الثلاثاء، فبراير 08، 2011

ثورة الشباب تنقل مصر من ضفة الحرب الطائفية الأهلية

-->
ثورة الشباب تنقل مصر من ضفة الحرب الطائفية الأهلية
إلى ضفاف الثورة الطبقية والوطنية والقومية
حسن خليل غريب            في 9/ 2/ 2011
منذ أسابيع معدودة وضعنا الأيدي على قلوبنا خوفاً على مصر من حرب أهلية تكبلها بمشروع الشرق الأوسط الجديد بعد أن كبَّلتها اتفاقية كامب ديفيد، أما اليوم فقد هدأ روعنا بعد أن نزل الشعب المصري إلى الشارع، وكأنها تحت شعارات المطالبة بالرغيف ومكافحة البطالة تنتفض ضد المشروعين معاً: إتفاقية كامب ديفيد، والشرق الأوسط الجديد.
وإذا كانت اتفاقية كامب ديفيد الفخ الذي نُصب للعرب من أجل إلغاء الصراع العربي الصهيوني، أي ما لم تستطع الصهيونية تحقيقه بالحرب ستنجزه بـ«السلم»، فإن الشرق الأوسط الجديد سينجز أهم أهداف الاستعمار والصهيونية وهو تفتيت الوطن العربي إلى دويلات طائفية متناحرة تقضي بها بالضربة القاضية على أي أمل بالوحدة العربية، أو حتى أدنى تفكير بالشعور القومي. ولذلك، وبعد أن استبدلت إدارة أوباما استراتيجية الصدمة والترويع باستراتيجية الحوار راحت تنفِّذها عبر الحروب الأهلية في كل قطر مؤهل طائفياً. وحسبت أن حروب الطوائف في الوطن العربي هو البديل الذي يوفِّر عليها المال والدم والعداوة.
وإذا كانت كامب ديفيد قد سلخت مصر عن عمقها القومي، كما سلختها عن القيام بدورها الوحدوي، فإن تطبيق الشرق الأوسط الجديد كان يعني استثارة كل النعرات الطائفية وتعميم أسلوب الحروب الأهلية في كل قطر عربي، لتعم الفوضى، ويسود الذبح على الهوية. وهذا ما كنا نخاف منه على مصر بعد الذي شهده الشارع المصري من بداية لنزاعات مسيحية إسلامية ومن أهم مظاهرها تفجير الكنيسة في الإسكندرية.
وقد أعادت الثورة في مصر، التي أطلقها الشباب، إحياء الشعارات الوطنية والقومية فاستقطبت إلى جانبها معظم الحركات السياسية والتجمعات الثقافية العلمانية من كل الأديان والطوائف، فكانت ضربة مهمة ومؤثرة وصفعة شديدة ضد كل من يُمهِّد لإحداث حرب طائفية أهلية في مصر لكي يتم تتويجها بوقائع تسير بمصر نحو مشروع الشرق الأوسط الجديد. هذا المشروع الذي يتشارك في جوهره كل من الولايات المتحدة الأميركية وإيران وإن كان كل منهما يشد لحاف ذلك المشروع على مقاييس أهدافه الحقيقية. وقد دلَّت مواقف كل منهما من ثورة الشباب في مصر على خبث نواياهما عندما بادر النظامان إلى القيام بحركة التفاف حول الثورة لتحويل أهدافها بما يتناسب مع مشروعهما المشترك.
ومن الغريب في الأمر أن إدارة أوباما، رئيس الولايات المتحدة الأميركية، سارعت إلى تأييد الثورة، وبدت كأنها الأحرص عليها من أهلها، وسبقت الإصلاحيين في مصر، من الطامعين بموقع في نعيم السلطة، عندما دعت إلى إسقاط حسني مبارك، وفي أضعف الإيمان أن يسرِّع بنقل السلطة.
ومن الغريب أيضاً أن تبادر إيران إلى تأييدها أيضاً بكل الإمكانيات كما يزعم مرشدها. لكن مرشد إيران كان أقل ذكاءً من أوباما عندما كشف عن المخطط الخبيث الذي أعلن فيه حقيقة الأهداف الإيرانية بإنشاء «شرق أوسط إسلامي».
إن قيادة الثورة في مصر ردَّت على حركة إلتفاف أميركا وإيران من أجل إجهاض أهدافها:
-ضد أهم أهداف أميركا رفعت الثورة شعار إسقاط كامب ديفيد ووقف التطبيع مع العدو الصهيوني وتأييد القضية الفلسطينية. وإسقاط النظام يعني إسقاط الطبقة التي «أضاعت هيبة مصر وكرامتها بتحالف مهين مع أمريكا واسرائيل أعداء الأمة العربية. إنه النظام الذي تحالف مع اسرائيل لخنق غزة وتصفية قضية فلسطين وتهويد القدس. النظام الذي أمد إسرائيل بالغاز وحرم الشعب المصري منه».
-ضد أهداف إيران في تحوير وتدوير مشروع الشرق الأوسط، وهو المشروع الذي تجهد فيه كل القوى المعادية للقومية العربية نفسها لجعله بديلاً للوحدة العربية. وليس من غريب الصدف أن يتفق الصهاينة مع الأميركيين مع الإيرانيين حول هدف محاربة القومية العربية. فشمعون بيريز أعلن مشروع «الشرق الأوسط الكبير» منذ الثمانينيات من القرن الماضي، واليمين الأميركي الجديد أعلن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» في أوائل القرن الواحد والعشرين، ومرشد الثورة في إيران أعلن مشروع «الشرق الأوسط الإسلامي» بعد ثورتيْ تونس ومصر. وحول ذلك عبَّرت شعارات الثورة، خلافاً لكل الذين ضخَّموا دور الإسلاميين، عندما كشفت عن اتجاهاتها الوطنية والقومية بنوعية المشاركين فيها، وأعلنت أن الثورة تضم أطيافا واسعة من كافة القوى الوطنية والاتجاهات السياسية وفي القلب منها الشباب الوطني. وعن دور الإخوان المسلمين أعلنت الثورة أنه ليس أكثر من «فزاعة» استخدمها النظام لغض الطرف عن ديكتاتوريته وقمعه للحريات، بينما هم جزء من الثورة لكنهم لن يستطيعوا التفرد بقرارها.
كما أن في الجو ما يوحي بالخوف على مصير الثورة بسبب كثرة المتدخلين لإجهاضها أو العاملين لسرقتها، هناك الكثير مما يوحي بالثقة من أهمها أن بعض قياداتها يشكلون أطراً جبهوية تتابع حركة الثورة اليومية، وترى أن في العودة إلى الوراء مقتل لثورة عمَّدوها بالدم والروح.

إرسال تعليق