الجمعة، مايو 13، 2011

إخترنا لكم من أرشيفنا الخاص/ بين غزة ورام الله


بين غزة ورام الله
واستجاب القدر لنداءات أطفال فلسطين
بعد ثلاث سنوات من الانتظار المؤلم استجابت فتح وحماس لنداء الضمير القومي
وكانت استجابتهم مصدر فرح بعد أن كان افتراقهما مصدر قلق وأرق
فشكراً لهما:
في بداية صراعهما، وبتأثير من موجة الغضب، كنت قد كتبت مقالة تحت عنوان (هل تضيع هوية فلسطين؟)
وفي غمرة الترحيب والفرح أعيد نشرها
هل تضيع هوية فلسطين؟
في 12/ 3/ 2008
صباح النار والبارود يا أطفال غزة
صباح القتل والتدمير والعزل والحصار
تحية صباح الخير هل ودَّعتنا؟
هل أصبحت أحضان رام الله قاسية إلى هذا المستوى؟
وهل طلَّقت أحضان غزة عمقها الحنون في رام الله؟
وهل تقمَّصت أهداف السباق على السلطة هدف تحرير فلسطين كل فلسطين؟
وهل نستكمل بناء الجدار الصهيوني العازل بجدار من الحقد الفلسطيني ليفصل بين الفلسطينيين؟
هل نسينا أن الرومان يقفون على الأبواب؟
وهل نقاومهم بالتفتيش عن جنس ملائكة غزة، وجنسهم في رام الله؟
فماذا نفعل ورومان آل صهيون يقصفون أسوار غزة بحجارة من سجيل؟
ماذا نفعل وأحجار الصهاينة يقتلون أطفال غزة، ويقطعون عنهم قطرة الحليب؟
ماذا نفعل وأحجار آل صهيون يقصفون قلوب الأمهات فتدمى كل يوم وتنتحب أمهات غزة وتندب فلذات الأكباد؟
كان الفلسطينيون في الصباح البعيد، يقاتلون معاً، ويموتون معاً، يجوعون معاً، ويهجرون الأرض معاً. كان للفلسطينيين عدو واحد، فتتوحد سواعدهم لقتاله.
ما بال غزة اليوم تقاتل لوحدها، وتموت لوحدها، وتجوع لوحدها، وتعرى لوحدها؟
هل ضاعت وحدة الشعب الفلسطيني في متاهات السياسة؟
وهل أصبحت فلسطين وحدتان: واحدة شرعية والأخرى متمردة عليها؟
من هو الذي ابتكر هذا الأمر؟
كان ابتكارنا نحن، واستفاد العدو منه. والأمر كذلك، ستنقسم غزة غداً إلى غزتين، ورام الله ستصبح اثنتين. وستتوالى تداعيات المتوالية الهندسية في التفتيت التنازلي. فهل من المعقول أن تتبخر فلسطين، بعد أن قسمتها الأمم المتحدة إلى دولتين؟
يا غزة العرب
كما أنت في هذا الصباح، وكل صباح، أنت كذلك ظهرنا ومساؤنا، كنت غزة ولا تزالين، ولن تكوني إلاَّ غزة.
غزة كل فلسطين، كما رام الله، كما القدس وحيفا ويافا، كما آبل القمح ودير ياسين...
تفتَّح الصبح علينا، في العام 1948، واستقبلنا أحمداً وفاطمة من طبريا يطرقان الباب علينا في ذات فجر، واستأذنا بضيافتنا لهما لعدة أمسيات يعودان بعدها إلى البلدة التي لا يزالان يحملان مفتاح منزلهما فيها.
لم يكن من شيمنا أن نرحب بالأخ الضيف، داعين له بالرحيل إلى بلدته بسرعة. ولكننا فعلناها، ففتحنا بيتنا وصدورنا داعين الضيفين للتبكير في الرحيل.
راحت طبريا، ومن بعدها راحت حيفا ويافا و...، والقدس الغربية والتحقت بها شق توأمها الشرقية. ولا تزال مفاتيح الضيوف تنتظر غالاتها، كما لا تزال البيوت تنتظر مالكيها.
ضاعت المدن والقرى، وطبعاً دالت البيوت، وتساقط كل شبر وراء الشبر الذي سبقه في السقوط. وتأكد أن الحبل على جرار الغاصب الذي غزا طبريا في ذات صباح، وغزا غيرها في ذات ظهر، وتبعها ما تبعها من غزو في ذات مساء.
فتحولت مدن فلسطين وقراه إلى مرتع للغزو المستمر صباحاً وظهراً ومساء منذ ستين عاماً. وهذه غزة اليوم تتعرَّض للغزو، والتدمير والقتل، واختصرت مأساة غزة ستين عاماً من الوحشية والقتل.
فمن يستأذن أهل غزة اليوم؟ وهل عليهم أن يدخلوا في شتات آخر تحت سمعنا وبصرنا وصمتنا؟
ومن سيستأذن أهل رام الله غداً؟
فقد حمل أحمد وفاطمة من طبريا مفتاح بيتهم ورحلوا إلينا، فإلى أين سيحمل أحمد وفاطمة من غزة مفتاح بيتهم، وأين سيتقرون؟
كأن القتل بالقصف، والاعتقال، والتدمير.
وكأن قتل نساء فلسطين وبقر بطونهن لانتزاع الأطفال من أحشائهن، وقتل أطفال فلسطين والمسنين، واقتلاع الشجر وسحق الحجر، قدر لا محيد عنه، قدر مكتوب على أن يكون كل فلسطيني مشروع أضحية يقدمها آل صهيون قرباناً لإلههم. وكأن نبوءة التوراة نص مقدس أمر فيه الله شعبه المختار بالقتل والسحل والتدمير والسحق، هو نص مقدس فعلاً عند شعب لا يعرف الرحمة، وأصبح قتل البشر قرباناً يقدمونه إرضاءً لإلههم وكسب رضاه.
هذا ما يحصل في غزة، في كل صباح وظهر ومساء، والنبوءة تتحقق، ويزداد إعجاب التلموديين بأنفسهم، فكلما امتصوا قطرة دم، تنفتح شهيتهم على أكثر.
ولكن إلى متى؟
نصنا المقدس، نحن أبناء العروبة، أن نقاوم ونشحذ سيوفنا ما دامت الحياة تجري في عروقنا.
نصنا المقدس أن تتوحد سواعدنا، وغير ذلك هو غير المعقول في مسرح للمجانين.
إن غزة هي كل فلسطين، ومعاناتها مثال حي عن ستين عاماً بالتقويم النضالي الفلسطيني. فهي كل مدينة في فلسطين، وكل مدينة فيها تنتظر المصير نفسه.
ولأن فلسطين هي كل قرية أو دسكرة أو شبر من الأرض تمَّ اعتصابها، كانت جريمة معلَّقة برقاب العرب، فغزة اليوم، هي جريمة برقابهم، وستبقى غزة الرمز تمثل اللعنة التي تؤرقهم.
ولأن غزة هي كل ما ذكرنا، فهي اليوم تدفع عن كل العرب، وعن كل الفلسطينيين. ولقاء ذلك على الجميع، سواءٌ أكانوا سكانها، أم كانوا خارج أسوارها الجغرافية، أن لا يخطئوا بحساباتهم على الإطلاق، وعليهم أن يدركوا أن غزة اليوم، وغداً رام الله، وبعد غد مدينة أخرى تنتظر مصيرها المحتوم في عصر الفرقة والصراع بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة.
يا قادة فلسطين، في غزة ورام الله، لا تتلهوا بالخلاف حول تحديد جنس ملائكة غزة، فملائكتها فلسطينيون وعرب. ولا تتلهوا بالخلاف حول تحديد ملائكة رام الله، فملائكتها فلسطينيون وعرب.
وبصوت عالٍ، بعد أن أرعبنا ما نرى، نقولها: دافعوا عن غزة تدافعوا عن قضية فلسطين وتحموا رام الله. وأهملوا قضية غزة تسهمون في ضياع قضية فلسطين وضياع رام الله معها.
إنه من غير المفهوم على الإطلاق أن نسمي غزة بغير هويتها الوطنية، فالهوية السياسية تذهب أدراج الرياح. أما غزة فهويتها فلسطينية من البحر إلى النهر، ومن سيناء إلى جبال الكرمل. وستبقى عربية من المحيط إلى الخليج.
فيا أيها الفلسطينيين اتحدوا، ويا أيها العرب انفضوا عنكم غبار الذل والعار.
رحم الله الشهداء الذين رفعوا بأرواحهم رايات النصر ولو بعد حين، وسلاماً للمناضلين الذين رووا بدمائهم كل أرض فلسطين.
فهل من يسمع صوت الثورة والمقاومة؟
وهل من يسمع نداء الأطفال المعذبين يصرخون ويستصرخون؟
نداء أطفال فلسطين وأمهاتهم يدوي في الآفاق: لا عدو إلاَّ الصهاينة الغاصبين، إما أن نموت معاً أو نحيا معاً، وإما أن نجوع معاً أو نقتسم قطرة الحليب معاً، فتعالوا جميعاً لنثأر لكل معاناة فلسطين، من طبريا ودير ياسين وجينين وغزة، لأن البديل أن يحمل أحمد وفاطمة من غزة مفاتيح منزلهما ليلتحقوا بالطابور الطويل الذي رمز إليه أحمد وفاطمة اللذين استقبلناهما من طبريا منذ ستين عاماً.

إرسال تعليق