الجمعة، ديسمبر 07، 2012

أسس البناء الاستراتيجي الرأسمالي


أسس البناء الاستراتيجي الرأسمالي
تتقاطع في جوانب كثيرة مع إيديولوجيا حركات الإسلام السياسي

مقاطع مُستلَّة من الفصل السادس
من كتاب (في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام)
ملاحظة: أنجز العمل فيه في العام 1994، ولذلك لم يول الاهتمام بحركة (ولاية الفقيه).
منذ العام 1940-1945م، كان مخطط الرئيس الأميركي  فرانكلين روزفلت إزاحة الامبراطوريات القديمة المسيطرة على الشرق الأوسط؛ لكن الزحف الأميركي تباطأ بين الفترة (1945-1952) في عهد الرئيس ترومان؛ فكانت منطقة الشرق الأوسط، بالنسبة للاميركيين، منطقة صراع مؤجل، وكان اهتمامهم منصباً على ضبط الموازين في أوروبا، بعدها بدأ الغزو الأميركي للمنطقة في عهد الرئيس أيزنهازر منذ العام 1953م([1]).
وفي العام 1957م، أصبحت الولايات المتحدة الأميركية هي اللاعب الأساسي نيابة عن الغرب، بعد أن أفلت شمس الامبراطوريتين القديمتين: فرنسا وبريطانيا ([2]).
في مرحلة الصراع المؤجل، وفي العام 1951م، كان الرئيس ترومان قد أصدر قانون الأمن القومي الذي أنشئت بمقتضاه وكالة المخابرات المركزية، «وكان المنطق الذي قام عليه قانون  الأمن الأميركي منطقاً بسيطاً يستلهم فكرة المنفعة كمصدر للشرعية، والنجاح كمعيار  لقياس  التصرفات و الأفعال ([3]). وكان مؤدى القانون هو «أن رئيس  الولايات المتحدة أصبحت له حكومتان: حكومة ظاهرة مسؤولة أمامه ويحاسبها الكونغرس، وحكومة خفية مسؤولة أمامه ولا يحاسبها أحد»([4]).
بعد الحرب العالمية الثانية، كانت المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، والتي على أساسها تم تحديد بناء استراتيجيتها، هي التالية:
-العطف على محنة الشعب اليهودي.
-مصلحة اقتصادية في النفط، والإبقاء على قناة السويس سالكة أمام الملاحة الدولية.
-وقاية المنطقة من الشيوعية، وفي تجنب مجابهة محتملة مع الاتحاد السوفياتي([5]).
-بعد معركة قناة السويس في العام 1956م، أصبح من الأهداف الأميركية، حصار المراكز الثورية الجديدة في العالم العربي وإسقاطها ([6]).

أ-الإمبريالية الأميركية و«إسرائيل»: منذ الحرب العالمية الأولى، حسمت الولايات المتحدة الأميركية ميلها القاطع لليهود في  إطارين اثنين: الأول، إقرارها  الكامل  بمبدأ الانتداب الفرنسي والبريطاني على المنطقة العربية؛ والثاني، جاء الإقرار متطابقاً مع نجاح اليهود الأميركيين في تحويل قضية فلسطين إلى قضية داخلية أميركية ([7]).
ثم بدأت مسألة فلسطين تأخذ أهمية أكبر في السياسات المحلية الأميركية عندما سمح روزفلت بإصدار تصريح يؤيد فيه قضية اليهود، ومضمون هذا التصريح أنه «سيكون سعيداً أن يرى أبواب فلسطين لا تزال مفتوحة أمام اللاجئين اليهود... وأن العدالة الكاملة ستكون إلى جانب الذين يسعون إلى إقامة وطن قومي يهودي»([8]).
وتحولت قضية «إسرائيل»، شيئاً  فشيئاً، إلى  أن أصبحت من  القضايا الاستراتيجية الأميركية. وهذا ما يؤكده نيكسون، عندما يقول: «إن التزامنا بأمن «إسرائيل» التزام عميق، فنحن و«إسرائيل» لسنا حلفاء شكليين، بل نحن مرتبطون ببعضنا بشيء  أقوى بكثير من قصاصة من الورق. إنه التزام أخلاقي... إن التزامنا ب«إسرائيل» نابع من ميراث الحرب العالمية  الثانية، ومن مصلحتنا الأخلاقية والايديولوجية في  تأمين البقاء للديموقراطيات في حالة القتال دفاعاً عن الذات»([9]).
فيما بعد، لم تستطع الإدارة الأميركية أن تتحلل من استراتيجيتها القائمة على التأييد المطلق لـ«إسرائيل»، ؛ وإن كان أحد من رؤسائها قد أقدم على محاولة الابتعاد عن هذه الاستراتيجية، كما فعل جيرالد فورد، فالفشل كان النتيجة المرتقبة. صمَّم فورد في العام 1975م، على الضغط على «إسرائيل»، ، إذ ذاك «عمل مؤازروها على شد عضلات سياستهم، حيث وقَّع ستة و سبعون عضواً من مجلس الشيوخ على رسالة تحذر الرئيس من أي عمل يمكن أن يحرم «إسرائيل»  من احتياجاتها الاقتصادية والعسكرية»([10]).

ب-الإمبريالية و المصالح الاقتصادية: يرمز للثورة الصناعية في الغرب اكتشافان عظيمان: الآلة البخارية والكهرباء. وهما يوضحان الرابطة الأساسية بين الحرارة والطاقة، التي تنتج تحريك آلات تنوب مناب الطاقة البشرية، و من هذه العلاقة تنبع كل قوة  الغرب المعاصر وثروته. فبعد اكتشاف النفط تشكل الكارتل الغربي، أي الشركات النفطية السبع. لكن في العام 1960م، نشأت منظمة الأوبك (للدفاع عن حقوق الدول المنتجة)، لكنها بقيت تابعة للشركات النفطية في البلدان الصناعية، لأن الشركات احتفظت بسيطرتها التامة على قطاعات اقتصاد النفط، ولم ينتقل للأوبك إلا قطاع الاستخراج فقط ([11]).
أخذ الغرب يكتشف أهمية النفط وتأثيره ليس على الآلة الصناعية فحسب، و إنما كان له أيضاً تأثير  مهم على الآلة العسكرية؛ يقول نيكسون: إن «إحدى الميزات الاستراتيجية الرئيسة التي  كانت تتمتع بها قوات الحلفاء، خلال الحرب العالمية الثانية، أنها كانت تسيطر على 86% من نفط العالم»([12]).
وبعد الحرب العالمية الثانية، «كان الشرق الأوسط، منذ زمن بعيد، يشكل ملتقى للطرق المؤدية إلى آسيا و أوروبا، و أصبح نفطه الآن  دم الحياة  الذي يسري في عروق الصناعة الحديثة، وإن منطقة الخليج العربي، هي القلب الذي يضخ ذلك الدم، وإن البحر الذي يحيط بها هو الوداج الذي يمر عبره الدم إياه»([13]).
فالاستراتيجية الاقتصادية للغرب تدرك تماماً أهمية المنطقة العربية، فيقول نيكسون، أيضاً، فإن «مسألة من يسيطر على ما في الخليج العربي والشرق الأوسط تشكل مفتاحاً بيد من يسيطر على ما في العالم»([14]).
وحتى يمكن تطوير مصادر أخرى للطاقة،يقول نيكسون: «إننا نعيش في عصر النفط، وهذا ما يعطي أهمية استراتيحية فوق عادية لمنطقة الخليج العربي... وهذا يعني بأنها واحدة من أكبر مناطق العالم اضطراباً، وأكثر حيوية وتهديداً بالخطر في آن واحد معاً»([15]).

ج-وقاية المنطقة من الشيوعية: صحيح أن النفط يشكل مادة استراتيجية للصناعة الغربية، لكن طرق المحافظة عليها واستثمارها من دون أية عوائق تتطلب، أيضاً، خطة استراتيجية لحمايتها.
وللحماية وجهان: وقائي ويتعلق بالمنافس السوفياتي، ومباشر له علاقة بالقوى الثورية المحلية. فالوجه الوقائي يتمثل بالهاجس الذي كان يشعر به الامبرياليون الاميركيون، خوفاً من أن يكتسب الاتحاد السوفياتي القدرة على إغلاق أنابيب نفط الشرق الأوسط، ليس عن طريق السيطرة المباشرة، ولكن عن طريق ضغوطهم الخارجية أو خلق اضطرابات داخلية في المنطقة. يدعم نيكسون رؤيته بما قاله مسؤول سوفياتي كبير في العام 1955م، والذي أوضح أن هدف السياسة  السوفياتية على المدى البعيد يظهر  في «استغلال القومية العربية، من  أجل خلق الصعوبات في وجه الدول الأوروبية للحصول على النفط، و بذلك يحقق السيطرة والنفوذ عليها»([16])
ويدعم هذا الرأي ما تضمنه مبدأ ترومان الذي أعلنه في آذار/ مارس 1947م، وهذا المبدأ لا يزال حجر الزاوية في السياسة الأميركية إزاء الشرق الأوسط، والتي تستهدف، حسب ذلك  المبدأ، ربط خيوط المنطقة بأحلاف عسكرية وسياسية، عبر تقديم المساعدات للأطراف المعارِضَة للاتحاد السوفياتي ([17]).
تستند هذه السياسة إلى أن الحرب الباردة، كما يحسب جونسون، هي «ظاهرة دائمة وأن العدو لا يتغير، وإن جميع الأنشطة المعادية للولايات المتحدة في أي مكان على وجه الأرض تعتبر أعمالاً متعمدة توجهها شبكة شيوعية دولية متماسكة تعمل من الكرملين». ولهذا بقي الاميركيون حتى أواخر العقد السادس يرفضون سياسة الحياد التي تتبعها دول العالم الثالث ([18]).
د- حصار المراكز الثورية العربية وإسقاطها: بعد أن ورث الأميركيون المنطقة العربية، من الامبراطوريتين  الفرنسية والبريطانية، أصبح هذا الإرث، في نظر أيزنهاور، معلقاً في الفضاء، ذلك أن «فراغ القوة» الذي نشأ في الشرق الأوسط تتحرك فيه حركة قومية عربية حاشدة، ولكنها «عاطفية»، وهي تتحدث عن «استقلال حقيقي» يمكن أن يكون ضاراً بمصالح الولايات المتحدة. عن هذه المسألة كتب في مذكراته ما يلي: «لا بد من أن نخوض الحرب الباردة بروح قتالية. ولا بد أن نمارس في ظل السلام منطق التجنيد والتعبئة. ونحن هذه المرة لا نجنِّد فرقاً وجيوشاً، ولكن نجند ونعبئ شعوباً وأمماً لكي تقف في خطوطنا، وليست في خطوط الشيوعيين». كان ما يقوله أيزنهاور يعود إلى مقولة مضمونها أن السيطرة على الشرق الأوسط هي فعلاً معركة القرن، ولهذا كله وضع مبدأً، لحل أزمة الشرق الأوسط، تحت عنوان نظرية ملء الفراغ في المنطقة ([19]).
وتطبيقاً لهذه الاستراتيجية، أصبح المخطط الأميركي، منذ العام 1957م، وحسب مبدأ أيزنهاور، قائماً على قاعدة حصار مصر بحلف بغداد، والاستيلاء على الحكم في سوريا، وزرع الشقاق بين مصر وملك السعودية (الملك سعود).
كانت أميركا تحسب سوريا  أخطر  نقطة في الشرق  الأوسط. فمصدر  قوتها هو جيشها الذي  كانت أغلبية ضباطه متحمسة للتوجه القومي العربي، والجماعات المؤثرة فيه كانت على صلة بحزب البعث العربي الاشتراكي. وبعد أن فشلت المحاولات الأميركية للاستيلاء على الجيش السوري، أخذ الاميركيون يعملون على حصارها من الخارج بواسطة العراق الملكي وتركيا ([20])، تارة، وبواسطة لبنان تارة أخرى؛ وفد وافق وزير خارجية لبنان (شارل مالك) ([21])، ورئيس الجمهورية (كميل شمعون) ([22]) على تقديرات الاميركيين للموقف في المنطقة؛ وملخصه: إن استمرار عملية التصاعد القومي الجارية في المنطقة سيكون معناها خسارة العالم الحر (أوروبا وأميركا) للشرق الأوسط، وتهديد السلام  العالمي. و قد ساعد على ذلك، الادعاءات اللبنانية  في تلك المرحلة : بأن الاعمال الشيوعية الهدامة تنطلق من سوريا وتوجه إلى لبنان ([23]).

بدت منطقة الشرق الأوسط، من منظور واشنطن، حالة مختلفة: ففي الشرق الأوسط كانت حركة القومية العربية باندفاعها الفوار تتحدى السيطرة الغربية»([24]). لذلك عمل الأميركيون على تطويق المراكز الثورية العربية، بطرق وأساليب متعددة، ومنها:

-الأحلاف العسكرية، مثل حلف بغداد (في العام  1955م) بين العراق وتركيا، وانضمِّت إليهما باكستان وإيران، مما أثار البلدان العربية ذات الاتجاهات القومية([25]).
-التركيز على قادة المستقبل في العالم العربي، و توسيع  النشاط  الدعائي و الثقافي، خصوصاً في أوساط الطلبة والمدرسين وأساتذة الجامعات والمثقفين.
-تسليح «إسرائيل» بشكل لا يبرز أي دور ثنائي، «إسرائيلي»- أميركي.
- تدعيم إيران وتدعيم نفوذها في المنطقة ([26]).
-تدعيم وضع الأنظمة المحافظة/ الرجعية، والعمل على تنشيط الاتجاهات الإسلامية. إذ إنه منذ العقد الخامس من القرن العشربن، والعربية السعودية تسعى «بتشجيع فعال من حليفتها الأثيرة أميركا إلى احتواء تصاعد مد القومية العربية الجذرية عن طريق تدعيم التضامن الإسلامي على الصعيد العالمي. وقد اعتمدت في مسعاها على نظامين سياسيين يستمدان شرعيتهما من العقيدة الدينية، وهما: «باكستان...[ التي تعمل] في دولة تضمن قيام نظام اجتماعي- سياسي على أسس إسلامية؛ ومن الجهة الثانية المملكة  المغربية العريقة القائمة هي الأخرى على الشرعية الدينية، باعتبار أن الأسرة المالكة تنتمي، كما تحرص على توكيد ذلك، إلى سلالة النبي مباشرة ». وكان من أهداف الحلف أن يقف في مواجهة دول عدم الانحياز. وأفلحت حركة التضامن الإسلامي في تأسيس نفسها على الصعيد العالمي في  أواخر الستبنيات من القرن 20م. ففي العام 1968، انعقد  مؤتمر المنظمات الإسلامية العالمية في مكة؛ وفي العام 1969، جاء حريق المسجد الأقصى ليشكل ذريعة لعقد أول مؤتمر لقادة الدول الإسلامية في الرباط ([27]).
لأن الولايات المتحدة الأميركية كانت ترفض  سياسة الحياد، لم  يقر  الكونغرس  أية مساعدات سوى للأنظمة المرتبطة بها، متبعاً قاعدة عمل عليها، وهي معارضته تقديم المساعدة للمحايدين ([28]). لكن هذه القاعدة أحدثت ثغرات مهمة في السياسة الأميركية، إذ جعلتها تقدِّم دعماً كبيراً للصهيونية و«إسرائيل»، و ترفض بيع السلاح إلى العرب من غير شروط، وتتراجع عن تمويل السد العالي في مصر ([29]).

V-دفع الصحوة الإسلامية إلى مواجهة مع القومية العربية
منذ انهيار النظام العثماني، كمرجع سياسي إسلامي توحيدي، وقعت الاتجاهات الإسلامية السلفية في مأزق التفتيش عن مرجعية سياسية، خاصة وأن نظام الخلافة الإسلامي- العثماني، على شكليته، قد أُلغِي بقرار تركي بعد الحرب العالمية الأولى.
عملت الاتجاهات القومية والإسلامية، في أعقاب سقوطه، على نسج وحدة عربية مشرقية، بقيادة الشريف حسين، تكون بديلاً للنظام المرجعي العثماني، إنما هذه المرة بقيادة عربية. لكن تُوِّجت هذه  المحاولة بالفشل، والسبب أن الإمبريالية الغربية القديمة، ما كانت لتسمح ببناء أي مشروع وحدوي يتناقض مع استراتيجية سايكس- بيكو.
ازداد نجم الفكر القومي والوطني صعوداً، خاصة بعد أن خاضت تياراته الحزبية معارك الاستقلال، ورفعت شعارات التحديث السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وفي مطلع الخمسينات من القرن 20م، كانت البنى الحزبية تزداد خبرة، وتحقق مكاسب. وكان يظهر في أثناء هذه التطورات، وكأن الحركات السلفية الإسلامية قد أخلت الساحة للفكر القومي/الوطني، وللحركات و الأحزاب القومية/ الوطنية.
لكن حالة الانكفاء التي أصيبت بها الحركات الإسلامية، لأسباب ذاتية وموضوعية، لم تعن أبداً  أنها ألغيت كلياً، بل كانت تقوم بدور المراقب لما يجري، وتُعِدُّ نفسها لمعاودة النشاط في الفرصة السانحة. في أثناء ذلك كان المشروع القومي أو الوطني/ القطري ينحو، منذ أواخر الستينات من القرن 20م، لأسباب كثيرة، ناحية العجز عن حل الاشكاليات التي نذر نفسه للتصدي لها، ومن هذه الأسباب:
- أُصيب المشروع القومي بعدد من النكسات، ومنها: فشل الوحدة السورية- المصرية، هزيمة حزيران 1967م...
- كانت السلطات السياسية في كثير من الأنظمة القطرية، عاجزة عن تحقيق العلاقة السليمة بين السلطة والمجتمع، عندما لم تستطع تطبيق شعاراتها الليبرالية في العدالة والمساواة السياسية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية في داخل أقطارها.
في مثل تلك الظروف، ومنذ نكسة حزيران/يونيو 1967م، ابتدأت المعادلات بين السلفي والقومي تختل لصالح الحركات السلفية، التي كانت مواقفها تنطلق تجاه المسألة القومية/ الوطنية، بشكل عام، من عاملين:
- الأول: حسبت الحركات السلفية الإسلامية، ذات المشاريع السياسية، أن الفرصة أصبحت سانحة أمامها لاستعادة مواقعها التي خسرتها، سابقاً، بسبب ملاحقات السلطات السياسية وتضييقها عليها.
- الثاني: وكانت فيه الأوساط الشعبية الإسلامية، لا ترى أسباباً للأزمات سوى أن المسلمين ابتعدوا عن الدين، وأن حلها لن يتم إلا بالعودة إليه.
كانت الثقافة الشعبية الإسلامية تستند إلى رصيد عريق وثري ([30])، فتحولت إلى ضمير تنعكس عليه صور المشاكل الاجتماعية، التي تولِّد آلاماً و معاناة إنسانية. تكوَّن هذا الضمير من سمات ثقافية دينية، أساسها العدل والرحمة، فأصبح شاشة حساسة تلتقط ذبذبات الآلام، فتحكم، بحسها العفوي على فشل أو نجاح أية سياسة، أي على ما له علاقة بين المجتمع والسلطة.
فحسب قواعد المعرفة السلفية وأسسها، المستندة إلى منهج ثابت في تفسير الظواهر، بأسبابها ونتائجها، قدَّم الفكر السلفي تفسيراً  بأن ما يحصل ليس إلا نتيجة الأفكار الليبرالية القادمة من الغرب، ولن يكون الحل سوى بالعودة إلى بناء الدولة الإسلامية والنظام السياسي الإسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية.
بعد الأزمات العديدة التي أعاقت المشروع القومي، بدءاً من تاريخ نكسة حزيران/يونيو 1967م، أخذت الحركات السلفية الإسلامية تُعِدُّ نفسها لاستلام راية قيادة العمل السياسي.

1-واقع الاتجاهات والحركات الإسلامية قبل نكسة حزيران 1967م
ما إن الغي منصب الخليفة في العام 1924م، بعد أن سقطت المرجعية السياسية الموحِّدة للعالم الإسلامي ومنها المنطقة العربية، حتى كانت أقطار المشرق العربي ووادي النيل أشدَّ تأثراً بهذا الفراغ، خلافاً لأقطار الجزيرة العربية والمغرب العربي.
لقد وضع هذا الفراغ الحركات الإسلامية في موقع الباحث عن بديل؛ فتشكلت اتجاهات وتيارات و حركات أصولية/ سلفية في معظم الأقطار العربية، لكنها كانت تميزها عن بعضها البعض خصوصيات. فكيف  كانت مسارات تلك الاتجاهات في مختلف المحاور الجغرافية للأقطار العربية ؟
أ- أقطار المشرق العربي ووادي النيل: حركة الإخوان المسلمين وبداية التأسيس للمشروع السياسي الإسلامي: حصل جدل في مصر حول مبدأ  الخلافة؛ عدَّه بعضهم  منصباً دينياً فقط، أما  البعض الآخر فعدَّه منصباً دينياً وسياسياً في وقت معاً. فتأثَّر حسن البنا (1906-1949م) بهذا المناخ الفكري ([31])؛ فأسس حركة الإخوان المسلمين في العام 1928م، وقد مرَّت بطورين:
- الأول: وكان عنوانه ثابتاً هو الدعوة إلى الله، والحيلولة بين التبشير الديني المسيحي والمجتمع المصري، ومحاربة الاستعمار لكونه السند الأول للمبشرين. والدعوة إلى القيم الإسلامية في وجه الحضارة الغربية، إذ يحسب الإخوان أن هذه القيم ترتفع إلى مرتبة القداسة؛ و العودة بالمسلمين عن طريق البدع والضلالات إلى القيم الدينية السليمة، وذلك بالعودة إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله، وعمل الصحابة والتابعين ([32]).
- الثاني: الانتقال من وسائل تحقيق الأهداف بالحكمة والموعظة الحسنة إلى الجهاد.
ورداً على اتهام الليبراليين للإخوان بمعاداتهم الفكرة الوطنية، أجاب البنا بأن القومية التي  يرضاها هي الفطرة والعمل على تحرير البلد من الغاصبين فقط. ولهذا ركَّز الإخوان على مطالبة الحكومة المصرية بالعمل في سبيل الله، الذي يتم بالاهتمام بالتعليم الديني ومحاربة مظاهر الإلحاد. و بهذا أخذ الإخوان ينتقلون من مرحلة الكلام إلى النضال و العمل والوقوف في وجه الحكومة، والدعوة إلى أن تكون السياسة جزءاً من الدين، فعملوا على تكوين كتائب الجهاد للقيام بواجب الصراع مع السلطة لاستلامها وبناء الدولة الإسلامية.
ولكي يبنوا تنظيماً مجاهداً، حدَّدوا شروط الانتساب إلى الجماعة: بالطاعة العمياء (فطاعة المرشد أو أمير الجماعة هي طاعة الله). والإيمان بأن النظام الإسلامي هو النظام الديني الإلهي (الإسلام هو النظام العام الشامل الذي يفضل أي نظام آخر في كل زمان ومكان). والعداء لكل النظم التي حلَّت محل الإسلام (الأفكار المستوردة في الدستور، وإلغاء الأحزاب). والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس. ثم العمل لاسترداد الخلافة ([33]).
ولم يقف دور حركة الإخوان المسلمين عند حدود مصر، فامتدت تأثيراته إلى بلاد الشام. وبعد أن أخذ دور العلماء التقليديين يتقلص في الحياة العامة، اعتمدت الحركات الإسلامية في الشام استراتيجية وأساليب جديدة، بعيدة عن أساليب فئة العلماء ([34]).
على الرغم من ذلك، ولأن التناقض كان واضحاً بين الأنظمة السياسية الحاكمة في بعض الأقطار العربية مثل سوريا ومصر، وبين الدعوة السياسية لحركة الإخوان المسلمين المسلَّحة للاستيلاء على أنظمة الحكم، وبناء الدولة الإسلامية، أدَّى إلى نشوب صراع دموي بين الطرفين.
كانت ثورة تموز/ يوليو 1952م في مصر، بداية لنهاية الإخوان المسلمين «فقد تم سحق رموز الثقافة الإسلامية، واستبدالها برموز اشتراكية وقومية عربية»([35]). وقام نظام الثورة بحركة ملاحقات واعتقال للإخوان المسلمين.
أما في سوريا فقد ازداد نشاط «جمعية الإخوان المسلمين» حينما أخذت تندد بالاجراءات القمعية التي اتخذت في مصر ضد أعضائها. وتحولت سوريا إلى مركز رئيس لنشاط الإخوان، وقد عقد فيها مؤتمر، في آذار/ مارس 1957م، ضم جميع  الإخوان من الوطن العربي. وما إن جاءت سلطة الوحدة حتى اتخذت إجراءات ضدها ([36]).
لم تكن عمليات الصراع بين السلطة وحركة الإخوان المسلمين، لتضع حداً لأي منهما، بل كانت الحركة تصعِّد، شيئاً فشيئاً، بمواقفها نحو القطيعة الكلية مع السلطة.
بعد اغتيال حسن البنا، برز سيد قطب في مصر، الذي دعا إلى تكفير الحكومة ومواجهتها بالعمل الثوري بعد أن عملت السلطات بالإخوان قمعاً واعتقالاً وتعذيباً ([37]).
أما سيد قطب فقد رأى في الحكام المسلمين أنهم غير مسلمين ما داموا يمارسون حياتهم على أن الحاكمية للبشر و ليست لله. لهذا حسب أن  المنهج الرباني، ولا منهج غيره، هو منهج الحياة البشرية كلها؛ فالبشرية تعيش في جهالة عمياء إن هي مضت في حياتها على منهج غير المنهج الرباني، لأنه صيغ لتقديم حلوله للمشكلات في المجتمعات الإسلامية. و ما دامت المجتمعات، القائمة  اليوم، غير إسلامية، فإن المنهج الرباني لا يفيد في تقديم حلول لمشكلاتها، لذلك يجب أن يوجد المجتمع الإسلامي أولاً ([38]).
أدى التغيير الذي أحدثه سيد قطب إلى تفريع الجماعة إلى أربعة فروع:
- السلفيون: وشعارهم الآية القرآنية ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[ (المائدة: من الآية105)، وتقوم دعوتهم على التربية التي لا تتجاوز القلب.
- الإخوان المسلمون: وسبيلهم في محاربة الفساد والخروج عن سنن الإسلام، وأسلوبهم الدعوة باللسان والحوار مع الناس بالتي هي أحسن.
- الإخوان المسلمون (جماعة التكفير والهجرة): وتحِّدد مسارها ثلاث مراحل: الدعوة العلانية إلى إعلاء كلمة الله -الهجرة إذا تعرض المسلمون للبلاء- العودة عندما يشتد عودهم لإزاحة الطاغوت.
- جماعة الجهاد: ترى أن القتال ضد السلطة الكافرة واجب ديني لا يمكن التقصير في القيام به. فقتال الحاكمين عندهم واجب لأنهم ارتدُّوا عن دينهم حين حكموا بغير ما أنزل الله، وإن ما يدعم الدعوة إلى قتالهم هو أن قتل المرتدِّ واجب.
فإن كانت الحركات الإسلامية قد رضخت للأمر الواقع، مرحلياً، أمام قوة السلطة لفقدان التوازن في القوى بينهما، إلا أنها كانت تنتظر الفرصة المناسبة لكي تطل من جديد. فكانت هزيمة الخامس من حزيران 1967م، هي تلك الفرصة، وهذا موضوع لاحق سوف نتكلم عنه في حينه في هذا الفصل.
ب- الخليج والجزيرة العربية: التحالف السلفي- القبلي يثبت قواعد نظامه السياسي: استطاعت السلفية الوهابية أن تسيطر من الأساس، منذ العشرينات من القرن 20م، على السلطة السياسية وتستلمها من دون أي منافس. وكانت البيئة الاجتماعية، من عشائر وقبائل، مناسبة لمثل هذا النظام ، ولم يكن في الجزيرة، خاصة السعودية، مذاهب دينية أخرى تنافس المذهب الوهابي.
اتخذت النخبة الحاكمة في الخليج والجزيرة العربية، منذ البداية، موقفاً عدائياً من التيار القومي، وواجهت حركات المعارضة بالقمع و الإرهاب، وفي إحياء روح التعصب الديني. كما شجعت الطرح  القائل بأن  الإسلام هو بديل للقومية، تحت حجة أن القومية هي من البدع التي جاء بها الغرب. فكان أن ظهرت الحركات الدينية المتطرفة مثل: الإخوان المسلمون، السلفيون، الشيعة  المتزمتون؛ وعملت النخبة الحاكمة على تبني هذه الحركات، بشكل مباشر، من جهة، واستخدمت الدين سلاحاً فعالاً ضد القومية والاشتراكية والدستورية من جهة أخرى ([39]).
وما إن تركت بريطانيا المنطقة، حتى كانت أميركا قد ملأت الفراغ الحاصل. هذا في حين انه تمكن الإشارة إلى أن السعودية كانت في ظل الحماية الأميركية منذ الأربعينات، وأصبحت إحدى ثلاث ركائز  أساسية في المنطقة للإمبريالية الأميركية وهي: إيران الشاه، والعراق الملكي، والسعودية. وكانت من مهمات هذا التحالف: منع التسلل السوفياتي تجاه المنطقة، وقاعدة للهجوم ضد الأنظمة القومية والوطنية.
ج- أقطار المغرب العربي: التكامل بين الإسلام والوطنية العربية الليبرالية: وردت الجنسية العربية مع جحافل الفاتحين العرب المسلمين، فتغلبت اللغة العربية على اللغات المحلية لأنها لغة القرآن. وإذا كانت شعوب المغرب قد تعربت، فإن عروبتها المكتسبة لم تقض على الخصوصيات العرقية الموروثة فيها. كما أنه لم يكن ولاء الدول الإسلامية في المغرب لعواصم الخلافة في المشرق ولاء إلحاق وتبعية، بل كانت لها ذاتيتها السياسية و استقلالها الإدارى وسيادتها الترابية. ولما تكونت الحركات السياسية، في أواخر القرن التاسع عشر، فإنما كانت تتمسك بالقيم الدينية الإسلامية، لا بمبادئ القومية العربية، لأن هذه المبادئ لم تكن معالمها واضحة في ذلك العهد:
فالوعي القومي بالمعنى الثقافي، وعي عريق أصيل في أقطار المغرب، وهو حضور كامن حي شعبي متواصل بفعل أكثر من مؤسسة، في المشرق و المغرب معاً. فهو  في المغرب وليد الإسلام، ووليد حالة الاستعراب، ووليد الجامعات العريقة في القيروان والزيتونة والقرويين، ووليد الهجرة العربية التاريخية، والتعايش والانصهار والتزاوج بين العرب والبربر، ووليد استمرارية التراث والثقافة العربية الإسلامية عبر العصور، ومعارك الاستقلال وفلسطين، والنضال المعادي للإمبريالية «هذا بعض ما يجسده الوجدان الشعبي والعقل الجمعي»([40]).
أما التمايزات فأخذت تظهر في تطور العلاقة بين الديني والسياسي، ليس بمعنى التصادم بين العروبة والإسلام، ولكن بين الديني الإسلامي/ المجتمعي، وبين السياسي السلطوي، في مراحل  متأخرة من القرن 20م،وهذا ما سنبحثه في حينه من هذا الفصل.
فمن مميزات واقع العلاقة بين الديني والسياسي في أقطار المغرب العربي، أي العلاقة بين العروبة والإسلام، أنه كانت هناك مصالحة دائمة، أي بمعنى الاندماج الثقافي بين الاثنين، لأنه لم يشهد تاريخ الدويلات في المغرب (كسلطة سياسية) تصادماً مع مركزية النظام الإسلامي (كمرجعية سياسية دينية)،
أما في الخليج والجزيرة العربية، فلم يحصل أي صدام بين الاثنين، بسبب من السيطرة السلفية- العشائرية شبه التامة على مجتمع هذه المنطقة، والتي كانت تقف فيها السلطة السياسية، غالباً، في مواجهة أية أفكار قومية أو وطنية على ندرة حصولها.

2-واقع الاتجاهات والحركات الإسلامية بعد نكسة العام 1967
كان للمد القومي العربي، الذي شهدته أقطار المشرق العربي ووادي النيل، من جهة، وتنامي تيار دول عدم الانحياز، كرافد للحركات التحررية القومية من جهة أخرى، تأثير مهم على بناء الاستراتيجية الإمبريالية تجاه المنطقة الإسلامية الآسيوية بشكل عام، ودول المنطقة العربية بشكل خاص.
فمنذ الخمسينات من القرن 20م، والعربية السعودية تسعى، بتشجيع من حليفتها أميركا، إلى احتواء تصاعد مد القومية العربية عن طريق تدعيم التضامن الإسلامي على الصعيد العالمي بشكل عام، والمنطقة العربية بشكل خاص. وقد اعتمدت السعودية على نظامين سياسيين آخرين يستمدان شرعيتهما من العقيدة الإسلامية، وهما: الباكستان والمغرب الأقصى، وتشكل من الأنظمة الثلاثة حلف وقف في وجه دول عدم الانحياز ([41]).
وإذا كانت الإمبريالية تعمل على استخدام الأنظمة الإسلامية في الشرق الأوسط، والمؤسسات الإسلامية على الصعيد العالمي، على قاعدة ترابط المصالح، فإنها تنظر إلى الحركات الأصولية الإسلامية بمنظار الاطمئنان، وليس بمنظار الخوف، والسبب في ذلك  يعبر عنه نيكسون بما يلي: «إن تأثير الأصوليين على شعوبهم لا يقوم على جاذبية ما يدعون إليه بقدر ما يقوم على تأييد ما يدعون إلى ضده، أي ضد الوضع الراهن الذي لا يقدم حلاً لمشاكل الحاضر، كما لا يقدم أملاً في الحل في المستقبل»([42]).
إن الاستعداد الامبريالي، في تشجيعه وتعاونه مع الأنظمة الإسلامية، أو في عدم خوفه من نمو الحركات الإسلامية الأصولية، قائم على الأسباب التالية:
الأنظمة حليف سياسي ترتبط معه بمصالح اقتصادية مثمرة، أما على صعيد الحركات فهو مطمئن إلى أنها لن تقدم حلولاً للمشاكل التي تخشى الإمبريالية من إيجاد حلول لها  تهدد مصالحه. فهي وإن عرفت كيف تهدم، لكنها عاجزة عن معرفة كيف تبني. وبالتالي يكفي الاستفادة من نموها وتصاعد وجودها ما دامت تقف في مواجهة الأفكار القومية والوطنية الليبرالية واليسارية/الشيوعية.
فإلى جانب الاستعداد الامبريالي، جاءت جملة من العوامل الذاتية والموضوعية، على المستويين القومي والإسلامى، لكي تساعد على بزوغ فجر الصحوة الإسلامية، وتفجير طاقات الحركات الأصولية، ومن هذه العوامل:
أ- التراجعات تواجه المشروع القومي: منذ نكسة 1967م، التي أصابت العرب بشكل عام، والأنظمة التقدمية بشكل خاص، جرت مراجعة نفسية- وجدانية عند الجماهير العفوية، ومراجعة نقدية عند التيارات القومية والوطنية واليسارية، وردة ثأرية من قبل الحركات اليمينية والرجعية ومنها الحركات الأصولية الإسلامية. فكانت هذه المراجعات، الحادة منها أو الهادئة، الموضوعية أو الحاقدة، تختلف من قطر إلى آخر، ومن حركة إلى أخرى.
وانعكست تأثيرات نكسة حزيران العسكرية، بخلفياتها السياسية والفكرية والأيديولوجية، على أقطار المغرب العربي أيضاً ([43]).
وكانت لها مفاعيل مزدوجة في الخليج والجزيرة العربية، فهناك حصلت ردة ضد القوى القومية الناشئة من جهة، واشتدَّت هذه الردة اكثر عندما انخرطت الأنظمة التقدمية في مشروع التسوية مع الأنظمة المحافظة/ الرجعية في قمة الخرطوم، في مقابل الحصول على مساعدات مالية منها، وخاصة من السعودية والكويت من جهة أخرى ([44]).
على الرغم من أن نكسة حزيران كانت العامل المباشر في انتشار موجة الإحباط النفسي عند أوسع القطاعات الشعبية العربية، إلا أنها لم تكن العامل الوحيد، فقد كانت هناك، أيضاً حالة من التراكم الإحباطى التي سبقت النكسة، ومنها:
- فشل المشاريع الوحدوية التي كانت تشكل أساساً مهماً في إنعاش الآمال القومية لدى الحركات والأحزاب، كما لدى الجماهير الشعبية الواسعة.
-كانت الصراعات العربية- العربية تنتشر بشكل لافت، لكن ما كان يثير الانتباه فيها هو أن الجانب الأكبر منها قد أنصب حول الدول التقدمية وبينها، وليس حول الأنظمة المحافظة/ الرجعية([45]).
ب- العجز عن التلاقي بين المجتمع والسلطات الليبرالية: ظهر العجز واضحاً في ميدانين: الميدان السياسي، والميدان الاقتصادي- الاجتماعي.
ففي الميدان السياسي، اتخذ الكفاح التحرري والاستقلال أولوية، بين الحربين العالميتين، الذي اتَّسم بسمة الإحياء/البقاء القومي، وعرفت تلك المرحلة بأنها عصر العروبة الكبرى، حيث تخفَّى صراع الطبقات وراء العصبية القومية. لكن «بعد التحرر القومي ستعرض بالضرورة القضيتان الاجتماعية والديموقراطية، كمفتاحين لكل المسألة السياسية العربية»([46]).
لقد واجهت الأنظمة، بسياستها الليبرالية الواقعية عجزاً عن إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية ([47]). والسبب في ذلك أنه «وُجدت في كل من الدول العربية طائفة من الزعماء والحكام ومحترفي السياسة، ارتبطت منافعهم ومطامعهم بالأوضاع السياسية الراهنة، فنزعوا إلى المحافظة على كيان الدولة... »([48]).
 كانت الأنظمة السياسية ناشئة، حتى تلك التي تمتلك الشعارات الليبرالية، وكان يحدِّد خطواتها أكثر من عائق، و أهمها: افتقاد الخطط الواضحة-  الإمكانيات الفنية والمالية كانت ضعيفة، بشرياً واقتصادياً، فانصب اهتمامها على تأمين أفضل الوسائل للمحافظة على وجودها كأنظمة. و من هنا أخذت الفجوة تتسع بين السلطة والمجتمع، وكانت نشوة النصر في الحصول على الاستقلال السياسي بدأت  تنحسر شيئاً فشيئاً، ليحل مكانها تقييم الأنظمة على أساس مدى قدرتها على تطوير أوضاع مجتمعاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولأن الإخفاق أصبح حاصلاً، لأسباب ذاتية في النظام وموضوعية في الإمكانيات، أخذ الصراع بين السلطة والمجتمع يشق طريقه.
كانت جدلية الصراع بين السلطة والمجتمع تشهد تراكمات متواصلة. فلا السلطة كانت قادرة على إيجاد حلول للمشاكل، ولا المجتمع كان قادراً على السكوت عن استلاب حقوقه. فعجز السلطة كان يقابله المزيد من المعارضة، وكان المستفيد من هذا الصراع، غالباً، قوى عديدة، منها: الليبرالي و الأصولي والثوري والمحافظ والبورجوازي... الذي كان يستثمر الحالة الصراعية لمآرب سياسية.
فكلما كان الحس المطلبي يزداد، وتتحرك التيارات السياسية لتصعيد الحركة المطلبية، كانت السلطة تخشى على مواقعها من السقوط، فتلجأ إلى الرد على المعارضة بوسائل القمع، فتتصلب المعارضة بمواقفها، فينمو الصراع ويتصاعد بحركة جدلية متنامية.
كانت الحركات الأصولية في المشرق العربي ووادي النيل، قد استفادت، كتيار له مشروعه السياسي البديل للأنظمة القائمة، من آثار النكسة العسكرية في العام 1967م، كما أنها كانت تستفيد من حالة الصراع السلطوي- المجتمعي أيضاً.
تصادمت الأنظمة مع الحركات الإسلامية لأكثر من سبب. ففي سوريا ومصر، مثلاً، كان لحركة الإخوان المسلمين مشروعها  السياسي الإسلامي  الذي يتناقض كلياً مع الاتجاهات العلمانية. فهدف الدولة الإسلامية، كعقيدة ثابتة، كان يعني، ليس إزاحة النخب الحاكمة فحسب، و إنما تغيير  النظام السياسي بأكمله. السبب الذي حوَّل الصراع إلى دفاع من السلطة عن مسألتين: إحداهما، دفاعها عن موقعها في السلطة، والثانية دفاعها عن النظام السياسي الليبرالي. فالهدف السياسي الاستراتيجي للحركات الإسلامية، كان السبب الذي «يطبع علاقاتها بالأنظمة الحاكمة بطابع المنافسة والريبة، إن لم يكن بطابع العداوة و التصادم»([49]).
في مثل هذه الحالة، يصبح من  غير المفيد أن  نحدد  على من تقع مسؤولية استمرارية الصراع، إلا بالقدر الذي نستفيد منه في رسم صورة للمستقبل بين كلا الطرفين: السلطة التي تستخدم وسائل القمع وتغييب الديموقراطية من جهة، ومن جهة أخرى الحركات الإسلامية، التي فيما لو نجحت في تحقيق مشروعها السياسي، فإنها لن تكون أقل رحمة بمعارضتها، خاصة و أن مشروعها السياسي لا يسمح بالحرية في النقد والمعارضة لأنه،كما تحسب، مشروع إلهي ثابت.
إذا كان ما يعنينا من نتائج، بعد أن استخلصنا أسباب التناقض التصادمي بين السلطة الوطنية أو القومية في مرحلة ما قبل حزيران، وبين الحركات السلفية، فهي أنها تركت فجوة عميقة من العداوة دفعت بتلك الحركات إلى أن تعود إلى النشاط، بعد مرحلة النكسة، مستعيدة مشروعها السياسي، ومستفيدة من الإخفاقات التي منيت بها التيارات والقوى والأنظمة القومية والوطنية والعلمانية.
وبالإجمال، وعلى المستوى القومي العام، فقد تضافرت عوامل الفشل القومي: على الصعيد السياسي الوحدوي، وعلى صعيد تشكيل وحدوية قادرة على حماية الأقطار العربية من العدوان الموجَّه إليها من الخارج أو من الداخل،مع العجز، بفعل عوامل ذاتية وموضوعية، عن استثمار الثروة العربية للصالح القومي العام.
أما على المستوى القطري/ الوطني، فكان هناك عجز واضح عند النظام السياسي القطري، سواء كان ذا اتجاهات وطنية/ قطرية أو اتجاهات قومية، عن تأمين معادلة العلاقة السليمة بين واجبات السلطة وحقوق المجتمع لأسباب كثيرة، من أهمها: أنه لم تكد الأقطار تحصل على استقلالاتها السياسية، حتى وًوجهت الأنظمة/ السلطات بفتح أبواب أكثر أنواع الصراعات الداخلية والخارجية.
تضافرت تلك العوامل، وأخذت تنذر بولادة معارضة تعمل على المطالبة بتصحيح الخلل. فالمعارضة، عادة، تأخذ شكل الوعاء الثقافي الأكثر تأثيراً في حياة الشعوب.
لم تنضج الاتجاهات القومية والوطنية، الليبرالية والجذرية، بشكل عميق، فهي قد مرت بمرحلة الصياغة النظرية في أقل من ثلاثة عقود، ولم تكن تجربتها السياسية بعد قد تجاوزت عقدين من الزمن، حتى واجهها الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية فحاولت معالجتها  بأقل ما يمكن من الإمكانيات المادية، والعنصر البشري غير المؤهل، لذا  أصيبت بعدد من الانتكاسات على أكثر من صعيد.
كان الوعاء الثقافي السائد في لمجتمع العربي، بشكل عام، هو الثقافة الشعبية الإسلامية التي تستند إلى  رصيد عريق وثري. صحيح أنها  تعود إلى أكثر من عشرة قرون من الزمن، لكن تجاهلتها  أغلب الأنظمة الوطنية بعد الاستقلال، وقاومتها باسم الحداثة، لكنها فشلت في التحديث، ولم تنجح في تهذيب هذا الثقافة وتطويرها ([50]).
كانت كلها أسباب، ساعدت الحركات الإسلامية في أن تتخذ من تقاليدها وتراثها ومن قاعدتها الشعبية العريضة، وعقائدها السياسية الإسلامية، دوافع تحسب نفسها من خلالها أنها ليست البديل للأنظمة الليبرالية القومية والوطنية فحسب، و إنما هي النظام الأصيل أيضاً. فالأنظمة الليبرالية منعتها من هذا الحق، وها هي اليوم، بعد إثبات الفشل الذي أصيبت به تلك الأنظمة، لأنها ذات شرائع وضعية، تعود لكي تستعيد الحق الذي سُلب منها، ولكي تباشر النضال من أجل بناء نظام تقوم دعائمه على شرائع إلهية.
كثيرة هي القوى التي وجدت في الحركات الإسلامية وسيلة في سبيل استخدامها، أو الاستفادة من الزخم الذي تتميَّز به، لمنافسة الاتجاهات القومية والوطنية حول القواعد الشعبية لتفكيكها وإضعاف قوة تأثيرها وشرذمتها بين هذه التيارات أو تلك.
وبالإجمال، أخذت الصحوة الإسلامية المعاصرة تطل، بقوة متصاعدة لافتة، على المسرح السياسي العربي، منذ أوائل السبعينات من القرن 20م.

 استنتاجـــات الفصل السادس
من كتاب (في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام)
مرَّ المشروع الوحدوي الإسلامي، سياسياً، بقرون عديدة من التجارب القاسية والمؤلمة، ولم يستطيع أن يجد حلولاً لمشاكل المجتمعات الإسلامية بشكل عام، والمجتمع العربي بشكل خاص.
تُوِّجت تلك القرون، تحت وطأة الضغط الخارجي وبمساعدة من الوضع الداخلي المتأزم، بنهاية المشروع مع سقوط الدولة العثمانية الإسلامية. ومع سقوطها واجه المجتمع العربي- كجزء منها- مرحلة فراغ فكري و سياسي. وجاءت المؤثرات الفكرية والحضارية الأوروبية، فانكبت النخب العربية المثقفة عليها للاستفادة منها فى سبيل بناء هوية وحدوية قومية، والتنظير لأسس نظام سياسي بديل.
في الربع  الثاني من القرن 20م، شهد الفكر القومي العربي تطورات مهمة على صعيد الوضوح النظري. ومنذ أوائل الاربعينات، أُنزِل من برج النخب إلى الأوساط الشعبية من بعد  أن نشأت الأحزاب المنظمة. وعرف نضجه النظري، بمضامينه الاجتماعية والسياسية وبناه الحزبية الحديثة، مع تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1947م.
وقفت تيارات عديدة في الخندق المواجه للفكر القومي، ومنها: السلفية الإسلامية، القطرية/ الانفصالية، الشيوعية الأممية. وعلى الرغم من ذلك، شق التيار القومي طريقه، منذ أوائل الخمسينات، وحقق إنجازات رسمية وشعبية. فوصلت بعض تياراته إلى استلام السلطات السياسية، بشكل  خاص في كل  من مصر (بواسطة الناصرية)، وسوريا والعراق (بواسطة حزب البعث). أما على الصعيد الشعبي، فقد  غدت المرحلة عصراً ذهبياً للجماهير العربية وللفكر القومي على حد سواء.
أخذت التحولات الجديدة، ومن خلال المواقع التي احتلها الفكر القومي، تؤسس لمرحلة جديدة؛ وكان من أهم مظاهرها: تأسيس بنى سياسية لأنظمة ليبرالية تحديثية، والعمل في سبيل بناء سياسي وحدوي قومي، متخذة من شعارات الوحدة والحرية الاشتراكية منطلقات أساسية في عملها.
اصطدمت تلك المشاريع بعقبات كثيرة، منها الذاتي والموضوعي الداخلي، ومنها عوامل الإعاقة القادمة من الخارج/ الامبريالي.
نتيجة لتلك الظروف أصيب المد القومي بعدد من الانتكاسات والتراجعات لصالح الاتجاهات الرجعية، المحمِّية من القوى الإمبريالية، فانتعشت حركات سياسية ودينية إسلامية بعد فترة من الغياب والتراجع. وحاولت أن تشكِّل البديل للمشروع القومي، وانقسمت إلى تيارات: بعضها المتطرف الذي استخدم العنف وسيلة، وبعضها الآخر استخدم أسلوب التبشير الديني الهادئ.
كانت الحركات الأصولية الإسلامية-بمختلف تياراتها- تشترك بالدعوة إلى الإسلام كمنقذ من الأزمات التي تعاني منها الأمة. لكن بعضها كان يدعو إلى إقامة الدولة الإسلامية، بإعادة نظام الخلافة،التي تسهر على: تطبيق الحدود، وحماية الثغور، والعمل بأحكام الشريعة  الإسلامية. و لهذا لجأت إلى تكفير الأنظمة، أعلنت الجهاد لإسقاطها. أما بعض التيارات الأخرى، فسارت على طريق المصالحة مع  السلطات القائمة على أساس تأمين العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
تراجع الخطاب القومي، وارتفع الخطاب السلفي الإسلامي مستقطباً أوساطاً واسعة من الجماهير العربية، التي كانت، بالأساس، تلتف حول المد القومي. فهل في ذلك ما يلفت النظر، وما هو تفسير ما حصل ؟
لما أصيب الوجدان الشعبي الوحدوي بحالة من الذهول، في أعقاب الانتكاسات التي لحقت بالبنى السياسية للمشروع القومي، لم يجد تفسيراً لما يحصل، لكنه لم يستسلم لاتجاهات القوى المستفيدة من تلك الانتكاسات، خاصة القوى المحافظة/ الرجعية، لأنه وعى- تماماً- أن البديل للمشروع القومي ليس القوى الرجعية الانفصالية/ القطرية، إنما لا بد من بديل.
لم يتسنَّ للتيار القومي أن يؤسس البنية البشرية التحتية الكافية، التي تؤمن انتشاراً في الأوساط  الشعبية، وتستطيع منه أن تقدم تفسيراً موضوعياً لكل ما حصل. ففي غياب من يفسِّر ويقدِّم البديل النظري على الأقل، وقعت الأوساط الشعبية فريسة للضياع.
كما لم يكن ضعف البنى البشرية المثقفة في التيار القومي/ الوطني الليبرالي هو السبب الوحيد، بل إن أكثر التيارات التي بينها وبينه خصومة (القطريون الانفصاليون، الشيوعيون الأمميون، الحركات  السلفية الإسلامية، الأنظمة السلفية...)، كانت تقف له بالمرصاد: إما بدوافع ثأرية سياسية، و إما بدوافع أيديولوجية، خاصة وأن بعض التيارات التي قامت بمراجعات نقدية لمواقفها السلبية من القضايا القومية، لم تضعها مراجعاتها تلك في دائرة المدافعين عن الهوية القومية.
كانت حالة التفتيت الداخلي، بين القوى والاتجاهات الفكرية والسياسية والأيديولوجية، تشكِّل وجهاً من وجوه الضعف في الجسم الوحدوي؛ أما الوجه الآخر فيتشكل من القوى الخارجية/الإمبريالية ووكلائها في الداخل العربي، والتي كانت تمتلك إمكانيات مادية وإعلامية استخدمتها في تنشيط العوامل الانفصالية في  داخل الأمة.
كان التسابق بين مخططات ومشاريع مختلف القوى المتصارعة (إمبريالية- رجعية محلية- سلفية إسلامية- شيوعية أممية- قطرية انفصالية- وحدوية قومية...) يتجه نحو كسب العنصر الحاسم في الصراع، الذي هو الوسط الشعبي العربي الواسع.
ولأن التراث الثقافي الوحدوي، العريق في وجدان الأوساط الشعبية، كان ذا اتجاهات وحدوية إسلامية، أصبح السلفيون، من بين القوى المتصارعة كافة، هم الأقدر على أن يحرزوا قصب السبق إلى الدخول والتأثير فيها.
كانت للحركات السلفية بنيتها البشرية المؤهلة والمنتشرة في الأوساط الشعبية، والقادرة، بامتلاكها الأصول الثقافية الإسلامية، على كسب ود الجماهير وإقناعها بدون عناء كبير. ولأن للرجعية المحلية (الليبرالية القطرية، السلفية الانفصالية...) وللقوى الإمبريالية مصلحة مشتركة تربطها مع تلك الحركات، لأنها كانت الخصم القادر على التنافس مع الحركات القومية، فهي لم توفر جهداً في مساندتها بالدعم المادي والإعلامى.
جاءت، في أواخر السبعينات، الحالة الإيرانية التي أسست دولة إسلامية، لتشكِّل مؤثراً مهماً، زرع الأمل في نفوس السلفيين العرب بأن بناء دولة إسلامية ليس مستحيلاً من جهة، ولكي تقدم الدعم المالي إلى كثير من الحركات الأصولية من جهة أخرى.
تلك العوامل مجتمعة تقدم تفسيراً معقولاً لأسباب انطلاقة الصحوة الإسلامية، ولتفسير الزخم الذي تميزت به منذ أوائل الثمانينات من القرن 20م. فمنذ تلك اللحظة ابتدأ عصرها الذهبي . وللفعالية الملفتة للنظر التي تميزت بها، تسابقت، في أحيان كثيرة، بعض القوى الليبرالية، قومية ووطنية، للتقارب منها. أخذت إشكالية العلاقة بين القومية والدين، العروبة والإسلام، تطرح نفسها بإلحاح أمام مختلف القوى والاتجاهات الثقافية والسياسية.
اتسع نشاط الحركات الأصولية وتصاعد تأثيرها  وأصبحت ظاهرة الثمانينات ومازالت مستمرة. فمن مظاهرها وتأثيراتها في إيران وأفغانستان وباكستان، كأنظمة إسلامية غير عربية، إلى لبنان ومصر والجزائر أيضاً، مروراً بالسودان، وما قد يظهر من حركات أخرى في مواقع أخرى من الأقطار العربية، تدفع بنا، كلها، إلى السؤال: ما هو مستقبل الحركات الأصولية في العالم العربي ؟ بل ما هي تأثيراتها على العلاقة بين القومية والدين، وبين العروبة والإسلام ؟
أصابت الحركات الأصولية تطوراً في اتجاهاتها الفكرية وأهدافها وسلوكها. فمرَّت، على المستوى الفكري، بعدد من التحولات ارتقت فيها من السلفية الطرقية إلى الوهابية إلى السلفية الإصلاحية ثم إلى سلفية نهضوية مجدِّدة، فإلى مستوى معين من العقلانية ([51]).

لكن، عندما نتكلم عن حركة أصولية إسلامية، لا يعني ذلك أن للأصولية مرجعية واحدة ، و إنما هي حركات لها مرجعياتها المتعددة، تحددها علاقتها بمذهب ديني تارة، وبالبيئة السياسية والجغرافية تارة أخرى.

فالوهابية، مثلاً، لم يطرأ عليها أي تغيير، فهي محمِّية فكرياً وبعيدة عن جميع عوامل التأثير بفعل تحولها  إلى نظام منغلق، حوله أسوار من الحماية الخارجية. والسلفية الإسلامية في المشرق  العربي و مصر لم تستمر طويلاً، خاصة بعد تصاعد مشروع الإخوان المسلمين، ثم تبعثر مشروعها إلى تيارات تذكِّرنا بالتيارات التي تعود إلى العصرين الأموي و العباسي، في مسائل التكفير والجهاد ضد السلطات القائمة، أو تلك التي ترجئ محاسبة هذه السلطات. أما الحركات الأصولية في المغرب العربي، فقد انخرط بعضها في مشاريع الأنظمة السياسية الليبرالية، كما في المغرب الأقصى؛ وبعضها الآخر، كما في تونس، بلغت مستوى التدين العقلاني المتحرر من ظواهر النص إلى تأويله حسب مقاصد الشريعة. كل ذلك يتم في الوقت الذي تأثرت فيه الأصولية في الجزائر بحركة الإخوان المسلمين وانخرطت في مشروع صراع دموي مع النظام الليبرالي.
إن ظاهرة تشرذم الحركات الأصولية لجهة تمايز منابتها الفكرية ومشاريعها السياسية، تدفعنا إلى القول إنه ليست هناك حالة أصولية ذات مرجعية، عقائدية وسياسية واحدة. كما أن ما يسمى بالصحوة الإسلامية لا تحمل، أيضاً، البذور التوحيدية، فهي، حتى الآن، حركة تحمل بذور التفتيت اكثر مما تحمل إمكانية التوحيد على شتى المستويات الفكرية والسياسية و العقائدية.
فكما تميزت العقود الأولى، في النصف الثاني من القرن 20م، بكونها العصر الذهبي للتيارات القومية الليبرالية، فإن  العقود الأخيرة منه تشهد العصر الذهبي للأصولية والسلفية الإسلامية.
وكما أنه باسم الليبرالية، على مستوى الأنظمة والتيارات الثقافية، القومية والوطنية، حصلت مقاومة الثقافة الشعبية الإسلامية، التي كانت طرفاً مهماً في تأييد واحتضان الوحدوية القومية، من  دون أن  تعمل على تهذيبها وتطويرها، فلم تنجح في هذه أو تلك؛ فإن التيارات الأصولية والسلفية، التي تؤثر اليوم في الأوساط الشعبية ذاتها، سوف تقع في الأخطاء ذاتها التي وقعت فيها التيارات الليبرالية، ولكن باتجاهات مغايرة، إذ هي لن تستطيع تقديم بديل وحدوي لتلك الأوساط، بل سوف تقدم الشرذمة والتفتيت عندما تستفيق لتجد نفسها واقعة من جديد في متاهات المذهبية والطائفية والإقليمية. فهي لن تنجح في تقديم نظام سياسي إسلامى وحدودي، كما لن تنجح في تأسيس بنى سياسية واجتماعية واقتصادية تنافس التطور العلمي الهائل الذي يشهده العالم اليوم.
أما النتيجة التي نحسب أن الأمة واصلة إليها، من جراء الفشل الأصولى/ السلفي، فهي العودة إلى حالة التنافس والصراع بين التيارات السلفية الإسلامية والتيارات القومية الليبرالية/ الجذرية، وسوف تعود إشكالية أية هوية نريد إلى واجهة الصراع.
لا بد، إذاً، من مقاربة موضوعية وعلاقة سليمة بين طرفي التراث والحداثة، الدين و القومية، الإسلام والعروبة.
إن حالة الفراغ الجديدة التي تواجه المجتمع العربي: غياب الاتفاق حول هوية للأمة ونظامها السياسي، ما زالت عرضة للتنافر بين الاتجاهات المختلفة (القومية، السلفية، والسلفية الانفصالية). وإنه لو خُيِّل للكثيرين أن الجماهير الشعبية تنجذب نحو هذا التيار أو ذاك، لقوة في ذاته، لكانوا من الواهمين؛ لأن أي تيار لا يحمل استراتيجية وحدوية، سواء على مستوى الأديان أو على مستوى القومية والوطنية سيكون-عاجلاً أو آجلاً-من المبذِّرين في مصائر شعوبهم وأوطانهم وأوقاتهم.
نحن نحسب  أن الشعوب لا تصل إلى خشبة الخلاص، إلا إذا شدَّها الشوق للخروج من آلامها. فتجارب الشعوب المريرة، مرحلة طبيعية، وتبدو أحياناً ضرورية، حيث إنه بدونها لا يمكن  إثبات صحة أو خطأ هذا الاتجاه الفكري- السياسي- الاجتماعي أو ذاك؛ وقد تكون التجربة والخطأ، إحدى الوسائل أو الأسس التي لا يمكن للتطور الإنساني/ الاجتماعي أن يبلغ مستواه الأرقى إلا بهما، حيث يتشكل منهما انصهار ثقافي ينطبع في وجدان المجتمع.
 من تاريخ العرب الحديث تنطبع فى الوجدان الشعبي العربي محطات/ تجارب، لم يتسن لبعضها النجاح، لكنها ما زالت تشع تأثيرات مهمة ومنها: الموقف الشعبي الواسع المؤيد للمشروع الوحدوي الذي حاول الشريف حسين تحقيقه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. والمشروع الوحدوي بين مصر وسوريا في العام 1958م…
كانت لتلك المواقف مظاهر وحدوية على الرغم من تباين أسبابها. فهي نابعة من شدة تأثير العامل الوحدوي، كعامل ثقافي عريق في الوجدان الشعبي، وتدل عليه إبرة البوصلة الشعبية العربية دائماً. لكن ليس من واجب البوصلة أن تصل بالسفينة إلى مرساها الآمن لأن هذا من واجب الربان؛ ومطلوب من الربَّان العربي، اليوم، أن يعي أهمية الخصوصيات التي طبعت المتغيرات والتحولات في داخل المجتمع العربي.
وإذا كان الربان يتمثل بالاتجاهات الثقافية والسياسية والاجتماعية، فإن المطلوب من الحركات الأصولية أن تقرَّ بواقع التحول والتجديد، وقانون الحركة والتطور في الفكر والممارسة. والمسؤولية ذاتها ملقاة على عاتق الحركات القومية/ الوطنية، بأن تقر أن للتراث الثقافي النفسي/ الاجتماعي/ الفكري، أثر مهم في توجيه قانون الحركة والتطور والتغيير.

كلمة أخرى لا أخيرة……
بعد أن دخلت المسألة القومية، وهي مسألة فكرية سياسية توحيدية، ساحة الفكر السياسي العربي  الحديث والمعاصر منذ أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت المعادلة الفكرية السياسية على  الصعيد العربي، خاصة بعد سقوط التوحيدية الإسلامية بسقوط نظامها السياسي العثماني، ذات اتجاهين رئيسين:
- الحركة الأصولية الإسلامية، على المستويين  العربي و الأممي.
- الحركة القومية العربية.
وقفت إحداهما في مواجهة الأخرى على الرغم من محاولات التوفيق بينهما، التي قام بها مفكرون قوميون ومفكرون إسلاميون.
لاشك أنه بين حدي المعادلة (العروبة- الإسلام) يوجد نقاط التقاء ونقاط افتراق، وهذا ما يجعلهما أبعد من أن يندمجا، ولكنه، أيضاً، أبعد من أن يفترقا. لكن الاعتقاد بأنهما لا بد أن يتكاملا، يدفعنا إلى الحرص على أن تكون العلاقة سليمة بينهما؛ وهذا،كما نحسب، ما يجب أن يكون.
على هذا الأساس ندعو إلى دراسة التراث، كل التراث، ودراسة المتغيرات المعاصرة، كل المتغيرات، بشكل نقدي موضوعي ومتحرك، بعيداً عن المسلَّمات والصيغ الجاهزة، كما عن الانفعال السياسي المؤقت، لأنها تشكَّل مدخلاً لا غنى عنه لتحديد شروط هذه العلاقة بأقل ما يمكن من الثغرات.
سوف تواجه الحركات الأصولية هذا الاعتقاد بالاستغراب، لأنها وضعت نفسها في دائرة الانغلاق ([52])، استناداً إلى عدد من المسلمات الغير قابلة للنقاش، ومنها: التقيد المغلق بالنص، عالمية الإسلام عقيدة وسياسة، قبولها بالوقائع والتجارب والنماذج السياسية الإسلامية السابقة كأمر نموذجي خالٍ من الشوائب...
إن كتابنا، الموجود بين يدي القارئ الكريم، الذي درسنا فيه التاريخ العربي- الإسلامي، لم يعطنا الجواب الشافي والكافي حول نموذج سياسي، اقتصادي، اجتماعي، فكري... محدَّد وثابت؛ وأن يكون نموذجاً يمكِّننا من أن نشفي-بواسطته- كل علل الأمة وردم كل ثغراتها، ويساعدنا على تشييد بناء سياسي سليم، لا عورة فيه، يحفظ للامة عافيتها إلا أن هذا لا يعني أن كل ما هو تاريخي يصبح من المرفوض، بل إن لهذا التاريخ وجوهه الإيجابية الناصعة، والتي يجب أن لا تعمينا عن رؤية الوجوه السلبية.
لم يقيض لهذه الأمة وجود نظام سياسي ونسق فكري متكامل يحمل كل همومها، ويحل كل مشاكلها، ويصل بها إلى مصاف الدول التي تتقدم باضطراد. حتى تلك المحطات التاريخية القصيرة، التي يحسب الأصوليون الإسلاميون أنها كانت المثال الواجب تقليده، أي عصر الخلافة الراشدة، إنما كانت، كما دلَّ بحثنا وأبحاث كثيرة أخرى، قد أسست لإشكاليات الصراع المتواصل والانقلابي والدامي بين كل الفرق الإسلامية طوال قرون عديدة. وكذلك العصر العلمي الذهبي في أثناء المرحلة العباسية، وإن كنا نؤكد على أهميته القصوى في رفد الحضارة الإنسانية بما لا يُنسى على الإطلاق، إنما كان عصراً مبتوراً وقف في وسط الطريق...
من هنا نرى أن إلقاء الضوء على صراع الاتجاهات الفكرية، بين الحركات الأصولية الإسلامية و الحركات القومية الحديثة و المعاصرة، قد كشفت أن الصراع دائر حول تحديد هُوِّية للأمة العربية. فالاشكالية الرئيسة التي يمكن أن يدور من حولها الحوار الهادئ والهادف والجاد والجدي: أية هوية نريد ؟ أدينية إسلامية هي، أم قومية علمانية ؟ ([53]).
إننا نحسب أنه إذا لم يتم التوصل إلى حسم إشكالية الهوية بشكل واضح وجلي ومحدد، بعيداً عن المجاملات التوفيقية، وعن الانفعالات السياسية الطارئة، فإن الأمة بمختلف تياراتها وحركاتها، الفكرية والسياسية والعقائدية، سوف تبقى في داخل دائرة الجدل البيزنطي، وبالفعل فإن بيزنطية، اليوم كما في الأمس، قد سقطت وتقاسمتها مختلف القوى الطامعة، على الصعيدين القطري/ الانفصالي والعالمي.
وإننا نحسب، أيضاً، أن ما رأيناه في تاريخنا، وكما نراه اليوم من مظاهر الوحدة وجوهرها بين مختلف التيارات في مواجهة العدوان الخارجي، والتي على أهميتها وضرورتها القصوى، هي مسألة في غاية الأهمية، إلا أنها خطوة غير كافية لاستعادة استقلال الأمة بشكل حقيقي وثابت، لأنه لا بد، أيضاً، من التخلص من حالة التفتيت الداخلية، على الصعيد الفكري/ العقيدي والسياسي، وهو الأهم، كخطوة مكمِّلة واجبة وضرورية للسير على طريق بناء أمة عربية واحدة.
فوحدة الصف في مواجهة العدوان الخارجي هو الوجه الأول للعملة، وأما وحدة الفكر والبناء السياسي الداخلي الوحدوي لهذه الأمة الوجه الآخر. فإذا وحَّدتنا مرحلة مواجهة عدوان الخارج ولم نتفق على بناء الداخل، سوف نكون كمن يطرد المعتدي عن باب داره ليمنعه من تخريبه، لكي يتولى بنفسه هدمه من الداخل بيده.
***




([1]) هيكل، محمد حسنين : سنوات الغليان (ج 1): م . س : ص 161 وما بعدها. 
([2]) م . ن : ص 95.
([3]) هيكل، محمد حسنين : الانفجار (1967): مركز الأهرام: مصر: 1990: ط 1: ص 102.
([4]) م . ن : 103.
([5]) شيبان، انطوان : قرار أميركا بالفشل في الشرق الأوسط: د.م: د.ن :1984: د.ط: ص163.
([6]) هيكل، محمد حسنين : سنوات الغليان : م . س : ص 72.
([7]) محيو، سعد: م . س : 36.
([8]) م . ن : ص 47.
([9]) نيكسون، ريتشارد: أميركا والفرصة التاريخية: مكتبة بيسان : بيروت: 1992: ط 1: ص 200: (تعريب محمد اسماعيل). 
([10]) كارتر، جيمي: دم ابراهام: دار المروج: بيروت:1986: ص : 33 (تعريب سامي جابر).
([11]) قرم، جورج: انفجار المشرق العربي: دار الطليعة: بيروت: 1987: ط 1: ص 52-53.
([12]) نيكسون، ريتشارد: الحرب الحقيقية: م . س : ص 103.
([13]) م . ن : ص 104.
([14]) م . ن : ص 105.
([15]) م . ن : ص 101.
([16]) م . ن : ص 101.
([17]) محيو، سعد: م . س : ص 42.
([18]) شيبان، انطوان : م . س : ص 115.
([19]) هيكل، محمد حسنين : سنوات الغليان : م . س : ص 195.
([20]) م . ن : ص 235-242.
([21]) م . ن : ص 253.
([22])  م . ن : ص 254.
([23]) م . ن : ص 255.
([24]) هيكل، محمد حسنين : الانفجار: م . س : ص 109.
([25]) شيبان، انطوان : م . س : ص 50.
([26]) هيكل، محمد حسنين : سنوات الغليان : م . س : ص 441-442
([27])  قرم، جورج: م . س : ص 64.
([28]) شيبان، انطوان : م . س : ص 52.
([29]) م . ن : ص 81.
([30])  الجنحاني، حبيب: «الصحوة الإسلامية في بلاد الشام: مثال سوريا» (103-159): الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي: مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت: 1987: ط 1: ص 124.
([31]) خلف الله، محمد احمد: «الصحوة الإسلامية في مصر» (35-104): الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي: م .س : ص 43.
([32])  م . ن : ص 45.
([33]) م . ن : ص 45-51.
([34]) الجنحاني، حبيب: م . س : ص 113.
([35])  أبو ربيع، إبراهيم: «كيف ندرس التاريخ الفكري للعالم العربي الحديث: العامل الإسلامي» (61-84): مجلة قراءات سياسية: العدد الثاني: السنة الثالثة: 1993: ص 77.
([36]) الجنحاني، حبيب: م . س : ص 119.
([37]) خلف الله، محمد أحمد: م . س : ص 60.
([38]) م .ن :ص 62.
([39]) م . ن : ص 74 1-76 1.
([40]) م .ن : ص 221.
([41])  قرم، جورج: م . س : ص 64.
([42]) نيكسون، ريتشارد: أميركا و الفرصة التاريخية: م . س : ص 194.
([43]) الجابري، محمد عابد: «الحركة السلفية... »: م . س : ص 230.
([44])  النقيب، خلدون حسن : م . س : ص 137.
([45]) هلال، علي الدين : م . س : ص 121.
([46]) خليل، خليل أحمد: العرب والديمقراطية: م . س : ص 13.
([47])  الجابري، محمد عابد: «الحركة السلفية... »: م . س : ص 230.
([48]) طربين، أحمد: التجزئة العربية، كيف تحققت تاريخياً ؟: مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت: 1987: ط1: ص 232.
([49])  الفيلالى، مصطفى: "الصحوة الدينية الإسلامية": م . س : ص 369.
([50])  الجنحاني، حبيب: م . س : ص 124.
([51]) الفيلالي، مصطفى: «الصحوة الدينية الإسلامية»:م .ن :ص 365-366.
([52]) راجع بحثنا المنشور تحت عنوان : «ما بين الإسلام والعروبة مسافة العلاقة الجدلية بين الديني والسياسي» (120-151): مجلة الفكر العربي: معهد الإنماء العربي: بيروت: العدد 76: ص 125-131.
([53]) م .ن : ص 143-150.
إرسال تعليق