الثلاثاء، مارس 15، 2011

الثورة في ليبيا مخاوف وهواجس

-->
الثورة في ليبيا مخاوف وهواجس
هل قيمة الإصلاحات تعادل قيم التضحية بوحدة ليبيا؟

لا يزال الغموض يلف الثورة المندلعة في ليبيا، ولا تزال المواقف تتباين، ومما يؤسف له أن التباين في المواقف تدور حركته في أوساط الأكثرية الحزبية العربية، خاصة منها الأكثرية القومية.
وفي ظل السجال الدائر نخشى أن تسقط بيزنطية بينما أهلها يختلفون حول جنس الملائكة. وإنه مأزق، كما أحسب، يعبِّر تمام التعبير عن أزمة حركة التحرر العربي بأحزابها وحركاتها وتياراتها وشخصياتها المستقلة. ولو أصابت العافية تلك الحركة لما وصل التباين في المواقف والأحكام ما وصلت إليه، وتلك الحركة كان يجب عليها أن تشكل الحصانة الواقية للثورة الليبية من الخطف، أو الارتهان، أو الالتفاف، ونحن ممن احتاروا في تحديد موقف خوفاً من الاتهام الذي قد يوجهه الطرفين المتباينين معاً. وقد يكون الاتهام بالانحياز للديكتاتورية وبالتالي العداء للديموقراطية، أو الاتهام بالغفلة عما يخطط له الاستعمار والصهيونية لخطف الثورة من أبنائها الحقيقيين وتجيير نتائجها لتصب في مصالحه.
بداية سأبني موقفي على قاعدتين ثابتتين، وهما:
1-نعم للثورة ضد الديكتاتورية، وبالتالي نعم للثورة الشعبية الليبية. وهنا، لا يجوز أن نفاضل بين حكم اتصف بالطغيان والفساد، وبين ثورة رفضت هذا الحكم وتعمل على تغييره، بل لا بُدَّ من أن ننحاز إلى صف الثورة ونبارك خطواتها وندعمها. ولكن التجربة علَّمتنا أن الثورة إذا لم تمتلك بوصلة فكرية سياسية تصوِّب اتجاهاتها فسوف تنزلق إلى متاهات قد تضيع فيها أهدافها.
2-لا للتدخل الأجنبي في الشؤون العربية، وبالتالي لا للتدخل الأجنبي في ليبيا.
من بديهيات الأمور، ومن حقاق الواقع أن الشباب الليبي قد عانى الكثير من نظام معمر القذافي، الذي حكم ليبيا ليس على مبادئ الأحزاب الشمولية بل حكمها على قواعد الفردية الشمولية. وكمثل حركة الشباب في تونس ومصر كانت ليبيا معرَّضة موضوعياً لثورة مماثلة، وهذا ما حصل. ولهذا يمكننا أن نحكم بأن انطلاقة الثورة في ليبيا كان أمراً طبيعياً ومنطقياً لأنه جاء ليس رداً على نظام لم يهتم ببناء دولة العدالة والمساواة فحسب، بل مارس أيضاً ضد شعبه كل أنواع التهميش السياسي، وكل ألوان البطش بالحريات والحقوق السياسية. ولهذه الأسباب على كل عربي صادق أن يؤيد هذه الثورة ويدعم استمرارها، ويعتبرها «صناعة شبابية وطنية» ذات أهداف تغييرية.
ومن حقائق التاريخ المعاصر أن إيديولوجيا الرأسمالية والصهيونية، قائمة على استغلال الشعوب للسيطرة على ثرواتها عبر أنظمة متخلفة تقودها نخب لا همَّ لها إلاَّ تكديس الثروات على حساب مواطنيها. ولذا فليس من غريب الأمور، أن تعتبرا معادياً لها ذلك الزلزال الذي انطلق من العراق بمقاومة الاحتلال الأميركي، مروراً بثورة تونس بإسقاط رمز من رموز الخضوع للمشروع الأميركي الصهيوني، انتهاء بثورة مصر التي أسقطت من كنا نعتبره عراباً أساسياً للصهيونية والأمبريالية، كما أنه الحارس الأمين لاتفاقية كامب ديفيد. ولأن الثورات الثلاث أنزلت أفدح الخسائر بالتحالف الأميركي الصهيوني، بينما لا تزال ارتداداتها تصيب معظم أقطار الوطن العربي، دبَّ الرعب في أوساطه، وأصبح في حيرة من أمره. وعمل وسيعمل على محاولة احتواء هذه الثورة أو تلك.
في ظل هذا الجو المأزوم في وجه التحالف المذكور، لم تكن تغيب عن بال أحد من كل الأحزاب والحركات والشخصيات العربية التي تتباين الآن بالمواقف حول الثورة الليبية، أن يعوا أن ثورتيْ تونس ومصر، تعرَّضتا، ولا تزالا تتعرضان، لمحاولة الاحتواء الأميركي الصهيوني. وهذا أمر بديهي ونحن هنا نبدي خوفنا من احتواء ثورة الشباب في ليبيا. وهنا نتوجَّه بخطابنا إلى هؤلاء الشباب القدوة لنسجل أسباب مخاوفنا، التي ليست إلاَّ حرصاً على مسيرة الثورة، ومن أهم المظاهر والعوامل نذكِّر الثوار بالتالي:
-لم نستطع أن نفهم مسألة إسقاط ثكنات الجيش الليبي، والاستيلاء على سلاحه، وإعدام البعض من أفراده. إن إعدام هؤلاء لا تبرره القسوة التي استخدمها النظام في مواجهة الجحافل الشعبية التي ملأت معظم شوارع ليبيا. وهم بدلاً من التضامن مع الجيش واعتباره متضرراً طبقياً من نظام ديكتاتوري، فإنهم استعدوه وجعلوه في موقع الدفاع عن نفسه، فكان من السهل على القذافي أن يضع الجيش في مواجهة الشعب.
-لم نستطع أن نفهم تشكيل ما يُسمى بـ«المجلس الوطني الانتقالي» في بنغازي، وهل هو بمثابة حكومة بديلة؟ وهل من صلاحيات الثورة، عبر هذا المجلس، أن تقوم باستدراج تأييد الدول الغربية، لتنال اعترافها كما فعلت فرنسا. والأخطر من ذلك أن تطالب بفرض حظر جوي في أجواء ليبيا، وقصف ثكنات الجيش الليبي بما يعرِّض أبناء الجيش للموت تحت قصف الطيران الغربي. وإذا كان البعض من الثوار رفض ذلك، فإن البعض الآخر يعمل من أجل استقبال السلاح من دول أجنبية بما يعني استمرار الحرب الأهلية وامتدادها. وفي ذلك ما يخيف من أن ليبيا سائرة نحو التقسيم.
-لم نستطع أن نفهم لماذا أبدى الغرب وبعض الأنظمة العربية، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، حرصه على حماية الثورة الليبية بوسائل لم يستخدمها في ثورتيْ تونس ومصر. ومن أبرز تلك الوسائل المشبوهة، كان تشكيل محكمة دولية لمحاكمة القذافي وبعض أركان نظامه. كما جاء إصدار قرار من مجلس الأمن لفرض حظر جوي، القرار الذي سبقته توصية للكونغرس الأميركي بفرض مثل هذا الحظر. ولم تتأخر بعض أنظمة الخليج العربي بالتناغم مع ذلك القرار، ولم يمر وقت طويل عليها حتى صدر قرار من مجلس وزراء الخارجية العرب يبيح أجواء ليبيا للطيران الأجنبي لتكتمل به فصول مسرحية زرعت في نفوس المخلصين والمؤيدين للثورة الليبية الهواجس والمخاوف، ولم يكن مردّ ذلك إلاَّ الحرص على هذه الثورة من المصادرة والالتفاف عليها واحتوائها لمصلحة الخارج.
لمثل هذه المظاهر والعوامل، وقد يكون هناك غيرها، نخاطب الثوار في ليبيا، خاصة أولئك الشباب. وفي الوقت الذي نحثهم فيه على الاستمرار بثورتهم التي أعادت الثقة إلى نفس الشعب العربي، أن يقوموا بدراسة ما نصح به الصادقون، لكي لا يقعوا في المحظورات والتي تتلخص بثلاث، وهي: رفض أي تدخل أجنبي أو مساعدة أجنبية، رفض من يزعمون أنهم ثوار وهم ممن تربوا في مدارس المخابرات الأجنبية أينما وُجدوا، ورفض الانتهازيين ممن يُخشى أن يقطفوا نتائج الثورة من أجل مصالحهم الخاصة.
إنه على الرغم من أن بعض الشخصيات الوطنية الليبية التي التحقت بالثورة أو أيَّدتها، والتي لا نشك بوطنيتها، تؤكد على أن ثوار ليبيا ليسوا بغافلين عن احتمالات احتواء الثورة من قبل بعض المتسللين إلى صفوفها، إلاَّ أنه نرى من واجبنا أن نعلن عن الهواجس التي تنتابنا ونشعر بالمسؤولية تجاه الثوار الليبيين بإعادة الذاكرة لما حصل في العراق عندما حمل الاحتلال الأميركي على دباباته من كانوا يزعمون أنهم معارضين فإذا بهم من الخونة الطامعين بسرقة ثروات وطنهم تحت إشراف الاحتلال ومساعدته. وهنا نعتقد أن الثوار الصادقين في ليبيا لا يجهلون ما وصلت إليه حال العراق بفعل الاحتلال وعملائه ممن ضلَّلوا الرأي العام طويلاً بأنهم ثاروا على ديكتاتورية النظام الوطني السابق. وبناء على تلك التجربة التي لا تزال ماثلة وحاضرة، نخشى من أن تكون الإدارة الأميركية قد أعدَّت زمرة متعاملة معها ممن ينسبون أنفسهم للمعارضة الليبية في الخارج لاستخدامها كـ«حصان طروادة»، ولكنها غيَّرت في سيناريو التجربة العراقية لتطبيقها في ليبيا، وكما نحسب أن السيناريو قد يكون على الشكل التالي:
إن إدارة بوش كشفت القناع عما كان يُسمَّى معارضة عراقية عندما حملتهم على دباباتها وصنعت منهم حكومة تصرِّف أعمال الاحتلال وتغطي على عمليات النهب والسلب التي يقوم بها، وتشارك فيها وتملأ جيوب أطرافها. وهذا الكشف عرَّى أهداف الاحتلال الحقيقية حتى من ورقة التوت التي كانت تستر عوراته.
وما نحسبه أن أوباما قد استفاد من تلك التجربة العراقية، فلجأ إلى عملية تمويه لعملائه، فبدلاً من أن يحملهم على دباباته علانية فيكشفهم ليواجهوا الصد والنقمة والعدائية من قبل الشعب الليبي، يكون قد دفع بهم إلى الداخل الليبي ليمثلوا مسرحية على الثوار الحقيقيين والإيحاء لهم أنهم ثوار أيضاً. وبهذا يمكن لأوباما أن يستفيد من حرب طروادة التي دخل فيها الإغريق إلى قلبها بواسطة حصان خشبي. وهنا يمكننا القياس على أن أوباما قد يكون قد استفاد من تجربة سلفه باستخدام الخدعة التي استخدمها الإغريق بدخول طروادة بواسطة حصان خشبي، ولأنه عندما نسأل الذي ينفخ على اللبن يجيبنا قائلاً لأن «الحليب كواني».
إننا لقاء هذا الاستنتاج لا نتمنى أن يقوم أحد من المعارضة الليبية بدور حصان طروادة إلاَّ أن حسن النية لا يجوز أن يكون حلاًّ في مقارعة خداع الاستعمار والرأسمالية الغربية.
نتيجة المحظورات التي قد تتسرَّب إلى أهداف الثوار الليبيين واحداً تلو الآخر، سنستفيق على كارثة أخرى أشدَّ هولاً وأكثر خطورة من إطباق نظام القذافي على رقاب الشعب الليبي. ومما نرى أنه غامض فيما يجري في ليبيا الآن، هو أن تنجح محاولات الدول الرأسمالية باحتواء الثورة وحصد نتائجها من خلال إغراقها بحرب أهلية وقبلية تؤدي إلى تقسيمها بعد أن أنجزت تقسيم السودان. وهذا الاحتمال يُرتِّب على الليبيين والعرب مسؤولية النضال فيما بعد من أجل إعادة توحيدها، وإلى أن يحصل ذلك تكون الدول الرأسمالية قد استنزفت ثروات ليبيا. وهنا لا بُدَّ من التحذير من تلك الاحتمالات على قاعدة أننا لا نثق بأي تدخل أجنبي تعد له منظومة الدول الرأسمالية، ولأننا نثق بأن تلك الدول لن تقدِّم أية مساعدة للثورة الليبية مجاناً أو «حسنة لوجه الله».
قد نستفيق في ليبيا غداً على نتائج  شبيهة بـ«العملية السياسية» التي شكلها الاحتلال الأميركي في العراق، تلك العملية التي أسهمت بتدميره، دولة وشعباً، ولم تترك فيه أي أثر من آثار النهضة أو التقدم أو الاستقلال. وهذا الأمر يتطلب منا أن نتساءل: ماذا جنى العراق بعد احتلاله أكثر من أنه خضع للجشع الرأسمالي ولكل أنواع الفساد، بمشاركة جدية ممن كان يُطلق عليهم اسم معارضة عراقية؟
وفي هذا الصدد غفل الجاهلون بأهمية النظام الوطني السابق في العراق، كما انخرط الحاقدون عليه عن سابق تصور وتصميم، فتسابقوا على تصديق كل أنواع الأكاذيب والافتراءات والعمل على ترويجها، الأمر الذي جعلهم يصدِّقون دموع إدارة جورج بوش التي انهمرت على ما سمَّته الديموقراطية الضائعة في العراق، بينما برهن واقع الاحتلال الأميركي طوال ثماني سنوات أن من طعن الديموقراطية و«بال» عليها، وتجاهل مبادئ العدالة الاجتماعية، كان الاحتلال نفسه مع عملائه من «المعارضين العراقيين»، الذين تحت حجة معارضتهم وهربهم من «الديكتاتورية المزعومة»، انتسبوا إلى أندية الجاسوسية والخيانة الوطنية.
حينذاك، تسابقت أجهزة الإعلام المعادية للعروبة في نقل الأكاذيب عن النظام الوطني السابق في العراق وترويجها، وهنا نخشى أن تكون الأجهزة الإعلامية ذاتها تلعب الدور ذاته بالنسبة لليبيا كما لعبته بالنسبة للعراق. ولهذا ما علينا ليس أن نغربل ما تروِّجه وسائل الإعلام التابعة لأميركا من أخبار بل أن ننخله، خاصة وأن الكثير من الأخبار يتم ترويجها من أجل التعبئة والتحريض بأكثر منه للنقد والتحليل للاستفادة منها.
من أجل كل ذلك، ندعو ليس للدفاع عن الثورة الليبية من دون أن نضع أمامها قيادتها احتمالات ما يُخطَّط لها، بل أن نتوقَّف طويلاً لنفصل حبوب القمح السليمة عن الزؤان الذي يتسرب عبر الغربال، بل أن نعالج الأمور بموضوعية بعيداً عن عواطف المؤيدين لهذا الطرف أو ذاك.
أما بالنسبة للنظام الليبي، فنقول: إنه لم يترك ما يستطيع مؤيدوه ما يدافعون به عنه. وأما الثورة فهناك الكثير مما يدفعنا للدفاع عنها. وإذا كان صراع الثورة والنظام ذا أبعاد إصلاحية لهان الأمر، لأن الصراع بين نظام ظالم وشعب مظلوم يُوجب الانحياز إلى الشعب، وهو الموقف المبدئي السليم. أما إذا دخل على خط الصراع أطراف خارجية ليس من أهدافها مصلحة الشعب الليبي فعلينا أن نعرف السبب الذي من أجله حصل ذلك الدخول. وهنا لا بُدَّ من أن نتسائل: ما هي مصلحة قوى الرأسمالية بإبداء الحرص على الثورة الليبية بتشكيل محكمة دولية، واستصدار قرار من مجلس الأمن، ومبادرة سريعة من مجلس وزراء الخارجية العرب عندما شكَّل قرارهم غطاء عربياً لمنظومة الدول الرأسمالية بالتدخل في شؤون ليبيا.
وكما أننا نؤمن بأن غياب القرار العربي فتح أبواب الوطن العربي أمام كل التدخلات الأجنبية من العراق إلى فلسطين ولبنان و... فإننا نؤمن أيضاً أن الغياب ذاته فتح الأبواب أمام ذلك التدخل في ليبيا.
وكما أن هذا التدخل لن يصبَّ على الإطلاق بمصلحة الأمة العربية لأنه لن يكون مجانياً، نرى من واجبنا إطلاق صوتنا لنصرخ في وجه الأنظمة الرسمية: إذا كانت قد انطلت عليهم خدعة اعتبار الثورة العربية ثورة مطلبية فهم واهمون لأن أشد ما تعانيه الجماهير العربية هي حالة الإذلال التي تتعرَّض لها الجماهير العربية عندما تخلت الأنظمة عن قرارها لمصلحة الخارج، ولتعلم تلك الأنظمة أن حقيقة الثورة ليست المطالبة برغيف الخبز فحسب، بل المطالبة برغيف الكرامة أيضاً.
فهل تأخذ الأنظمة الرسمية هذا الأمر على محمل الجد، وتبادر إلى تشكيل لجنة حكماء عربية للعمل على ترتيب حل مشرِّف لما يجري في ليبيا؟
وإذا كنا بصرختنا هذه لا نجاري الواقع المأساوي بالنسبة للأنظمة، فهل تفيد صرختنا كل أحزاب وقوى التحرر العربي للاتفاق على موقف واحد مما يجري في ليبيا الآن؟
إرسال تعليق