الجمعة، يونيو 15، 2012

إزدواجية المعايير في مناظير القوى الخارجية

-->
(الربيع العربي) وإزدواجية المعايير في مناظير القوى الخارجية
لماذا اتفقوا على معايير الربيع في ليبيا والعراق واختلفوا حولها في الساحات الأخرى؟
 في 15/ 6/ 2012
-اولاً: تعريف مصطلح القوى الخارجية:
1-القوى الخارجية هي كل إطار جغرافي وسياسي غير عربي:
وأما الخارج فمتعدد الهويات والمصالح تتصارع أطرافه لاقتسام قرص الجبنة العربي، مستفيدين من حالة التفسخ والتنابذ العربي، تلك الحالة التي لم تشهدها الأمة العربية في أي محطة سابقة من محطاتها التاريخية. ولكن تعدد الأطراف وتقاتلها لا تحول دون اتفاقها على إعادة توزيع غنائم الحقل العربي.
فالأطراف الخارجية المتداخلة الخنادق أحياناً، والمتقابلة المتاريس أحياناً أخرى، ترى فيها الإقليمي المجاور للوطن العربي، ومن أهمها: إيران وتركيا؛ كما ترى فيها البعيد جغرافياً، شرقاً وغرباً. ومن أهمها: الولايات المتحدة الأميركية والغرب من جهة، وروسيا والشرق الأقصى من جهة أخرى.
وفي ميزان المصالح الخارجية يُعتَبَر كل نظام عربي لا تصب قراراته في مصلحة الخارج يجب أن يخضع لعملية جراحية تؤهله لتوفير شروط الملاذ الآمن لها.

2-(رغاليون) عرب للقوى الخارجية:
كل هؤلاء اجتمعت مصالحهم في الوطن العربي، واتفقوا على تعريف أن ما يجري في أقطار هذا الوطن هو (ربيع عربي) يجب دعمه وتدعيمه. ولم يجتمعوا ولم يكن من المقدَّر لهم أن ينجحوا من دون التسلل عبر (أحصنة طروادة) من الأنظمة العربية، تلك الأنظمة التي لم تعد تنطق باللغة العربية، ولا تتجه رياحها لتسيير السفينة العربية، ولم يبق ربابنتها بهوية عربية، بل كل واحد منها تقمَّص بهيئة حصان تمتطيه هذه القوة الأجنبية أو تلك. ولهذا لما غاب الراعي العربي غزت الرعاة حصون العرب واستباحتها. وإذا كان التاريخ في العصر المغولي قد عرَّفنا بمصطلح (الرغاليين) في العراق، فإننا عرفنا في هذا العصر كل أنواعهم وأشكالهم في كل ساحة عربية من المحيط إلى الخليج. ولم يبق قزم عربي إلاَّ وانتفخ كالضفدع الذي أراد أن يصبح فيلاً. ولن ننتظر اللحظة التي ستنفجر فيها أجساد الضفادع لأن القوى التي تستخدمهم هي التي ستفجرهم عندما تستنفذ أغراضها منهم.
فالمشهد على الساحة العربية الآن: ساحة عربية بالفعل، ولكن اللاعبين عليها ينتسبون إلى كل هوية ما عدا كونهم عرباً. ولن يكون وصفنا للمشهد بأقل من أنه كارثي ومخيف ومذهل.
لكن المشهد وإذا كان قد خلا من أي قوة عربية مؤثرة توجِّه ندى (الربيع العربي) لتغذي أوراق الزهر العربي، ظلَّ الشعب يقف في المواجهة ليس له من سلاح إلاَّ الغضب وتقديم الدم والروح والنزوح والتهجير والخوف والرعب، والجوع الذي يتراكم على الجوع، والمرض الذي يتراكم على المرض، وتخريب بنى الدولة ليُضاف إلى ما خرَّبته الأنظمة، وتفسيخ النسيج الاجتماعي في حروب إعلامية وإعلانية طاحنة، في حروب يقتل فيها الأخ أخاه، ويستبيح فيها الجار دم جاره. بحيث يتم ذلك تحت خيمة يقتل فيها المثقف أخاه المثقف في حملة تخوين لا حدود لها، تحت خيمة الفعل الأعمى ورد الفعل الأعمى أيضاً.

3-هل تُلام القوى الخارجية بعدوانها؟
وإذا كان البلاء الكبير قد دبَّ في رأس الأنظمة، فإن البلاء الأكبر قد دبَّ أيضاً بين صفوف المثقفين الذي استمرأوا حلاوة انتشار وسائل الإعلام وسهولة استخدامها، الأمر الذي يسَّر لأنصاف المثقفين فرصة النفخ في أجساد أنفسهم ليصبحوا من الكُتَّاب (الفيلة) كمثل رؤوس بعض الأنظمة العربية الذين نفخوا بأجسادهم، أو الذين نُفِخَ فيها، ليصبحوا (فيلة). وكلٌ منهما لن يصبح فيلاً، ولكنهم يقودون الأمة باتجاه الخراب، وما أسوأ للسفينة الشعبية من ربَّان غبي ومغرور، وما أسوأ من الأنظمة الديكتاتورية إلاَّ أنظمة هزيلة تحسب نفسها أنها من أصحاب العقد والحل. وإلى أن يكتشفوا أوهامهم لن يبقى لأي منهم فرصة للندم، وليت ساعة مندم.

4-هل من يتلقى العون والدعم من الخارج معارض حقيقي؟
لا يُنكر أهداف التدخل الخارجي إلاَّ مكابر، وأهداف التدخل الخارجي لا تصب في مصلحة الشعوب، والخارج لا يساعد إلاَّ من يعطيه الضمانات الكافية لتحقيق تلك الأهداف. إذن، كل موقف يستند إلى تبرير هذا التدخل فهو موقف باطل.
فالمواقف التي لا تأخذ تلك الثوابت بعين الاعتبار تثير الدهشة والعجب. وما يثير العجب أكثر هو أن المواقف التي تحسب أنها تستند إلى مصلحة الشعب لا تغض الطرف عن التدخل الخارجي فحسب، بل إنها تبرره أيضاً، كما تحمل وزره للأنظمة التي لولاها، كما يقول هؤلاء، لما حصل التدخل. وكأنَّ تلك المواقف تنتصر لارتكاب جرم (الخيانة الوطنية) تحت حجة إسقاط الأنظمة الديكتاتورية، بينما لم تنص أي قاعدة من قواعد الديموقراطية التي تبيح الحق بإسقاط الأنظمة إذا تعسَّفت، على أنه يحق للمعارضة أن تستعين بقوى وإمكانيات خارجية من أجل تحقيق أهدافها.
واستناداً إلى ما سبق أعلاه، لا نستطيع أن نعطي براءة ذمة بالوطنية والحق بالمعارضة لكل من استعان بالأجنبي، أي أجنبي.

ثانياً: معايير القوى الخارجية لحركات (الربيع العربي):
1-معايير الولايات المتحدة الأميركية:
لا شك بأن احتلال العراق، كان يشكل خطوة البداية لـ«الربيع العربي» الحاصل الآن، حيث أعلن بعض المسؤولين بإدارة جورج دبليو بوش، بعد احتلال العراق بأيام، عما يُسمى بـ«الدومينو الديموقراطي»، ومن أجل ذلك ننقل للقارئ الخبر، كما ورد في وكالات الأنباء:
(ميدل ايست اونلاين) السبت 12 إبريل 2003 - واشنطن - كريستوف دو روكفوي/ تطمح واشنطن عبر سقوط نظام صدام حسين إلى أن تجعل من العراق واجهة للتغيير في الشرق الاوسط،... ويرى خبراء الاستراتيجيا الاميركيون أن تغيير النظام في بغداد ينبغي أن يفسح لعملية «اعادة ترتيب» في هذه المنطقة، تمزج ما بين إحلال الديموقراطية والتحديث الاجتماعي واستئصال الارهاب ودعم المصالح الاميركية وضمان أمن إسرائيل.... وبحسب نظرية معروفة بنظرية «الدومينو الديموقراطي» تلقى رواجاً كبيراً في الأوساط المحافظة القريبة من البيت الابيض،... أشار مساعد وزير الدفاع الأميركي بول ولفوويتز ومساعد وزير الخارجية جون بولتن، وهما من المنظرين لهذه العقيدة، بشكل واضح أخيراً، إلى أن طموحات واشنطن لن تتوقف عند بغداد، وإن كان استخدام القوة المسلحة غير مطروح بالضرورة بالنسبة لدول أخرى.  (انتهى الاقتباس).
وبعد أن أوقفت المقاومة الوطنية العراقية «الزحف الديموقراطي»!!! الأميركي باتجاه الأقطار العربية الأخرى تسع سنوات، وبعد أن أوقف أوباما، رئيس الولايات المتحدة الأميركية، النزيف المالي الذي كان سببه الغرق في العراق، عادت استراتيجية «الدومينو الديموقراطي» إلى الواجهة كما كان مخططاً لها منذ تسع سنوات مضت، بأهداف ووسائل لم تتغيَّر وهي « تمزج ما بين إحلال الديموقراطية والتحديث الاجتماعي»، لكن ما تغيَّر فيها هو الإسم فقط، فتحوَّل اسم نظرية  «الدومينو الديموقراطي» إلى اسم «الربيع العربي».
وإذا لم تكن حركة الجماهير العربية موقوتة مع تنفيذ استراتيجية «الدومينو الديموقراطي»، فإن هذا لا يلغي أن تكون الولايات المتحدة الأميركية قد ركبت موجة الغضب الشعبي على الأنظمة الديكتاتورية لوضع استراتيجيتها موضع التنفيذ، وهذا الركوب تفسره موجات الدعم غير المحدود الذي بذلته في شتى الميادين، وكان أكثرها وضوحاً في ليبيا، ويليها في سورية الآن.

2-معايير النظام الإيراني:
لا شك بأن نظرية ولاية الفقيه تدخل إلى دائرة تصنيف الحركات الإمبراطورية العابرة للقوميات، والمعادية لها. كما تعمل على إحلال الولاء للمذهب كبديل للولاء للوطن والقومية، ومفاعيل هذه النظرية تدخل إلى حيز التطبيق في ظل ضعف عام انتاب تأثير الأنظمة الرسمية العربية، وهذا الضعف يسهم في تبرير التدخل الإيراني عند من ينظرون إلى الوضع العربي بمنظار مرحلي وسطحي.
ومن أجل تبرير تدخلها في الشؤون العربية الداخلية، ومن أجل تحصين نفسها وتوفير أرضية تشرَّع لها هذا التدخل، فقد عقدت تحالفات مرحلية مع بعض الحركات الإسلامية غير الشيعية، وهي تدرك تماماً، كما تلك الحركات، أن ما يجمعهما هو تحالف ضد ما يعتبرون أنه يشكل تناقضاً رئيسياً لهما معاً، وهي الحركات القومية بشكل عام، وحزب البعث بشكل خاص. ويعتبران أنه من دون التخلص من تأثير الحركات القومية، كمنافس أساسي لهما على مستوى الوطن العربي، لن يُتاح لاستراتيجية أي منهما بالحياة.

3-في العراق تلتقي مصالح الاستراتيجيتين الأميركية والإيرانية:
وإذا كانت استراتيجية «الدومينو الديموقراطي» أميركية، تقوم الولايات المتحدة الأميركية بتنفيذها ضد الأنظمة العربية غير كاملة الاستجابة لمآربها، كما تعمل على حماية الأنظمة العربية الكاملة الولاءات لها، فإن النظام الإيراني يعمل للاستفادة بدوره من تلك الحركة بالتحريض على الأنظمة التي ليس له موطأ قدم فيها، كما يعمل على حماية الأنظمة التي ارتبط معها بعلاقات طويلة الأمد. وهنا تشهد الساحة العربية صراعات ومواجهات بين الطرفين حيثما تعارضت بينهما المصالح. ولكنهما اتفقا على أرض العراق وعلى اقتسام المصالح فيه، وحركتهما تتسم بالتنسيق والحرص الدائم على تدعيم العملية السياسية فيه، على الرغم من أنها تمثل أكثر الأنظمة اهتراء وقمعاً وفساداً وديكتاتورية.

4-بين ازدواجية المعايير هناك ما يجب أن يثير الانتباه ويجمع الصفوف:
بين من يبرر التدخل الغربي بحجة التدخل الإيراني، ومن يبرر التدخل الإيراني بحجة مواجهة التدخل الغربي، يقع الموقفان في أفخاخ سيستفيد منها التدخلان معاً. لأن إشاحة النظر عن الأهداف الحقيقية للطرفين فيها إفادة لكل منهما معاً.
وإننا بدلاً من وضع إشكاليات (أي تدخل نريد؟)، حيث نؤكد بأننا لا نريد أي تدخل، وإذا لم نستطع منعه، فلا يعني هذا أن نجعل من وحدة الدولة وأمنها في آخر همومنا، فوحدة الدولة وأمنها هي آخر هم من هموم كل من إدارة الولايات المتحدة الأميركية والنظام الإيراني. وانطلاقاً من هذا الثابت يمكننا تقييم مدى وطنية هذا الطرف المعارض أم ذاك، ومن مدى تأثير هذه الطرف أو ذاك في ما يُسمى (الربيع العربي) نستطيع أن نرى بوضوح ما سوف ينتج عن هذا (الربيع)، خيراً كان أم شراً؟ فإذا كان خيراً فلنباركه. وإذا كان شراً فلنحذر منه، حتى ولو كان الأمر بإيقافه. ولو لم يكن لأمرنا بإيقافه جدوى فعلى الأقل نكون قد قمنا بأضعف الإيمان حتى لا تصفنا الأجيال القادمة بالغفلة. وإن من أهم أسباب الدعوة إلى إيقاف أي حراك يأتي ظهور أي علامة من علامات تحويله إلى حرب أهلية. فالحرب الأهلية هي وسيلة من أهم وسائل تدمير الدولة، وإذا ما حصل هذا التدمير فهو لن يُبقي لأي طرف ما يأسف عليه. ولن يبقى أمام أي مواطن إلى أي فئة انتمى ما يقاتل من أجله، أو على الأقل ليتظاهر من أجله.

5-متى يرى العراقيون أن العراق أولى بثورة تنجز (الربيع العراقي)؟
من غير الوطنية أن ننتظر من الاحتلالين، الأميركي والإيراني، أن يعيدا الحقوق للعراقيين، لأن تحرير العراق وإعادته موحداً عربياً مستقلاً عن أي وصاية خارجية، هو من أكثر الحقوق إلحاحاً. وطالما سيبقى العراق أرضاً خصبة لأطماع الطامعين منهما، فإنهما سيعتمان على كل الجرائم التي ترتكبها أدواتهما، ولن يعتبرا أبداً بأن وضع العراق تحت الاحتلال هو أكثر الأوضاع العربية التي تحتاج إلى ربيع حقيقي. ففيه أكثر الديكتاتوريات بشاعة، وأكثر اللصوص جشعاً، وأكثر الفاسدين فساداً، وأكثر الأنظمة التحاقاً وتبعية، لأنه النظام الوحيد الذي وُلد من أكثر من أب، ولهذا يعمل على إرضاء كل أب أسهم في إنجابه.
وهذه العملية السياسية، التي ما تزال تحمي الوجودين الأميركي والإيراني، هي (ابنة غير شرعية) في العراق، فهل آن للعراقيين أن يكنسوها مع قاذورات الشوارع؟ ولن نناشد غير العراقيين الشرفاء، فهم كثر، وفي المقدمة منهم أولئك الأبطال الذين كنسوا الاحتلال الأميركي، وما هم بعاجزين عن كنس من هو أقل قوة وشأناً منهم.
إرسال تعليق