه ليس إلاَّ «حسنة لوجه الله»!؟
وإذا كان التحالف الأميركي الإقليمي، له مصلحة كبرى في إبقاء العراق مقسَّماً مما يسهِّل عليهم جميعاً تقاسم الحصص من دون أن يزعجهم أحد. فأين تقع مصلحة الجوار العربي للعراق إذا قسَّم الآخرون العراق وتقاسموا ثرواته وعوامل التأثير على نظامه السياسي الراهن، خاصة أن هذا النظام مصنوع على مقاييس قوى الاحتلال؟
إن تقسيم العراق، كما هو حاصل الآن، يُعتبر شرطاً ضروياً للتدخل الخارجي، لأن القوى التي من المفترض أن تهيمن عليه، أو هي كادت أن تتوافق على هذا الواقع، لن تستطيع النفاذ والتأثير من دون وجود قوى عراقية داخلية تشكل قواعد إسناد لهذه القوة أو تلك. لذا يأتي أمر التقسيم الواقع حاجة أساسية للأطراف الثلاث: الولايات المتحدة الأميركية وحليفها الصهيونية، والنظام الإيراني، والنظام التركي.
إن تقسيم العراق يصب في مجرى «مشروع الشرق الأوسط الجديد» المتفق عليه أميركياً وإيرانياً، لكن فيه من الخوف التركي الشيء الكثير، الخوف المتمثل من وجود دولة كردية على حدود تركيا، إلاَّ أن الخوف التركي ستخف تأثيراته بضمانات أميركية طالما ظلَّ الوجود الأميركي في العراق بشكل أو بآخر. ويختلف الأمر إذا أرغمت الولايات المتحدة الأميركية على الخروج من العراق بشكل لا يترك لها أي تأثير في مجرى حياته الداخلية.
وإذا كان الوضع سوف يتغيَّر طالما المقاومة العراقية مستمرة في أدائها، وطالما المقاومة العراقية تعمل على تذليل الصعوبات التي تعترض طريقها أو تعيق عملها، فنحن نبني تحليلنا على هذا العامل وحده، الأمر الذي يدفعنا إلى القول بأن ما بُني بالتوافق بين الثلاثي المعروف من أجل الإمساك بالعراق سوف يتم تهديمه طالما المقاومة مستمرة في نضالها العسكري على قاعدة ثوابتها بتحرير العراق وتوحيده.
إن تحليلنا مبني على احتمالين اثنين: أولهما أن تنجح القوى الثلاث في مشروعها، وثانيهما أن تفشل فيه.
فإذا نجحت القوى الثلاث بمشروعها، وهو الاحتمال الأضعف، فستبقى دول النظام العربي الرسمي «ذيلاً» ملحقاً بالقرار الدولي والإقليمي. وإذا سارت الأمور كما هو مرسوم من قبلهم، فسوف يتم الضغط على الأنظمة العربية الرسمية لتقديم المزيد من التنازلات، على أكثر من صعيد، ولعلَّ أكثرها خطورة، العمل من أجل المزيد من تقسيم الأقطار العربية بما يتناسب مع الخطوات المرسومة في «مشروع الشرق الأوسط الجديد». أليس ما يجري في اليمن والسودان ولبنان، وفي أقطار عربية أخرى أكثر من مظاهر واضحة وبراهين ساطعة؟ وهل في مثل هذه الحالة سيكون حتى الحكام العرب بمنأى عن مخاطر التقسيم؟
أما إذا استطاعت المقاومة العراقية أن تلحق الهزيمة بالاتفاق الجديد للقوى الثلاث، فإنها سوف تستقطب حلفاء جدد وقوى إسناد جديدة.
هذه الاحتمالات، حتى في أحسن نتائجها، ستُبقي المخاطر الشديدة تحيط بالوطن العربي، وبالطبع لن تنجو الأنظمة العربية الرسمية، على سوء حالها وواقعها، فهي ستتعرض لانهيارات في بنيتها وستجرفها سيول «مشروع الشرق الأوسط الجديد» بطبعته الأميركية، وتذرو بقاياها ريح المشروع بطبعته الإيرانية. وإذا كان في قلب الولايات المتحدة الأميركية والنظام الإيراني بقية من رحمة بالأنظمة العربية الرسمية لأنها قدمت خدمات مجانية لأصحاب المشروع، فإنهما سيوكلان الملوك والرؤوساء منهم كـ«أمراء» لدويلات طائفية تتقاتل وتتحارب في سبيل حيازة موقع في جنة ما بعد الممات.
استناداً لكل الاحتمالات نرى أنه ليس من مصلحة «أمراء وملوك ورؤوساء» النظام العربي الرسمي أن يظلوا في دائرة اللا مبالاة، أو حتى في دائرة «حسن الطوية»، تجاه القضية العراقية، لأن أصابعهم سوف تحترق ليس على نار قوى الاحتلال والهيمنة فحسب، بل ستحرقها نيران الغضب الشعبي العربي أيضاً، نتيجة تفريطهم بالعراق وهم لا يدرون أن الخريطة المعدَّة للعراق ستشكل المدخل الإساسي لرسم خرائط الوطن العربي، على مثالها وخطاها.
لكل ذلك، وللمحاربين على جبهة تحرير فلسطين، أن يعوا أنهم سيحاربون في المستقبل على جبهة تحرير العراق من الصهيونية، فما تُسمى الآن بـ«دولة كردستان» في شمال العراق، ستعمل لتأسيس «دولة كردستان» في شمال سورية. وبالإضافة إلى الكيان الصهيوني في فلسطين، سيولد كيان صهيوني آخر في شمال العراق. وإذا اكتملت عقد الحبل الصهيوني بين شمال العراق وفلسطين المغتصبة، فسيلتف على أعناق كل من اكتفى بالنضال ضد «الشر المطلق» في فلسطين ولبنان، بينما داهنوا وسكتوا عن محاربة «الشيطان الأكبر» في العراق.
من حقنا أن نطلق صرخة التحذير، ونرفعها في وجه «النظام الرسمي العربي»، كما في وجه القوى التقدمية وأحزابها، حتى ولو لم نجد آذاناً صاغية، كما تعودنا سابقاً. وتجديد الصرخة ليس إلاَّ لكي لا يسترخى أكثر من هو نائم ويغط في سباته، ولعلَّ «كثرة الضرب على الحديد يفلُّه».
فإذا كانت المقاومة العراقية قد أنجزت الجزء الأكبر من تطويع الاحتلال الأميركي ووضعه في دائرة الهزيمة، إلاَّ أن الجهد العربي ضروري في هذه اللحظة بالذات، اللحظة التي يصوغ فيها التحالف الأميركي الإيراني قراراً جديداً لإعادة إحياء الاحتلال وتنشيطه. وهل يجوز الاستسلام للخداع الذي يمارسه النظام الإيراني بأنه «عربي أكثر من العرب»؟ وهل يجوز الاستسلام لوعود أميركا العرقوبية وخداعها بأنها تملك أكثر أوراق الحل لقضايانا العربية الساخنة؟
وهل يسهم في حل قضية العراق من أسهم باحتلاله؟
ألم نناشد القارئون بالفنجان الإيراني أن يفسروا لنا لماذا شاركت إيران باحتلال العراق؟ وكيف يمكن أن تساعد في حل قضيته؟
وهل تستطيع الإدارة الأميركية أن تضع حلولاً للقضية العراقية، وهي التي احتلت العراق بناء لأكاذيب سوف يُحاكم المسؤولين عنها أمام المحاكم الدولية بتهمة الكذب؟
كيف والواقع هو ما هو عليه، يمكن لتحالف قام باحتلال العراق أن يتم توكليه بوضع حل لقضيته؟
كل شيء جائز عند من لا يتجرأوا على أن يلتقطوا الثور الأميركي من قرنيه وهو خائر القوى. كل شيء جائز عند من لم يعتبر «السلطة» أكثر من فسحة للسرقة والفساد وتكديس الأموال.
إن إعادة تعريب القضية العراقية هي من ضرورات المرحلة، وهي تعطيها زخماً، وهي فرصة لدرء المخاطر عن الوطن العربي كله. وإذا كان التعريب ضرورياً، فهو لن يستقيم إلاَّ بناء على ثوابت من يريد الإسهام بالتعريب، وأن تكون تلك الثوابت ماثلة في عقله وفي كل خطواته.
ومن أهم ثوابت التعريب نذكر التالي: إستعادة وحدة العراق، واستعادة نظامه الوطني.
فأما بالنسبة لوحدته، فنذكِّر أن «جوزيف بايدن» نائب الرئيس أوباما، قبل أن يصبح نائباً له، هو صاحب مشروع تقسيم العراق الذي أقرَّه الكونغرس الأميركي في تشرين الأول من العام 2007، ، ونحذِّر من أن يُترجَم التدخل العربي إلى ما يخدم «مشروع الشرق الأوسط الجديد»، وهو كما حاصل الآن إذ تقدم بعض الأنظمة العربية الرسمية دعماً إلى هذا الفصيل أو ذاك على قاعدة مذهبية. فالدعم للمذاهب يزيد من حدة التفتيت الحاصل الآن، حيث تتحول الساحة العراقية إلى عدد من المحميات المذهبية، وهذه المحميات تشكل قواعد تنطلق منها التدخلات الخارجية. وهذا ما قد يحوِّل الساحة العراقية في المستقبل إلى ما يشبه نظام المتصرفية في لبنان، بحيث تتقاسم المذاهب النظام فيه وتحتفظ كل طائفة فيه بحصتها. وتكون لكل طائفة قوة خارجية تقوم بدعمها سياسياً ومادياً. وبمثل هذا الشكل تكون الأنظمة العربية التي تقدم المساعدات كمن يُسهم في ترسيخ الفرز الطائفي، وبالتالي كمن يعمل لتثبيت مشروع تقسيم العراق. إن تغيير وجهة وأهداف الدعم باتجاهات توحيدية هو المطلوب.
وأما بالنسبة لأهداف الدعم فيجب أن تكون من أجل أهداف وطنية وقومية عامة، لأنه إذا كان المطلوب إعادة توحيد العراق، كوسيلة لمنع تفتيت الأقطار الأخرى، فمدخله إنهاء الاحتلال الأميركي، لأن الاحتلال ما دام مستمراً يعني ذلك استمرار مشروع تقسيم العراق على قاعدة مشروع جوزيف بايدن.
وطالما يبقى الدعم على قاعدة مذهبية يعني أن هذا يخدم المشروع الإيراني الذي يعمل على توسيع الفرز المذهبي بشتى الوسائل والطرق. وبمثل هذا التوسيع والتعميق يضمن النظام الإيراني حصته الشيعية في العراق.
فالمدخل لتعريب القضية العراقية نظرياً أن تتعاطى الأنظمة العربية الرسمية مع كل القوى والفصائل العراقية على قاعدة أهداف المقاومة العراقية التي تعمل من أجل التحرير الكامل للتراب العراقي وإعادة تأسيس نظام وطني يرفض التقسيمات الطائفية والعرقية، بحيث يضمن وجود نظام يوفِّر لكل مواطنية المساواة في فرص العيش، وفي التشريع الموحد الذي يطمئن اليه كل مواطن عراقي. وهذا الأمر هو ما يوفر الطمأنينة لدول الجوار الجغرافي للعراق سواءٌ أكانت عربية أم غير عربية.
وإذا أحسن العرب الرسميين وغير الرسميين بتقديم العون للعراق، فإنهم سيحافظون على وحدته، وهذا يعني أنهم أحسنوا في تحصين الأمن القومي العربي من الاختراق. وما تفتيت العراق إلاَّ شرط أساسي تتسرب من جدرانه الواهية كل أنواع المخاطر على الوطن العربي من بوابته الشرقية. أما اختراق بواباته الأخرى من الشمال والغرب والجنوب، فهي مرسومة أيضاً، وأيضاً، وجاهزة للتنفيذ إذا ما انهارت وحدة العراق وعجز العرب عن المساعدة على تشكيل نظام وطني فيه يكون عصياً على الاختراق أمام موجات الطائفية والعرقية.
إن العراق الآن يمثل ميزان الثقل في البوابة الشرقية للوطن العربي، وهو المعروف تاريخياً بأنه كان ساحة للشد والجذب بين الفرس والأتراك. فهل يتقاسم الأتراك والفرس مناطق النفوذ فيه تحت المظلة والرعاية والحماية الأميركية؟
إن المراهنة الآن من أجل تحطيم هذا المشروع الأخطر معقودة على زنود الأبطال الذين أوصلوا الاحتلال الأميركي إلى حافة الهاوية، وما هو إلاَّ صبر ساعة حتى يهوي إلى قاعها فتذهب محاولاته بتجديد الاحتلال بأشكال أخرى هباء منثوراً. وساعتئذٍ لن تحميه أحلاف جديدة ولا من يحزنون.

إرسال تعليق