السبت، مارس 24، 2012

إخترنا لكم من أرشيفنا الخاص/ غوانتامو خاص

-->
غوانتامو خاص
بسادة النظام العربي الرسمي
 16/ 7/ 2008
 هل نستغرب أن تحيل إدارة جورج بوش الرئيس السوداني أحمد حسن البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية؟
وهل نستغرب أن تفعل ذلك إدارة المحافظين الجدد، برئاسة جورج بوش، خاصة وأنها امتنعت عن التوقيع على معاهدة المحكمة؟
نحن لم نستغرب كل ذلك، لأن المحيل إلى المحكمة والمحال إليها ثنائية فرضتها إيديولوجيا العنصرية البيضاء، عنصرية الرأسمالية الأميركية، سيدة العرق الأبيض وإمبراطوره المميز، تلك الإيديولوجيا سيَّدت نفسها على العالم بكل أعراقه، وجعلت من كل العالم بكل أعراقه عبيداً يأتمرون بأوامرها، وأنهت التاريخ عند حدود مصالحها. ولهذا اعتبرت أن القانون الدولي لم يوضع إلاَّ من أجل محاكمة من يتمردون على أوامرها سواءٌ أكان التمرد بالجملة أم بالتقسيط.
لقد تجرأت إدارة اليمينيين الأميركيين البيض على إحالة الرئيس السوداني إلى المحكمة الجنائية الدولية عندما سكت سادة النظام العربي الرسمي عن جريمة دعوة صدام حسين إلى الاستقالة، وعندما تجاهلوا الحكم عليه بالإعدام من مجموعة الغوغاء التي انتدبت للحكم باسم جورج بوش وبأمر منه من وراء ستائر مسرحية المحكمة العراقية.
إن سياسة القهر العنصري التي تمارسها إدارة اليمينيين الأميركيين البيض أصبحت سياسة واقعية معترف بها عند من طأطئوا رؤوسهم أمامها ودفعوا ماء وجههم للإمبراطور الأميركي صاغرين. فهي قد أصبحت أمراً واقعاً منذ أن كبَّل سادة النظام العربي الرسمي أيديهم بأنفسهم، كخيار ديموقراطي، وأقروا بواجب الطاعة له كعربون وفاء منهم لأنه أوجد لهم فرصاً للعمل في مزارعه المستباحة، على كراسي الرئاسة والوزارة والتجارة في دولهم من دون إذن من رعيتهم.
لم يذعن أولئك الرؤوس لحاكم العالم لأنه قوي وقاهر وجبار، فنحن لا نرى في كل ما يفعله الرئيس الأميركي لقوة فيه، بل لضعف في حكامنا. فقد بنى أسس قوِّته على جماجم مجموعة من الضعفاء، وعربد وتجبر وجلد وظلم وسجن ولاحق باسمهم، وأصبحنا إرهابيين باسمهم، ونلنا استحقاق الذل باسمهم. وراح يميت صوت الكرامة فينا باسمهم. وراح يعدنا بالديموقراطية والخلاص من ديكتاتوريتهم.
لم تكن الديكتاتورية هماً من هموم سيد العرق الرأسمالي الأبيض، لأنه ديكتاتور بامتياز، وهل أكثر ديكتاتورية ممن ينهي التاريخ عند عقائده الخاصة ومصالحة الخاصة ونخبته الرأسمالية الخاصة؟
فالديكتاتور عنده هو كل من لا يستجيب لإملاءاته، والديكتاتور عنده هو من لا يستجيب لتقديم مراسم الولاء له، والديكتاتور عنده هو كل من لا يعترف بديكتاتوريته، وهل أقبح ممن ينهي التاريخ عند مفاهيمه وتعاريفه للمصالح والمصطلحات.
بناء على كل ذلك، هل نحن بحاجة إلى من يرغمنا على الاعتراف بمفاهيمه؟ وهل نحن بحاجة إلى مساعدته باقتلاع ما يزعمه ديكتاتورية عند من أولي الأمر فينا؟
نحن لا نثق برياح التغيير القسري التي تهب علينا من الخارج، لأنها ستغير مجرى رياحنا إلى مجرى رياح الخارج. وبمثل هذا سيخسر أولياء الأمر فينا ونحن لن نكسب شيئاً. فما العمل؟
إن معالجة موضوع إحالة الرئيس عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية من زاوية حقوقية وإنسانية، لهي من أمرّ المعالجات وأكثرها بعداً عن المنطق والحقيقة، فالمحكمة تلك التي ستحاكمه باسم الإنسانية عليها أن تكون حريصة على الإنسانية. فهل هي حريصة عليها فعلاً؟
وعن هذا لن نعلِّق بأكثر من أن نتعرَّف على هوية من دفعها إلى الانعقاد، وسببه، وأهدافه. ويكفينا أن نقول بأن الدافع والسبب والهدف، كلها من صياغة إدارة اليمينيين الأميركيين البيض. ولن نفعل أكثر من أن نقرأ عنوان الكتاب، فنحن نقرأ الكتاب من عنوانه.
وإن معالجة الموضوع من زاوية ديموقراطية لهي معالجة خاطئة وتقود إلى نتائج مضللة، لأنه ليس من شأن المحكمة الجنائية الدولية أن تتدخل في تصحيح العلاقة بين الشعوب وأنظمتها السياسية.
وإذا استثنينا الزاويتين الإنسانية، والمطلبية الديموقراطية، ووجدنا أن المحكمة الجنائية الدولية غير صالحة للنظر بالتهمة المزعومة الموجهة ضد الرئيس عمر البشير، نرى أن النظر إلى تلك الإحالة لا يجوز أن يتم إلاَّ من زاوية سيادة الشعوب على قرارها. وهذا الأمر يجعلنا نقف أمام التساؤلات التالية:
-هل العلاقة بين نظام الرئيس عمر البشير وبين الشعب السوداني علاقة سليمة؟
-هل تصحيح تلك العلاقة هي من شأن الشعب السوداني أم هو شأن سائب يحق لأي كان التدخل فيه؟
-هل يجوز للشعب السوداني أن يسلم أمره إلى قوى خارجية لتصحيح العلاقة بينه وبين نظامه الحاكم؟
-وهل تدخل القوى الخارجية في شؤون الدول السيادية هو قاعدة تنتسب إلى المبدأ الديموقراطي؟
فإذا كانت العلاقة غير سليمة بين النظام السياسي السوداني والشعب السوداني، فليس غير قاعدة صراع المتناقضات الداخلية هي التي يمكنها أن تحسم ذلك الصراع. وممنوع على أي عامل آخر أن يفعل ذلك و إلاَّ سوف تكون مدخلاً يجيز لكل عامل خارجي بالتدخل في الشؤون السيادية للدول الأخرى.
في هذا الإطار نصَّت التشريعات الأممية، الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، على تحريم تدخل دولة في شؤون الدول الأخرى إلاَّ بما له علاقة في تهديد السلم العالمي. حتى هذا الجانب يعتبر بغاية من الدقة من حيث تفسيره وتأويله والاتفاق عما هو يمثل خطراً على السلم العالمي.
فإذا كان استنكار قرار ملاحقة البشير وشجبه قد جمع بين كل أطياف السودانيين، موالاة ومعارضة، فإنما كان السبب يعود إلى انتفاضة الشعب السوداني دفاعاً عن كرامته وقيمه الوطنية وسيادة السودان، الأمر الذي يقودنا إلى التساؤل عن ردة فعل أسياد النظام العربي الرسمي لكون السودان قطر من أقطار الأمة العربية.
والسبب الآخر الذي يقودنا إلى مخاطبة سادة النظام الرسمي العربي إلى القيام بانتفاضة أخرى تعزز الانتفاضة السودانية. وإذا كان السودان اليوم يثور دفاعاً عن كرامته وسيادته الوطنية، فعلى النظام العربي الرسمي، على الرغم من كل عواهنه وهناته وسقطاته، أن يثبت للشعب العربي، كل الشعب العربي أنه قادر أن يقول لأميركا كفى استهانة بنا، وبكرامتنا، وبسيادتنا. وبأقل من ذلك سيبقى أولي النظام العربي الرسمي مطأطئي الرؤوس يلحقوق بنا الذل والهوان. وهم مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يبعدوا الأذى عن أنفسهم، فباعتراضهم على ما يجري بحق الرئيس السوداني سيبعدون شبح بناء معتقل جديد لـ(غوانتامو) خاص باعتقال الرؤساء العرب ومحاكمتهم.
وعلى سادة النظام العربي الرسمي أن يتعلموا من الإهانة التي لحقت بهم عندما سكتوا عن إدارة جورج بوش عما فعلته بحق صدام حسين، شهيد العراق، والأمة العربية، والعالم الحر. وإنهم حينما يفعلون ذلك صادقين نعتبر أن نصف المسافة الفارغة بينهم وبين الشعب العربي ستكون مؤهلة للردم. لأننا نعتقد أن الدفاع عن كرامة الشعب وسيادته في مواجهة الخارج هي المهمة الاستراتيجية الأولى في مرحلة التحرر الوطني، أما المهمة الثانية فهي تصحيح العلاقة بين النظام السياسي والشعب.
وإن كنا نقف إلى جانب الرئيس البشير في هذه المرحلة، فهو وقوف إلى جانب الدفاع عن سيادتنا، أما التتمة فلا يجوز أن تكون إلاَّ على قاعدة النضال المطلبي الديموقراطي النابع من آليات الصراع بين السلطة والشعب حتى تعود إلى الأمور إلى نصابها الصحيح

إرسال تعليق