الأحد، مارس 03، 2013

من ذاكرة البعث في المقاومة الوطنية اللبنانية


من ذاكرة البعث في المقاومة الوطنية اللبنانية
وتبقى استراتيجية المقاومة، ثقافة ونضالاً، كتاب البعث المفتوح
(الحلقة الثالثة)
-المرحلة الثانية: منذ بدء عدوان 1982حتى العام 1992.
تقديم المرحلة: عجزت مؤامرة الحرب الأهلية اللبنانية، في العامين 1975 1976، عن إنجاز أهدافها في القضاء على المقاومة الفلسطينية، كما عجز العدو الصهيوني عن إبعاد تأثيرها في مرحلة إملاء الفراغ الأمني في بعض جيوب لبنان الجغرافية، كمثل جيب مرجعيون القليعة، وجيب رميش، وبعد ذلك قام العدو الصهيوني بعملية عسكرية واسعة في آذار من العام 1978شملت كل المنطقة الجنوبية وصولاً إلى التلال المشرفة على وادي الليطاني، بحيث اعتبر الوادي حاجزاً جغرافياً يمكنه حماية حدوده الشمالية إذ اعتبر أنه أبعدها عن مرمى ما كان يسميه (الكاتيوشا) الفلسطينية، وقد عُرفت بـ(عملية الليطاني)، ظناً منه أنه سيبعد تأثير عمليات المقاومة الفلسطينية واللبنانية عن عمقه السكاني. ومن أجل ذلك أصدر مجلس الأمن الدولي قرارين يحملان، الرقم 425 و426.  وتم تكليف قوات دولية لاستلام المناطق التي سينسحب منها جيش العدو، ولكن العدو انسحب من أجزاء وأحتفظ بشريط جغرافي على طول الحدود الفاصلة بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي ذلك الشريط أسس ما يُسمى بـ(جيش لبنان الجنوبي) بقيادة سعد الحداد، الرائد التابع للجيش اللبناني ليحافظ على أمن العدو. وحتى هذه الوسيلة لم تمنع المقاومة الفلسطينية من اختراقها وتنفيذ عمليات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
بعد كل ذلك، أقدم العدو على القيام بعملية اجتياح كبرى في حزيران من العام 1982، وصلت إلى جبل لبنان، ومن أهم نتائجها كان إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان عبر بيروت. ومن بعدها أقدم العدو على احتلال بيروت.
بعد أن توهم العدو أنه قد ارتاح من وجود مقاومة فلسطينية، كانت المقاومة اللبنانية قد ابتدأت عملها منذ أن وطأت أقدام الاحتلال الأراضي اللبنانية. فأصبح العدو وجهاً لوجه أمام مقاومة شعبية لبنانية. وانخرط في المقاومة كل الأحزاب الوطنية اللبنانية.
أما منهجنا نحن في حزب البعث في المقاومة فكان ينطلق من رؤية جبهوية تستحضر التجربة التي سبقت اجتياح العام 1982. ففي الوقت الذي بدأنا فيه بجهد مقاوم مستقل، قمنا بتشكيل فصيل أطلقنا عليه اسم (المقاومة الوطنية اللبنانية قوات التحرير)، يستند إلى مجموعاتنا العسكرية، عقدنا اجتماعات متواصلة مع معظم أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية من أجل تجهيز مجموعات مشتركة لقتال العدو في كل جزء محتل. وقد نجحنا في جزء منه وأخفقنا في أجزاء أخرى. وأما السبب فلأن أكثر أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية كانوا ينحون باتجاه العمل المنفرد والإعلان الفئوي عن عملياتهم. وهنا تجدر الإشارة إلى أننا كحزب قررنا عدم الإعلان عن عملياتنا الخاصة انتظاراً للوصول إلى قرار جبهوي يعلن عن العمليات ضد العدو ببيانات عامة وباسم (المقاومة الوطنية اللبنانية)، ولما فشلنا بذلك اضطرنا الأمر إلى إصدار البيان الأول متأخراً كثيراً عن تاريخ انطلاقتنا.
ولذلك من أجل نقل صورة موجزة عن المرحلة الثالثة في نضال حزب البعث العربي الاشتراكي، نبدأ بنشر النص الحرفي للبيان الأول الصادر عن قوات التحرير:

بيان صادر عن «جبهـة المقاومـة الوطنيـة اللبنانيـة: قوات التحرير».
تاريخ 28/7/1984
جريـدة الأنـوار: جبهة المقاومة الوطنية تُعلِن عن نفسها، وتنتقد الإعلان الفئوي عن العمليات.
جريـدة اللـواء: «قوات التحرير» أعلنت عن نفسها وتبنَّت عملية صـور.
جريـدة النهـار: بسبب «بعض الممارسات الخاطئة»، قوات التحرير تكشف نفسها.

وهذا النص الكامل للبيان:
تقترب حركات التحرُّر الوطني إلى قمة النصر كلما ابتعدت عن  الكسب  الفئوى؛ هذا شعارنا الذي آمنُّا به ومارسناه بالفعل منذ دنَّست قوات الغزو الصهيونية أرض لبنان في حزيران من العام 1982. ومنذ أن قمنا بتشكيل «قوات التحرير» لمواجهة قوات الغزو حتى هذه اللحظة  التي يحتفل بها أبطالنا، مناضلو قوات التحرير، بآخر عملية لهم، وتحمل الرقم مائتان، والتي نُفِّذت على أرض الجنوب، وذلك صباح السبت الواقع في 21 تموز 1984، حيث قام أبطالنا بزرع عُبُوَّةٍ  ناسفة  موقوتة  في مقر القيادة العامة للعدو في مدينة صور، وانفجرت العبوة مُوقِعَةً عدداً من الخسائر في صفوفه.
وكذلك حتى هذا الوقت، الذي نُحيي فيه ذكرى ثلاثة شهداء سقطوا في صفوف «قوات التحرير» في أثناء قيامهم بعمليات ضد العدو الصهيوني.
إن السبب الذي اقتنعنا به، ودفعنا إلى رفض الإعلان عن أنفسنا، كفصيل، طوال تلك المدة، هو ضرورة المحافظة على وحدة العمل النضالي عسكرياً وسياسياً وشعبياً، بعيداً عن الفئوية الضيِّقة.
وإن السبب الذي دفَعَنا إلى الإعلان عن أنفسنا هو ضرورة إلقاء الضوء على بدايات نهج خاطئ أخذ يبرز على ساحة العمل الجبهوي للمقاومة الوطنية اللبنانية. وإن أبرز الأخطاء يتمثَّل بالإعلان الفئوي غير المشروع عن العمليات العسكرية والشعبية، والذي أخذ يستفحل إلى حدود ادِّعاء فصيل عن قيامه بعمليات قام بها فصيل آخر، وادِّعاء تبنِّي شهداء سقطوا في صفوف فصيل آخر. هذا من جهة ومن جهة أخرى أخذت تبرز بعض الممارسات الخاطئة، التي نُحجِم عن تفصيلها حرصاً على سلامة العمل، وكذلك غياب العمل الجبهوي المتكامل، إضافة إلى غياب التكامل بين عمل المقاومة وضرورة تأمين مقوِّمات الصمود لحركة الجماهير الشعبية.
وقد حصل أكثر من افتئات على جهد قواتنا العاملة خلف خطوط العدو في الجنوب والبقاع الغربي وراشيا، فيما يختص بادعاء مسؤولية عمليات قامت بها هذه القوات، وإما بادِّعاء تبنِّي شهدائنا، وسوف نحجم عن التسمية حرصاً منا على طهارة الثورة الرائعة لمناضلينا ولجماهير شعبنا في الأراضي المحتلة.
إن العمل البطولي الذي تمارسه جماهير شعبنا، والمناضلين الأبطال في الجنوب والبقاع الغربي وراشيا، لا تُنقِص من روعته بعض الثغرات. ولكن عمق تجارب الشعوب، التي قاومت الاحتلال، ومن صدق تجربتنا الذاتية، نرى أن اتِّساع هذه الثغرات سوف يشكِّل عائقاً أساسياً في نمو حركة المقاومة وتصاعدها.
إن المقاومة الوطنية ضد العدو الصهيوني تطورت، منذ بدايات الاجتياح، بشكل نوعي ومتصاعد على الصعيدين  العسكري و الشعبي، وذلك نتيجة وعي شعبنا لمخاطر الاحتلال الصهيوني و أطماعه التاريخية. وقد حصلت هذه المقاومة على احتضان وطني شبه كامل؛ و لكن، للأسف، بقي هذا الاحتضان عند حدود البيانات.
وفي هذا الظرف الذي وصلت فيه مقاومة الاحتلال إلى وضع متقدِّم، وفي الوقت الذي أخذ فيه العدو يُشدِّد حصاره على أهلنا في المناطق المحتلة بكل الوسائل القمعية والوحشية لإحباط مسيرة المقاومة، تبدو أهمية الاحتضان الوطني الفعلي، كما الاحتضان القومي، كما تبدو مسؤولية كل حركات التحرر في العالم، ضرورة ماسَّة لاستمرارية هذه المقاومة.
في الوقت الذي لم تستطع فيه وسائل العدو من إحباط الحالة النضالية  في الأراضي المحتلة، نرى أن من واجب كل القوى العاملة في سبيل تحرير الأراضي المحتلة، أن تبذل جهداً نوعياً في ما يلي:
أولاً: إن الحالة الصحية، التي نشأت في الجنوب تستدعي  توحيد جهود القوى المناهضة للاحتلال، وتمتين علاقاتها تحت شعار مقاومته لتحرير الأرض.
ثانياً: إلغاء نهج الكسب الفئوي، واعتبار كل أساليب المقاومة ضد العدو نتيجة لجهد نضال شعبنا في الجنوب والبقاع الغربي وراشيا.
ثالثاً: الارتفاع فوق الحساسيات الفئوية وتجاوزها؛ وبذل الجهود لبناء حركة شعبية متراصَّة حول أولوية شعار التحرير، ومنع كل ما يسيء إلى هذه الحركة، إذ أنه أشد ما يُشكِّل خطراً عليها ما قد يُمارَس على أرض الجنوب من تصفية حسابات فئوية على طريقة الحصار السياسي والمادي لفصيل ضد آخر، ولحركة ضد أخرى، أو لاتجاه سياسي ضد آخر، بل المطلوب أن نرفع شعاراً يؤكِّد على حاجة معركة التحرير لجهود الجميع على الصعيدين الوطني والديني، العسكري والشعبي.
رابعاً: العمل على أن يصب جهد المقاومة الشعبية والعسكرية في إطار التحرير الكامل اللامشروط، وبشكل يؤمِّن انسحاب العدو على قاعدة السيادة الكاملة للشعب، والتحرير الكامل للأرض.
خامساً: أن تصب كل الجهود للحصول على احتضان كامل وفعلي للمقاومة الوطنية على الصعيدين الوطني والقومي والدولي من جهة، ورفع مستوى أساليب العمل العسكري والشعبي وتطويرهما.
سادساً: العمل بشكل سريع وجدي على تأمين التوازن الدقيق بين تصاعد عمل المقاومة عسكرياً وشعبياً وبين ضرورة تأمين مقومات الصمود لجماهير شعبنا في الأراضي المحتلة من خلال تشكيل هيئة وطنية يكون عمودها الفقري الفعاليات السياسية والشعبية في الجنوب والبقاع الغربي وراشيا، وعلى هذه الهيئة، بالإضافة إلى عملها السياسي، أن  تتولى إنشاء صندوق وطني يؤمِّن ما يلي:
1-رعاية أسر الشهداء الذين يسقطون في ساحة الشرف.
2-رعاية عائلات الأسرى والموقوفين لدى العدو الصهيوني.
3-تأمين الاحتياجات الاجتماعية  لأوسع جماهيرنا من طبابة، وتعليم مجاني، وحاجات تموينية.
4-التعويض عن الأضرار المادية التي يُلحِقها العدو بممتلكات الأهالي في الأراضي المحتلة.
5-ملاحقة أجهزة الدولة كي تقوم بواجباتها الوطنية، وبشكل يتجاوز الروتين، على كل الصُعُد الإدارية والصحية والتربوية.
لذلك نتوجه إلى كل العاملين في سبيل تحرير الأراضي المحتلة، وإلى كل جماهير شعبنا بكل انتماءاتهم  السياسية والدينية، بتحية إكبار واعتزاز، لأنهم  يضعون كل إمكانياتهم وجهدهم في سبيل طرد الغزاة المحتلين عن أرضنا.
المقاومة الوطنية اللبنانية - قوات التحرير. في 27/7/1984.

هناك تعليق واحد: