الاثنين، أغسطس 13، 2012

وماذا يجديني البكاء بعد سقوط طروادة؟


وماذا يجديني البكاء بعد سقوط طروادة؟

لذا سأبكيها قبل السقوط


في 13/ 8/ 2012

في لحظة من لحظات الغيض النفسي ممن يستمرئون تصديق الخديعة، شعرت بالبكاء على أحوال أمتنا العربية وهي تتعرَّض الآن لأسوأ خديعة في التاريخ المعاصر. وسبب شعوري بالحاجة إلى البكاء ليس من قبيل اليأس، بل من قبيل مدى الحنق الذي ينتابني أحياناً ممن أثق بمصداقية وطنيتهم وإخلاصهم لمصلحة الشعب الذي ينتمون إليه، ومدى إخلاصهم ومصداقيتهم لأهداف هذا الشعب، سواءٌ ممن فجَّر بعضه ثورة ضد الأنظمة، أم ممن راحوا يمحضون ما يُسمى بـ(الربيع العربي) كل تأييدهم غافلين عن النتائج التي سيصل بها هذا (الربيع) بأمتنا، خاصة وأن تأييده وتقديم الدعم له بسخاء من قبل التحالف الغربي الصهيوني قائم من دون حساب.

وفي مقالي هذا لن أضيِّع وقتي، وأوقات القراء، في سبيل إقناع (جوقة المثقفين الليبراليين) ممن اختاروا طريق التحالف الغربي، منبهرين بأشكال شعاراته الجذَّابة التي ظاهرها حق يُراد به باطل. أو أولئك الذين باعوا السيد المسيح بثلاثين من الفضة. إن ذلك النوع من المثقفين والسياسيين، أو ممن امتهنوا حرفة الارتزاق حتى بـ(أثدائهم)، لا تنفع معهم الذكرى.

لهؤلاء الذين أكن لهم الاحترام والتقدير، أعيد للمرة الألف، ما كتبت عنه منذ سنوات، محذِّراً من أن مؤامرة ما تُحاك ضد عروبة أمتنا بفكرها ووحدتها السياسية تحت عباءة إسقاط الأنظمة الديكتاتورية ونشر العدالة الاجتماعية. مُتَّخذين مشروع ما أسموه (حدود الدم) التي ستفصل ما بين دويلات (مشروع الشرق الأوسط الجديد). وأعيد التحذير هذه المرة ليس بإعادة التذكير بالخديعة التاريخية التي تعرَّض لها الشريف حسين في الحرب العالمية الأولى فقط، بل سأعيد التذكير أيضاً بخديعة تاريخية أخرى تُعرف بأسطورة (حصان طروادة)، التي تعود أصولها إلى تاريخ الصراع بين سكان شبه الجزيرة اليونانية، أي بين مملكتي إسبرطة وطروادة.

بعد أن عجز جيش إسبرطة عن دخول طروادة قاموا بخديعة ما يزال التاريخ يذكرها، ويضرب المثل بها لكل من تنطلي الخديعة عليهم. يقول التاريخ: بعد قتال عنيف وطويل ومرير بين الإسبرطيين والطرواديين، وبعد أن عجز الإسبرطيون عن اقتحام حصون طروادة المنيعة، لجأوا إلى خديعة (حصان طروادة). إذ ذاك، زيَّنوا لأهل طروادة أنهم سيقدمون إلى آلهتها هدية بشكل حصان خشبي كبير.  بعد أن انقسم الطرواديون بين قابل للهدية ورافض لها، قضت أصول الديموقراطية بين أهلها أن يقبلوها لأن الأكثرية ارتضت بالقبول.

كان الإسبرطيون قد ملأوا فراغ جوف (الحصان الهدية)  بعدد من جنودهم، الذين ما إنْ أرخى الليل سدوله حتى خرجوا من مخبئهم فقتلوا الحراس الطرواديين وفتحوا أبواب مدينتهم الحصينة أمام جحافل الجيش الإسبرطي. فأُخذ أهل طروادة على حين غفلة. وبهذه الخديعة سقطت مدينتهم. وبسقوطها أنجز الإسبرطيون نصراً لم تحققه جحافلهم الكبيرة على الرغم من حصار طويل ومضنٍّ ومكلف.

وهذه خديعة حصان طروادة تجدد نفسها فيما يُسمى بـ(الربيع العربي). بحيث تتوالى هدايا القوى الخارجية المغلَّفة بقشور العسل الديموقراطي، والملغومة بأهداف مستورة أقلها إعادة احتلال الوطن العربي بوسائل غير عسكرية. ولأن تلك القوى تروم احتلال الأرض وإسقاط آخر الحصون العربية الشعبية المقاومة، استخدموا خديعة (حصان طروادة)، أي إسقاط حصون الوطن العربي من داخلها، فاستبدلوا أسلوب الحصار والقوة بأسلوب الهدايا الملغومة. فكان حصادة طروادة المعاصر مموهاً بهدايا (نشر العدالة الاجتماعية والديموقراطية بعد إسقاط الأنظمة الديكتاتورية). وهذا لم يكن بعيداً عن إعلانهم وإعلامهم بأنهم سيستبدلون أسلوب التدخل العسكري المباشر في فرض تقسيم دول الوطن العربي على قواعد طائفية، أي ما أطلقت عليه إدارة جورج بوش أسلوب (الصدمة والترويع)، بأسلوب الحوار الذي أطلق أوباما صفارته من جامعات القاهرة في أول زيارة له بعد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية.

بعد أن أفلست الإدارة الأميركية في تطويع إرادة المقاومة الشعبية خاصة في فلسطين والعراق ولبنان، فجأة دبَّت مشاعر الإنسانية في نفسها ونفوس كل الطامعين بأمتنا العربية، تستروا تحت لافتات (الديموقراطية والعدالة الاجتماعية) في مساعدة الحراك الشعبي العربي أينما تحركت أمواجه، خاصَّة أنَّهم  استشعروا حاجة الشعب العربي الماسَّة إليهما، والتي كانت مؤسسات الدراسات التابعة للشركات الأجنبية، ومؤسسات الدراسات التابعة للمخابرات الغربية، قد قامت بتقصي حقائقها، وتشخصيها، وإعداد مستلزماتها، تحت خيمة ما أطلقوا عليه تعميم مشروع (الدومينو الديموقراطي) بعد احتلال العراق مباشرة.

مستندة إلى مجموعة من العوامل، وضعت تلك القوى خططها قيد التنفيذ، ومن أهمها:

أولاً: لأن عوامل الثورة كانت تجيش بين صفوف الشعب العربي، اندلعت الشرارة الأولى من تونس ومصر.

ثانياً: بإعداد مسبق، كشفت اللثام عنه تقارير ودراسات غربية، استقطبت مؤسسات غربية استخبارية، مموَّهة بأسماء مؤسسات مدنية، الآلاف من المثقفين العرب الليبراليين وقامت بإعدادهم ليكونوا طلائع وقيادات لأي حراك شعبي محتمل. وكانت تعتبر غياب حركة التحرر العربي وضعفها فرصة ثمينة ليملأ هؤلاء الفراغ الذي تركته تلك الحركة.

ثالثاً: وعلى سياق متصل، واستناداً إلى معلومات موثَّقة لتقارير أجنبية، أعدَّت مؤسسات استخبارية مجاميع من الشباب العرب إعداداً عسكرياً يعتمد على عقيدة حرب العصابات. مستفيدة من تجارب حروب التحرير الشعبية التي عانت القوى الأجنبية من ويلاتها في العراق وفلسطين ولبنان، فقد أعدَّت أولئك الشباب ليمارسوا وسيلة (إضرب واهرب) في مواجهة الجيوش النظامية العربية التي تعتمد عليها الأنظمة المُراد إسقاطها، وذلك من أجل استنزافها، وإحداث انقسامات بين قطعاتها. وهذا الأمر يجرد الأنظمة من أهم عوامل حمايتها.

رابعاً: رصد موازنات خاصة للتدريب على العقيدتين السياسية والعسكرية، وهذا ما كشفته التقارير التي تسرَّبت من التجربة المصرية خاصة. وتجهيز موازنات خاصة للتنفيذ لتلبية الحاجات العسكرية واللوجستية، والرواتب والمساعدات للذين يتمردون على أنظمتهم من مدنيين وعسكريين. وإلاَّ فكيف يعيش من انقلبوا على أنظمتهم ولم تكن رواتبهم تكفي إعاشتهم حينذاك مع عوائلهم؟

خامساً: الحملات الإعلامية الكبيرة من أجل الترويج لأحقية الشعارات الشعبية الجذابة من جهة، وتضخيم مساوئ الأنظمة الديكتاتورية من جهة أخرى، والتركيز الشديد على انتصارات المجموعات الأمنية المكلَّفة بالتخريب، وخسائر أجهزة النظام الأمنية وتضخيم جرائمها من جهة ثالثة. ولذلك رصدت المساعدات الكافية لكل المؤسسات الإعلامية المرتبطة مسبقاً، أو لمن يرتبط لاحقاً.وهنا ألم يلفت نظر المراقبين ويتساءلون عمن يموِّل تلك المؤسسات الإعلامية الضخمة ويتساءلون عن أسباب تجييش مئات الآلاف من الإعلاميين ويدفعون رواتبهم، أم أن هؤلاء الممولين قد فاضت عندهم المشاعر الإنسانية حتى أصبح (الربيع العربي) همهم الوحيد في كل ساعة، فراحوا يدفعون له بسخاء ليغطي أخباره لوجه الله؟

سادساً: يكاد مندوبو الدول الكبرى الطامعة بأمتنا يقضون كل وقتهم لإعداد مشاريع قرارات تحمل في ظاهرها تقديم العون للجماهير المنكوبة، ومن أكثرها لفتاً للنظر هي ما أطلقوا عليه اسم (حماية المدنيين)، وإدانة الأنظمة الديكتاتورية وفرض الحصار عليها. أنقرأ في تلك الحركة مشاعر إنسانية ترهن فيه تلك الدول أوقاتها من أجل توفير كرامة المواطنين العرب المنكوبين من أنظمتهم وبأنظمتهم؟

قد تكثر العوامل والحقائق، ولكن التذكير بالقليل منها قد يفي بالغرض، وهنا نتساءل: ماذا يربط بين حكمة حكاية (حصان طروادة) التي لم تغب عن ذاكرة التاريخ على الرغم من أنها حصلت في تاريخ سحيق جداً، وبين ما يجري الآن؟

وإذا كان ظاهر حكاية الحصان الهدية تعبِّر ظاهرياً عن احترام الإسبرطيين آلهة مملكة طروادة، إلاَّ أن في باطنه جنوداً احتالت قيادتهم من أجل الدخول إلى مدينة أعدائهم لاحتلالها. وهكذا تحت عامل عشق الطرواديين لآلهتهم، قبلوا هدية ظاهرها يلامس قلوبهم، وباطنها يحمل هدف إسقاط طروادة واستعباد الطرواديين ومن بعدها تحطيم آلهتهم واجتثاثهم بشكل كامل.

وما أشبه اليوم بالأمس. فإن (حصان طروادة المعاصر)، الذي يحمل هدية بالمساعدة على نيل (الديموقراطية والعدالة الاجتماعية) ظاهرياً، إلاَّ أن في باطنه مخططاً يرمي لاحتلال كل أقطارنا العربية بإضعافها، بعد تدمير اقتصادياتها وجيوشها الوطنية وتفسيخ نسيجها الاجتماعي، وإلهاء مجتمعاتها بحروب أهلية، تحلم بقشور من مكاسب لن تغني عن جوع وعن عطش. وغالباً ما ألهت القوى الخارجية المجتمعات العربية في بعض الأقطار بقشور ديموقراطية عبَّرت عنها أصوات الأكثرية العددية التي غيَّرت الشكل ولم تمسَّ الجوهر.

ألم ينل الشعب العراقي انتخابات ديموقراطية على حساب تدمير العراق تدميراً شاملاً؟ وهذا ما حصل في التجربة الليبية؟

ألم ينل الشعب التونسي انتخابات ديموقراطية لم تهتم بجوهر النظام القديم بل قامت بإعادة إنتاجه بأسماء جديدة؟ وهذا ما حصل للشعب المصري؟

وهنا تكمن الخديعة الكبرى التي إن لم نستفق على كشفها وإدراك مدى خطورتها بشكل مبكر، والانتقال من مرحلة البكاء على الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، إلى مرحلة الدفاع عن حصون الدول القطرية قبل أن تنهار بالكامل، فبكاءً مريراً ينتظر عيوننا هذا إذا بقي لنا عيون ترى، وعقول تفكِّر. لأنه حينذاك لن تبقى لنا دولة فهي ستنهار، ولن تنفع ديموقراطية لأنَّ المخطط الخبيث سيجرفهما معاً، وسيُبقى لنا الشكل والقشور، وما نفع الاقتتال الداخلي على قشور لن تُشبع من جوع، أو تشفي من مرض.

وإذا سقطت طروادة العرب، ومن الواضح أنها تسقط حصناً تلو الآخر بيد من نحسبهم ثواراً، فسوف نستيقظ متأخرين على أن احتلالاً غربياً جديداً بأشكال جديدة يلف وطننا العربي الكبير، يأمر أنظمتها الجديدة وينهيها.

لكل ذلك سأبكي طروادة الآن قبل أن يكتمل إسقاطها، هذا إذا سقطت، ولم نحل دون إسقاطها في آخر لحظة، لأن البكاء لن ينفعني بعد ذلك. فمرحلة جديدة تنتظر الصادقين، ومنهم من أحبهم وأحترمهم على الرغم من انجرافهم مع موجة تفاؤل أحسب أنه سراب. حينذاك تنتظر الجميع مهمة استئناف النضال من دون هوادة من أجل إعادة إحياء إيجابيات المرحلة الذهبية، على الرغم من سلبياتها، التي مرَّت بها حركة القومية العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. وهذا الأمر يحتاج إلى وقت وجهد استثنائيين، لإعادة بناء ما يتم تهديمه الآن تحت شعار (الربيع العربي)، وقد تمتد مرحلة إعادة البناء إلى بضع عشرات من السنين، وهذا هو الوقت الذي يحتاجه التحالف الغربي الصهيوني ليُكمِل سرقة ما بقي من نفط وثروات في أرضنا. وقبل كل ذلك لاستعبادنا من جديد بعد أن يكمل اجتثاث ما بدأ به من فكر وعقيدة قومية في حرب أفكار رسم خطوطها في مطابخه واستعان بحربه بأبناء أمتنا ممن يعتبر القومية عدواً لدينه.

وإذا نفع الدعاء من دون عمل، فإنني أدعو لله أن يحمي (طروادة العرب)، و(غرناطة العرب) من السقوط مرة أخرى. 
إرسال تعليق