السبت، سبتمبر 10، 2011

سـقط نظـام القـذافي بانقلاب عسـكري أطلسـي

سـقط نظـام القـذافي بانقلاب عسـكري أطلسـي
وآفــاق المرحلة المقبلة تُنبئ بثورة ليبية تصحيحية

(إفتتاحية طليعة لبنان الواحد عدد شهر آب 2011)
بما لا يقبل الشك، مستغلاً ثورة الشعب الليبي، كان للحلف الأطلسي الدور الأساسي بالتعجيل في إسقاط نظام القذافي. وقد وضع الحلف ثقله العسكري والمالي والسياسي والإعلامي في خدمة المعركة، ووظَّف أدواته من المعارضة الليبية لتلعب دوراً كبيراً في اختراق الثورة من أجل احتوائها والاستفادة من نتائجها. ولجملة هذه الأسباب يعود الفضل إليه في إسقاط أحد أنظمة الديكتاتورية العربية.
كل هذا التدخل لا يلغي أن عوامل الثورة أشعلتها نار النقمة الشعبية الليبية. وعلى الرغم من ذلك تؤكد الوقائع حتى الآن أن أهداف الثورة الحقيقية سائرة باتجاهات أخرى لا تصب في مصلحة الشعب، لأن القرار سيكون لمن زرعهم الأطلسي في صفوف الثورة من العملاء المطواعين لإرادته. ومن جملة الاحتمالات التي ستُبعد الثورة أكثر عن تلك الأهداف قد تكون في إجراء تعديلات شكلية في نظام الحكم لتأتي دول حلف الأطلسي بإدارة مطواعة لإرادتها، خاصة أنها أسهمت فعلياً بمساعدات مالية وعسكرية. ومما يبرهن على (أطلسة) المعركة و(أمركتها) الكثير من البراهين والأدلة الواضحة التي لا تخفى إلاَّ على كل من أغمض عينيه، وتلك الدول لم ولن تقدِّم مساعداتها مجاناً.
وإذا انطلقنا من حسن النية، وحسن النية في مثل تلك الحالة ليست عملاً سياسياً واعياً ومسؤولاً، فإننا ننطلق من واقع حال النتائج التي رست عليها مسيرة الثورة، التي لا يصح أن نصفها بأكثر من أن ما جرى في ليبيا ابتدأ ثورة وانتهى إلى ما يشبه الانقلاب العسكري أسهم فيه حلف الأطلسي بإمكانيات كبرى، لكي ننبِّه من خطورة عدد كبير من الاحتمالات التي ستعترض مسار الثوار الليبيين الحقيقيين الذين كان دافعهم للثورة استعادة حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سلبها نظام القذافي. ومن حسن النية أيضاً نفترض أن الثوار الحقيقيين سكتوا  عن التدخل الأجنبي، على الرغم من وضوحه، من أجل أن يستأنفوا ثورتهم بعد إنجاز المرحلة الأولى للحؤول دون تحريف الثورة ويقطعوا اليد التي عملت، أو ستعمل، لتغيير اتجاهاتها وسرقة أهدافها.
لكن، مهما بلغت بنا حسن النوايا فلن نجد في مقدمات الانقلاب، ولا في نتائجه، ما يدفعنا للتفاؤل بأن ما حصل في ليبيا سيعود بالخير على الشعب الليبي، وبما يعادل تضحيات الثوار التي دفعوها بسخاء لا نظير له. ولكي لا نواجه المرحلة الجديدة باليأس وإجهاض الهمم، نرى أن في أفق المرحلة المقبلة، التي سيواجهها الثوار الليبيون ما يجب أن يستذكروه بحرص ووعي، تلوح المخاطر التالية:
1- مخاطر رهن القرار الوطني: وهو يعني التغيير الشكلي في نظام الحكم واستبدال أشخاص بأشخاص. وتشكيل إدارات رسمية توفر التشريعات والقوانين اللازمة لحماية مصالح الدول المشاركة في الانقلاب. ويأتي تشكيل (المجلس الوطني الانتقالي) على شاكلة (مجلس الحكم) الذي شكَّله بول بريمر، أول حاكم أميركي للعراق بعد احتلاله. وقد يكون (مجلس الحكم) الليبي جاهزاً، غير أن بريمر هذه المرة سيكون أطلسياً ليزرع الاطمئنان في نفوس منظومة دول الحلف الأطلسي. ولن يحسب عاقل أن يصل إلى تلك الإدارات من الليبيين إلاَّ كل من تعود على أن ينفِّذ الأوامر ممن هم على شاكلة أصنام أنظمة الخليج العربي، من ملوك وأمراء. وعلى شاكلة الحكومات العميلة التي تم تشكيلها في العراق. ولن تخدعنا كل وسائل الإخراج الهوليودية التي سيطلع بها علينا إعلام الأطلسي المسموع والمقروء والمرئي، التي سيقومون بتمثيلها على الشعب الليبي بصورة عمليات ديموقراطية خادعة. إذ سيأتون بحكومات ومجالس تمثيلية على أحصنة ديموقراطية وهمية تعمل على تفريغ نتائج الثورة من أي مكسب يضمن حقوق الشعب الليبي. إن تلك الدول أعدَّت لوائح التعويض عن خدماتها، وهي لن تكون أقل من الحصول على عقود اقتصادية ترهن الثروة البترولية لعقود طويلة. أو التسابق للحصول على عقود (إعادة إعمار) ما دمَّرته صواريخ الأطلسي.

-مخاطر رهن القرار القومي: وإذا كان رهن القرار الوطني مهراً معجَّلاً سيدفعه الشعب الليبي، فإن رهن القرار القومي يشكِّل المهر المؤجَّل الذي سيدفعه بواسطة قرارات شبيهة بالقرار الذي أصدره بول بريمر والمسمى (قرار اجتثاث فلسفة حزب البعث)، ولن يمر وقت طويل حتى يتم اجتثاث كل جملة أو عبارة تشير للعقيدة القومية العربية ببنان. وليس من المستبعد أن تُوصف العقيدة القومية بإحدى (هلوسات القذافي). ولن يكون البديل في الثقافة الجديدة التي سيتم الترويج لها أكثر من تشريع العشائرية والطائفية والانفصالية للأقليات القومية. ولا يشكك أحد بأن الهدف من وراء غسل أدمغة الليبيين هو فرض انفصالهم عن هموم الأمة العربية، وبداية لتكريس واقع ثقافي يفصل بين الليبيين وقضايا الأمة العربية.
وحيث إن انتهاء الصراع في ليبيا كان بنجاح الانقلاب العسكري الأطلسي، فهي ستكون البداية لثورة الشعب الليبي الحقيقية. ولكي لا نبقى أسرى لموقفين: مع الثورة الشعبية أو ضدها، ضد الديكتاتورية أو معها، على كل الحريصين على أن تصل الثورات الشعبية إلى خواتيم سعيدة أن يعلنوا موقفهم بوضوح أنهم مع تلك الثورات من دون تردد طالما تخلَّصت تلك الثورات من عوامل التدخل الخارجي وعملت على إحباطها بشتى الطرق والوسائل.  وإذا كان العكس هو ما يجري فلن يدفعنا هذا إلى التفاؤل بوصول تلك الثورات إلى خواتيم سعيدة.
وبناء على ذلك، فنحن لسنا مع الأشخاص، بل نحن مع الموقف السليم الذي يوفِّر للثورات العربية سُبُل نجاح أهدافها الشعبية، ومن أهم تلك السُبُل أن لا نسقط الأنظمة التي تواطأت على حقوق الشعب فحسب، وإنما أن نُحبط كل محاولة للتدخل الخارجي أيضاً.
ولهذا لا نجد حتى الآن في نتائج إسقاط نظام القذافي إلاَّ كل ما يخيف من نهايات مؤلمة باستثناء الرهان على أن الإرادة الشعبية، التي أشعلت شرارة النار الأولى في هشيم النظام، هي الوحيدة التي تضمن استمرار الثورة حتى القضاء على أي أمل لدول الحلف الأطلسي من استغلال دماء الشعب الليبي. وعلى إرادة الشعب الليبي نراهن بالاستمرار بالثورة حتى إحباط أهداف الخارج واستئصال كل ورم خبيث ممن يزعمون أنهم من الثوار بينما هم ليسوا أكثر من بيادق تحركها أجهزة المخابرات الأجنبية من كل شكل ولون.


إرسال تعليق