الجمعة، ديسمبر 21، 2012

المخاطر الإيديولوجية لحركات الإسلام السياسي على حركة التحرر العربي


 المخاطر الإيديولوجية لحركات الإسلام السياسي على حركة التحرر العربي


سوف نستند إلى دراسة منشورة سابقاً بتاريخ 23/ 1/ 2010، تحت عنوان (العلاقات العربية الإيرانية)، وفيها درسنا مخاطر حركة (ولاية الفقيه) كحركة شيعية، وقمنا بمقارنات بينها وبين خطورة حركات الإسلام السياسي السنية.

نص البحث
I-مدخل لتحديد الإشكالية:
يرتبط العرب والإيرانيون بالجوار الجغرافي، والمصير السياسي، لأنهم مستهدفون من قبل التحالف الرأسمالي، ويقعون في صلب أهداف مشروع الهيمنة والاحتواء. وعلى الرغم من وجود عوامل التهديد الإمبريالي والصهيوني للعرب والإيرانيين معاً فإن عوامل الخوف والتوتر سائدة بينهم، فهل يمكن أن نعيد أسباب عوامل الخوف العربي للتحريض الاستعماري  الصهيوني، أي إلى ما نسميه نظرية المؤامرة بتحميل المسؤولية للاستعمار والصهيونية وحدهما؟ وهل العوامل الذاتية لا تلعب دوراً في ذلك؟
في عهد شاه إيران، قبل العام 1979، كان هناك تقارب بين (عرب أميركا) و(شاه أميركا)، بينما كان التوتر يسود علاقات بعض الأنظمة العربية الوطنية، في مصر والعراق، مع إيران. وفي عصر الثورة التي أطاحت بالشاه (الأميركي الارتباط)، بعد العام 1980، كان من المتوقع أن تحل علاقات الود والصداقة بين الأنظمة الوطنية العربية بشكل عام، والنظام الوطني في العراق بشكل خاص، وبين نظام الثورة الجديد، على قاعدة مواجهة الاستعمار والصهيونية، إلاَّ أن العكس هو الذي حصل. وهذا الأمر يدعو إلى التساؤل والاستغراب. وتحديد من يتحمل مسؤولية القطيعة.
لقد أعاد الإيديولوجيون، أصحاب الأغراض القصيرة النظر، الأسباب إلى ارتباط النظام الوطني في العراق بعجلة الامبريالية الأميركية!!. وهم لم يضعوا في حساباتهم حقيقة الأهداف الاستراتيجية للثورة الإسلامية بقيادة الخميني، والتي يلخصها المبدأ المعروف بـ(تصدير الثورة)، ولم يعرفوا أبعاده ومراميه الإيديولوجية، لأنهم انبهروا بشعار (الموت لأميركا) التي أطلقتها أجهزة الثورة. ومن أجل تغطية أهدافه الحقيقية في التوسع على حساب الأرض العربية والشعب العربي، كان لا بُدَّ من تغليف النظام الجديد بغطاء وطني معاد للاستعمار من جهة، وإلصاق الاتهامات الكاذبة بالنظام الوطني في العراق بتهمة (الولاء لأميركا) من جهة أخرى. وإنه بمثل هذا الغطاء يمكن تضليل وخداع الرأي العام العربي بحقيقة النوايا العدوانية الإيرانية ضد العراق والتدخل بشؤونه الداخلية لإثارة ما كانوا يحسبونه ثورة مشابهة لتجربة الثورة الإيرانية، وإقامة نظام ولاية الفقيه في العراق لاستكمال أهداف بناء حكومة عالمية مركزيتها إيران. كانت الاستراتيجية العدائية مُعدَّة سلفاً لتنفيذها فوراً بعد عودة الخميني إلى إيران لقيادة النظام الجديد. وهو الأمر الذي أدى إلى نشوب حرب مدتها ثمان سنوات، أحبط فيها العراق كل أهداف نظام ولاية الفقيه. إلاَّ أن هذا لم يلغ أهداف النظام الإيراني، فهي ظلت كامنة لإعادة إطلاقها من جديد عندما يحين الظرف المناسب. فسنحت الفرصة له من خلال إعداد الولايات المتحدة الأميركية للعدوان على العراق، فشارك بالإعداد له، كما شارك بفعالية بتنفيذه.
جاء احتلال أميركا للعراق، بالتعاون الوثيق مع نظام (الثورة) في إيران ليكشف كل الحقائق، ويسفَّه تلك الأسباب وأكد كذبها أمام العيون التي كانت عاجزة عن الرؤية الصحيحة، أو العيون التي لم تكن تريد أن ترى. فإذا بإيران، التي زعم نظامها الجديد (نظام الثورة الإسلامية) أنه من المعادين لأميركا، تستقل العجلة الأميركية لمساعدته في احتلال العراق([1])، والعمل على تخريبه وتفتيته. وهذا ما يثير العجب والاستغراب والتساؤل: هل أميركا تطيح بأصدقائها العراقيين، وتتعاون مع أعدائها الإيرانيين؟
إن هذا الواقع المستغرب دفع بنا إلى محاولة البحث عن تفسير موضوعي لما حصل، ولا يزال يحصل. فإذا كان التوتر هو القاعدة التي كان من المنطقي أن تسود بين من بقي من العرب مرتبطاً بالعجلة الأميركية وبين (نظام الثورة الجديد)، فقد حلَّ هذا التوتر بشراسة وغرابة قادت إلى حرب الثماني سنوات مع العراق الذي لم يهادن نظامه الوطني الاستعمار ولا الصهيونية في يوم من الأيام. فهو قد أمَّم النفط، ورفض مبدأ التسوية مع العدو الصهيوني وقاومها، وظلَّ يدعو ويعمل من أجل تحرير فلسطين من البحر إلى النهر. وهي المبادئ التي أعلنها صدام حسين، رئيس العراق الشرعي، وهو يقف أمام حبل المشنقة. ولأنه لم يتنازل عنها، باسم العراق وحزبه وكل القوميين العرب، حكم عليه الاحتلال الأميركي مع كل عملائه وشركائه بالموت شنقاً، وشارك بكل ذلك من أعلن (الموت لأميركا)!!
ومن بعد حرب السنوات الثمانية بين إيران والعراق، أخذ التأثير الإيراني يعم أكثر الأقطار العربية، وسادت حالة الخوف أرجاء الأقطار العربية، وساءت العلاقات العربية الإيرانية.
وإذا كان الإعلام الإيراني قد شوَّه الحقائق وانحرف بها عن مسارها الحقيقي، وأدى هذا التحريف والتضليل إلى خداع قطاع واسع من التقدميين العرب، فلأن في المشهد الخلفي الإيراني الذي تم تجاهله والتعتيم عليه تكمن الأسباب الحقيقية. فما هي تلك الأسباب؟

1-تشخيص الأسباب المرحلية في واقع العلاقات العربية الإيرانية:
من البديهي أن تتوتر العلاقات بين (عرب أميركا) والنظام الإيراني إذا كان يعادي أميركا بالفعل، لكنها ستكون إيجابية إذا كانت العلاقات بين أميركا وإيران إيجابية. وكان من الملاحظ أن عرب أميركا لم يشعروا بالخوف من إيران في المراحل الأولى لاحتلال العراق، لأن النظام الإيراني كان من المشاركين الفعليين في احتلاله (لولا إيران لما استطاعت أميركا أن تحتل بغداد). وعندما اختلت موازين توزيع المصالح بين أميركا وإيران في العراق مالت علاقاتهما للسوء، فتعالت صرخات خوف (عرب أميركا) من الخطر الإيراني. وسوف تبقى معالم الخوف ظاهرة حتى تتفق إيران وأميركا على توزيع تلك المصالح في العراق من جديد.
وهنا، لن نضع مقياساً تلك العلاقات في هذه المرحلة بين بعض أنظمة العرب الرسمية وبين إيران، لأنها عرضة لمتغيرات تفرضها طبيعة العلاقات الأميركية والإيرانية ليست الأنظمة العربية فيها أكثر من رجع صدى، يتخاصمون مع إيران إذا توترت علاقاتها مع أميركا، ويتصافحون معها إذا صفت أجواؤهما. والمؤسف في الأمر هو أن الثنائي الأميركي - الإيراني يتقاسمون العرب حصصاً بمصادرة قرارهم وسيادتهم على ثرواتهم وأرضهم، واعتبارهم ملاحق بالقرار الأميركي والإيراني.
أما المطلوب فهو أن نضع تصوراً لعلاقات استراتيجية بين العرب، كل العرب، والإيرانيين، يجلس فيها الطرفان على طاولة واحدة من دون أية وصاية من أحد. وعلى أن تستجيب لمصلحة الشعبين معاً، وليس على حسابيهما. مصلحة تكون مبنية على أسس الجوار الحسن والمصير المشترك في مواجهة الإمبريالية الأميركية الطامعة بالاستيلاء على الشعبين.

2-تشخيص الأسس الاستراتيجية لبناء علاقات عربية إيرانية سليمة:
إن القاعدة في العلاقات العربية الإيرانية أن تكون علاقات سليمة، والاستثناء أن تكون سلبية. لهذا نرى من واجبنا أن نقوم بتشخيص العوامل الأساسية التي تدفع بالعلاقات هذه إلى مستوى السلبية، على أن تكون مدخلاً لتصحيحها.

أ-فتش عن الأهداف الإيديولوجية:
ومن أجل الإسهام في الكشف عن الحقيقة، سيكون مدار بحثنا من زاوية تتلخص بما يلي: فتِّش عن الإيديولوجيا فتعرف السبب الحقيقي. وهي الإيديولوجيا وحدها التي تحدد مسار العلاقات ليس بين دولتين فحسب، بل بين حركتين سياسيتين أو حزبين فكريين أيضاً. فالعلاقات الحسنة لا يمكن أن تُبنى إلاَّ على تقارب في المفاهيم الإيديولوجية. وقد تكون الإيديولوجيا إما عاملاً من عوامل العلاقات السلبية، وإما عاملاً من عوامل العلاقات الإيجابية. وإنه بالقدر الذي تقترب فيه من التقوقع والفئوية والتعصب والعدوانية تشكل عامل احتراب وتصارع مع مثيلاتها من جهة ومع الإيديولوجيات الأخرى المنفتحة على آفاق إنسانية أرحب من جهة أخرى. وبالقدر الذي تقترب فيه من الأفق الإنساني الواسع فإنها تشكل جسراً للتقارب مع مثيلاتها من الإيديولوجيات الأخرى.
ولكي نستطيع الإحاطة بتقدير نوع العلاقات بين العرب وإيران في هذه المرحلة، لا بُدَّ من معرفة المفاهيم الإيديولوجية السائدة في الوسطين معاً، ونقسمها هنا إلى نوعين: مفاهيم إيديولوجيا المقدس الغيبي، ومفاهيم إيديولوجيا الوضعي الواقعي.
ولأن الإيديولوجيا الدينية تنتسب إلى المقدس الغيبي، لا بُدَّ من التساؤل:
-هل بين المقدسات الدينية عوامل تقارب؟ وكذلك بين المذاهب المنتسبة إلى دين واحد؟
-واستطراداً: ما هي عوامل التقارب بين المفاهيم الشيعية والسنية؟ وبالتحديد أكثر بين إيديولوجيا ولاية الفقيه كأنموذج إسلامي شيعي. وإيديولوجيا تنظيم القاعدة، كأنموذج إسلامي سني؟
ولأن الإيديولوجيا القومية تنتسب إلى الوضعي الواقعي، لا بُدَّ من التساؤل أيضاً:
-باستثناء النظريات القومية الشوفينية، التي أصبحت شبيهة بالميتة، هل في شتى النظريات القومية المعاصرة مقدسات أو ما يشابهها؟
-وهل في بنى التيارات القومية (ومن أهمها الناصرية والبعث) مقدساً إلهياً أو ما يشبه المقدس الإلهي؟
-وهل في الأنظمة العربية الوضعية مقدسات؟ واستطراداً هل بين الدول القطرية العربية عوامل للافتراق على قاعدة المقدس الإلهي؟
وفي محاولة للإجابة عن تلك التساؤلات، نرى أنه في الواقع المعيوش، وفي النظري السائد، يحكم الحركة الفكرية والسياسية العربية تياران: تيار المقدس الإلهي، وتيار الوضعي الواقعي.
أما التيار المقدس الإلهي المنتشرة دعواته في معظم أقطار الوطن العربي، فهو عبارة عن فروع لدعوات دينية تتخذ أرضية خارج الوطن العربي، وينقسم إلى كتلتين تفصل بينهما هوة سحيقة: تيار ولاية الفقيه الشيعية مركزيته في إيران، وتيار تنظيم القاعدة السنية مركزيته في أفغانستان. ولكل من الكتلتين أسس وقواعد إيديولوجيا ذات أهداف أممية قاعدتها الأساسية بناء دولة إسلامية عالمية، أو يُطلَق عليه أحياناً الحكومة الإسلامية. ولكل منهما امتدادات بشرية تشمل الوطن العربي وتمتد إلى بقية دول العالم.
وأما التيار الوضعي الواقعي فينقسم إلى كتلتين: الناصرية والبعث، اللتان على الرغم من علاقاتهما السياسية التاريخية السلبية، فيعملان في هذه المرحلة على بناء جدران من الثقة للتقارب والتوحد.
وهنا، وإذا كان علينا أن نقوم بمقاربة استشرافية لمستقبل العلاقات العربية الإيرانية، فلا نرى مناصاً من معرفة الأسس الإيديولوجية للنظام الحاكم في إيران من جانب، والأسس الإيديولوجية لكل من النظام العربي الرسمي والتيارات الحزبية الفكرية والسياسية العربية.

-الساحة العربية تتقاسمها جهتان: نظامية رسمية قطرية، وشعبية حزبية فكرية:
فالجهة النظامية الرسمية ليس بينها سوى نظام واحد يمثل دولة ثيوقراطية وهي المملكة العربية السعودية التي تطبق صيغة النظام المذهبي الوهابي، أما الأنظمة الأخرى فتطبق نظام الدولة الوطنية أي بمفاهيم التيار الوضعي الواقعي.
والجهة الشعبية الحزبية يتقاسم التأثير فيها تياران: تيار الأحزاب والحركات الإسلامية التي تعمل من أجل إعادة نظام الخلافة الإسلامية وإن على أسس فقهية متباينة. وتيار الأحزاب والحركات التي تتبنى إقامة النظام الوطني على قواعد وأسس وضعية واقعية.

 -الساحة الإيرانية يحتكر فيها نظام الحكم تيار واحد، وهو تيار «ولاية الفقيه».
فالعرب ممثلون بأطياف سياسية وتيارات فكرية متباينة، من أهم خطوطها العريضة:
-تيار حزبي شعبي أكثري يعتنق إيديولوجيا المقدس الإلهي، الذي يتناقض تماماً مع المقدس الإلهي لإيديولوجيا ولاية الفقيه. بينما الأقلية من هذا التيار يتبنى إيديولوجيا تيار ولاية الفقيه. وبين الأكثرية والأقلية يسود فقه التكفير المتبادل، حتى وإن خففت بعض التيارات من هذه الحقيقة لأسباب سياسية مرحلية.
-وتيار حزبي وشعبي يعتنق إيديولوجيا النظام الوضعي، الوطني القطري أو القومي العربي، وهو بكل أجنحته يتناقض فكرياً مع تيار المقدس الإلهي بجناحيه.
-ليس هناك نظام عربي رسمي يجد في إيديولوجيا ولاية الفقيه ما يطمئنه. (كما لا يجد في تيار الأحزاب الدينية السياسية السنية أيضاً ما يطمئنه).
وعلى ضوء ذلك، نرى من المفيد أكثر أن نحدد مضامين المفاهيم الإيديولوجية لتياريْ المقدس الإلهي، عند دعاة ولاية الفقيه، ودعاة إحياء الخلافة الإسلامية من تيارات الإخوان المسلمين والذين سنتخذ من بينهم تيار القاعدة أنموذجاً، لأنه الأكثر بروزاً والأشد أصولية في هذه المرحلة، ولا يختلف في الجانب الإيديولوجي عن التيارات الأخرى من حيث التشدد:
ب-تعريف المشروع الإيديولوجي لولاية الفقيه: يحدو هذا التيار النزعة الإمبراطورية في التوسع على حساب الشعوب الأخرى، لأنه يؤمن بإقامة حكومة إسلامية عالمية. على أن يحكم بفقه آل بيت الرسول حصراً، كواجب ديني يضفي عليه دعاته صفة المقدس الإلهي. وهذا ما أشارت إليه نظرية الخميني في أهم مصدرين منشورين منسوبين له، وهما: كتاب الحكومة الإسلامية والوصية السياسية الإلهية.
ومن خلال هذين المصدرين، سنعمل على استخلاص تعريف لهذا المصطلح:
-الحكومة الإسلامية، يجب أن يقودها الولي الفقيه المخوَّل من قبل الله:
الولي الفقيه نائب للإمام الغائب محمد المهدي المنتظر، فللفقيه الجامع للشرائط، الذي هو نائب للإمام، سلطة مُطلَقَة في أصول المعرفة الدينية، وله أيضاً السلطة المطلقة في المعرفة السياسية وتطبيق هذه المعرفة، فهو الذي يتولَّى «الزعامة الكبرى و الرئاسة العليا [وهو] المصدر للقيادة العليا الإسلامية فالأمراء والقواد هم الممتثلون لأوامر الفقيه الشاغل لمنصب الزعامة، الواقع في قمة الحكم، والبقية مأمورون مؤتَمِرون [وهو] المخوَّل من قبل الله في إجراء الحدود»([2]).
-مهمات الحكومة الإسلامية عالمية:
وعن مهماتها كما جاء في الوصية السياسية الإلهية للإمام الخميني، ما يلي: «إقامة القسط والعدل في العالم وتفويض أولياء الله المعصومين (عليهم صلوات الأولين والآخرين) أمر الحكومة يسلمونها بدورهم لمن يرون فيه صلاح البشرية». وعلى الشيعة، بقيادة الولي الفقيه، أن يحذو حذو الأئمة الذين يقول الإمام الخميني في وصيته عنهم: «نحن فخورون أن أئمتنا المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم) تحملوا ـ ومن أجل تطبيق القرآن الكريم بكل أبعاده بما في ذلك تشكيل الحكومة الإسلامية ـ السجن والنفي، حتى استشهدوا في النهاية وهم يعملون على إسقاط الحكومات الجائرة وطواغيت زمانهم».
إن مهمات الولي الفقيه أن يقود الثورة الإسلامية في العالم، على أن تكون إيران مركزاً لهذه الثورة وقائدة لها. وهذا ما يعبِّر عنه السيد حسن نصر الله قائلاً: إن «هناك مشكلة على مستوى البشرية ككل، منذ وُجِدَ الإنسان وحتى القيامة، هي مشكلة الابتعاد عن حكم الله، وبالتالى فإن السُنَّة الإلهية التاريخية تحكم بأن أي مجتمع يُقام على أساس غير أساس الإسلام، سيواجه نفس النتائج التي نواجهها في لبنان. هذه السُنَّة إلهية»([3]). والحل لن يكون على أيدي العلمانيين، لأن «العلمانيين كالإسرائيليين، والعلمانية تعني فصل الدين عن السياسة»([4]).
فما هو الحل؟ يتساءل السيد نصر الله، فيجيب: إن المطلوب هو«حركة تغيير شاملة في المنطقة، وحركة التغيير هذه ليست بعيدة، بل هي قائمة فعلاً؛ وإنما يُراد لها شمولية أكثر، كحركة التغيير التي بدأت من أرض إيران الإسلام»؛ لذلك، يتابع: على المسلمين «أن يكونوا جزءًا من حركة التغيير التي ستشمل المنطقة. هذه الحركة المنطلقة من إيران، والتي تمثِّل الجمهورية الإسلامية مركزيتها[فيجب] أن نعمل لبناء أمة مجاهدة يجب أن نبني جيل صاحب الزمان المهدي المنتظر(عج)»([5]).

ج-تعريف المشروع الإيديولوجي لتنظيم القاعدة:
اسم القاعدة هو اصطلاح فني كان بمحض الصدفة، وليس له أصول معرفية. لكن مشروع القاعدة الإيديولوجي يقوم على الأسس التي وضعتها حركة الإخوان المسلمين.
مع العلم أن الحركة ولَّدت عشرات التيارات، المتشددة منها والمعتدلة. فقد شهدت مرحلة السبعينيات من القرن الماضي حركة نشطة للتيارات الإخوانية، ومنها اتسعت رقعة نشاطاتها متجاوزة أقطار الوطن العربي، وامتدَّت تأثيراتها إلى خارجه، وكانت أوضح مظاهرها في أفغانستان كأداة أميركية في مواجهة الاحتلال السوفياتي، إلى أن قلبت ظهر المجن للأميركيين ومن بعدها انخرطت في مواجهات معهم حتى على أرض الولايات المتحدة نفسها.
وبالإجمال فقد تميز مشروعها الإيديولوجي بالأهداف التالية:
-أهداف التنظيم هي ذاتها الأهداف التي خطها سيد قطب، والتنظيم عبارة عن فصائل إسلامية منظمة هدفها رفع كلمة الله والانتصار لدينه.
-ومشروعه السياسي والأيديولوجي أممي يسعى إلى أسلمة العالم وقتال كل المخالفين، وصولاً إلى إقامة دولة دينية كهنوتية في أي بقعة يتمكن المجاهدون من الاستيلاء عليها. والسبب هو أن العالم الإسلامي عاد إلى فترة الجاهلية بسبب عدم تطبيق دوله للشريعة الإسلامية، كما يرى سيد قطب. ولاستعادة الإسلام، على المسلمين إقامة دولة إسلامية حقيقية، تطبق الشريعة الإسلامية، وتخلص العالم الإسلامي من أي تأثيرات لغير المسلمين، مثل مفاهيم الاشتراكية أو القومية.
-ووسيلة الوصول إلى الهدف هو الجهاد كفرض ضد نوعين من الأعداء:
-المرتدون عن الإسلام، يجب أن يُقتلوا شرعاً. وتشمل التهمة بالردة قادة الدول الإسلامية لأنهم فشلوا في تطبيق الشريعة.
- ومن أعداء الإسلام المستشرقون الغادرون، و«يهود العالم»، الذين يختطوا لمؤامرات ضده.
و لا يفوتنا هنا الإشارة إلى أن التيارين الإيديولوجيين يتبادلان تهم التكفير. ولا يقر أحدهما شرعية الآخر الإسلامية.

د-إيديولوجيا الطرفين مشروع حرب دينية مستمرة:
وانطلاقاً من تشخيص هوية الطرفين العربي والإيراني الإيديولوجية، يدل بما لا يقبل الشك على أن عوامل التوتر والاحتراب بينهما تفوق كثيراً عوامل التلاقي، وهذا ما يجعلهما معاً يختزنان أسلحة الصراع، الذي قد ينفلت في أية لحظة يرى فيها أحدهما أنه حاز على عنصر التفوق على الآخر. نستنتج هذا لأننا نعرف أن المحرك الإيديولوجي، خاصة إذا كان يمتلك وقوداً مقدساً ينسب إليه الأوامر الإلهية، لا يمكن أن يتوقف عن الحركة كلما حانت له الفرصة المناسبة للتنفيذ.
هـ-نتائج المشاريع الإيديولوجية الدينية خادمة أمينة لمشروع الشرق الأوسط الجديد:
لكي نحدد مخاطر تلك المشاريع علينا أن نستعين بمعرفة أهداف مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يشكل البوصلة الاستراتيجية للإمبريالية الأميركية. إذ رُبِط تنفيذ هذا المشروع باستغلال وقائع ديموغرافية (الدين القومية والمذهبية). ولأن إعادة تصحيح الحدود الدولية يتطلب توافقا لإرادات الشعوب التي قد تكون مستحيلة في الوقت الراهن, ولضيق الوقت لابد من سفك الدماء للوصول إلى هذه الغاية التي يجب أن تستغل من قبل الإدارة الأمريكية وحلفائها([6]).
فإذا كان المشروع الأميركي للشرق الأوسط الجديد يستهدف إعادة رسم الحدود الدولية على قواعد إيديولوجية دينية ومذهبية، الأمر الذي يوجب مواجهته من أجل إحباطه، وهذا ما لم تعلن عنه التيارات الدينية (سنية وشيعية) فحسب، بل إنها تشارك فيه وتعمل على تنفيذه في العراق أيضاً.
لقاء تلك المواقف، وإضافة إلى أن تلك التيارات شاركت في احتلال العراق، كما شاركت في العملية السياسية التي ركَّبها الاحتلال أداة لتنفيذ المشروع المذكور، يصبح من غير الجائز أن تمر المشاركة من دون الوقوف عندها لتفسير أبعادها وأهدافها.
من الثابت، الذي لا يمكن دحضه إلاَّ من مكابر متعصب، أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية (تيار ولاية الفقيه)، والحزب الإسلامي العراقي (مدعوماً من حركة الإخوان المسلمين)، شاركوا في احتلال العراق، وأسهموا في العملية السياسية التي تعمل على تنفيذ مؤامرة تقسيم العراق إلى دوليات مذهبية وعرقية مستغلة الوقائع الديموغرافية (الدين القومية والمذهبية). وقد ساعدوا عن سابق تصور وتصميم في مسلسل سفك الدماء على أسس مذهبية بين السُنَّة والشيعة، وعلى أسس عرقية بين العرب والأكراد(*). وهنا يحضرنا التساؤل التالي:
إذا كانت الإمبريالية تتآمر على أمتنا بالعمل على تقسيمها، فما بال من يعمل على تقسيم أمته عن سابق إصرار وترصد؟
أما تحليلنا لمواقف التيارين السياسيين المذهبيين فيفسره المشروع الإيديولوجي السياسي الذي يتبناه كل منهما من زاوية رؤيته وفقهه، وإن أياً منهما يعمل لاستعادة الخلافة الإسلامية على طريقة فقهه المذهبي، ولأهدافه الخاصة، وبناء نظامه السياسي، ولكن على قاعدة مسلسل التكفير التاريخي الذي ساد التاريخ الإسلامي لقرون عديدة ولا يزال. وبناء عليه نرى عصر الدوليات المذهبية يستأنف سيرته الأولى مدعوماً من الإدارة الأميركية، الداعية الرئيسة والداعمة لمشروع الشرق الأوسط الجديد. وهل تفسير التحالف الذي جرى باحتلال العراق ببعيد عن توافق الإيديولوجيات المذهبية مع المشروع المذكور؟
إن ما جرى، ولا يزال يجري في العراق، هو الأنموذج الذي إذا نجح، فسيكون الخطوة الأولى لاستكمال الحلقات التي تليه والتي نص عليها المشروع، ومن أهمها:
-دولة للشيعة جنوب العراق ، شرق السعودية، غرب إيران.
-دولة إسلامية مقدسة الحجاز .
-دولة للأكراد شمال العراق ، جنوب تركيا، أجزاء من إيران وسورية.
-دولة سنية وسط العراق وأجزاء من سورية.
-دولة وسط السعودية.
-الأردن الكبير: الأردن الحالي مع شمال شرق السعودية وجزء من الضفة الغربية وستكون موطن فلسطينيي الشتات.
-اليمن ستتوسع لتأخذ جنوب السعودية.
-....

II-احتمالات استراتيجة للعلاقات العربية الإيرانية:
ولهذا سنقوم بصوغ احتمالات طبيعة العلاقات العربية الإيرانية في احتمال وجود أحد المشهدين:
الأول: في حال وجود المحرك الإيديولوجي الإلهي المقدس استراتيجية للتغيير على مستوى العالم، أي استراتيجية التوسع خارج حدود الدولة الوطنية.
الثاني: في غياب هذا المحرك، أي اعتبار المحرك الإيديولوجي خالٍ من استراتيجية التوسع إلى خارج حدود الدولة الوطنية المعترف بها دولياً.

أولاً: طبيعة العلاقات في حالة استمرار التناقض الإيديولوجي:
-مع النظام الثيوقراطي في المملكة العربية السعودية: على الرغم من أن النظام السعودي ثبَّت أهدافه في المحافظة على النظام «الثيوقراطي العائلي» من دون تفريط بجزء من أرضه القطرية، ومن دون وجود أطماع بتوسيعها، وهذا لا يشكل أي تهديد لإيران، إلاَّ أن ما يجده هذا النظام من أخطار تشكله إيران يتمثل بخطرين أساسيين: خطر التناقض الحاد، الذي يصل إلى حدود التكفير الديني. وخطر التوسع الإيراني على حساب كتلة بشرية من السعوديين تدين بالولاء لإيران لأسباب إيديولوجية مذهبية.
-مع معظم الأنظمة العربية الرسمية: ليس هناك بين الأنظمة العربية الرسمية الحاكمة، حتى النظام الوطني الذي أسقطه الاحتلال الأميركي في العراق، من لديه استراتيجية التوسع خارج حدوده الوطنية. وهذا يؤكد أنه ليس هناك واحد من هذه الأنظمة من يهدد الأمن الوطني الإيراني. وبالعكس من ذلك فإن المشروع الإيديولوجي الإيراني هو الذي يشكل هذا التهديد نظرياً أولاً، وفي التطبيق ثانياً، لأن التوسع الإيراني خارج حدود الدولة الإيرانية فيه أمر إلهي واضح كما تنص القواعد الإيديولوجية لنظرية ولاية الفقيه. ولأنه من حيث الواقع العملي ليس هناك ظلماً ولا تجنٍ على نظام ولاية الفقيه عندما يُنسب إليه التوسع في لبنان، حتى ولو من بوابة دعم المقاومة الإسلامية. وفي العراق تظهر النوايا الإيرانية واضحة في اقتطاع فيدرالية شيعية، وكذلك الأمر في البحرين وشرقي المملكة العربية السعودية، واليمن، و....
-مع الأحزاب والحركات الدينية السياسية: من خلال تعريفنا لتياريْ الأصولية الإسلامية، ولاية الفقيه وتنظيم القاعدة، لا نجد ما يجمعهما على الإطلاق، فأحدهما يكفِّر الآخر ويعمل على اجتثاثه بناء للقواعد الفقهية التي تستند إليها أحكام الردة في الإسلام القائلة: «من ارتد منكم عن دينه فاقتلوه». لكن من جهة أخرى نشهد تحالفات غير منطقية بين تيار ولاية الفقيه وبعض تيارات الإخوان المسلمين في كل من العراق وفلسطين، وفيها ما يشد الأنظار ويثير علامات التعجب. وإذا ما عرفنا أن إيديولوجيا كل من التيارين تعتبر الأنظمة العلمانية أنظمة كفر يجب إسقاطها، وهذه المهمة قد جمعت بين التيارين مرحلياً، فتساعدا وتشاركا في سبيل إنجاز هذه المهمة. ونجد لهذا التحالف أسساً وأصولاً ميدانية في كل من العراق وفلسطين.
أما في فلسطين فتأثيره يدخل من بوابة زواج المتناقضات المرحلي مع تنظيم حماس والجهاد الإسلامي، وهذا شبيه بـ«زواج المتناقضات» في العراق بين الجماعات العراقية الموالية لإيران، والجماعات التي تدين بفقه الإخوان المسلمين، وقد تحالفا تحت سقف الاحتلال الأميركي في أغرب زواج عرفه التاريخ.
ولهذا نرى أن خط التناقض الإيديولوجي هو تناقض استراتيجي تبدأ تفاعلاته بعد إنجاز المهمة المرحلية في إسقاط الأنظمة العلمانية، وهي الأنظمة الوطنية المعترف بها دولياً. أما الاستثناء المرحلي فهو على شكل التحالفات الشاذة التي نقرأ فصولها في فلسطين والعراق.
-مع الأحزاب والحركات الوضعية العربية: ونحصرها بتيارين: قومي (أساسه البعث والناصرية وبعض الحركات الماركسية التي غلَّبت الفكرة القومية)، وأممي (التيارات الماركسية التي لا تزال تعيش حلم الدولة الشيوعية الأممية). وهذه التيارات تعيش حالة تناقض حادة مع الدولة الدينية المنوي إقامتها على قاعدة «المقدس الإلهي». وحالة التناقض هذه لا تزال القاعدة الأساس التي تحكم طبيعة العلاقات العربية الشعبية مع إيران ولاية الفقيه، نقول هذا على الرغم من انتشار حالات التوفيق بين القومية والدين التي تروِّج لها بعض أحزاب هذا التيار، لكن محاولة التوفيق تأتي من جانب واحد.
أما إذا شهدنا بعض حالات التحالف مع الحالة الإيرانية فهي لن تكون أكثر من محطات مرحلية ربما اقتضتها الحركة التكتيكية التي تقودها إيران بتقديم الدعم والعون لحركتي المقاومة في لبنان وفلسطين.

ثانياً: طبيعة العلاقات في حال حصول متغيرات على الصعيد الإيديولوجي:
إذا كنا نصنِّف مشاريع «المقدس الإلهي» في دائرة النزعات الأصولية الإمبراطورية، فإنها، وفي حال إصرارها على الاستمرار على نهجها، فهذا يعني أن حدود كل دولة مهددة بالاختراق من قبل أية جماعة أصولية تنزع نحو بناء دولة ثيوقراطية على أي بقعة تستطيع اختراقها. وتأتي في مقدمة تلك المخاطر النزعة الإمبراطورية لإيديولوجيا ولاية الفقيه التي يُعتبر النظام الإيراني القائم مرجعيتها العالمية. وهذا التهديد يبدو أكثر حدة في جوار إيران العربي بدءاً من الدول الأقرب فالأبعد.
نحن لا نقف في وجه حقوق الإيرانيين باختيار النظام السياسي الذي يريدونه، حتى ولو كان اختيارهم لنظام ولاية الفقيه، فهذا حق من حقوقهم، التي يعترف بها العرب، أنظمة رسمية وحركات وأحزاب وضعية، إلاَّ أن هذا الأمر لن يدع أحد يرتاح إلاَّ إذا نُزع من هذا المشروع أهدافه التوسعية بمحركاته الإيديولوجية المذهبية، والالتزام بأسس العلاقات الدولية المنصوص عنها، والموقع عليها، ومن أهمهاحق الدولة بحماية حدودها الدولية وثرواتها وحرية اختيار نظامها السياسي([7])، كمبدأ من المبادئ القومية، هو من المبادئ التي تجعل من إيديولوجيا شعب تعترف بحق شعب آخر في حماية دولته المعترف بها دولياً. وإذا ما تبادل الشعبان احترام الواحد منهما حق الآخر بتقرير مصيره تزول عوامل التنافر وتتناقص بينهما لتحل مكانها عوامل التلاقي.
III-خاتمة البحث
يربط العرب بالإيرانيين تاريخ من الصراع تعود أسبابه إلى عوامل الصراع التاريخي في قيادة المنطقة الجغرافية التي تربط الغرب مع العمق الآسيوي. ولأن متغيرات جذرية حصلت في العالم حول تحديد مفهوم الدولة الحديثة القائمة على فكرة المواطنة، أي الانتماء إلى وطن له حدود جغرافية معترف بها، كيف ننظر إلى تلك العلاقات من منظار التحولات الكبرى التي عرفتها البشرية بين الحدين الفاصلين بالانتقال من العصر الإمبراطوري إلى العصر القومي:
لقد خرج العرب من أقصى العصر الإمبراطوري التوسعي إلى العصر القطري أي إلى العصر الأضيق من العصر القومي، ومن أقصى أهدافهم المستقبلية بناء عصرهم القومي على أن يكون خالياً من نزعة التوسع الجغرافي على حساب أية دولة قومية أخرى التزاماً بمفهوم الدولة الحديثة. أي بوضوح تام إن العرب التزموا مواثيق الأمم المتحدة باحترام الحدود الجغرافية للدول الأخرى، واحترام سيادتها القومية بقرارها السياسي المستقل وإدارة ثرواتها الوطنية. فاتجاهاتهم الإيديولوجية لن تعود إلى العصر الإمبراطوري بل ترفضه، ولكنها لن تتقوقع داخل الخطوط الجغرافية القطرية لاتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية. وهذا شأن قومي عربي داخلي يتم العمل من أجله من ضمن أطر التبشير الفكري والنضال السياسي.
أما الإيرانيون فخرجوا بقوة الفتح العربي من أمجادهم الإمبراطورية التي يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام، فاصطدموا بإيديولوجيا النزعة العربية في العصر الأموي، وحاولوا تجديدها من داخل الإيديولوجيا الإسلامية في العصر العباسي وتم إقصاؤهم عنها. وعاودوا بناء الحلم في العصر الصفوي عن طريق الإيديولوجيا الإسلامية الشيعية فاصطدموا بالإسلامية السنية السياسية العثمانية، وانكفأوا. إلاَّ أن حلمهم، بعد أربعماية عام تقريباً (من انتهاء الدولة الصفوية التي تأسست في العام 1501 إلى العام 1980 بعد انتصار إيديولوجيا ولاية الفقيه)، عاد إلى الظهور. وهم بولاية الفقيه جددوا للنزعة الإمبراطورية بثوب إيديولوجي مذهبي.
لتلك الأسباب، نرى أنه لا يمكن تحديد أسس سليمة للعلاقات العربية  الإيرانية من دون تحديد مفاهيم الأسس الإيديولوجية التي يعتنقها الطرفان. وعن ذلك نرى لزاماً علينا أن نبحث بعمق، وبحيادية، أية إيديولوجيا نختار لبناء الدولة بمفاهيمها الحديثة والمعاصرة. ونختار المفهوم الذي يعترف بسيادة الدولة القومية، وننتزع منه كل العوامل التي تُظهِر أو تُبطن أهداف توسع أية دولة على حساب الأخرى.
إن تناقض الإيديولوجيا الدينية التي يؤمن بها نظام ولاية الفقيه في إيران، مع الإيديولوجيا القومية أو القطرية التي تؤمن بها معظم التيارات العربية ذات التأثير، باستثناء التيارات الدينية السياسية المنبثقة عن حركة الإخوان المسلمين، يجعل من احتمالات بناء علاقات سليمة بين العرب والإيرانيين أمراً بعيداً.
ولأنه، في هذه المرحلة، بين إيديولوجيا التوسع على حساب الآخر، كما تؤمن ولاية الفقيه، وإيديولوجيا احترام الحق بتقرير المصير، كما تؤمن الإيديولوجيا القومية، مسافة من التناقض فستبقى عوامل التنافر أقوى من عوامل التلاقي سائدة، وبالتالي ستكون العلاقات العربية الإيرانية على حدود الاحتراب والتوتر.
حسن خليل غريب   في 23/ 1/ 2010


([1]) أعلن محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني للشئون القانونية والبرلمانية  في محاضرة ألقاها في ختام أعمال مؤتمر "الخليج وتحديات المستقبل" الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية سنوياً،  كان قد أعلن في ختام أعمال مؤتمر عقد بإمارة أبو ظبي مساء الثلاثاء في 13-1-2004، قائلاً: إن بلاده قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق، كما أكد أنه " لو لا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة".
([2]) الخميني: الحكومة الإسلامية (ولاية الفقيه) :دار القدس: بيروت: د. ت: د. ن: ص 51. 
([3]) نصر الله، حسن: في محاضرة له نشرتها مجلة العـهد (العدد55): بيروت: 1405هـ=1985م: ص10.
([4]) م . ن : ص 11.
([5]) م . ن : ص 11.
([6]) رالف بيترز: (حدود الدم: نحو نظرة أفضل للشرق الأوسط): عرض وتعليق: طلعت رميح: راجع موقع المسلم على الأنترنت.
(*إن التفجيرات التي كانت موجَّهة ضد المساجد والتجمعات الشعبية، والجثث المجهولة الهوية، التي اتهمت بها المقاومة العراقية، كانت من أهم مظاهر وسيلة سفك الدماء التي استغلتها الإدارة الأمريكية وحلفاؤها لفرض تطبيق مشروع الشرق الأوسط الجديد.
([7]) أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 838(د-19) بتاريخ 14ديسمبر 1954م طلبت فيه لجنة حقوق الإنسان إتمام توصياتها الخاصة بالاحترام الدولي لحق الشعوب والأمم في تقرير مصيرها بما فيها التوصيات الخاصة بسيادتها الدائمة على ثرواتها ومواردها الطبيعية.

إرسال تعليق