الخميس، نوفمبر 29، 2012

إعلان محمد مرسي الدستوري


حتى لا يُؤكَلَ الثابت القومي العربي في الصراع حول الثابت المطلبي
إعلان محمد مرسي الدستوري
خطوة أولى في تطبيق منهج حكم الاستبداد على قواعد فقهية
والعودة بمصر إلى ما قبل المرحلة القطرية



حسن خليل غريب
بين القول بأن التاريخ يُعيد نفسه، أو أن التاريخ يتصاعد بخط لولبي. أي أن التاريخ يبقى جامداً أو أنه يتجدد طالما هناك متغيرات. نقول بأن التاريخ يعيد نفسه، أو يكرر نفسه، طالما هو مرتبط بمدى جمود الإيديولوجيا أو التجديد فيها. وفي مقابل ما تقول به الماركسية بأن الاقتصاد هو محرك التاريخ، نعتبر أن الإيديولوجيا هي من أهم العوامل التي تحرك التاريخ أو تجمده. ففي التجديد فيها تجديد للتاريخ وفي تجميدها تجميد له.
إن الإيديولوجيا الدينية السياسية أسهمت بشكل كلي في كتابة التاريخ العربي طوال أكثر من ألف وأربعماية سنة، ولم تُحدِث متغيرات في تطوير أسلوب بناء الدولة، كما لم تُحدث متغيرات في أسلوب قيادة المجتمع. ولما أثبتت تلك الإيديولوجيا فشلها في بناء دولة تعتبر الانتماء إلى الأرض شرطاً أساسياً، كما تتخذ من مبدأ مشاركة كل التعدديات التي تسكن تلك الأرض في بناء نظام سياسي، غزت الإيديولوجيا القومية ذات المنبت النظري الأوروبي العقل العربي بشكل جدي، على المستويين النظري والعملي. فكانت الأنظمة السياسية القطرية العربية ترجمة عملية ناقصة لتلك النظرية لأن المخطط الاستعماري أفرغها من مضمونها القومي العربي ظناً منه أنه يحول دون بناء دولة عربية قد تصبح في يوم من الأيام دولة مترامية تكتسب عوامل القوة في بنيتها الاقتصادية والمجتمعية. حينذاك كانت مراجل الشعور القومي العربي تغلي لتتفتَّق عنها نظرية قومية من أهدافها توحيد مجموع الأنظمة القطرية في وحدة عربية. وكان تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1947 من أهم أعمدة تلك الحركة، ما برحت ثورة 23 يوليو1952  في مصر أن رفعت شعارات الوحدة القومية أيضاً. ولكن تجربة البعث والناصرية لم تدم مرحلتها الذهبية أكثر من عشرين سنة من الزمن (الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين). لذا فالنظرية القومية، كنتاج حديث للفكر الإنساني بشكل عام، وللفكر العربي بشكل خاص، لم تأخذ فرصتها الكافية من التجربة، في الوقت الذي عاشت فيه تجربة الإيديولوجيا الدينية السياسية أكثر من ألف وأربعماية سنة.
وأما السبب في تراجع التجربة القومية، فيعود بعضه إلى ما واجهها من عوائق داخلية وكان أكثرها عوائق خارجية. وأما بعض أسباب العوائق الداخلية فيعود إلى حالة الاستنهاض التي شهدتها حركات الإسلام السياسي، منذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين، تلك الحركات التي كانت تشكل الند الفكري لحركات القومية العربية. ذلك الاستنهاض تجذَّر مع البذور الفكرية والعملية التي زُرعت على يد الإخوان المسلمين الذين قامت دعوتهم منذ أواخر العشرينيات من القرن العشرين بهدف استعادة الخلافة الإسلامية التي أسقطتها الحرب العالمية الأولى.
وظلت مسارات حركات الإسلام السياسي تسير بخط متصاعد في ظل دعم القوى الخارجية، وخاصة بعد احتلال العراق، حيث أُعلنت استراتيجية (الدومينو الديموقراطي) من قبل إدارة جورج بوش، واستكملتها باستراتيجية احتضان (الإسلام الديموقراطي)، وأكملتها إدارة أوباما باستراتيجية دعم (الأنظمة المعتدلة) الموجودة، أو بناء (أنظمة معتدلة) جديدة على أنقاض الأنظمة التي شاخت وهرمت. ويتبيَّن كل يوم أكثر من اليوم الذي سبقه أن طحين (الأنظمة المعتدلة) التي يرضى الغرب عنها، والتي تستجيب لاستراتيجية أوباما، منخول في مطاحن حركات الإسلام السياسي.
وإذا كان وضع استراتيجيات الغرب موضع التنفيذ مسألة قد لا تطفو على السطح، أو لا يمكن الإعلان عن وسائلها، فإن النتائج التي نراها على أرض الواقع قد تساعدنا على فهم الكيفية التي حصل فيها التنفيذ.
واختصاراً، لا يجوز أن نفصل نتائج الحراك في كل من تونس ومصر عن السياقات الاستراتيجية لـ(الدومينو) ولـ(الإسلام) الديموقراطي، عن استراتيجية دعم (الأنظمة المعتدلة) أو المساعدة على بنائها وتأسيسها. فجاءت الأنظمة الجديدة في كل من تونس ومصر لتحمل بصمات وملامح وظواهر وبواطن تلك الاستراتيجية.
لن نتوسع بما قد تسفر عنه حراكات أخرى في أقطار عربية أخرى، إذ تحمل بعضها بذور التغيير الذي يتشابه مع التغيير الذي حصل في مصر وتونس كحد أدنى بإيصال حركات الإسلام السياسي إلى كراسي الحكم، وهو يتماثل مع استراتيجية (الإسلام الديموقراطي) الغربية. ولذلك سنكتفي في هذا المقال بإلقاء الضوء على ما يحصل في مصر بعد وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة، وخاصة بعد أول إعلان دستوري قام به الرئيس محمد مرسي، وهو الأمر الذي أثار اعتراض الملايين من المصريين فنزلوا إلى ميدان التحرير، كاشفين بشعاراتهم وهتافاتهم عن حقيقة أهداف ذلك الإعلان، وهي تطبيق أسلوب من الديكتاتورية المُقنَّعة، خاصة أنها تستند إلى قواعد فقهية إسلامية تعتقد بها حركة الأخوان المسلمين وتروِّج لها، كما تُعتبر أحد أهم أصول أيديولوجيتهم بالحكم. وهي تتشابه في مضامينها، وليس بأغراضها ومراميها، مع أصول القواعد الفقهية التي تستند إليها نظرية (ولاية الفقيه).
وإذا كنا لن نثق بشعارات الديموقراطية التي يرفعها الرئيس محمد مرسي، لأنها ليست أكثر من قشرة لتجميل وجه نظام الإخوان، والدليل على ذلك أن إصداره الإعلان الدستوري جاء بناء على فتوى مرشد الإخوان الأعلى، وهذه الفتوى ليست أكثر من قاعدة فقهية، تجيز لـ(ولي الأمر) أن يتفرَّد بالحكم استناداً إلى الآية القرآنية (وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم).
وإذا كنا لا نثق أيضاً باهتمامه بالقضايا القومية لأنه يتلهى بقشورها ويغفل ثوابتها، وهو لا يغرِّد خارج سرب الأهداف القومية فحسب، بل يقف بالضد منها أيضاً. أما استراتيجيته للمرحلة القادمة فهو تنفيذ حلم إعادة الخلافة الإسلامية، خاصة أن حركات الإسلام السياسي التي تعزف على أوتار ذلك الحلم تصل تباعاً إلى كراسي السلطة في أقطار عربية أخرى.
وما يثير الاهتمام أكثر من ارتكاب الرئيس المصري أخطاء تمس الحركة السياسية الداخلية في مصر، كما تمس حركة التطور الاقتصادي والاجتماعي، هي حالة الغزل والتناغم التي تظهر واضحة في أسس التحالف بين حركة الإخوان المسلمين في الأقطار العربية التي وصلوا فيها إلى السلطة، وبين حزب العدالة والتنمية في تركيا. وفي أهداف كل منهما ما يجمعهما ألا وهي صفة (الاعتدال) التي تدغدغ استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية خاصة أن الحزب الإسلامي التركي يشغل كرسي العضوية في حلف (الناتو)، ويتميز بأوثق العلاقات مع الكيان الصهيوني. وهذا الأنموذج في العلاقات، وتحديداً الموقف من القضية الفلسطينية، لا يحرج حركة الإخوان المسلمين، لأنهم ينظرون إليها بمنظار إسلامي قطري تفكيكي، لا يعنيهم منها إلاَّ الوصول إلى الأماكن المقدَّسة، وهو هدف يسبق اعتبار فلسطين عربية من النهر إلى البحر، بل إنهم لا يكيلون الوجود الصهيوني بمكاييل الاغتصاب بأكثر من أنه لا يجوز أن يشكل المرجعية الوحيدة في السيطرة على تلك الأماكن كونها تعني رموزاً دينية عند الأديان السماوية الثلاث. وهذا يعني أن بناء ركائز إخوانية في فلسطين الممزقة يُعتبر خطوة أولى لغرض المشاركة الإسلامية في إدارة الأماكن المقدَّسة.
وهنا، وإذا كنا نعترف بأن الحراك المصري، الذي ابتدأ في 25 يناير، ضد نظام حسني مبارك، قد انتزع حق الشعب المصري بحرية التعبير والتظاهر.
وإذا كنا نعتبر أن حركة الاحتجاج الحالية هي حق من حقوق الشعب المصري في رفض أي اتجاه لتطبيق أحد أنواع الديكتاتورية المقنَّعة، وهو بلا شك حق سياسي مطلبي.
فإننا نناشد التيارات القومية، وفي المقدمة منها الحركات الناصرية، التي طالما ابتهجنا ببوادر توحيد بعضها منذ بضعة أشهر، أن لا تُغرق نفسها في الاهتمام بالجانب المطلبي على مشروعيته وضرورته فقط، بل أيضاً أن لا تتناسى روح الناصرية التي كانت تستند بالأساس إلى الوعي القومي العربي، نظرياً وعملياً، وبكل ما له علاقة بقضايا الأمة العربية الساخنة، تلك القضايا التي تأتي قضيتا فلسطين والعراق في المقدمة منها.
وهنا، لا بدَّ من  التذكير بأن إيديولوجيا حركات الإسلام السياسي، ومنها حركة الإخوان المسلمين، تتجه نحو الانحدار التاريخي وإعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، وذلك بالعودة بالوطن العربي إلى ما قبل مرحلة بناء (الدولة القطرية)، والاتجاه إلى إعادة بناء (الإمارات الدينية). تلك الحركات التي بدلاً من السير بالتاريخ بحركة لولبية متصاعدة فإنها الآن إما تدور على محيط دائري جامد، والأسوأ من ذلك أنها تتحرك بشكل لولبي ولكن باتجاهات تنازلية. وبمثل تلك الحركات فإنها ستعيدنا تاريخياً بلا شك إلى الوراء قرناً وراء قرن من الزمن.
إرسال تعليق