الجمعة، سبتمبر 14، 2012

من أرشيفنا الخاص/ المركزية الديموقراطية: نظام للحزب أم نظام للمجتمع؟

المركزية الديموقراطية: نظام للحزب أم نظام للمجتمع؟
العام 1990
I: الأبعاد الفلسفيـة والسياسيـة للحريـــــــة.
ا- البُعد الفلسفي للحرية.
2- البُعد السياسي للحرية (الديمقراطية): أ- الديمقراطية. ب- المركزية.
II: مفهوم الحزب ووظائفــــــــــه.
ا- الحزب مجتمع مصغَّر.
2- الحرية لها بُعد اجتماعي- تنظيمي.
3- الدور الوظيفي للعضو الحزبي يزاوج بين المركزية والديمقراطية.
4- التشريعات التنظيمية تخفف الطغيان المتبادل بين المركزية والديمقراطية.
III: إشكاليات مصدرها التشريعات التنظيميــــــــة.
ا- إشكاليات مصدرها المركزية:
أ- العوامل الموضوعية.
ب- العوامل الذاتية.
ج- ما هي هذه الإشكاليات؟
د- آراء في معالجة هذه الإشكاليات:
(- تجميد النظام الداخلي.
- تأجيل انعقاد المؤتمرات.
- نتائج وآراء.)
2- إشكاليات مصدرها الديمقراطية:
أ- العوامل الموضوعية.
ب- العوامل الذاتيه (- الوضوح النظري. - الممارسة السليمة. - دينامية التفاعل بينهما.).
ج- آراء في معالجة هذه الإشكاليات: (- الانتخابات الحزبية. - النقد والنقد الذاتي. - محاسبة القيادات في المؤتمرات. - خضوع الأقلية لقرار الأكثرية).
3- خاتمة.

***
المركزية الديمقواطية: نظام للحزب أم نظام للمجتمع؟

I: الأبعاد الفلسفية والسياسية للحريـــــــــة.
موضوع الحرية هاجس دائم، يبحث عنه الإنسان، أياً كان عمره، وأياً كان مستواه وموقعه. هذا الموضوع لا يكتسب معناه، ولا يرتسم مشكلة في ذهن الفرد وتساؤلاته سوى في الوقت الذي يلتقى فيه، هذا الفرد، مع الآخرين، وفي الوقت الذي تظهر فيه قضية ما في دائرة التعارض أو التناقض بين حدين: الأنا والآخر.
الفرد المنعزل، عن غيره من الأفراد، في أفكاره وطموحاته وحاجاته، لا يشعر أنه بحاجة إلى أن يطرح السؤال: إلى أي حد يُسمح لي بأن افكر كما يحلو لي، وأن امارس، دون عوائق أو حواجز، ما أعتقد أنه صحيحاً.
الفرد/ الإنسان، يتعلم ويكتسب خبرات وعادات وثقافة المجتمع الذي يعيش فيه ومعه، ويتلقاها بطريقة تفاعلية بينه وبين الآخرين. فالمجتمع يشبع الفرد بثقافته وعاداته الاجتماعية، كما أنه يعلمه الخبرات والمهارات. هذا الاكتساب الذي يناله الفرد من مجتمعه، أو الثقافة التي يتلقاها منه تحمل، في حد ذاتها، قيوداً وحواجز وممنوعات. عندما يصل الفرد/ الإنسان اًلى مرحلة من النضج الاجتماعي والثقافي -والنضج هو مسألة نسبية لا تنفصل عن مستوى الثقافة الخاصة بالمجتمع الذي يعيش فيه- يقوم بدور فاعل، مستنداً إلى كفاءاته الذاتية، حينئذ قد يمتلك المقدرة على تطوير هذه الثقافة. وفيما يضخه الفرد من ابتكاراته الفكرية والثقافية إنما يصبح ملكاً لهذا المجتمع، إذا حاز قناعة لديه.
فالفرد مكبل بالثقافة السائدة في مجتمعه، لأنها في غالب الاحيان تكون ملزمة له، هذا الأمر يضع قيوداً على حريته الشخصية إذا لم تشكل لديه القناعة الكافية بها. لكن هذه القيود قد تولِّد عند الفرد/ الإنسان حافزاً له لكي يضخ في مجتمعه أفكاراً جديدة تعبرِّ عن حريته الشخصية وتفسح له المجال للإسهام في بناء ثقافة هذا المجتمع. لكن قد لا تلقى هذه الإضافات الفكرية قبولاً لدى أفراد المجتمع الآخرين، لكنه إلى الحين الذي يقتنع بها المجتمع ويهضمها ساعتئذ تصبح إضافات جديدة في ثقافة المجتمع العامة.
تحمل الثقافة العامة لأي مجتمع من المجتمعاًت قيوداً للأفراد، وكلما ازدادت الوظائف الاجتماعية أو السياسية أو التقنية لمجتمع ما تزداد هذه القيود لأن هذه الوظائف تحتاج إلى مزيدٍ من الأدوار والتقسيمات والتنظيمات.
لأن الفرد/ الإنسان اًجتماعي بمتطلباته وحاجاته ورغباته، ولأن المجتمع هو الوسط الضروري لكي يمارس الإنسان فيه اًنسانيته، ينبع السؤال - الهاجس: أين نحدد موقع الحرية في دائرة الفرد، وأين نحدد موقعها في دائرة المجتمع؟
عندما يبقى الفرد فرداً، أي عندما لا يعيش في داخل مجتمع ما، تكتسب الحرية بُعداً فلسفياً خالصاً ومفهوماً مجرداً لأن الفرد يمارس نشاطاته دون ضغط أو إكراه، ولأن غيابهما مرتبط بغياب الإنسان اًلآخر، وكأن قيود الأنا مرتبط بوجود الغير.
فهل نستطيع القول، إذاً، وفي سبيل الحصول على الحرية الكلية المجردة، إن الغاء الآخر شرط ضروري لممارسة الحرية، بينما هذا الإلغاء، بحد ذاته، هو عملٌ ضد الحرية. فوجود الآخر هو واقع حتمي وضرورة ماسة:
فأما الوجود هو واقع حتمي، فلأن الإنسان يولد من إنسان آخر.
وأما هو ضرورة ماسة، فلأن الإنسان اًلمولود هو بحاجة إلى مساعدة الوالد.
لذلك فالفرد، كجزء من مجتمع، له رغباته وحاجاته وأفكاره وهذه حقوق شخصية، ولكل فرد آخر له مثل هذه الحقوق. لكن الرغبات والحاجات والأفكار عند الأنا والآخر ليست متجانسة، ولأن الإنسان لا يمكنه تحقيق كل رغباته وحاجاته بنفسه فهو بحاجة إلى الآخرين، فإنه يعمل للاندماج مع الآخرين لتأمين هذه الحاجة باختيار حر، فالحاجة الاجتماعية للإنسان هي حاجة أساسية: الأنا والغير هما ركيزتها، فكيف يتم التوافق والتوفيق بين حرية الأنا وحرية الغير؟
لهذا السبب وُضعت معايير ومقاييس، أو ما نستطيع تسميته حدوداً وحواجز بين حقوق الأفراد لكي يمنع عليها التصادم، وهذا ما نُطلق عليه مفهوم الحقوق العامة، هذه الحقوق لا يمكن أن تستقيم إلا بوجود طرف المعادلة التسووي وهو مفهوم الواجبات.
فالتصادم بين حقوق الأفراد تم ضبطه بوضع مجموعة من القيم القانونية والسياسية والأخلاقية لتقوم بوظائفها في تنظيم حركة التبادل العلائقي بين الأفراد، وأصبحت معادلة التسوية قائمة على نظرية الحقوق والواجبات العامة.
لكن الحقوق الفردية قد تتجاوز الدائرة المرسومة لها، أو لأن الدائرة ليست مرسومة بدقه، فتطغى حينئذ على الحريات العامة، أو قد يحصل العكس، عندئذ تُطرح الإشكالية الأساسية التالية : كيف نؤمِّن التوازن بين الحقوق والواجبات لكي نمنع طغيان حد على الحد الآخر؟
إن مناقشة هذه الإشكالية تتطلب، باعتقادنا، معالجة مسألتين هما: البُعدان الفلسفي والسياسي للحرية.
1- البعد الفلسفي للحريـة
جاء في القاموس الفلسفي، [للدكتور جميل صليبا - صادر عن دار الكتاب اللبناني]، عن الحرية ما يلي: »للحرية معانٍ ثلاث:
- الأول: المعنى العام: الحرية خاصة الموجود، الخالص من القيود، العامل بارادته أو طبيعته.
- الثاني: المعنى السياسي والاجتماعي: وهو قسمان:
أ- الحرية النسبية: فهي الخلوص من القسر والإكراه الاجتماعي، والحر هو الذي يأتمر بما أمر به القانون، ويمتنع عما نهى عنه.
ب- الحرية المطلقة: فهي حق الفرد في الاستقلال عن الجماعة التي انخرط في سلكها. وليس المقصود حصول الاستقلال بالفعل، بل المقصود منها الاقرار بالاستقلال واستحسانه، وتقديره، واعتباره قيمة خلقية مطلقة.
- الثالث: المعنى النفسي والخلقي: فالحرية هي الحد الأقصى لاستقلال الإرادة، العالمة بذاتها، المدركة لغايتها، وإذا كانت الحرية مضادة للهوى والغريزة، دلت على حالة إنسان يحقق بفعله ذاته من جهة ما هي عأقلة وفاضلة. لذلك قال (ليبنيز): إن الله وحده هو الحر الكامل«.
يعتقد المثاليون، كما جاء في الموسوعة الفلسفية (روزنتال + بودين الصادرة عن دار الطليعة في بيروت) إن الحرية والضرورة مفهومان يستبعد كل منهما الآخر بالتبادل، ويعتبرون أن الحرية هي تقرير الروح لمصيرها، وحرية الإرادة وإمكانية التصرف وفق إرادة لا تحددها الظروف الخارجية.
لكن، كما جاء في الموسوعة ذاتها، إن التفسير العلمي للحرية والضرورة يقوم على أساس تفاعلهما وتداخلهما الجدلي، وقد قدم هيغل تصوراً دقيقاً للوحدة الجدلية بينهما إنطلاقاً من مواقف مثالية. يعتقد هيغل أن الضرورة الموضوعية هي أولية بالمعنى المعرفي وأن ارادة الإنسان ووعيه ثانويان مشتقان من الضرورة.
فالضرورة، كما جاء عند هيغل، توجد في الطبيعة والمجتمع على شكل قوانين موضوعية. فالقوانين غير المدركة تكون » عمياء «. ففي بداية تاريخ الإنسان، وكان غير قادر على استكناه أسرار الطبيعة، ظل عبداً للضرورة غير المدرَكَة وكانه غير حر. وكلما ازداد الإنسان عمقاً في إدراك القوانين الموضوعية سواء كانت طبيعية أم اجتماعية أم سياسية كلما ازداد نشاطه حرية ووعياً.
جاء تعريف الحرية في الموسوعة السياسية (التي أسسها د. عبد الوهاب الكيالي والصادرة عن مؤسسة الدراسات العربية- بيروت) كما حدده الفكر الليبرالي الفردي الأوروبي، كما يلي:
الحرية هي أساساً غياب الإكراه والقيود التي يفرضها طرف آخر، فالإنسان حر عندما يكون قادراً على اختيار هدفه وطريقه، وأن يكون في وضع يستطيع معه الاختيار بين احتمالين، وأن لا يكون مرغماً على اختيار ما لا يريد أن يختاره، سواء من خلال خضوعه لإرادة شخص أو دولة أو أية سلطة أخرى، وهذا ما يسمى بالحرية السلبية.
فوجود الحرية مرتبط بثلاثة امور أساسية:
الأول: غياب الإكراه والقيود البشرية.
والثاني: غياب العوامل الطبيعية التي تحول دون تحقيق القرار الحر.
والثالث: امتلاك وسائل القوة الكفيلة بتحقيق الأهداف المختارة إرادياً.
لكن، لكي تكتسب الحرية الفردية مفهومها الصحيح، حرية اختيار الهدف والطريق، أن يكون الاختيار واعياً، فكيف يتحقق الاختيار الواعي؟
يشكل التعليم والثقافة، بتوسيعهما لقدرة الإنسان على الاختيار والقرار، شرطاً أولياً مهماً من شروط ممارسة الحرية، فالمعرفة تطور قدرة الإنسان على الافعال الحرة والتصرف الحر.
فالحرية في بعدها الفلسفي، استناداً إلى ما عددناه من تعريفات، هي حرية مطلقة تتنافر مع مبدأ الضرورة الطبيعية والاجتماعية.
أما الحرية في بعدها الاجتماعي، فهي حرية نسبية، من شروطها الخلاص من القسر والإكراه، لكن، على أن لا تتنافى مع الأعراف والقوانين الاجتماعية السائدة المشروطة بالوعي والمعرفة من قبل الفرد.
أية ثقافة هي المطلوبة للأعراف والقوانين؟ هل هي ثقافة المجتمع السائدة؟ أم هي ثقافة النخبة من الناس؟ وكيف يكون الأمر فيما لو تناقضت مفاهيم المعرفة عند الأفراد، مع الثقافة السائدة؟
ينزع الفرد بالغريزة إلى حرية الفعل، تظهر عند الإنسان منذ ولادته في تصرفاته وحاجاته، كحرية اللعب واختيار الطعام، حريته في ملكيته العامة وأغراضه الخاصة، وتظهر لديه ميول في الاستيلاء على ممتلكات غيره، ومقاومة الميول ذاتها عند أنداده من الأطفال.
حينئذ يبدأ الفرد بالإدراك، أن هناك العديد من الحواجز التي يضعها الآخرون في وجهه، وهي التي تحد من حرية تصرفاته وتمنعه من ممارسة الكثير من الرغبات التي يظن أنها قيوداً أمامه.
فالطفل يشعر حتى في علاقاته مع أمه بمثل هذه الحواجز والروادع، وكلما اتسعت علاقاته مع الآخرين تزداد القيود، وهذه بدورها تراكم العامل الثقافي عنده الذي هو عبارة عن مجموعة من العادات التي يحدد له فيها المجتمع، الصغير أو الكبير، حقوقه ويرسم له واجباته.
كلما كان المجتمع متقدماً، يؤمن للفرد طرائق متقدمة لاكتساب ثقافة مجتمعه، وكلما تقدمت وسائل التعليم وطرائقه تسهم في تطوير ثقافة الفرد وتعمقها، ساعتئذٍ تتراكم العوامل الثقافية التي تؤهل الفرد إلى الوصول للمستوى الذي يصبح فيه قادراً على الاختيار الواعي، أي الاختيار الحر الذي يشبع قناعته الذاتية على أن لا يتخطى دائرة حقوق الآخرين.
يتميز كل مجتمع بثقافته الخاصة، ولأن ليس كل أفراد المجتمع يقتنعون بهذه الثقافة يظهر في داخل كل مجتمع عدد من الرافضين لها، كلياً أو جزئياً. هذا الرفض قد يؤدي إلى إنتاج فكري جديد، فإذا أخذ طريقة في اقناع آخرين بصحته، يشكلون حينئذ تجمعاً ثقافياً متميزاً في داخل مجتمعهم يروِّجون فيه لفكرهم الجديد. فإذا كان الفكر الجديد بمستوى من العمق يجيب فيه على حل مشكلات كثيرة، فإنه يشق طريقاً لكي يأخذ موقعاً في التراث الثقافي للمجتمع بما يُسهم في تطويره أو تغييره.
تصبح الثقافة الجديدة، أكثر جدية، عندما تتحول إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ. وهنا تتحول هذه الثقافة إلى دائرة الالتزام في داخل التجمع البشري الذي يعمل على تحقيقها.
فالثقافة الملتزمة، من هنا، تحمل عنصرين أساسيين لهما علاقة بالبعد الفلسفي للحرية، وهما : حرية اختيار الهدف، وحرية اختيار الوسيلة لتحقيقه.
لكن الثقافة الملتزمة تثير إشكالية حول مفهوم الحرية في بعدها الفلسفي وهي التالية: كيف يستطيع الفرد/ الإنسان اًلملتزم ان يوفق بين مفهوم الحرية الفردية، وبين القيود التي يفرضها التجمع الذي انتسب إليه؟
الحرية الشخصية/ الفردية في اختيار الهدف تحقق ذاتها، لأن الاختيار ما زال في دائرة الفكر، وقد تم دون ضغط أو إكراه. لكن المشكلة تنبع عندما ينتقل الفرد إلى المرحلة الثانية وهي اختيار الوسيلة أو الطريق الذي على أساسه سوف يعمل لترجمة خياره الفكري إلى واقع عملي، فهل يتم هذا الاختيار فردياً أم جماعياً؟
بداية، لا يمكن للفرد أن يحوِّل أفكاره إلى واقع عملي دون الاستعانة بالآخر، لذلك أين يكون موقع حرية الاختيار الفردي إذا اصطدمت بحرية الاختيار عند الآخرين، وكيف يكون الحل إذا انقسم أفراد الجماعة الواحدة حول تحديد وسائل التنفيذ إلى أكثر من فريق؟
الثقافة التي تجمع أفراداً كثيرين، تتحول إلى ثقافة ملتزمة لأنها تحمل إمكانية التطبيق. وللتنفيذ شروط، ومنها: ضرورة امتلاك وسائل القوة الكفيلة بتحقيق الأهداف المختارة جماعياً. فوسائل القوة لها شروط العمل الجماعي، فإذا لم يقتنع فريق أو فرد من الجماعة بوسائل التنفيذ التي أختارها فريق آخر من داخل الجماعة الواحدة، فسوف تتواجه هذه الجماعة بعدد من الاحتمالات منها:
-إما أن ينخرط الفرد أو الفريق في التنفيذ حسب الوسائل التي اختارها الفريق الآخر، وهنا تفتقد حرية الاختيار الإرادي عند هذا الفرد/ الفريق، وهذا ما يتعارض مع البعد الفلسفي للحرية.
-وإما أن يبتعد الفرد/ الفريق عن التجمع لأنه غير مقتنع بالطريق الذي حدده الفريق الآخر ولأن هذا الطريق لا يعبر عن الاختيار الإرادي. وهو إذا ابتعد يكون قد أنقذ حقه في الاختيار الحر.
هذان الاحتمالان، كلاهما، يخلقان الإشكالية التالية: إذا كإذالنهج الثقافي الجديد/ الهدف، قد حاز على القناعة الإرادية الحرة لدى الفرد، فعلى الفرد أن يعمل لتحقيق هذا المنهج. وإذا تخلى عنه فهو قد تخلى عن قناعته الفكرية الحرة.
فلكي لا يختل التوازن بين الحرية الفردية (في اختيار الهدف الفكري) وبين الحرية الفردية ( في اختيار وسيلة تطبيقه)، جاءت نظرية الديمقراطية لكي تجيب على هذه الإشكالية.
2- البعد السياسي الاجتماعي للحريـــة (الديمقراطية).
جاء في القاموس الفلسفي حول الديمقراطية ما يلي: معنى الديمقراطية سيادة الشعب، وهي نظام سياسي تكون فيه السيادة لجميع المواطنين لا لفرد أو لطبقة واحدة منهم. ولهذا النظام ثلاثة اركان:
الأول: سيادة الشعب.
والثاني: المساواة والعدل.
والثالث: الحرية الفردية والكرامة الإنسانية.
هذه الاركان الثلاثة متكاملة، فلا مساواة بلا حرية، ولا حرية بلا مساواة، ولا سيادة للشعب الا إذا كان افراده أحراراً.
إن كل نظام سياسي يعتبر إرادة الشعب مصدراً لسلطة الحكام هو نظام ديمقراطي، إلا أن إرادة الشعب في الواقع هي إرادة الأغلبية فيه.
فالديمقراطية، إذاً، كما جاء في الموسوعة السياسية، هي نظام سياسي- اجتماعي يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأي: المساواة بين المواطنين، ومشاركتهم الحرة في وضع التشريعات التي تنظم الحياة العامة.
فإذا كانت الحرية في بعدها الفلسفي هي الإرادة الحرة على بناء مجموعة من الأفكار أو اختيارها اختياراً حراً. وشعور الفرد، بعد اعتناقه لها أو الإسهام في انتاجها، أنه غير مقيد أو مُكرَه باختيارها أو الاعتقاد بها. وإذا كانت هذه العملية الفكرية مرتبطة بتوليد إحساس ذاتي بالسعادة والسرور، فإنما الديمقراطية تبحث عن تجسد هذا الاحساس في صورة العلاقة بين الأنا والآخر، العلاقة التي لن تولد إحساساً بالسعادة إلا إذا حافظت على التوازن، الأقرب للدقة، في تأمين السعادة الذاتية وسعادة الغير.
فالديمقراطية تفتش عن الوضع الأفضل الذي يتحقق فيه البعد الفلسفي للحرية بنتائجها الفكرية والنفسية على الأنا وعلى الآخر. فهي، بهذا المعنى، تفتش عن أفضل إطار سياسي واجتماعي ممكن يستطيع أن ينظم العلاقة بين الأنا والآخر بشكل يطلق إرادة الحرية لدى الفرد ويمنع طغيان إرادة على أخرى.
أ- ا لد يموقرا طيـــــــــة:
مفهوم الديمقراطية يرتبط، إذاً، مع عوامل فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية. وهذه العوامل يفترض وجودها في بناء العلاقات بين الإنسان والآخر.
الفرد هو كيان مستقل بذاته، إنما عدة أفراد يشكلون مجتمعاً تتمايز طبائع أفراده ورغباتهم وحاجاتهم، الفكرية والسياسية والاقتصادية، وكل منهم يشعر أنه يجب أن يعبر عن حريته وأن يمارسها. وحتى لا تتصادم طرائق التعبير والممارسة للحرية الفردية، جاء المفهوم الديمقراطي ليقوم بدور التوفيق بين الحريات الفردية التي بمجرد اصطفافها في اطار مجتمعي، تكتسب صفتها الاجتماعية، ثم صفتها الاقتصادية والسياسية... الخ... ويأتي الدور التوفيقي بين الحريات الفردية الذي يلعبه المفهوم الديمقراطي كتسوية بين حرية الفرد وحرية الآخر ليقدم كل منهما تنازلات للآخر. وكلما كانت التشريعات قادرة على تأمين التوازن والدقة في التنازلات كلما أصبحت المعادلة قابلة للاستمرار. وكلما اختل التوازن يتخلخل البناء الديمقراطي ويصاب بالاهتزاز.
فالمفهوم الديمقراطي في إطاره النظري، هو إقامة تسوية ما بين الأفراد. أما في حالة تطبيقه فتظهر صعوبة في تأمين التسوية العادلة ما بين الحقوق والواجبات الفردية، وهنا تظهر الحاجة المبدأية في أن لا تكون التشريعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ثابتة، وإنما يجب أن تحمل إمكانية الحركة في تطويرها كلما برز الاختلال في التوازن بين الحريات الفردية.
من هذا المنظار، وكي لا تصبح مسألة إعادة التوازن، الهدف المراد تحقيقه من تطوير التشريعات، ميكانيكية مادية تدفع الفرد كي يتسلط للحصول على مكاسب على حساب الآخرين، يأتي المفهوم الأخلاقي رادعاً معنوياً، لكي يلعب دوراً ذاتياً كابحاً ضد الانزلاق في دائرة التسلط الفردي.
ب- ا لمركزيـــــــــــــة:
فالتشريعات كما الرادع الأخلاقي لا يمثلاًن سوى سلطة معنوية ليس لها قوة إقامة الحدود ومنع الحريات الفردية من الطغيان على الحريات العامة. لذلك كان لا بد من سلطات مركزية يتم اختيارها اختياراً حراً من قبل الأفراد، كتعبير عن الحرية الفردية، لكي تمارس قوة الرقابة على تنفيذ التشريعات الديمقراطية.
وقد تتحول مركزية السلطة إلى أداة للتسلط؛ في مثل هذه الحالة، يأتي بناء المؤسسات الديمقراطية، ووسائل ممارسة الحريات السياسة، الحل الممكن للحد من أية محاولة للمركزية بالانحدار تجاه التسلط.


II: مفهوم الحزب ووظائفـه

ا- الحزب مجتمع مصغر:
يتميز الإنسان بالمقدرة على التفكير، وله الحرية في اختيار النظرياًت الفكرية والسياسية.
أما النظرياًت الفكرية والسياسية، فهي إسهامات من الأفراد في إغناء الفكر البشري، ولا تكتسب أهميتها إلا بمقدار استجابتها لحاجات الإنسان، ولا يمكن لها أن تؤمن هذه الحاجات سوى بالعمل على تطبيقها، والتطبيق لا يأخذ طريقه الجدي إلا إذا تضافرت جهود المؤمنين بهذه النظرياًت لترجمتها إلى أهداف واختيار الطريق المناسب لتنفيذها.
إذا خرجت الأفكار من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة تصبح ملكاً عاماً لها؛ وهنا يدخل العقل الفردي، باختياراته الفكرية الحرة دون خضوع أو إكراه، دائرة الجماعة، فيتفاعل معها، ويأخذ منها، ويرفد أهدافها الفكرية بطاقاته الفردية.
2- الحريـــــــة لها بعد اجتماعي
هنا قد يطرح السؤال التالي: إذا دخل عقل الفرد داثرة العقل الجماعي، هل يحصل انتقاص في حريته الفردية؟
حاجة الإنسان اًلأساسية أن يعيش في داخل مجتمع، لكنه لو عاش منعزلاً عن هذا المجتمع لانتقصت إنسانيته، ولا معنى لأن نقول عنه إنه حر أو مقيد. لكن الإنسان حتى لو لم يخضع إلى عوامل الضغط والإكراه البشري، فإنه سوف يخضع لعوامل الضغط والإكراه من جانب الطبيعة سواء كانت مادية أو حيوانية، فهو في مثل هذه الحالة لن يستطيع أن يمارس الاختيار الحر في طرائق مأكله ومنامه لأنه لن يستطيع أن يجبر نظام الطبيعة لأن يسير كما يشتهي هو كفرد.
فالحرية المطلقة هي شأن من شؤون الخالق، وليست من شأن المخلوق، لأن امكانيات المخلوق قاصرة عن تنفيذ كل الأهداف الفكرية التي يؤمن بها. فالحرية الفردية، إذاً، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع امتلاك وسائل القوة الكفيلة بتحقيق الأهداف المختارة إرادياً. وحيث إن وسائل القوة الفردية عاجزة عن ذلك، أصبح على الفرد أن يكون عضواً في داخل مجتمع، لأن المجتمع هو الذي يستطيع، بتضافر جهود أعضائه، امتلاك وسائل القوة النسبية التي تحقق الأهداف التي يختارها أعضاؤه مجتمعين أو الأكثرية منهم.
لا ينتقص من قيمة حرية الفرد انتماؤه المشروط إلى مجتمع ما، لأن الحرية الفردية ليست مطلقة، وإنما هي حرية اجتماعية لا فلسفية، فوجودها أو عدم وجودها خارج المجتمع لا قيمة له . فمن هنا كان الإنسان مخلوقاً اجتماعياً يكتسب قيمته من داخل مجتمعه. وتكتسب الحرية، إذاً، معناها الاجتماعي المقيِّد وتبتعد بالمقدار ذاته عن معناها الفلسفي المطلق.
وحيث إن الحرية تكتسب مفهومها من خلال المجتمع، كانت الحرية الفردية وممارستها مفهوم نسبي، تحقق الغاية من وجودها بالقدر الذي يضيِّق هذا المفهوم شقة التناقض أو التعارض بين أفراد المجتمع في خياراتهم الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
فالحرية لا تكتسب مفهومها من خارج المجتمع، والمجتمع لا يكتسب مفهومه الإنساني من خارج دائرة الحرية، فكيف نوفق بين المستوى الذي يرفض وجود الحرية بالمطلق، أي بمفهومها المأورائي النفسي، وبين تجسيدها في حقوق وواجبات محددة؟
إن بحثنا عن هذه المسألة لا يتناول جانبها المتعلق في خاصيات العلاقة بين الفرد والمجتمع الواسع، وإنما على الرغم من ارتباط المسألتين، تتناول العلاقه بين الفرد والحزب السياسي الذي ينتمي إليه.
فالحزب هو تجمع من الأفراد اختاروا أهدافاً فكرية ذات مضامين سياسية واقتصادية واجتماعية، ارتضوا فيما بينهم العمل معاً لتحقيق هذه الأهداف. فتجمُّعهم أصبح يشكِّل، ما اصطلح على تسميته، حزباً. فوظيفة الحزب هو ترجمة الأهداف الفكرية إلى واقع عملي. على الرغم من أن الحزب ليس مجتمعاً واسعاً وإنما هو تجمع لنخب من هذا المجتمع، فهو صورة مصغرة عن المجتمع الذي يطمح لبنائه. فتعريف الحزب، إذاً، هو أنه يمثل أهدافاً فكرية في السياسة والاقتصاد والمجتمع، أولاً، وإنه يشكل قوة لتنفيذ هذه الأهداف ثانياً.
حيث إن الحزب قد تُفرض عليه وسائل السرية في العمل، خاصة عندما يطرح أهدافاً تتناقض مع أهداف السلطات السياسية القائمة، فيلجأ عندئذ إلى بناء نفسه من الداخل بشكل يؤمن له تفويت الفرص على أجهزة السلطات من اكتشاف هيكله التنظيمي البشري وخطط عمله وأساليب حركته.
يصبح، في داخل الحزب، لكل فرد وظيفة، فبانخراطه الحر في الحزب، وفي قيامه بوظيفته يكمل قيام الآخرين بوظائفهم، وأي اختلال في ممارسة وظيفة الفرد ينتج عنه اختلال في وظائف الآخرين. ومن هنا يصبح دور الفرد في داخل الحزب ذو قيمة معنوية وتكتسب وظيفته قيمة مادية، ويصبح التفاعل بين الوظائف كلها عنصراً أساسياً في المحافظة على هيكلية البناء الحزبي الداخلي من جهة وفي تطوير وسائل العمل وارتقائها نحو الأفضل من جهة ثانية.
3- الدور الوظيفي للعضو الحزبي يزاوج بين المركزية والديمقراطية:
داخل هذه الدائرة المجتمعية/ النخبوية التي اصطلح على تسميتها حزباً، والتي حازت على شرط الثقافة والوعي بالأهداف الفكرية ووسائل تنفيذها، كيف يمكن التوليف بين الديمقراطية والمركزية؟
لتنظيم العلاقات بين الأعضاء المنتسبين إليها اتخذت الاحزاب العقائدية التي تتبع النظرية التنظيمية الهرمية التسلسلية، جملة من الاجراءات للتوليف بين الديمقراطية والمركزية. وحزب البعث العربي الاشتراكي كحزب يعتنق هذه النظرية اتخذ لنفسه إطاراً نظرياً ينظم العلاقات الداخلية على قاعدة المركزية الديمقراطية، فإلى ماذا تستند عوامل التوليف بين هذين الحدين في مفهوم الحزب؟
بالنظر إلى كل من هذين الحدين على انفراد، نرى أن التعارض بينهما هو القاعدة النظرية للعلاقة بينهما.
فالديمقراطية إذا لم تستند إلى مفهوم العلاقة بين الأنا والآخر، تقترب إلى حدود المفهوم الفلسفي للحرية والذي لا يرتضى أن يكون خاضعاً لأي إكراه أو قيود أو أية معيقات تحول دون تحقيق الأهداف سواء كان مصدرها إنسانياً أو مادياً.
ولأن الديموقراطية جاءت ذات مضمون سياسي مجتمعي حملت داخل ذاتها قيوداً. كذلك، حملت إمكانية ذاتية لتخفيف هذه القيود إلى الحد الذي لا تنفلت فيه تجاه الفوضى، وأن لا تتكاثر إلى الحد الذي تنحرف فيه اتجاه العبودية.
أما المركزية، فهي نظام فكري قد يجنح باتجاه التنازل عن القرار الذاتي لمصلحة الغير وهو الرضى بالعبودية، أو استخدام القرار الفردي (سواء كان فرداً أو أقلية ضئيلة) الذي يجنح باتجاه تكبيل الغير بإرادة الفرد وقراره. وهو ممارسة الاستعباد على هذا الغير.
سواء استندت المركزية إلى مبدأ الرضا بالعبودية أو مبدأ ممارسة الاستعباد فهي ديكتاتورية بالشكل والمضمون، وهذا بحد ذاته يشكل النقيض للديمقراطية بمضمونها الفلسفي.
وفي محاولة من الحزب صهر هذين الضدين في أتون واحد على قاعدة أن يتنازل كل منهما عن أقصى مضامين التطرف: من فوضوية الديمقراطية ومن ديكتاتورية المركزية، وُضعت تشريعات منصوص عليها في عقد يتوافق عليه الاعضاء الملتزمون حزبياً، وهو ما يعرف بالنظام الداخلي. وسوف نناقش مضامين هذه التشريعات، وبالتالي نخلص من هذه المناقشة لنرى من خلال واقع وتجربة ذاتية كم تستطيع نظرية المركزية الديمقراطية أن توالف بين حدين متناقضين.
4- التشريعات التنظيمية تخفف من الطغيان المتبادل بين المركزية والديمقراطية:
نرى بداية أنه لا بد من إعادة التذكير بمسلمتين اثنتين، لا يمكن بدون التقائهما وتفاعلهما أن يستقيم العمل الحزبي، وهما:
الأولى: وجود أهداف فكرية- إيديولوجية يعتنقها كل فرد من أعضاء الحزب، بوعي وحرية، دون ضغط أو إكراه، وهذا يمثل جانب الحرية الفردية بمفهومها الفلسفي.
الثانية: وجود قناعة بوجوب تحقيق هذه الأهداف. بهذه المسلمة يتحول الفكر من الدائرة النظرية إلى الدائرة العملية/ الاجتماعية، وبها يتحول الفكر من أجل الفكر، إلى الفكر لأجل مصلحة المجتمع. هنا، يتحول مفهوم الحرية، من الفردية إلى الجماعية.
إن تحويل الأهداف الفكرية/ الإيديولوجية، من أهداف نظرية إلى مصالح اجتماعية، يفترض جهوداً تتجاوز إمكانيات الفرد، وهذه الجهود تتوفر في تشكيل الحزب السياسي.
يمكن في داخل الحزب لكل عضو فيه أن يعتنق أهدافه الفكرية/ الإيديولوجية، بحرية ووعي ودوك ضغط أو إكراه. لكن عند البدء بالترجمة العملية لهذه الأهداف قد تتعدد الآراء حول أفضل الوسائل لإنجاح العمل؛ هنا، تتولد الإشكالية الأولى: أي رأيٍ يمكن اختياره الذي على أساسه يمكن التنفيذ العملي؟ هل هذا الاختيار يلزم المعارضين له؟
تتولد الإشكالية من الإلزام الذي هو معنى من معاني الضغط والإكراه، وبمجرد ارتباطه مع قضية الحرية، فإنه يشكل انتقاصأ من مفهومها الفلسفي.
من هذه الإشكالية، ومن نتائجها في إحداث الانتقاص من الحرية الفردية، هل يولد سبب يبرر للمعترض على الرأي المأخوذ به بالانفصال عن الجماعة التي انخرط معها على أساس قناعة مشتركة بالأهداف الفكرية/ الإيديولوجية؟
من الواقع التعددي في وسائل التطبيق، لن تعرف التعارضات بالآراء نهاية معروفة لها. وبحجة المحافظة على قدسية الحرية الفردية، تتوالى عملية الانفصال لأصحاب الرأي الآخر في عملية التطبيق، وهذه دائرة مفتوحة لن تعرف نهاية لها، واستنزافآ دائماً لا يسمح للحزب بأن يضع خطة تنفيذية لأهدافه ويكون متأكداً من إمكانية تطبيقها.
لكي يتم التوفيق بين الاعتناق الحر للأهداف الفكرية، وبين الضرورة الملحة في تطبيقها حتى تحقق الحاجة الإنسانية الكامنة فيها. بمعنى آخر، لكي يتم التوفيق بين الحرية الفردية في اختيار الأهداف، وبين الالزام في ترجمتها كحاجة اجتماعية، جاءت النظرية التنظيمية في المركزية الديمقراطية، بعدد من التشريعات للتوفيق بين الحرية الفردية والالتزام الجماعي، أي بين الحرية بمفهومها الفلسفي المطلق وبين الإلزام بمفهومه الاجتماعي المقيد. وهذه المسألة تدور حول نظرية المركزية الديمقراطية.
القاعدة الأساسية في التقريب بين المركزية، كمفهوم ديكتاتوري، وبين الديمقراطية، كمفهوم للحرية الفردية، تستند إلى عملية التنازل المتبادل للحدود المتباعدة بين دائرتيهما للاحتفاظ بالعناصر المشتركة المتقاربة، بحيث يشمل التنازل من جانب المركزية عن حالة الطغيان والتفرد، ومن جانب الديمقراطية عن حالة الفوضوية، والتخلي عن جزء من حريتها المطلقة لصالح حرية الآخرين.
إن التنازل المتبادل هي عملية إلزام ذاتي لكل من حدَّيْ العملية التنظيمية، وهو التزام مقيَّد، برضى الطرفين، بالضوابط التنظيمية المنصوص عليها في اللوائح والأنظمة الداخلية. ويأتي الالزام الذاتي والالتزام المقيَّد مستنداً، ليس إلى عملية آلية، وإنما إلى حصانة أخلاقية لها علاقة بالطبيعة البشرية للإنسان بما تحتويه هذه الطبيعة من تعقيدات اجتماعية ونفسية، قد تؤثر سلباً أو إيجاباً على حسن تنفيذ العقد الرضائي بين المركزية والديمقراطية.
في إطار العقد الرضائي، تأتي التشريعات/ النظام الداخلي لكي تمنع طغيان المركزية من أن تتحول إلى ديكتاتورية، لتقر للديمقراطية بحق الاختيار الحر للقيادة المركزية في عملية الانتخابات الحزبية، وفي ممارسة نقد القيادة ومحاسبتها في المؤتمرات الحزبية. وفي الجانب الآخر جاءت التشريعات/ النظام الداخلي، ولسبب تسهيل اتخاذ القرارات وتنفيذها، لتنص على حق الأكثرية في إلزام الأقلية بالتقيد بالقرارات المتخذة والاشتراك في التنفيذ.
ولأن الوثائق الحزبية السابقة قد تناولت بالتحديد مضامين وقوانين ونصوص التشريعات التي تنظم العلاقة بين حدَّيْ النظرية التنظيمية، لن ندخل في مسألة تكرار ما كُتب، وإنما سوف نلقي الضوء على هذه النصوص كلما وجدنا أن منهج بحثنا يحتاج إلى ذلك.
إن منهج بحثنا سوف يتناول الإشكاليات التي يثيرها واقع تطبيق التشريعات التنظيمية من وجهة نظر تجريبية، لماذا؟
إن الواقع والتجربة التي مرَّ بهما حزب البعث العربي الاشتراكي، و على الرغم من وجود نصوص واضحة تحدد العلاقة بين المركزية والديمقراطية، يؤشران على وجود مصاعب ومتاعب ونقاط خلل عانى الحزب منها ولا زال وقد لا تنتهي.
لأن الطبيعة البشرية معقدة لأسباب اجتماعية ونفسية، ولأن الحرية، لاسباب ذاتية ونفسية، تجنح باستمرار نحو الفردية، ولأن العقود التشريعية قد لا تُلِمُّ، وهي لن تلم، بكل هذه التعقيدات الاجتماعية والذاتية، سوف تبقى الإشكاليات مستمرة في التوفيق بين الذات والمجموع. لكن، إذا تميزت النظرية التنظيمية بسمة الحركة وتحررت من الجمود فإنها وإن لم تستطع الخلاص من الإشكاليات بشكل كامل، وهي لن تستطيع، فعلى الأقل هي قادرة على مواجهتها بالمعالجة المستمرة للتخفيف من آثارها السلبية.


III: إشكاليات مصدرها التشريعات التنظيميـــــــة

إذا اعتقدنا أن الاختيار الواعي هو شرط أساسي من شروط ممارسة الحرية، والاختيار لن يكون واعياً إلا باكتساب التعليم والثقافة كشرط مهم أولي.
وإذا اعتقدنا، كذلك، أن الثقافة كأساس للمعرفة السائدة في المجتمع الموجود أو المنشود، ليست شرطاً كافياً للأختيار الواعي إذا لم تقترن بالسلوك الأخلاقي ذي المحتوى الاجتماعي.
فالحرية الفردية والاجتماعية، إذاً، لن تتحقق إلا بشرطيْ المعرفة والأخلاق، لذلك نرى بأن واجب الإنسان اًلملتزم في حزب يهتدي بأهداف فكرية/ اجتماعية، أن يكون مثقفاً ومتمرساً بمعرفة مجتمعه المنشود وأخلاقيته.
لكن... نجد أن الواقع، خاصة في مجتمعنا الذي يحبو باتجاه التحرر، لم ينجب حتى الآن الطليعة الملتزمة بالمعرفة والأخلاق والتي تمثل حداً مقبولاً لإحداث الانقلاب المنشود في واقعنا المتخلف. وإذا أُضيف إلى شرطيْ تكوين الإنسان اًلواعي: معرفة وأخلاقاً، وجود التعقيدات النفسية والاجتماعية ذات الطبيعة البشرية، لاستطعنا أن نتصور حجم الإشكاليات التي واجهت، أو تواجه، أو سوف تواجه مسألة التوليف بين حدي النظرية التنظيمية: المركزية والديمقراطية.
ا- إشكاليات مصدرها المركزيـــــــــة:
للمركزية أهمية في حياة الحزب التنظيمية، فهي تلعب دوراً أساسياً في المحافظة على وحدة الحزب تنظيمياً وفكرياً وسياسياً. وهي تستمر في دورها هذا، بجواًنبه الايجابية، دون أية انعكاسات سلبية إذا استطاعت أن تحافظ على مضمون الديمقراطية وممارستها بدون أية عوائق في حياة الحزب الداخلية.
فالمركزية، كمفهوم تنظيمي، تعني سيطرة القيادة العليا على زمام الأمور من جهة وتلزم القيادات الدنيا، كذلك القواعد الحزبية، بقراراتها.
يأتي إلزام القيادات الدنيا بقرارات القيادة العليا، تنازلاًً من الأقلية في داخل الحزب عن جزء من حريتها لصالح الأكثرية فيه. هذا الإلزام/ الواجب، يمركزة السيطرة في يد القيادة العليا كضرورة لتسهيل اتخاذ القرارات والإشراف على تنفيذها.
مع أن القيادة العليا وصلت إلى موقعها بإرادة الأكثرية ومن ضمن مؤتمرات مورست فيها انتخابات حزبية حرة، ومع أن مدة التكليف الديمقراطي للقيادة محدودة بعدد من السنين تحاسب بعذها، أو في أثنائها، داخل هذه المؤتمرات، نرى أن عدداً من العوامل قد تؤثر في منع تطبيق هذه التشريعات التنظيمية، ذات المضامين الديمقراطية، تطبيقاً دقيقاً. وهذه العوامل قد تكون إما موضوعية وإما ذاتية.
أ- العوامل الموضوعية:
تأتي في أولويتها العوامل التالية:
الأول- قد تعلق القيادة القومية النظام الداخلي للحزب، أو جزءاً منه، لظروف يعود تقديرها للقيادة وحدها على أساس مسؤوليتها اللاحقة أمام المؤتمرات الحزبية.
الثاني- قد يتم تأجيل انعقاد المؤتمرات الحزبية لظروف تقدرها، كذلك، القيادة العليا. وهذا يعني منعاً للقاعدة الحزبية من محاسبة القيادات، ومن ممارسة الحق الديمقراطي في إجراء انتخابات حزبية في مواعيدها.
هذان العاملان يبطلان عدداً من التشريعات التنظيمية التي وُضعت لحماية الديمقراطية، حينئذ تتجه الأمور نحو تغليب النهج المركزي.
قد تكون الظروف التي دفعت القيادة العليا إلى اتخاذ إجراءات التجميد موضوعية فعلاً، وقد لا تكون كذلك، فالأمر سيان لأن النتائج على الديمقراطية واحدة، وهي تظهر في تجميدها للحياة الحزبية. وكي لا تتحول الظروف الموضوعية أو غيرها إلى سبب يحول دون ممارسة الحق الديمقراطي، متجاهلة، على الرغم من مشروعيتها، حالة العطاء النضالي المفترض أن يواجه المناضلون، على أساسها، الظروف مهما كانت صعبة، خاصة، إذا طالت مدة استمرارها.
إذا كانت صلاحية تجميد النظام الداخلي، أو جزء منه، مثل تأجيل المؤتمرات الحزبية، مشروعة نظرياً، فإنها تفتقد شرعيتها العملية في الحالة التي تصبح فيها مطلقة وغير محددة بوقت معين، لأنه ومهما كانت الظروف صعبة فإنها ليست أصعب وأكثر سلبية من غياب الحق الديمقراطي في حياة الحزب الداخلية.
ب- العوامل الذاتيـة:
قد يكتسب عدد من الحزبيين قدراً متميزاً من الثقافة والمعرفة، وقدراً متميزاً من السلوكات الأخلاقية، وقد يجتازوا التعقيدات الذاتية إلى حد كبير.
لكن، وحيث إن هؤلاء هم بشر، ولا يمكن لإنسان ما أن يتخلى كلياً، بوعي أو بلا وعي، عن نزعاته وطبائعه وذاتياًته كعوامل إنسانية، تأتي هذه العوامل لتلعب دوراً سلبياً لمن هم في موقع القيادة العليا في تغليب النهج المركزي على النهج الديمقراطي.
ج- ما هي هذه الإشكاليات؟
فالآثار السلبية التي تعكسها العوامل الموضوعية والذاتية، منفردة أو متحدة، على الحياة الديمقراطية في داخل الحزب، لها انعكاسات مؤذية لأنها تمنع تطوير عمل الحزب وانتاجيته على طريق تحقيق الأهداف الفكرية والإيديولوجية.
ولأن القيادة العليا، قد تقدر أن الظروف التي حالت، أو تحول، دون ممارسة الحياة الديمقراطية لا يمكن تجاوزها ، كما تقدر أن القفز فوقها قد يعرض الجهاز الحزبي إلى مخاطر جدية. قد تدفع هذه المخاطر المفترضة القيادة إلى اعتناق معادلة ثابتة: إما أن نعرض الحزب للخطر إذا تم القفز فوق الظروف الصعبة، وإما أن تلجأ إلى تشريع الهيمنة المركزية حتى تزول هذه الظروف مهما طالت. إذ ذاك تصبح هذه المعادلة مبرراً لتمكين المركزية وتعزيزها في حياة الحزب.
لكي لا يقع الحزب أسيراً لهذه المعادلة، ولأنه لا معادلة ثابتة تدل على أن الحفاظ على المركزية هي محافظة على الحزب بالمطلق حتى في الظروف الصعبة، نرى أن هناك إمكانيات كثيرة لتطوير التشريعات التنظيمية بهدف تقصير مدة الاعتماد على المركزية في الظروف الصعبة والعودة إلى المضامين الديمقراطية في حياة الحزب، فسيادة الحياة الديمقراطية هي الغاية والهدف.
لقد شُرِّعت المركزية وأُعطيت صلاحيات محدودة لظروف وأهداف تنظيمية محدودة كذلك؛ وتأتي ضمن هذه الأهداف، إزالة العراقيل التي تحول دون ممارسة صحيحة للديمقراطية في حياة الحزب الداخلية. فلا يجوز، إذاً، أن تصبح المركزية غاية في حد ذاتها، فالديمقراطية هي الهدف والمركزية هي أحد وسائل ممارستها ولا يمكن أن تنوب عنها مهما قست الظروف وصعبت.
لكل تلك الاعتبارات، ولأن الظروف الصعبة في الحياة النضالية للحزب هي القاعدة، ولأن الحالة النضالية هي القاعدة في مواجهة الظروف الصعبة، تصبح هذه الظروف سبباً غير كافٍ، كما لن تكون مبرراً دائماً لتحديد صلاحيات مطلقة وغير محددة بزمان معين تعمل على تكبيل الحياة الديمقراطية . يأتي في أولوية هذه التشريعات كل ما يتناول تجميد النظام الداخلي أو أي جزء منه والذي يكون من نتائجه تغييب المؤسسات الديمقراطية الأساسية، ومن أهمها ما يتعلق بالمؤتمرات الحزبية أو ممارسة الحق الانتخابي الحزبي.
د- آراء في معالجة هذه الإشكاليات؟
في ممارسة الديمقراطية إغناء لمسيرة الحزب، فكرياً ونضالياً وسياسياً، لأنها تحمل التنوع في الآراء والوسائل والأساليب، فالمركزية في ظل ظروف طغيانها تمنع هذا الغنى والتنوع، والبديل لهما هو وقوع الحزب أسيراً لأفكار محددة من أفراد قلائل، ونتيجته الجمود الفكري والنضالي والسياسي.
كان من الممكن ان نطمئن على حياة الحزب، كأن يُوضع في أيدي قلة قليلة من الأفراد الموثوق بغناهم الفكري والنضالي والأخلاقي، فيما لو كانت الحقيقة مطلقة وثابته وليست نسبية. ولأن الحقيقة ليست مطلقة، يأتي إغناء الحياة الداخلية للحزب بقيادات أخرى، ضرورة وواجباً. وحتى لا يخسر الحزب أو يهمل أعضاءه الذين يتميزون بالغنى الفكري والنضالي، نظراً أو تجربة ، إذا لم يجدد لهم مواقعهم القيادية، يمكن المحافظة على هؤلاء بأكثر من طريقة.
إذا كان بالإمكان، أن نطرح بعض البدائل النظرية والعملية لمعالجة هذه الإشكاليات، بعد أن قمنا بتحديدها، فإنما لكي تشكِّل هذه البدائل حافزاً لابتكار أفكار وبدائل أخرى.
الأول- تجميد النظام الداخلي أو جزء منه في ظروف تحددها القيادة القومية.
عندما تقوم القيادة القومية بممارسة صلاحياتها في هذا الاطار، إنما تكون هذه الممارسةمشروطة بمسؤوليتها اللاحقة أمام المؤتمر القومي، فإذا امتدت المهلة الزمنية بين مؤتمرين قوميين أكثر من المدة المحددة في النظام الداخلي، قد تفوت الفرصة المناسبة لمحاسبة القيادة في الوقت المناسب وإصلاح الخطأ الذي قد تقع فيه، إذا وقع، ولن يتم تدارك المخاطر أو منع استفحالها.
غالباً ما يكون تجميد النظام الداخلي، أو أي جزء منه، له علاقة بإصلاح وضع بعض المنظمات القطرية على مسؤولية القيادة اللاحقة. فإذا لم يتم تحديد مدة التجميد وأسبابه، وإذا لم يتم التشريع في إعادة الديمقراطية أمام المؤتمرات القطرية في الوقت المناسب، قد تنتقل القيادة العليا في القطر إلى موقع الإغراق في المركرية، وتصبح سيفاً مصلتاً على الأقلية فيبقى الحزب مستنداً فقط على قاعدة حزبية لا تمتلك الجرأة على ممارسة أي دور نقدي.
أما إذا لم يوجد لمشكلة ما حلاً جاهزاً فإن ذلك لن يلغي وجود هذه المشكلة. وإذا لم يكن هناك من بديل نظري، كتجميد النظام الداخلي أو جزء منه، كتدبير مركزي، فإن ذلك لن يلغي وجود افتئات على الديموقراطية. لكن أن تُترك المشكلة عالقة بدون حل ففيه ما يتعارض مع المنطق، لذا يجب أن يندرج استخدام هذا الحق المركزي من قبل القيادات العليا على قاعدة أبغض الحلال، بحيث لا يتم اللجوء إليه إلا إذا تم استنفاد كل البدائل الأخرى، وإذا كان لا بُدَّ من استخدامه يجب أن يشمل قرار هذا الاستخدام شروطاً مشددة وواضحة، وعلى أن ينتهي مفعول الاستخدام في مدة زمنية قياسية.
الثاني- تأجيل انعقاد المؤتمرات العليا في الفترات المنصوص عليها في النظام الداخلي.
إذا كانت المؤتمرات هي إحدى أهم أشكال الحق الديمقراطي في الحزب، فإن غيابها يشكل غياباً لهذا الحق بمعظم أشكاله ومضامينه، إذ ذاك تصبح المركزية هي القاعدة والديمقراطية هي الاستثناء.
في غياب المؤتمرات الحزبية تظهر الإشكاليات التالية:
* خضوع القيادات العليا للمحاسبة أمام القاعدة الحزبية. فالمحاسبة واجب على القيادات وحق للقواعد، شريطة أن تمارس فقط في داخل المؤتمرات الحزبية، كما ينص النظام الداخلي. لكن في غياب المؤتمرات يصبح الواجب والحق غير ذوات مضمون فعلي.
* يأتي انتخاب القيادات في المؤتمرات الحزبية حق ديمقراطي من حقوق القواعد الحزبية، فإذا غابت المؤتمرات يصبح هذا الحق دون مضمون فعلي، وعن هذه الإشكالية تتفرع السلبيات التالية:
- بقاء القيادات المنتخبة لأكثر من المدة المنصوص عليها في النظام الداخلي مما يؤدي إلى سيطرة المركزية وبالتالي سيطرة الأسلوب الواحد في قيادة الحزب، وغياب تنوع الأساليب النضالية على شتى المستويات، وهذا بدوره يمنع الحزب من تطوير أساليبه ، عندما لا يُغنى بالطاقات الحزبية الجديدة.
-إذن استمرار القيادات العليا في مواقعها لفترات زمنية طويلة، قد يؤدي بفعل طول الزمن إلى شغور في المواقع القيادية لأكثر من سبب، مما يدفع بمشكلات جديدة إلى الواجهة، وهي إما تراكم في المهمات على أعضائها الباقين ومن نتائجه إرهاق فتقصير، وإما اللجوء إلى أسلوب التعيين لملء الشواغر، وهذه الوسيلة تلعب دوراً سلبياً ليس باختيار الأفضل وإنما في صعوبة الاختيار بين عدد من المتكافئين بالمواصفات المطلوبة، كذلك في خلق محاور شخصية إذا استخدم هذا الأجراء من خلفيات ذاتية أو غير واعية، وقد تخلق استياءً من قبل الذين لم يطالهم التعيين. وكل تلك الاجراءات لن تمر من دون آثار سلبية تختلف خطورتها باختلاف وسائل العلاج. لكن كل النتائج سوف لن تكون في مصلحة الحزب الذي يعتمد الديمقراطية هدفاً من أهدافه الأساسية.
فإذا كانت الظروف الصعبة سبباً في منع انعقاد المؤتمرات ومبرراً لاستمرار قيادة الحزب مركزياً بحجة تجاوز الأخطار الأمنية، فإن في هذه الحالة احتمالات واسعة في أن يلحق بالحزب أخطار ناجمة عن غياب الحالة الديمقراطية قد تكون أشد ايلاماً على الحزب من الأخطار الأمنية.
الثالث- بعض الاقتراحات للإسهام في تخفيف الآثار السلبية للمركزية:
للتخفيف من الآثار السلبية التي تتركها المركزية على مسيرة الديمقراطية في حياة الحزب الداخلية يمكن استعراض عدد من الأفكار.
- إذا كان تجميد النظام الداخلي أو أي جزء منه حقاً تمارسه القيادة القومية أحياناً كثيرة بناء لطلب القيادات الرأسية في الأقطار، يمكن أن تستخدم حقها هذا ضمن شروط مشددة وواضحة، على أن لا تتجاوز مدة التجميد أكثر من فترة زمنية قياسية يتم تحديدها في طلب التوصية من القيادات الرأسية، كذلك في القرار الذي يصدر عن القيادة القومية.
- يأتي تأجيل المؤتمرات الحزبية بناء على توصية من القيادات الرأسية في الأقطار بعد موافقة القيادة القومية، كذلك يؤجل انعقاد المؤتمر القومي بناء لقرار من القيادة القومية. ويمكن ممارسة هذا الحق أيضاً لكن بشروط مشددة على أن لا تفوق مدة التأجيل، مثلاً، فترة تتجاوز نصف دورة عادية للمؤتمر المعني، كأن تحل، بعدها، مكان القيادة السابقة هيئة أخرى يكون المؤتمر السابق قد انتخبها أو حدد مواصفاتها أو نالت موافقته، أو يعتبر المؤتمر بعد نهاية المدة منعقد حكماً لممارسة صلاحياته دون العودة إلى القيادة المعنية.
- لغاية ضخ دم جديد، ولافساح المجال أمام طاقات حزبية أخرى تُغني العمل القيادي فى الحزب، على مستوى القيادة الرأسية بشكل خاص، والقيادات الأخرى بشكل عام، أن يعطى حق الترشيح في الانتخابات اللاحقة لأقل من 50 % من أعضاء القيادة السابقين على أن يتم اختيارهم إما في داخل القيادة السابقة أو في داخل المؤتمرات.
وإذا أُعطيت صلاحية الاختيار للمؤتمر، يمكن أن تقسم الانتخابات في داخل المؤتمرات، وفي جلسة انتخابية واحدة، إلى مرحلتين:
الأولى: يقوم المؤتمر باسقاط حق الترشيح لأكثر من 50 % من أعضاء القيادة السابقين، وبطريقة الاقتراع السري.
الثانية: يحق لمن لم يسقط حقهم بالترشيح من أعضاء القيادة السابقين في ترشيح أنفسهم للقيادة الجديدة إذا أرادوا ذلك.
وللاستفادة من الإمكانيات الفكرية أو النضالية لأعضاء القيادات السابقين، لأكثر من دورة حزبية، يمكن إنشاء مجلس استشاري حزبي من هؤلاء بما لا يتجاوز أعضاء القيادة المنتخبة. يقوم هذا المجلس بمساعدة القيادة في تقييم أعمالها وبتقديم الرأي والمشورة في وضع الحزب ونشاطاته، على أن يُستدعى هذا المجلس إلى عقد اجتماعات دورية مع القيادة الرأسية في القطر، أو يتم استدعاؤهم كلما دعت الحاجة لذلك.
أما الأعضاء الباقون، فيمكن أن يسهموا، كل حسب خبراته، في المكاتب الحزبية المتخصصة.
وحتى لا يبقى رأي الأقلية أسيراً في دوائره الضيقه، وكي لا يُنسى، وحتى يشكل حافزاً لاستمرارية الحالة الحوارية في داخل الحزب بقياداته الهرمية وقواعده، يمكن استنباط منبر اعلامي فكري داخلي: قومي وقطري، على أن يكون منبراً دورياً موازياً للمنبر الإعلامي الداخلي الذي يعبر عن رأي الأكثرية، على أن تنشر فيه ما تنتجه الأقلية من مواد ثقافية أو سياسية ، ويكون هذا المنبر حراً يفتح المجال في الردود على الاتجاهات المطروحة للمناقشة.
2- إشكاليات مصدرها الديمقراطيـــــــــة:
أي حزب يختط له طريقاً تنظيمياً استناداً إلى نظرية المركزية الديمقراطية، إنما هو حزب يستخدم المركزية لتنظيم الحالة الديمقراطية في حياته الداخلية والعمل على صيانتها كهدف أساسي لكل الحزبيين. كما تأتي الهيئات القيادية فيه نتيجة اختيار حر للقاعدة الحزبية لكي تقوم بالوظائف الأساسية التالية:
- صيانة الحياة الديمقراطية والمحافظة عليها وتنظيمها.
- قيادة الحزب، سياسياً وفكرياً، في غياب المؤتمرات.
- وجود آلية لاتخاذ القرار في الوقت والظرف المناسبين وتسهيل اتخاذه.
ولأن القرار محصور في أيدي قلة داخل الحزب، فكيف يستطيع، إذاً، صيانة الحياة الديمقراطية فيه؟
يمارس الحزبيون حقهم الديمقراطي من ضمن إطارين أساسيين:
الأول: تحديد استراتيجة الحزب في داخل المؤتمرات، إذ يلعب الحزبيون دورهم كاملاً في النقاش وبالتالي التصويت على خطوط هذه الاستراتيجية وخطط تنفيذها.
الثاني: انتخاب القيادة، التي تعمل على تنفيذ الاستراتيجية، انتخاباً حراً في داخل المؤتمرات. ومع أن القيادة المنتخبه هي التي تمتلك صلاحيات تنفيذ الخطط، لا تتوقف الحياة الديمقراطية عند الإطارين المذكورين وإنما تتابع مهماتها وتمارس الرقابة على القيادة من خلال خطين:
أولهما: يقع في سياق المهمة المستمرة، على قاعدة النقد من خلال الهرم التنظيمي التسلسلي.
أما ثانيهما: فيقع في سياق المهمة المؤجلة، على قاعدة محاسبة القيادة داخل المؤتمرات، حيث تخضع القيادة للمحاسبة، وقد تدفع لقاء تقصيرها أو خروجها عن استراتيجية الحزب ثمن عدم انتخابها، جملة أو أفراداً، لفترة قيادية أخرى.
لكن هل يمكن أن تتم هذه العملية من دون عوائق؟ نعتقد، بعد استقصاء التجارب السابقة الطويلة، أن الإطار النظري، على الرغم من مظاهره المنطقيه، لا يمكن ضمان تطبيقه بحذافيره، والسبب يكمن في عدد من العوامل الموضوعية والذاتية.
أ- العوامل الموضوعية:
ويأتي على رأسها التأخير في انعقاد المؤتمرات. وهذا ما قمنا بالحديث عنه سابقاً. أما فيما يتعلق بمبدأ النقد في سياق العمل المستمر واليومي، قد تستفيد القيادة منه في تقييم أو تقويم سياستها، لكنه على كل حال غير ملزم للقيادة، وليس له التأثير العملي على قراراتها.
ب- العوامل الذاتية:
إذا حسبنا أن العوامل الموضوعية توفر الجو المناسب لممارسة الحياة الديمقراطية في داخل المؤتمرات، فقد تحول دون ممارستها بشكل كاف أو صحيح عدة عوامل ذاتية لإن الممارسة الكافية والصحيحة لها تتطلب شرطين أساسيين، لهما علاقة وثيقة بين القيادة والقاعدة، وهما:
- ان يتميز أعضاء القيادة كأفراد، أو القيادة كمجموعة، بدرجة متقدمة من الوعي الفكري، والتميز بصفات عالية من الأخلاق الثورية، ومن الصفات الشخصية كالتخلص من التعقيدات النفسية والاجتماعية.
- كذلك تتطلب ممارسة الحياة الديمقراطية بشكل موضوعي وكاف وصحيح مواصفات فكرية وأخلاقية وشخصيه متميزة عند القواعد الحزبية.
إذا كان للقيادات دور موجه ومنظم لممارسة الديمقراطية، فإن هذه الممارسة لا تستقيم بشكلٍ كافٍ إذا لم تكن القواعد الحزبية مؤهلة، فكرياً وثورياً، تأهيلاً جيداً. لأنه إذا ما اعترى تأهيل أعضاء الحزب نقص ما، فإنه ينعكس نقصاً على الممارسة الديمقراطية، وهنا، يبرز عدد من الإشكاليات.
قد تصاغ النظرية الديمقراطية بشكل واضح وجلي، وقد تكون نصوص التشريعات جلية كذلك بحيث يتم استيعابها بشكل كاف. لكن الوضوح النظري وإن شكل جانباً مهماً في المسألة الديمقراطية إلا أنه ليس الوحيد، ولكي تستقيم هذه المسألة وتأخذ أبعادها وتنعكس نتائجها الاجتماعية الإيجابية على حياة الحزب، لا بُدَّ من توفر إمكانيات الممارسة السليمة لها. فالوضوح النظري والممارسة السليمة هما حدان أساسيان في هذه المعادلة.
فالإشكاليات، إذاً، اما أن تستمر وإما أن تنحسر تبعاً لاستمرار أو انحسار هذين الحدين: الوضوح النظري والممارسة السليمة، وتأتي دينامية التفاعل بينهما لتشكل مختبراً دائماً يلعب دور المعالج لأي خلل يبرز في العلاقة بينهما.
فالوضوح النظري: يقتضي من أعضاء الحزب استيعاب أهداف الحزب الفكرية والسياسية والاستراتيجية وكيفية تطبيق هذه الأهداف. فالوضوح النظري، إذاً، هو شرط أساسي لممارسة الحق الديمقراطي في النقد والنقد الذاتي، وفي محاسبة القيادة داخل المؤتمرات.
فهل يعقل أن يتوجه عضو ما في نقد القيادة أو محاسبتها، أو في نقد رفاقه أو محاسبتهم على تقصير ما أو خطأ ما، تكون القيادة قد وقعت فيه، أو أي عضو حزبي آخر، إذا كان النقد خالياً من مضمون واضح؟
إذا كان الآخرون، في داخل الحزب، يعملون على تنفيذ مهماتهم الحزبية التي هي الترجمة الفعلية لأهداف الحزب واستراتيجيته، وإذا كان للعضو الحزبي حق النقد والمحاسبة للآخرين، فإن هذا الحق مرتبط بموضوع التنفيذ، هنا يكون الحق موضوعياً ومقبولاً إذا كان العضو الناقد قد امتلك وضوحاً نظرياً لأهداف الحزب واستراتيجيته، ويبتعد عن الموضوعية إذا كان هذا الوضوح غائباً.
فامتلاك الحق، إذاً، يصبح دون معنى إذا لم تكن حدود هذا الحق واضحة، وإلا فالمطالب به قد يتجاوز هذه الحدود فيجد نفسه كما يجده الآخرون قد أصبح في داخل دائرة حقوق الآخرين، وهذا ليس من الديمقراطية في شيء.
جاءت أهداف الحزب، بمبادئه ومقرراته وأنظمته، واحدة واضحة منصوصاً عليها، فوضوحها آتٍ من نصوصها المنشورة والمنتشرة، ووحدتها أتت من توحيد تعميمها كثقافة يتم مناقشتها وشرح مضامينها على مستوى واحد داخل الخلايا الحزبية كافة.
تأتي، إذاً، العلاقة بين الحق الديمقراطي للحزبيين وبين محاسبة القيادة أو انتقادها موضوعية وهادفة لتصب في مصلحة الحزب، كلما كان هذا الحق ملتصقاً بالأهداف الفكرية/ السياسية الموحدة. ويصبح هذا الحق عبثياً كلما جاء بعيداً عن هذه الأهداف، كأن تكون محاسبة القيادة، أو الرفاق الآخرين، مستندة إلى صورة فكرية أو تنظيمية أو سياسية مثالية يكون الناقد قد كونها في ذهنه. ولكي لا تختلط الأمور وتتداخل، وكي لا يكون حق المحاسبة والنقد بدون ضوابط، فإنه يكون مشروعاً وديمقراطياً ويرتقى إلى مستوى الحق إذا كان منسجماً ونابعاً من نصوص ومضامين الأهداف المتفق عليها. وكي لا يفوت الحزب فرصة الاستفادة من الصور الفكرية أو التنظيمية أو السياسية التي كونها عضو أو أعضاء آخرين في داخل الحزب، إنما يكون من حق هؤلاء عرض صورهم الفكرية أو التنظيمية أو السياسية للمناقشة في داخل الحزب، وليس لمحاسبة الآخرين على أساسها. فإذا أخذ بها حسب أصول نظرية المركزية الديمقراطية أصبحت ملكاً للحزب وتشكل حينئذ قاعدة للمحاسبة.
فالوضوح النظري لأهداف الحزب الفكرية والإيديولوجية والتنظيمية والسياسية، والاستراتيجية في تحقيق هذه الأهداف، يمنح الحزبيين حقاً ديمقراطياً كما يصبح هذا الحق واعياً وموضوعياً يحقق الغاية من وجوده، فالحرية لا معنى لها بدون اكتساب الثقافة والمعرفة. ويصبح للحرية الديمقراطية في داخل حياة الحزب قيمة إذا اقترنت بالثقافة الواضحة والمعرفة الناضجة لأهداف الحزب واستراتيجيته.
أما الممارسة السليمة: فتشكل الحد التوأم للوضوح النظري كحدين أساسيين لممارسة الحياة الديمقراطية من داخل الحزب. لكن إذا تميَّز الحزبيون بالمقدرة على اكتساب الثقافة والمعرفة لأهداف الحزب، فإن الثقافة والمعرفة يكتسبان مضامينهما الاجتماعية كلما كان العمل جاداً في سبيل ترجمتهما لصالح المجتمع. كذلك سوف يبقيان ديكوراً يجمِّل بهما الحزبي نفسه إذا عجز عن ترجمتهما افعالاًًواقعية داخل الحزب، ولن تكون الترجمة سليمة إلا باكتساب المقدرة على الممارسة السليمة، ولهذه شروط قد تشوبها بعض التعقيدات لعلاقتها بالمستوى النفسي والاجتماعي والشخصي للعضو الحزبي.
إذا كان الأمر يتعلق بتحديد المواصفات النفسية والاجتماعية والشخصية المطلوب توفرها عند الحزبي، فهذه ليست مسألة شائكة، فالتراث الفكري الإنساني غني في هذا الجانب. لكن الأمر يتعلق بآلية تمكن العضو الحزبي من اكتساب هذه المواصفات. كما أن هذه الآلية ليست وصفة طبية جاهزة، إنما هي معقدة تعقيدات المشاكل التي تستدعي وجودها، ولذلك يجب أن تحمل ضرورة تجددها باستمرار لتواكب خصوصية المشاكل الناشئة.
وعلى الرغم من أن التعقيدات، تلك، تحمل الطابع الفردي والشخصي، فإن طريقة علاجها تحمل ضرورة التفاعل بين العضو الحزبي وبين المؤسسة الحزبية، لأن إزالة هذه التعقيدات تتطلب وقتاً وجهداً في عملية تربوية متواصلة ليست محددة بزمن أو بظرف، والسبب أن الخفايا النفسية والاجتماعية والشخصية للفرد تتوالد بصورة متواصلة تواصل الحياة الدنيا.
إن الخصوصيات التي تحملها المواصفات النفسية والاجتماعية للفرد الحزبي، ليست سلبية تماماً، وإنما تحمل في ذاتها مضامين التجدد والإغناء، لأنه في غيابها يكون التجانس الكلي بين الأفراد هو البديل ومن نتائجه تتحول الذات البشرية إلى آلة جامدة أو معادلة حسابية ثابتة تطبق على كل الأفراد في كل الظروف. من هذه الحقيقة نستند في اعتقادنا إلى أن العلاج يمكن أن يصب جهوده على إزالة التعقيدات وتنمية الخصوصيات الشخصية التي تعزز الغنى والتجدد في حياة الحزب الد اخلية.
دينامية التفاعل بين الوضوح والممارسة السليمة: يتشكل في ثنائي الوضوح النظري والممارسة السليمة حدان متفاعلان، يؤثر أو يتأثر أحدهما بالآخر، فالحد الأول يصبح غير ذي مفهوم عملي إذا لم يقترن بالممارسة، كذلك الممارسة تتخبط عشوائياً إذا لم يقودها الوضوح النظري.
إذا كانت الحالة التفاعلية مفقودة بين هذين الحدين يتولد مبدأ الضرورة والواجب الذي يضع على عاتق النظرية الديمقراطية مهمة التميز بدينامية التطوير المستمر لإبقاء عوامل التفاعل حية ومستمرة. وهذه الدينامية تعمل على أساس تطوير الجانب النظري كلما برز قصور فيه عند التطبيق، ومراقبة السلوك والممارسة كلما برزت فيهما ثغرات تتنافى مع الجانب النظري.
بين التعقيدات النفسية/ الاجتماعية وبين الخصوصيات الفردية/ الذاتية كمنبع للإبداعات، لا يمكن التمييز بسهولة وبدقة. وعلى الرغم من ذلك سوف نحاول تحديد بعض التعقيدات النفسية/ الاجتماعية بمظاهرها السلوكية، التي تعيق الممارسة السليمة للحياة الديمقراطية في داخل الحزب.
ج- آراء في معالجة هذه الإشكاليات:
إن ممارسة الديمقراطية، كمفهوم معقد، تتطلب مواصفات موضوعية تشكل أساساً ضرورياً للمواصفات الذاتية، فالمواصفات الموضوعية، إذاً، ليست سوى الوعي الفكري والسياسي والاستراتيجي لأهداف الحزب الفكرية/ الإيديولوجية/ السياسية. أما المواصفات الذاتية فتأتي في دائرة الأخلاقية الثورية المستندة إلى السوية النفسية الاجتماعية كخصائص شخصيه عند الفرد الحزبي، التي لا يمكن بدونها أن يكتسب صفات الاستقلالية بالرأي، الابتعاد عن الخضوع لأية ضغوط، مبدأ اختيار الأسلم، الترفع عن الخضوع لنزوات العلاقات الخاصة، الامتناع عن ممارسة أسلوب المجاملة على حساب القناعة الموضوعية، الخضوع للخوف، الامتناع عن التكتل...
تأتي المواصفات الشخصية للفرد الحزبي السلبية/ الايجابية لتترك آثاراً سلبية أو إيجابية على نتائج الممارسة الديمقراطية لأهم مباديء المركزية الديمقراطية وهي: الانتخابات الحزبية، النقد والنقد الذاتي، محاسبة القيادات، خضوع الأقلية لقرار الأكثرية.
استزادة في الوضوح، ومواكبة لمبدأ الدينامية، كضرورة لتطوير النظرية التنظيمية وتطبيقاتها العملية، يمكننا القاء بعض الاضواء على تلك المباديء المذكورة بما وفرته التجربة وإعادة النظر على طريق المساهمة بعدد من الأفكار التي تحقق الغاية المرجوة من مبدأ الدينامية الديمقراطية.
الأول: الانتخابات الحزبية:
لأن مصير الحزب بأهدافه الفكرية والإيديولوجية والسياسية مرتهن لسنوات، تفصل بين الدورة الانتخابية والأخرى، بين أيدي قلة من الحزبيين، تأتي الانتخابات الحزبية مفصلاً مهماً بين الدورة والأخرى، فإما أن يكتسب الحزب عدداً من السنوات في سبيل تطويره ودفعه إلى الأمام، وإما أن يخسرها وفيها دفع به إلى الوراء خطوات.
فالخسارة والربح لما لهما من أهمية خاصة في حياة الحزب/ الأمة، في تقدمه أو جموده أو تراجعه، لا يمكن أن ينفصلا عن مستوى الممارسة الديمقراطية بخطئه وصحته.
فإذا كانت المركزية تحمل بذور الانحراف باتجاه الديكتاتورية، فإن الممارسة الديمقراطية، التي تحمل بذور الانحراف باتجاه الفوضوية/ العبثية، تشكل السبب/ العلة. فالإشكاليات التي تصدر عن المركزية يمكن تلافيها أو التقليل منها أو من أثارها السلبية إذا كانت الممارسة الديمقراطية في الانتخابات الحزبية واعية وموضوعية.
الانتخابات في حياة الحزب ليست تقليدية، فإذا وُضعت مقاييس عامة وموضوعية لمواصفات المرشَّحين للقيادة فإنها تقلِّل من احتمالات وصول مَنْ هم غير مؤهَّلين لها. وإنه بالقدر الذي تكون فيه أهداف الحزب/ الأمة واضحة أمام الحزبيين المُنتَخِبين تأتي مقاييس اختيار القيادة المركزية واضحة/ موضوعية كذلك، وتقترب الممارسة الديمقراطية باتجاه الخط السليم أكثر فأكثر.
فمقاييس اختيار القيادة، إذاً، هي مسؤولية مشتركة بين النظرية المركزية، كإحدى وسائل تنظيم وضبط الحياة الديمقراطية، وبين النظرية الديمقراطية ذاتها كإحدى الأهداف الأساسية للحزب/ المجتمع. كيف؟
كما أن القيادة، بمختلف مراتبها الهرمية، مُلزمة بالابتعاد عن ممارسة شتى أساليب الدعاية الانتخابية بخلفيات خاصة، والامتناع عن ممارسة الضغوط، بشتى أصنافها وأشكالها على أعضاء المؤتمرات، وعن استخدام تأثير العلاقات الخاصة لأغراض انتخابية، فإن أعضاء المؤتمرات الحزبية يتحملون المسؤولية ذاتها إذا خضعوا وتقبلوا تلك الممارسات الخاطئة. فالمساعدة فيها أو السكوت عنها يتساويان في ارتكاب الخطأ.
هل يمكن الوصول إلى مستوى مثالي في إجراء انتخابات حزبية بعيدة عن الممارسات التي تتعارض مع الأخلاق الثورية؟
مع وجود تعقيدات نفسية/ اجتماعية على المستوى الفردي، وعلى الرغم من الأهمية التي يوليها الحزب للتخفيف من آثارها، فإنها لن تزول كلياً، إذ تبقى آثارها عالقة، بوعي أو بدون وعي، في التركيبة الشخصية للفرد الحزبي مما يدفعنا إلى التقدير أن المستوى المثالي للانتخابات الحزبية مشكوك بتوفيره.
قد يتسنّى معرفة بعض الثغرات ومعالجتها، أما بعضها الآخر فقد يبقى مستوراً. وحتى يمكن ضمان وضع اليد بشكل مُرضٍ على ما كُشِف منها أو ما بقي مستوراً، لا بُدَّ من أن تلعب الديمقراطية، كأحد طرفي النظرية التنظيمية، مهمة أساسية في كشفها وعلاجها.
وحتى لا يبقى الاطار النظري جانباً وحيداً في علاج هذه الإشكاليات يمكن تقديم بعض الأفكار التي نحسب أنها مفيدة في الجانب العملي.
قد لا تستطيع القيادة المنتخبة معرفة كل الثغرات ووضع حلول في سبيل معالجتها. وقد يعود سبب ذلك لأسباب موضوعية أو لأسباب ذاتية. في مثل هذه الحالة، ولأسباب تتعلق بالاقتراب أكثر باتجاه الموضوعية والتخفيف بقدر ما يمكن من الذاتية في المعالجة، يمكن للنظرية التنظيمية أن تستحدث ما يُسمى بلجنة الطعون، التي يتم انتخابها من مؤتمر الشعبة وما فوق على أن يتمثل فيها بعض الذين لم يفوزوا في الانتخابات. وتكون مهمتها القيام بجمع كل المعلومات عن الثغرات التي حصلت في عملية الانتخابات، وأن تقوم بالتحقيقات اللازمة ودراسة الملف وصياغة النتائج والتوصيات. ثم تُوضع بتصرف لجنة عليا يتم انتخابها أو تشكيلها من المؤتمر الأعلى في القطر، وبدورها تقوم بإعداد ملف عام عن انتخابات القطر، بوقائعه ونتائجه والتوصيات الخاصة به.
قد تُستحدث في النظام الداخلي عقوبة أخرى لها علاقة خاصة بالممارسة غير السليمة للدور الديمقراطي في الانتخابات الحزبية، تنص، مثلاً، على حرمان العضو، الذي أثبتت التحقيقات ضلوعه بممارسة لا ديمقراطية، من حق الانتخاب والترشيح لدورة حزبية واحدة، على أن يتم إعلان العقوبات على الجهاز الحزبي بعد مرور ستة أشهر على انتهاء أعمال المؤتمر الأعلى في القطر. إن تشكيل مثل هذه اللجنة، بمشاركة من الذين لم يفوزوا في الانتخابات الحزبية، ينطوي على مسألتين مهمتين لهما علاقة بالممارسة الديمقراطية:
الأولى: تأمين وسيلة أخرى من وسائل ضبط واحدة من أهم مضامين الحياة الديمقراطية في الحزب وهي الانتخابات الحزبية، بما لها من علاقة أساسية في الحفاظ على الديمقراطية.
في غالب الاحيان تُنسى الثغرات التي تحصل في عملية الانتخاب مع انتهائها، لذلك يأتي مثل هذا التدبير ليخلق جواً نفسياً ضاغطاً على كل من يحاول تجاوز الأسس الديمقراطية بأن هذا التجاوز لن يمر دون اكتشافه حتى بعد نهاية الانتخابات.
الثانية: تأتي مشاركة الأقلية في اللجنة، لتشكل جواً نفسياً مريحاً، بأن التجاوزات إذا حصلت سوف لن يتم التعتيم عليها.
الثاني: النقد والنقد الذاتي:
إن لممارسة هذين المبدأين شروط موضوعية وذاتية، فإذا كانت الشروط الموضوعية سهلة الاكتساب لعلاقتها بالوضوح النظري للأهداف الفكرية والسياسية وللأصول التنظيمية، فإن المواصفات الشخصية، نفسياً واجتماعياً، التي هي ا الشروط الذاتية، لن تكون سهلة الاكتساب. فممارسة النقد والنقد الذاتي يتطلب مستوىً عالًٍ من توفر الشروط الثقافية والنفسية والاجتماعية، وهي قلما تتوفر عند الناقد والمنتقد.
قد يكتسب الإنسان الفرد/ الحزبي الشروط الثقافية، وقد يكتسب شخصية سوية، نفسياً واجتماعياً. لكن إذا لم يعزز التفاعل بين الحدين الثقافي - الشخصي بمستوىً موضوعي يبتعد أكثر ما يمكن عن الذاتية الفردية، ويقترب أكثر من الذاتية الاجتماعية - الجماعية، يتحول مبدأ النقد والنقد الذاتي إلى سلاح قد لا يؤدي الغرض من العمل به.
فمبدأ النقد كما يتطلب إنساناً/ حزبياً/ نقّاداً ذا ممارسة موضوعية، فإنه يتطلب كذلك إنساناً / حزبياً / منتَقَداً تتوفر فيه إمكانية تلقي النقد وقبوله بشكل موضوعي. استناداً إلى ذلك لن يحقق مبدأ النقد أغراضه، كمبدأ اجتماعي غايته التصحيح، إلا إذا امتلك المرسل والمتلقي المواصفات الشخصية السوية، اجتماعياً ونفسياً.
ولمبدأ النقد كذلك ارتباط وثيق بمبدأ النقد الذاتي، وهذا الارتباط لا يمكن توفره عند الإنسان/ الحزبي، إلا في الحالة التي يمارس فيه نقداً ذاتياً من دون عوائق نفسية، أو بمعنى أقرب إلى الواقعية ان يتوفر عند من يمارس النقد الذاتي أقل ما يمكن من العوائق النفسية.
فممارسة النقد، إذاً، تتطلب توفر الوضوح النظري والشخصية السوية نفسياً واجتماعياً، وقدرة على النقد الذاتي، وموضوعية في نقد الآخر بما يتناسب مع الأهداف المتفق عليها ومع المهمات الممكنة التحقيق، زماناً ومكاناً. فصفات النقد أن يكون واعياً، موضوعياً، جريئاً، واضحاً، واقعياً، هادفاً إلى إصلاح الخلل ، بعيداً عن التجريح، مترفعاً عن الغايات الذاتية.
فإذا كانت الصفات الايجابية توفر مناخاً سليماً لممارسة مبدأ النقد، فإن الصفات السلبية تخلق مناخاً معرقلاً ومربكاً وعلاقات داخلية متوترة بين أعضاء الحزب الواحد، إذ في ظل هذه الحالة يأخذ النقد والنقد المضاد منحى تشويه العلاقات الشخصية التي تصل إلى حدود التجريح المتبادل.
استناداً إلى ما سبق، ولأن المواصفات الشخصية النفسية/ الاجتماعية للفرد/ الحزبي تصل إلى درجة من التعقيد لا يمكن علاجها بوصفات جاهزة، قد لا يكفي معها وجود قدر كبير من الوضوح النظري، إذ ذاك يمكن، للتخفيف من سلبيات الجوانب الشخصية، أن تشمل المادة الثقافية، ذات الأهداف التنظيمية، قدراً أو آخر من وسائل المعرفة بعلم النفس الاجتماعي التطبيقي، حيث تسهم هذه الوسائل مترافقة مع العناية والرقابة ذات الأهداف العلاجية من قبل المستويات القيادية أو المؤسسات الحزبية المتخصصة، في التخفيف بقدر كبير من التعقيدات المعيقة للحياة الديمقراطية في داخل الحزب.
فحيث تجد القيادة حاجة، لتعميم الثقافة النفسية الاجتماعية في شتى المستويات، وبخاصة عند القواعد الحزبية، أن تلجأ إلى استحداث مبدأ، تعميم هذه الثقافة ووسائلها التطبيقية كمادة الزامية رديفة للنظرية التنظيمية في المركزية الديمقراطية. وإذا جاءت هذه الثقافة لتصب في دائرة الاهتمام بالجانب الفلسفي/ المعرفي للحرية ببعدها الفلسفي، وبالجانب المعرفي للديمقراطية بمفهومها السياسي/ التنظيمي، يمكن للحزب في مثل هذه الحالة أن يبتعد عن الغرق في مثالية يفترض فيها أن أعضاءه المنتسبين يتميزون بمواصفات غير عادية في النواحي الفكرية النظرية والأخلاقية الثورية والسلوكيات النفسية/ الاجتماعية السوية.
الثالث: محاسبة القيادة في المؤتمرات:
لهذا المبدأ علاقة بكل من الحق الديمقراطي في انتخاب القيادة من جهة وبمبدأ النقد والنقد الذاتي من جهة أخرى.
لسبب من هذه العلاقة يمكننا أن نحصر الكلام حول خصوصيات هذا المبدأ فقط. هذه الخصوصيات لها علاقة في مضامين المحاسبة التي يجب أن لا تقفز فوق ما كان من الممكن أن تنجزه القيادة، في ظرف معيَّن ومكان معيَّن، بقربه عن أهداف الحزب واستراتيجيته أو بعده عنهما، وإلا فقد يتحول النقد إلى مادة للتشهير. وإذا انزلق النقد إلى مستوى غير موضوعي، سوف يتوجس خوفاً، في المستقبل، كل من يرى بنفسه الكفاءة للترشيح إلى موقع قيادي.
فالقيادة في مفهوم الحزب الثوري ليست موقعاً للكسب الخاص، إنما هي تعبير عن إيمانٍ واعٍ بالنظرية المركزية كضرورة وواجب لانتظام حياة الحزب الداخلية، وهي تعبير عن اختيارٍ واعٍ لجماعة مؤمنة بأهداف فكرية هي أهداف أمة بكاملها.
في دائرة هذا المفهوم يأتي الموقع القيادي لكي يحمِّل كل من يصل إليه مسؤوليات وأعباء، منها المنظور ومنها المخفي، مما لا يستطيع أن يتحمَّلها أي إنسان يمتلك مواصفات وإمكانيات وقدرة غير عادية على التحمل والعمل.
فإذا كان مصير الحزب، في تقدمه أو تأخره، ملقىً على عاتق مركزية القرار والإشراف على التنفيذ، فإن المسؤولية في ذلك تتحملها أيضاً مؤسسات الحزب وقياداته الهرمية وقواعده. وأنه بالقدر الذي تتماسك فيه جهود المؤسسة الحزبية، وتتَّحد بكل حلقاتها، يستطيع الحزب بكامله أن يقطف نتائج النجاح ويحصد حقول الفشل.
آخذين بعين الاعتبار التأثير المهم على مسيرة الحزب، نجاحاً أو فشلاً، الذي يحدثه وجود قيادة كفؤة تمتلك القدرة على الرؤية الاستراتيجية الواضحة وعلى التخطيط التكتيكي السليم، كذلك ، قدرتها على خلق تماسك في داخل أجهزة الحزب التنفيذية. لكن إذا حصل خلل ما في إحدى حلقات التسلسل الهرمي فإنه ينعكس سلباً على قدرة الحزب بكامله في الوصول إلى أقرب نقطة من النجاح.
ولكي تبقى محاسبة القيادة، في داخل المؤتمرات، موضوعية وهادفة وفاعلة، وكي لا تكون القيادة مشجباً يعلِّق عليه جميع الذين لم يستطيعوا التحرر من أغراضهم الذاتية، كل اسباب الفشل، يجب أن يُطبَّق هذا المبدأ بشكلٍ هادفٍ وفاعلٍ وموضوعي، ابتداءً من اجتماع الفرقة مروراً بكل المؤتمرات الوسيطة وصولاً إلى أعلى مؤتمر داخل القطر. ولكي تصبح المحاسبة هادفة، على شتى المستويات القيادية أن تُنظِّم تقريراً عاماً شاملاً لكل الأوضاع الحزبية وتقييماً لمستويات الاداء للقاعدة الحزبية والقيادات الوسيطة. فمن هذا التقرير يمكن الانطلاق بالمحاسبة بدءاً من تصحيح أية وقائع أو نتائج. فإذا نوقش التقرير ملياً وأُقِرَّ بصيغته الموضوعية الأخيرة يمكن لمبدأ محاسبة القيادة أن يكون موضوعياً كذلك. هنا، ينصب هذا المبدأ على تقييم مجمل الاداء الحزبي في خلال الفترة التي سبقت انعقاد المؤتمر.
لكن هل يكفي، لحياة ديمقراطية سليمة، أن تنتظر القاعدة الحزبية انعقاد المؤتمر لكي تطبق مبدأ محاسبة القيادة؟
إلى جانب المؤتمرات الحزبية العادية، أقر النظام الداخلي للحزب ضرورة عقد مؤتمرات استثنائية بين دورتين عاديتين تقديراً منه أن الفاصل الزمني بينهما قد يكون طويلاً. وهو يصبح مشكلة أطول إذا لم تنعقد المؤتمرات العادية في مواعيدها، وهذا ما ناقشناه في فصول سابقة، حينذاك تصبح الحياة الديمقراطية في داخل الحزب مشكلة بحد ذاتها.
يأتي النص على عقد مؤتمرات استثنائية، ليس للمحاسبة الشاملة، لأن تنفيذ خطط ما قد لا تكفيه السنوات الفاصلة بين مؤتمرين عاديين، وإنما لتصحيح مسار التنفيذ إذا واجهته عقبات أو أخطاء.
نعتقد أنه لمزيد من الاطمئنان على تنفيذ الخطط الموضوعة يمكن للنظام الداخلي أن يتضمن تشريعات تنظيمية، قد لا تأخذ معنى المحاسبة، لكنها تتضمن المزيد من الحق الديمقراطي لتقييم ما تم تنفيذه.
تأخذ هذه التشريعات وجهها العملي ليس بالدعوة إلى مؤتمرات استثنائية، وهو منصوص عليه في النظام الداخلي، وإنما يطلب من شتى القيادات الدنيا وصولاً إلى مستوى أعضاء اجتماع الفرقة أن يتقدموا بتقارير مكتوبة تتضمن ملاحظاتهم واقتراحاتهم وانتقاداتهم، على أن تُنظم تقارير خاصة على مستوى الفرق، يتم توحيدها على مستوى الشُعب فالفروع... وبالتالي تقوم بدراستها لجنة عليا يشترك في عضويتها ممثلون عن الفروع الحزبية تُوَحَّد فيها خلاصة للملاحظات والاقتراحات والانتقادات وترفقها بملحق للتوصيات. لكن تبقى كل التقارير من شتى المستويات وثائق يمكن للقيادة أو من يشاء منها الاطلاع عليها.
إن اقتراحاً كهذا يبقى بدون مضمون عملي إذا لم يكن منصوصاً عليه ومحدداً بمهل زمنية واضحة، وذلك من أجل أن يحمل معنى الإلزام القابل للتنفيذ من قبل القيادة.
الرابع: خضوع الأقليـــــــة لقرار الأكثريـــــــة:
إذا كان في هذا المبدأ مضامين لصالح المركزية، فإنه في الوقت ذاته يحمل مضموناً ضرورياً يُلزم الأقلية في احترام الحق الديمقراطي للأكثرية. اذن، لهذا المبدأ مضامين ديمقراطية، فنحن معنيون بإلقاء الضوء على هذا الجانب دون غيره في سياق مناقشتنا للمسألة الديمقراطية في حياة الحزب.
إذا مارست الأكثرية حقها الديمقراطي واتخذت قراراتها بناء لقناعاتها فإنه لا يشكل افتئاتاً على الحق الديمقراطي للأقلية، إنما إلزام الأقلية بهذه القرارات يأتي بناء على العقد الرضائي التنظيمي الذي وافق عليه الحزبيون حينما انتسبوا للحزب وأقسموا على احترام أهدافه الفكرية والمحافظة على أصوله التنظيمية.
إن الموافقة الفردية على التنازل عن جزء من الحرية الشخصية لصالح الحرية بمفهومها الاجتماعي/ الحزبي، هي اختيار حر. فالتزام الأقلية برأي الأكثرية والدفاع عنه، إذاً، هو التزام ودفاع عن الاختيار الفردي الحر بحد ذاته.
قد يستمر الالتزام بهذا المبدأ في ظل الظروف العادية لحياة الحزب بغض النظر عن ثغرات قد تظهر هنا أو هناك لأسباب ذاتية شخصية. لكن الالتزام قد لا يستمر على الطريقة ذاتها إذا حالت ظروف ما دون ممارسة الحياة الحزبية العادية.
سواء كانت هذه الظروف قاهرة مانعة من العودة إلى الحياة الحزبية العادية أم لا فإن الضبط والربط للحياة الداخلية في الحزب تتجه إلى مزيد من المركزية خاصة إذا أصاب القيادات المنتخبة مزيد من النزف الداخلي لسبب أو لآخر. ساعتئذ لا يمكن القول إن النظرية التنظيمية في المركزية الديمقراطية تستطيع أن تأخذ بُعدها المنطقي، لإن الوضع التنظيمي في مثل هذه الحالة يتحول إلى نظام رئاسي/ مركزي.
في مثل هذه الظروف، قد تصبح الأكثرية أقلية بالفعل، وهنا تبدأ الإشكالية: هل يبقى مبدأ خضوع الأقلية لرأي الأكثرية صالحاً للعمل به؟
نظرياً، يصبح هذا المبدأ بدون مضمون عملي، ويخرج عن صفته كمبدأ صالح لكل الظروف. ولإعادة الاعتبار إلى مبدأيته، أو في سبيل العمل لأجل استكمال جوانب النقص النظرية فيه يجب الوقوف قليلاً من أجل ذلك.
قد يقول البعض، إن الظروف القاهرة التي قد تكشف عن جوانب الخلل النظرية في هذا المبدأ هي ظروف استثنائية، والاستثناء لا يمكن أن يشكِّل قاعدة أو يطعن بصحة مبدئيتها.
لكن... إذا حاولنا تعريف الظروف التي يناضل الحزب لتحقيق أهدافه في ظلها، لن نستطيع الخروج سوى بنتيجة واحدة، هي أن هذه الظروف قاهرة وصعبة، فالظروف القاهرة والصعبة للحالة النضالية هي قاعدة وليست استثناء، لماذا؟
يواجه الحزب، كما هو معروف، حالتين نضاليتين: حالة النضال الإيجابي وحالة النضال السلبي.
ولأن لهذا المبدأ موقعاً وسطاً بين المركزية وبين الديمقراطية، يمكن العودة إلى بعض وجهات النظر التي قمنا بمعالجتها في مكانها، سابقاً، تحت عنوان الإشكاليات التي مصدرها المركزية.
خاتمــــــة:
أخيراً، وإذا كان المنهج الذي عالجنا فيه مسألة المركزية الديمقراطية قد اختط لنفسه طريق اكتشاف الإشكاليات وليس الإيجابيات ، فلأننا نعتقد أن الإيجابيات، كجانب مهم، قد القيت عليه أضواء كثيرة كاشفة في كثير من أدبيات الحزب، يمكن الرجوع إليها، إذ ذاك يصبح منهجنا مكمِّلاً لما سبقه من مناهج أخرى.
لهذا، وكنتيجة أخيرة يمكن التأكيد عليها بأستمرار، لا بُدَّ من الإشارة إلى أن السلبيات، التي تقف ضد أن تسلك النظرية التنظيمية طريقها السليم، تكون نابعة من السلوكات الذاتية للقياديين في رأس الهرم أو في وسطه وصولاً إلى القواعد الحزبية العاملة.
فالسلوكات السلبية لا يمكن معالجتها بتعزيز الثقافة ومستوى المعرفة فقط، وإنما بتعميق المستوى الأخلاقي الإنساني الثوري، إذ يتفاعل هذان العاملان لاقتلاع أو لتخفيف النزعات الذاتية / الفردية من جهة، وتعزيز مستوى الجرأة الأدبية/ الواعية من جهة أخرى.
فالذي يُسهم في تقوية النزعات الذاتية/ الفردية على المستوى المركزي هو الجنوح الأناني أو الثقة الزائدة بالنفس أو الرغبة في حب السيطرة، ويتولد الضعف الإنساني عند الآخرين من نقص في الثقافة أو عن تعقيدات نفسية/ اجتماعية وما أكثرها في مجتمعاتنا.
فالثقة الزائدة بالنفس عند البعض، وضعفها عند البعض الآخر هما عاملان متوازيان ومتكاملان في انتاج طغيان المركزية وجنوحها نحو الفردية، كما أنهما قد يشكلان معاً عنصر ترهيب ضد المركزية لإضعافها ومنعها من أن تقوم بدورها الموضوعي.
لذلك تشكل عملية التآلف والتكامل بين المركزية والديمقراطية، ضرورة وواجباً، لتأمين حياة حزبية مستقرة ومنتجة بتوفير عاملين موضوعي وذاتي:
- إمتلاكٌ واعٍ للثقافة الفكرية/ التنظيمية.
- وامتلاك لمواصفات أخلاقية/ إنسانية/ ثورية تمنع طغيان الذاتية قوة أو ضعفاً.
إرسال تعليق