الأربعاء، مايو 11، 2016

المتغيرات على الصعيد العربي: (3/ 3)


بعد انقضاء خمس سنوات على بدء (الربيع العربي)

المتغيرات التي حصلت على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي؟

الحلقة الثالثة والأخيرة

(3/ 3)

ثالثاً: المتغيرات على الصعيد العربي:

حتى أواخر العام 2011، عام الهزيمة الأميركية في العراق، وصل الحراك العربي الرسمي إلى ما دون درجة الصفر، وحصل على مستوى عالٍ من الاستسلام والانحناءات أمام الأدوار الخاجية. وهذا ما أكدته كل الوقائع على الأرض وفي الأروقة الرسمية. وبمثل هذا الواقع أصبح القرار العربي بيد القوى الدولية والإقليمية. تلك القوى جاءت لتملأ الفراغ بشكل كلي وشامل، هذا إذا لم تكن قد خططت في ظل غياب أي مرجعية قومية تسترشد بها الجماهير العربية وكذلك الأنظمة الرسمية. وفيه تحوَّلت جامعة الدول العربية إلى منبر يقرر ما يُملى عليها. وبمراجعة سريعة لكل الأحداث التي عصفت بالمسرح العربي منذ ما يُسمى بـ(الربيع العربي)، ابتداء من تونس انتهاء باليمن، تؤكد كل الإملاءات التي كان يراد تمريرها من قبل الولايات المتحدة الأميركية حصراً مدى درجة الانحدار الذي بلغته الإرادة العربية. ولكن على الرغم من ذلك، كما برهنت كل قواعد المنطق الحديث، فإن كل قضية تحمل نقيضها في نفسها، وكما هي دورة الحياة والموت في تكوين المخلوقات، كذلك فهناك دورة للحياة والموت في حركة الواقع الإنساني، وكذلك في حياة الأمم.

وهنا، ربما كانت حالة الاستسلام العربي تختزن في نفسها نقيضها، وهو التمرد على الواقع المهين، فكيف أخذ النقيض يظهر ليحدث تغييراً في مسار واقع الاستسلام منذ البداية حتى موعد احتلال العراق، ذلك الاحتلال الذي كان من أهم أهدافه إيقاف حركة التغيير في مسار الأمة العربية؟

لقد كانت أهم التحديات التي تواجه القضايا العربية يُعبَّر عنها بالتساؤلات التالية:

-هل يبقى الاستعمار، الذي يشكل أهم التحديات أمام العرب، ممسكاً إلى الأبد بالقرار العربي، وصياغته بالشكل الذي يخدم حركة الاستعمار ومصالحه؟

-وهل تبقى الأنظمة الحاكمة الحليفة له راكدة الإرادة وخاضعة ومذعنة؟

-وهل سيكون لتجارب المواجهة العربية ضد قوى الاستعمار والصهيونية تأثير في تغيير مجرى واقع الاستسلام؟

-وهل ستبقى حالة المهانة التي تعيشها الأنظمة الرسمية قدراً لا مرد له؟ أم أن هناك عوامل داخل تلك الأنظمة تتفاعل لتصل إلى حدود الانفجار فتولد متغيرات أخرى؟

وتفسيراً لتلك التساؤلات نرى أن حركة معظم الأنظمة العربية، التي تشكَّلت بعد مؤامرة سايكس بيكو الأولى، كانت تصب في مصلحة التحالف بين تلك الأنظمة والقوى الاستعمارية، وكان من المرسوم لها أن تظل ثابتة طالما ظلت مصالحهما متطابقة. ولكن على الرغم من المسافة الزمنية الطويلة التي فصلت بين حالة التوافق بين أطراف التحالف، وبين حالة التناقض بينهما، على قاعدة أن كل حالة تحمل نقيضها في نفسها، فإنها ظلَّت كامنة وراكدة إلى الوقت الذي بدأت معالم التغيير في شروط التوافق تظهر على سطح الأحداث. فكانت تلك البداية الفعلية في الانسحاب الأميركي من العراق في العام 2011. ولم تكن وليدة ساعة زمنية مقطوعة الجذور عما سبقها، بل كانت استكمالاً لإعداد استهلك سنوات عديدة. وأما معالم شروط التغيير تلك فكانت ولادتها مترافقة مع البدء في تكوين مشروع جديد كان الطرف الاستعماري قد أعدَّه من أجل تقويض الأسس التي بُنيت عليها شروط اتفاقية سايكس بيكو.

إن أهداف اتفاقية سايكس بيكو، كانت تقوم على مبدأ تفتيت الجهد العربي في دويلات تعتمد على التقسيمات الجغرافية، تلك التي عجزت عن المحافظة على مبادئ التقسيم والتفتيت بحيث ولدت حركات حزبية وأنظمة رسمية تعمل من أجل الوحدة، فكان لا بُدَّ أمام قوى الاستعمار من تغيير قواعد اللعبة السابقة إلى قواعد خطة تقسيم آخر يحمل شروط الحد الأدنى من النجاح. تلك الشروط قائمة على ركيزتين أساسيتين، وهما: إدارة عملية التقسيم الجديد بإشراف استعماري رأسمالي، ومساعدة إقليمية على أن تكون شريكاً في الإرث العربي الجديد، وتكون بمثابة الشرطي الذي يضمن نجاح العملية ويكون قادراً على حمايتها.

وحيث إن الإقليم المجاور للوطن العربي يقوم على تعددية دينية لها أهداف قدسية في بناء دولها تحت ذريعة أنها أوامر إلهية لتطبيق الشرائع الدينية على الصعيد الدنيوي، فلاقى مشروع الشرق الأوسط الجديد استجابة منقطعة النظير من الإقليم، ولم تتردد دوله في دخول المعترك من أبوابه الواسعة، وراحت تتعاون مع القوى الاستعمارية من أجل إنجاح مشروع التقسيم الجديد.

على وقع تنفيذ هذا المشروع، خاصة أن بوادره الأولى ظهرت منذ أن سلَّمت الولايات المتحدة الأميركية العراق للنظام الإيراني قبل خروج قواتها المقاتلة منه. ومنذ ذلك الوقت استشعرت دول الخليج العربي خطورة المشروع الذي يتمَّ تنفيذه بجدية، فابتدأ المتغير العربي الأول بعد أن وصلت نقطة التلاقي بين مصالح الاستعمار ومصالح النخب الحاكمة إلى نقطة اللاعودة. وحينذاك أخذ هذا المتغير ينتج متغيرات أخرى على الصعيد العربي.

فما هي أهم المتغيرات على الصعيد العربي الرسمي، التي أخذت تتواصل بالظهور بعد أن دقَّ ناقوس الخطر؟

فإذا كان المتغير الخليجي، يشكل المتغير الاستراتيجي الأم، فقد عرفت الساحة العربية سلسلة من المتغيرات الأخرى. وهذه المتغيرات نوجزها بالتالي:

أولاً: المتغير العربي الخليجي، وقد اصطدم بعاملين أساسيين شكلا نقلة نوعية في بروز حالة عربية تنبئ بحصول معركة حول استعادة الإرادة العربية والقرار العربي، وهما:

1-كما دلَّت سياقات الوقائع، كانت حركة الإخوان المسلمين حليفاً لتركيا وأميركا، ونقيضاً للمملكة العربية السعودية. وإذا كانت المملكة حليفاً لكل منهما قبل انطلاقة (الربيع العربي). نعتبر أن حالة التحالف الثلاثي المذكور (السعودي الأميركي التركي) حمل نقيضه في نفسه بعد أن تغيرات قواعد تبادل المصالح بين أطرافه، فدخلوا في مواجهة مصيرية. فقد اعتبرت المملكة أن المواجهة مع تركيا من جهة، والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، على قاعدة إسقاط خيمة الإخوان المسلمين في كل من مصر وتونس، بعد موجة (الربيع العربي)، وقد نجحت في خطتها على حساب حليفيها.

2-وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن النظام الإيراني من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، حليفين مشاركين في مشروع التقسيم الطائفي على المستوى القومي العربي انطلاقاً من العراق، وأن لكل منهما مصلحة في تنفيذه. ولما كان التنفيذ سوف يشكل خطراً كبيراً على المملكة جغرافياً وديموغرافياً ومذهبياً، فقد كان سبباً كافياً أمام المملكة لتخوض معركة مواجهة مع أميركا الشريكة الاستراتيجة للنظام الإيراني، من أجل إسقاط أهداف ذلك التحالف. وهنا أضيف عامل آخر من عوامل التناقض في المصالح بين حليفين تاريخيين.

ونتيجة لهذا يمكننا اعتبار ظاهرة المواجهة بين السعودية وأميركا في إسقاط أنظمة الإخوان المسلمين في مصر وتونس، متغيراً استراتيجياً يمكن البناء عليه في معركة التحرر القومي العربي الجارية على هوامش ما سُمِّي بمرحلة (الربيع العربي). وأما المواجهة بينهما في إحباط دور النظام الإيراني في الوطن العربي فهي المتغير الاستراتيجي الثاني في معركة التحرر تلك.



ثانياً: التحالف السعودي المصري:

من دون شك شكل الهاجس السعودي من مخاطر أنظمة الإخوان المسلمين من جهة، والدور الإيراني من جهة أخرى، هاجساً مصرياً بما له من خطورة في النيل من الأمن القومي العربي. ولذلك لم يبذل النظامان جهداً يُذكر من أجل تشكيل تحالف سعودي مصري لتطابق أهدافهما في مواجهة الخطر الإيراني، ولذلك شكل التحالف الجديد متغيراً جديداً سوف تصب نتائجه الإيجابية في مصلحة حركة التحرر القومي العربي. ويمكننا أن نختصر معالمه بالعاملين التاليين، وهما:

1-من أجل خدمة المتغير الاستراتيجي الأم فقد كانت له ارتدادات على واقع النظام المصري. هذا النظام بعد ما سمي بـ(الربيع المصري) كأهم نتائج (ثورة يناير) قد وصل إلى قبضة الإخوان المسلمين الأمر الذي شكل عاملاً توفيقياً جمع السعودية مع النخب المصرية الرافضة لقيام نظام ثيوقراطي. فكانت نتيجة جهود التحالف السعودي المصري إسقاط نظام الإخوان المسلمين، وهو ما شكَّل نقطة خلافية مع كل من أميركا وتركيا من جهة، والتحالف السعودي المصري من جهة أخرى.

2-بعد نجاح التحالف المصري السعودي في إسقاط نظام حركة الإخوان، وهي ضربة كبرى شكلت أول مظهر من مظاهر إسقاط مشروع الشرق الأوسط الجديد بـ(جانبه السني)، اتجَّهت أنظار المملكة إلى وضع استراتيجية إعاقة الوجه الآخر للمشروع وهو توجيه ضربة له في (خاصرته الشيعية) القادمة من إيران. وهذا يقتضي أيضاً مواجهة سعودية مع أميركا. وقد ظهرت جديتها في الخلافات السعودية الأميركية التي لم تتراجع حدتها طوال سني (الربيع العربي) الخمسة. بل اتخذت أشكالاً نظرية وأفعالاً ميدانية.

أ-أما الأشكال النظرية فظهرت في وقائع استمرار التناقض الأميركي السعودي، ورفض السعودية لأية وعود وتطمينات أميركية بالتعاون مع إيران، وكذلك رفض كل رسائل التهديد الأميركية التي أطلقت على ألسنة أكثر من مسؤول أميركي وفي المقدمة منها تهديدات أوباما رئيس الولايات المتحدة الأميركية.

بـ-وأما الأفعال الميدانية، فقد ظهرت من خلال إطلاق (عاصفة الحزم) في اليمن لمواجهة التدخل الإيراني في ذلك البلد كوجه تنفيذي أول. وظهر بوجه تنفيذي ثاني من خلال تشكيل التحالف الإسلامي لمواجهة التأثير الإيراني في كل مكان في الوطن العربي. وإنه بنجاح معركة المواجهة مع النظام الإيراني، سيتم القضاء على الوجه الآخر من وجوه تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد.



ثالثاً: إنعكاسات المتغيرات الجديدة على حركة التحرر الوطني التي تقودها المقاومة العراقية:

أصبح من الواضح أن مشروع الشرق الأوسط الجديد يعتبر احتلال العراق وتقسيمه نقطة البداية في تنفيذه وتعميمه على الأقطار العربية الأخرى. ولهذا كان التنسيق الأميركي الإيراني جاهزاً قبل الاحتلال، وتأكدت الشراكة الفعلية بينهما في أواخر العام 2011، عام إعلان الهزيمة الأميركية، والتي بعدها قامت إدارة أوباما بتسليمه للنظام الإيراني.

وليس هناك برهان على جدية التنسيق الأميركي الإيراني أكثر من أن تلك الإدارة كانت مطمئنة لتسليم العراق للنظام المذكور، أي تسليم أكبر غنيمة استراتيجية أميركية له، وهذا ما يؤكد الثقة الغالية بين أميركا وإيران. وجاءت الاتفاقيات اللاحقة بينهما لتؤكد عمق تلك العلاقة، وتلك الثقة المتبادلة بينهما. وما دفاع الإدارة الأميركية المستميت عن النظام الإيراني، وتقديم النصيحة للسعودية باقتسام النفوذ مع إيران، سوى الدليل الساطع والأكيد على متانة التحالف بينهما.

ولأن المقاومة الوطنية العراقية كانت معزولة عن أي وسيلة للدعم الفعلي، لا بل كانت مقصودة بالاجتثاث من القريب والبعيد، جاءت المتغيرات الجديدة على الصعيد السعودي لتعلن بوضوح أن تلاقي الاستراتيجيتين العراقية الوطنية والسعودية هو تلاقٍ جدي، يتمحور بشكل أساسي حول أهداف تحررية وطنية وهو مواجهة النفوذ الإيراني في الوطن العربي، وفي المقدمة منه العراق لأكثر من سبب. وهذا بلا شك يعتبر متغيراً استراتيجياً من الواجب لكي يكون مؤثراً وفعالاً أن يوفر لقوى المقاومة العراقية دعماً كانت تفتقده طوال مرحلة احتلال أميركا للعراق.



رابعاً: العوامل الدولية المساعدة:

بغض النظر عن تناقض الأهداف المرحلية بين المتغيرات الجديدة على الصعيد العربي وظهور بدايات تشكيل نظام دولي جديد تقوده روسيا، يُعتبر العامل الروسي الجديد عاملاً أساسياً في إضعاف قبضة الولايات المتحدة الأميركية. وهذا يعني أن أميركا لم تعد تلك القوة التي تستبيح العالم من دون منافس. وهذا المتغير في حد ذاته يجب أن يعطي قوة لمصلحة حركة التحرر العربية كلما عملت على الاستفادة منه في أهدافها الاستراتيجية، وتجاوز بعض المعيقات المرحلية.

وإذا كنا لن ننظر إلى تفاصيل نقاط التناقض بين مشروعي التحرر الوطني على الصعيد القومي العربي من جهة، والمشروع الروسي من جهة أخرى، فإنما علينا أن لا نتناسى أن هناك الكثير من العوامل الاستراتيجية التي سوف تلعب دوراً إيجابياً لمصلحة العرب، في حال إنهاء مرحلة حكم العالم بواسطة أميركية طليقة مما يمكن أن يعيقها.

ولذلك من الخطأ حصر تحليل وقائع ما يجري في الأقطار العربية بزاوية واحدة وهي زاوية الصراع بين الديكتاتورية والديموقراطية، لأن هذا الحصر كان مقصوداً تعميمه من قبل الأوساط المعادية للأمة العربية، لأنها تريد تمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد بغلاف معسول يشد إليه الأنظار والعواطف. وليست هذه الحقيقة تحتاج إلى برهان بل أصبح البرهان عليها ساطعاً وواضحاً وضوح الشمس. وهنا نتساءل كيف تمَّ تغليف مشروع التقسيم في العراق وحقيقة النظام الذي أحلوه مكان النظام الوطني. لقد تمَّ تمرير ذلك المشروع على وقع ألحان أغنية (إسقاط الديكتاتورية وتطبيق الديموقراطية). كما نتساءل عما آلت إليه الأوضاع في ليبيا بعد إسقاط ديكتاتورية القذافي، الإسقاط الذي تم على ألحان الأغنية ذاتها. وهل من المخفي الآن أن الوضع في أقطار عربية أخرى يسير في الاتجاه ذاته؟

أخيراً لا بد من التساؤل عن أسباب النظرات التشاؤمية التي تصل إلى حدود النظر للقوة الأميركية وكأنها قدر لا مردَّ له. هذا إضافة إلى ما يتم النظر إليه عن أن القوى الدولية الناشئة، كمثل ظاهرة تشكيل تحالف (دول البراكس)، وتصويرها وكأنها عاجزة عن مواجهة قوة الولايات المتحدة الأميركية، وإنه بإضافة المتغيرات التي قمنا بدراستها أعلاه، مضافاً إليها عوامل أخرى قد تحصل في المستقبل، سنجد أن عوامل القوة الأميركية آخذة بالتآكل. وإذا ما تعمَّقت تلك العوامل فإنها لن تدع الفرصة للقوة الأميركية تتصاعد مرة أخرى بالشكل الذي كانت عليه قبل انهيار الاتحاد السوفياتي وانطلاقة المقاومة الوطنية العراقية، ومن أهم تلك العوامل نذكر منها التالية:

1-حصل احتلال العراق في فراغ دولي كانت أميركا تمثل فيه القطب الواحد. وبعد انطلاقة المقاومة العراقية وإلحاق الهزيمة بالاحتلال الأميركي، أصبح الاقتصاد الأميركي على حافة الانهيار.

2-انطلاقة قوة اقتصادية جديدة من دول البراكس، وهي مهما كان ثقلها فإنها تسهم في إضعاف الهيمنة الاقتصادية الأميركية.

3-بروز المسألة الشرقية من جديد التي أنتجت بوادر حرب باردة بين روسيا وأميركا، كانت عائقاً لا يجوز إهمال تأثيره على موازين القوى. وقد لعبت دوراً مهماً في كبح سرعة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد. كما أنها تعتبر خطوة أساسية في استعادة الثنائية القطبية في قيادة العالم في المراحل اللاحقة.

4-إعاقة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، والحد من سرعة انتشاره مما أدى إلى كبح سرعة القوة الأميركية. وبالفعل شكلت المتغيرات التي حصلت في كل من مصر وبعدها تونس كوابح للمشروع.

إن تعميق دراسة المتغيرات أعلاه، إضافة إلى استشراف حصول متغيرات أخرى مرشَّحة للظهور تُعتبر بمثابة إضعاف للقوة الأميركية، وسوف تزداد تعميقاً إذا ما استطاعت الثورة العراقية إحراز النصر في العراق، لأنها ساعتئذِ ستشكل مرجعية عربية تلعب دوراً في إعادة ترميم ما تفتَّق من انهيارات عربية، تلك الانهيارات تركت ساحات الوطن العربي فريسة لكل من أراد أن يملأ الفراغ في القرار العربي. وإذا ما توافرت للمرجعية روافد من الدعم العربي والدولي فستزداد تأثيراتها في مواجهة الإمبريالية الرأسمالية، خاصة إذا ما تم تدعيمها من الصين وروسيا ودول أخرى.

وأخيراً، ولأن تلك المتغيرات تنبئ بحصول تحولات جدية على الصعيد الدولي والإقليمي بشكل عام، وعلى الصعيد العربي والعراقي بشكل خاص، نوجز أهم معالم المتغيرات الأساسية بما جاء في مقال لنا قمنا بنشره بتاريخ 29/ 3/ 2016، ولأنه يصلح خاتمة لهذه الدراسة، فهذا نصه الحرفي:

بعد أن كاد يصل إلى ذروته من النجاح، هل بدأ مشروع الشرق الأوسط الجديد خطوته الأولى نحو التراجع؟

كانت المقدمات، التي تؤكد صحة المخططات الأميركية الصهيونية في تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات طائفية، كثيرة وكثيرة جداً. ويمكن متابعتها في أكثر من وثيقة ومقال أو دراسة. وكانت مقدمات التحالف الأميركي الإيراني واضحة وجلية. لذا يهمنا في هذا المقال أن نعيد ترتيب خطوات تنفيذه كما رسمتها مشاريع التحالف الأميركي الصهيوني الإيراني، وبدأت بتنفيذها. وبالتالي لنلقي الضوء بعجالة لمعرفة كيف بدأ التنفيذ وبأية وسائل. لكي نختتم المقال بأن المشروع أخذ يترنَّح تحت تأثير المتغيرات التي حصلت على الصعيدين الدولي والعربي.



-أولاً: مشروع الشرق الأوسط الجديد يبدأ خطوته الأولى في العراق

يعود بدء تنفيذ المشروع باحتلال العراق، وقد سبقتها مخططات قائمة أُعلنت في وقتها، وبشكل متواز مع بداية العدوان عليه. وهنا، ننقل باختصار ما جاء فيها نقلاً عن الفصل الأول من كتاب (المقاومة الوطنية العراقية: الإمبراطورية الأميركية بداية النهاية)، وفي مقدمته جاء ما يلي:

جاء في مقال نشره موقع مفكرة الإسلام، تحت عنوان: »الإمبراطورية الأمريكية تنهار على أسنة المقاومة العراقية «ما يلي: أشار، دونالد رامسفيلد، (وهو من كبار صانعي مشروع نحو قرن أميركي جديد)، إلى خريطة في قاعة الاجتماعات السرية في البنتاغون، عارضاً ما مؤداه: إن نظرة على الخريطة تؤكد أن الولايات المتحدة محيطة من كل ناحية بالعراق، تبدأ من الخليج ـ إلى باكستان ـ إلى أفغانستان ـ إلى أوزبكستان ـ إلى قيرجستان ـ إلى تركيا ـ إلى (إسرائيل) ـ إلى الأردن ـ إلى مصر ـ إلى السعودية، وبجانب ذلك فإنها تملك محطات وتسهيلات مفتوحة لها دون قيود في مياه الخليج والبحر الأبيض والبحر الأحمر، ومعنى ذلك أن العراق نقطة في مركز دائرة واسعة. وهـذه فرصة تاريخية للسيطرة على مركز الدائرة في بغداد لتكون النقطة الثابتة في الدائرة الأوسع المحيطة به.  ووجود قوات أمريكية في العراق يعنى حصار إيران من ناحيتين: ناحية أفغانستان التي تحتلها بالفعل قوات أمريكية، وناحية العراق إذا تمَّ احتلاله بقوات أمريكية. كما أن سورية في وضع أصعب، لأنها بعد احتلال العراق تصبح مفتوحة من الشرق بوجود أمريكي في الجوار المتصل، ومُحاصرة من الشمال بتركيا والوجود الأمريكي القائم على أرضها، وبمناطق الأكراد شمال العراق ـ إلى جانب إسرائيل من الجنوب ـ كما أن النظام في الأردن ليس صديقاً للنظام في دمشق ـ إلى جانب أن هناك عناصر في لبنان لا يرضيها أن تتحكم سوريا في القرار اللبناني.

وبقراءة سريعة لما جاء على لسان دونالد رامسفيلد في اجتماع لأعلى سلطة أميركية تتخذ القرارات الاستراتيجية، تؤكد أن احتلال العراق كان جزءاً من مخطط استراتيجي يشمل القسم الشرقي من الوطن العربي، طبعاً لأنه الأغنى في موارد الطاقة، والأكثر أهمية في الموقع الاستراتيجي الجغرافي.



ثانياً: بعد احتلال العراق: اليمين الأميركي المتطرف يوسِّع دائرة تهديده إلى أقطار عربية أخرى:

وأما بعد احتلال العراق، فقد نشرت معظم وسائل الإعلام تصريحات لبعض أهم أركان إدارة جورج بوش، ومنها تتضح أن مخطط الشرق الأوسط الجديد أصبح قيد التنفيذ، وتأكيداً لذلك: نقلت وكالة (ميدل ايست اونلاين) في 12 إبريل 2003 عن كريستوف دو روكفوي أن واشنطن تطمح إلى جعل العراق واجهة للتغيير في الشرق الأوسط، أي «إعادة ترتيب» في هذه المنطقة، تمزج ما بين إحلال الديموقراطية والتحديث الاجتماعي واستئصال الإرهاب ودعم المصالح الأميركية وضمان أمن إسرائيل، على أن يتم ذلك بحسب نظرية «الدومينو الديموقراطي» التي كانت تلقى رواجاً كبيراً في الأوساط المحافظة القريبة من البيت الأبيض. وبهذا الصدد أشار مساعد وزير الدفاع الأميركي بول ولفوويتز ومساعد وزير الخارجية جون بولتن، وهما من المنظرين لهذه العقيدة، بشكل واضح إلى أن طموحات واشنطن لن تتوقف عند بغداد، وان كان استخدام القوة المسلحة غير مطروح بالضرورة بالنسبة لدول أخرى. ولهذا كان باول قد أعلن في نهاية العام 2002 عن تشكيل صندوق قيمته (25 مليون دولار) لتشجيع التطور الاجتماعي والسياسي في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، صرح رئيس الوزراء «الإسرائيلي» أرييل شارون بأن مشاكل «إسرائيل» لم تنته باحتلال العراق، فلها حسابات طويلة مع دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط.

كما صرَّح ريتشارد بيرل، مستشار وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) وأحد مهندسي غزو العراق أن سورية ستصبح هدفاً عسكرياً محتملاً إذا تبين أن في حيازتها أسلحة دمار شامل. وأضاف: إن «الرسالة إلى سورية والى إيران والى كوريا الشمالية والى ليبيا يجب أن تكون واضحة». وجاءت هذه التحذيرات متزامنة مع إعادة إحياء قانون معاقبة سورية.

وأعلن اينغل وروس ليتنن: «الآن وبعد هزيمة نظام صدام حسين، حان الوقت لأميركا لأن تتصرف بجدية تجاه سورية»، وتابع: إن قانون محاسبة سورية هو «خطوة أولى لمعالجة الدور السوري التخريبي في الشرق الأوسط».

وحسب (ميدل ايست اونلاين) في 15 إبريل 2003 اعتبر عدد من المحللين أن دمشق ستكون الضحية المقبلة لنتائج عملية الدومينو (التداعي) التي تتبعها واشنطن لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بعد سقوط بغداد. فقد دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الولايات المتحدة إلى «ممارسة ضغوط قوية جداً على سورية» وذلك في حديث إلى صحيفة (يديعوت أحرونوت) وتشمل المطالب الإسرائيلية تفكيك المنظمات الفلسطينية التي تتخذ مقراً لها في دمشق ووقف «التعاون» مع إيران.



ثالثاً: المقاومة الوطنية العراقية ألحقت الهزيمة بالمشروع:

ما كل ما تمناه اليمين الأميركي قد أدركه، لأن المقاومة الوطنية العراقية حالت دون نجاح الخطوة الأولى، لأنها استمرت بمقاومتها حتى أعلنت الإدارة الأميركية، بعد تسويف طويل، قرار سحب قواتها المحتلة من العراق في أواخر العام 2011. وكان انسحابها بعد أن قررت الالتفاف على وسيلة تنفيذ المشروع بالقوة العسكرية ونقلته إلى وسيلة ما أسمته الديبلوماسية الناعمة. ولهذا مهَّدت إلى ترتيب وضع العراق المحتل، لإدامة احتلاله بطرق ملتوية، فكان تشريع حكومة يقودها العملاء، والاتفاق مع النظام الإيراني لكي يتولى إدارة شؤون العراق نيابة عن أميركا، وأبقت على عشرات الجنود الأميركيين في قواعد عسكرية بعيدة عن السكان.

وما يُلفت النظر في العلاقات الأميركية الإيرانية، أنها انتقلت من اعتبار إيران القائمة الثالثة في محور الشر إلى تسليمها العراق من دون خوف. ولكي نفهم لماذا كان هذا الانتقال، علينا أن نراجع أهداف نظام ولاية الفقيه، لنجد أن أهدافه تتطابق كلياً مع أهداف مشروع الشرق الأوسط الجديد، والقائمة على إعادة تشكيله على أسس تفتيت أقطار الوطن العربي إلى دويلات طائفية. وهذه الأهداف تضمن لنظام ولاية الفقيه الاستمرار لأنه سيكون عاجزاً عن الحصول على حصة فيه إذا لم يتم تفتيته على قواعد طائفية. ولأن انتشار الطائفية هي الضمان الوحيد لانتشار نظام قائم على الطائفية، أصبحت إيران خارج محور دول الشر بالنسبة لأميركا لأنها ستعمل جادَّة للمشاركة بمشروع الشرق الأوسط الجديد.



رابعاً: استئناف البدء بتنفيذ المشروع بوسائل أخرى على وقع أنغام (الربيع العربي):

بقراءة ما نُشر من تقارير وأخبار، ووثائق، تؤكد أنه بالإضافة إلى التحالف الأميركي الإيراني، فقد عقدت الإدارة الأميركية اتفاقيات وتفاهمات مع حركة الإخوان المسلمين في كل من تونس ومصر وسورية وغيرها، وأما الدليل فكان في وصول الحركة إلى الحكم في كل من تونس ومصر، وبينهما ليبيا التي كان الهدف من إسقاط النظام فيها هو منع إرباكه للترتيب الجديد في أوضاع جارتيه. ولكي يكتمل العقد الأميركي كان لا بُدَّ من العمل على إيصال حركة الإخوان للحكم في سورية.

وكان من المقيَّض للمخطط أن يكتمل ليتواصل جغرافياً مع تركيا، وسياسياً مع الحكومة الإسلامية فيها. ولهذا بذلت الإدارة الأميركية كل جهدها لإسقاط النظام في سورية، وكانت البداية في العمل على استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يسمح باستخدام الغطاء الجوي لحماية ما تُسمَّى بـ(المعارضة السورية) تحت ذريعة (حماية المدنيين). ومن المثير أن الربع الأول من العام 2011، كان يشكل البداية لإسقاط أربعة أنظمة في تونس ومصر وليبيا وسورية. وإذا كان النظامان التونسي والمصري من الأنظمة المحسوبة على الإدارة الأميركية إلاَّ أنهما لم يكونا مؤهلين لتطبيق خارطة جديدة للشرق الأوسط، فكان الحصان الذي تراهن عليه الإدارة لتحقيق الغرض من أهداف المشروع هو حركة الإخوان المسلمين. ولهذا وتحت شعار إسقاط الأنظمة الديكتاتورية وإحلال الديموقراطية حاولت الإدارة المذكورة أن تمرر مؤامرتها في الأنظمة الأخرى، وكأنها طوال تحالفها معها لعشرات السنين لم تكن تعلم أنها أنظمة ديكاتورية. وكان لا بُدَّ من التساؤل: ولماذا استفاقت الإدارة بشكل مفاجئ على إحلال الديموقراطية في تلك الأنظمة؟ والجواب أنها كانت تقوم بتنفيذ مشروع جديد أفصحت عنه بشكل واضح وجلي قبل احتلال العراق بوقت قليل، وبعد احتلاله بوقت قصير أيضاً. وبالعودة إلى مقدمات مقالنا سنجد الدليل الواضح والجلي.



-خامساً: متغيرات دولية وعربية تبشر ببزوغ أفق جديد لوأد المشروع:

بعد أن عرقلت المقاومة الوطنية العراقية مسيرة المشروع الأميركي، فانغرزت جنازير دباباته في رمال العراق، وأجَّلت تنفيذه إلى حين انسحاب القوات الأميركية منه.

وبعد استئناف تطبيقه في أوائل العام 2011، بطرق أخرى غير عسكرية، كما أشار إلى ذلك بول ولفوويتز وجون بولتن، في العام 2003.

حصل متغيران رئيسان في أدوار كل من روسيا والسعودية أرخت بثقلها على المشروع الأميركي -الصهيوني - الإيراني. وإنه على الرغم من تناقض مواقف كل منهما مع الآخر إلاَّ أنهما سيصبَّان في مجرى تغيير شروط الاشتباك مع الولايات المتحدة الأميركية.

حصل هذان المتغيران من موقفين متناقضين مما يجري في بعض الساحات الإقليمية والعربية، ليؤديا إلى نتيجة واحدة، وهي إيقاف زحف المشروع الشرق الأوسطي الجديد. وأما تناقضهما فلأن روسيا حليفة لكل من إيران وسورية، وأما السعودية فخصم لكل منهما. وأما الوجه الإيجابي في تلاقي متناقضين في نهاية الأمر، يكمن في أن كلاً منهما يقف في مواجهة جزء من المشروع الأميركي - الإيراني كل منهما لأسبابه الخاصة. إن دور روسيا إذا نجح فسيؤدي إلى إسقاط الشق الأميركي، والدور السعودي إذا نجح فسيؤدي إلى إسقاط الشق الإيراني. لذا فإن كلاَ منهما إذا أسقط حداً من حديْ الثنائية الأميركية الإيرانية في المشروع، فهذا يعني في نهاية المطاف إسقاطاً للمشروع برمته. وبناء على هذه المعادلة ندرك أن بزوغ فجر مرحلة جديدة، كما هو ماثل الآن، يبشِّر بتغيير المعادلات نحو دق المسمار الأول في نعش مشروع الشرق الأوسط الجديد.



-المتغير الأول: الدور الروسي في سورية يحبط اكتمال المشروع في جزئه الأميركي:

تناولت الأخبار في أواخر تشرين الثاني من العام 2012، أن المخابرات الروسية أعلنت أن دول حلف الناتو خدعوا روسيا عندما طلبوا التدخل في ليبيا في مجلس الأمن من اجل (إنقاذ المدنيين)، ولذلك صرَّح الرئيس بوتين قائلاً: إن أي قرار في مجلس الأمن يطلبه حلف الناتو سيعارضه خاصة بالنسبة لسورية لأنه يعتبر أن روسيا الاتحادية خدعها حلف الناتو، وإن الأمر لن يتكرر في سورية.

وهذا يعيدنا إلى تفسير السبب الذي لأجله استخدمت روسيا والصين حق النقض لإحباط الموافقة على قرار تقدمت به أميركا وبريطانيا إلى مجلس الأمن الدولي، بتاريخ 4 تشرين الأول 2011، لاستخدام القوة في سورية تحت ذريعة «حماية المدنيين السوريين» في مواجهة الآلة العسكرية للنظام.

وسيسجل التاريخ أن هذا الاستخدام يُعتبر المسمار الأول الذي دُقَّ في نعش مشروع الشرق الأوسط الجديد. وكنا قد أشرنا إلى هذا التحول في كتابنا المنشور «الحراك الشعبي العربي وملاذاته الآمنة»، كما يلي: (منذ اللحظة، التي استخدمت فيها روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد استخدام القوة العسكرية في القضية السورية، دخلت المنطقة بكاملها في مرحلة جديدة كانت معالمها واضحة في إعادة تكوين نظام دولي يحكم العالم بأكثر من قطبية دولية. وبهذا فقد دخل (الربيع العربي) عبر (الربيع السوري) في مرحلة «عقدة النجار» التي قد تكسر المنشار الغربي وتعيق مخططاته وتمنعه من الاستمرار في سرقة الانتفاضات العربية).

وبالفعل تشير الوقائع الراهنة إلى أن الإدارة الأميركية أرغمت على التراجع أمام حالة (الحزم الروسي) في الدفاع عن آخر حصونها في سورية بعد أن سقط الحصنان العراقي والليبي، وقبلهما الحصن المصري. وما تصاعد الحركة باتجاه الوصول إلى حل سياسي في سورية انطلاقاً من (جنيف 3) المسبوق باتفاق لوقف العمليات العسكرية سوى الدليل على ذلك.

ولكن لا بُدَّ، استناداً للتجارب السابقة، من الدروس الأميركية في الخداع والتمويه، من الحذر لكي لا يقع أحد فريسة للتفاؤل المطلق لذا نعتبر أن مرحلة (جنيف 3) ستبقى قيد الاختبار للتأكد من صدق النوايا.



-المتغير الثاني: الدور السعودي يحبط اكتمال المشروع في جزئه الإيراني:

بعد أن سلَّمت أميركا العراق لإيران، وبعد أن ملأت التصريحات الإيرانية أرجاء الدنيا بأن نظام ولاية الفقيه قد نجح بتأسيس الإمبراطورية الفارسية وعاصمتها بغداد، يكون كيل الخوف السعودي من الخطر الإيراني قد طفح. ذلك الكيل الذي بدأ يحتقن بعوامل الخوف بعد تسليم أميركا العراق لإيران، فانطلقت (عاصفة الحزم) في اليمن في العام 2015. وأخذت نُذُرها تمتد إلى العراق في العام 2016. لأنها لن تستطيع إقفال بوابة اليمن، والبوابات الإيرانية الأخرى المفتوحة ضد السعودية من دون إقفال البوابة العراقية. وإذا نجحت السعودية في المساعدة على اقتلاع الاحتلال الإيراني للعراق تكون بذلك قد أنجزت الشق الآخر المكمل للدور الروسي.

استناداً إلى كل ذلك، تفوح رائحة التغيير القادم المنبعثة نحو المنطقة كلها، وليس هناك تغيير أكثر أهمية من إحباط المشروع الأميركي الإيراني الذي يهدد أمن المنطقة كلها فيما لو نجح. ولأن أهداف الدورين الروسي والسعودي متناقضة في الخطاب متكاملة في الواقع، فهي أهداف استراتيجية. واستراتيجيتها المعلنة واضحة تماماً، إذ أصبح من الواضح أن روسيا لن تحافظ على مصالحها في (المياه الدافئة) في ظل استفراد أميركا بحكم العالم. وكذلك أصبح من الواضح أن نجاة السعودية من الخطر، ولن يكون أمنها مضموناً، بأقل من تحرير العراق من الاحتلال الإيراني.

فهنا تكتمل وجهة نظرنا بالتساؤل التالي:

هل بدأ مشروع الشرق الأوسط الجديد خطوته الأولى نحو التراجع بعد أن أخذ يترنَّح؟










إرسال تعليق