الثلاثاء، نوفمبر 01، 2016

لا خلاص للبنان بانتخاب رئيس،

لا خلاص للبنان بانتخاب رئيس،
بل بخلاصه من وصاية الخارج والداخل معاً


لا شك بأن الخروج من متاهات الفراغ الرئاسي يُعتبر جسراً لاستكمال الهيكلية المؤسساتية للدولة اللبنانية. ولذلك يأتي انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية خطوة مهمة، نهنئ اللبنانيين على إنجازها. ولكننا سنبدي رأياً في شكل الانتخاب ومضمونه كي تكتمل باكتمالها، إذا اكتملت، فرحة اللبنانيين بولادة رئيس جديد للجمهورية، هذه الولادة التي حصلت بعد مخاض طويل فاق في طوله كل حسابات الحمل والولادة المعروفة في كل دول العالم.
ما كان ملفتاً للنظر بشكل صادم، هو أن السياسيين اللبنانيين، الذين يقررون مسار هذا الاستحقاق، أعلنوا بكل صفاقة أن الاتفاق كان انتصاراً لهم، وما كان ليحصل لولا ما يتميزون به من حكمة ورزانة وحرص على مصلحة لبنان واللبنانيين.
هؤلاء السياسيون أنفسهم، تناوبوا طوال مرحلة الفراغ الرئاسي على إلقاء التهم ضد بعضهم البعض. والمريب في الأمر أنهم بعد إدخال الاستحقاق في غرفة الولادة تبادلوا التهاني وتبادلوا الإشادة بأدوارهم الحكيمة. فكانت النتيجة أن من عرقل في السابق وقف الآن مبتهجاً بدوره الذي لولاه لما حصلت الولادة، ولولاه لكانت الأم والجنين في مرحلة الخطر. والأكثر صدما لأفهامنا هو أنهم اعتبروا أن لبنان قد نجا من الأخطار الداهمة التي تناسوا في المرحلة السابقة أن لبنان في خطر.
هؤلاء السياسيون، حمَّلوا في مرحلة الفراغ مسؤوليته لهذا الطرف الخارجي أو ذاك، وبعد أن جاءتهم كلمة السر من الخارج عن الاتفاق على انتخاب رئيس، راحوا ينسبون الفضل لأنفسهم في إنجاز الاستحقاق، وكأنهم كانوا أصحاب القرار في التعطيل أو في التعجيل.
وفي لحظة استغفال عقولنا أبعدوا عامل التدخل الخارجي عن نجاح خطوة انتخاب رئيس للبنان، لكي يغطي كل تابع منهم على تبعيته. ولم تفلح وسائلهم في التجاهل والتجهيل في أن الخارج هو من يسقط رئيساً أو يأتي برئيس. ينتخب رئيساً أو يمنع انتخاب رئيس.
وكي لا ننسى، وكي لا نخطئ في وضع إنجاز استحقاق انتخاب رئيس للبنان في موقعه الصحيح، علينا أن نتذكر أن هذا البلد محكوم بنظام هرمي للتبعية. وإذا كان مفهوم التبعية يعني مصادرة الأعلى لقرار الأدنى، فالمنهجية الهرمية، من تحت إلى فوق، تتلخص بالآتي:
-رهن معظم أطياف الشعب اللبناني قرارهم لأمير طائفتهم، وبدوره رهن الأمير قراره بدعائم استقواء في الخارج. وبناء عليه، تحكم لبنان ثلاثية قديمة – جديدة، وهي الخارج السيد، والأمير المسود، والشعب المطواع.
-ولأن للحلقات الأعلى مصالح لها الأولوية، وللأمير مصالح أيضاً، ومصالح الحلقتين الأعلى تقتضي تسخير الشعب، فيكون ناتج المعادلة أن كل الضغط يُثقل أكتاف الشعب. وإذا لم يتململ الشعب، فستبقى المعادلة ثابتة ما بقي الشعب جاهلاً حقوقه وقوَّته.
-ولأن مشكلة استباحة سيادة الأوطان واستباحة مصالح شعوبها، تبدأ من خضوع الأدنى إلى الأعلى، أي تبدأ المشكلة في الشعب أولاً، فإن حلها لا يمكن أن يبدأ إلاَّ من أدنى وليس من أعلى. فلا حلَّ من دون وعي الشعب لحقوقه ومصالحه. ولا  بُدَّ من أن ينتفض الشعب ضد التبعية لأمير طائفته.
ولكن نتساءل: على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟
ولأن مزامير داوود، لم تدفع الشعب لأن يحرِّك ساكناً، وبقي يلفه الجمود.
ولأن الشعب ما يزال مقتنعاً بأكذوبة ما تُروِّجه دعاوى أمراء الطوائف بأن لكل طائفة في لبنان (أمير) يحميها، وإذا ضعفت مكانة الأمير ستضعف هيبة المذهب.
سيبقى نظام وراثة الإمارة، عائلياً كان أم حزبياً وحركياً، هو السائد، وستبقى عوامل الاستقواء بالخارج نعمة للأمراء. ولكنها تمثِّل قمة النكبة على الشعب.
ولأن الخارج هو من سمح بانتخاب رئيس للجمهورية عبر وسطائه من أمراء الطوائف، فلن نرجو خيراً عميماً للشعب اللبناني، والخير كل الخير لسلاطين الخارج وأمراء الداخل.
وإذا أردنا أن نكذِّب أنفسنا، ولأنه لا تُؤخذ الدنيا بالتمني، بل تؤخذ الدنيا غلابا، فإننا نتمنى أن يُكذِّب الرئيس الجديد كل ما يدفعنا إلى القلق، ويسير على الحقيقة التي تقول: لا خلاص للبنان بانتخاب رئيس، بل بخلاصه من وصاية الخارج والداخل معاً.


إرسال تعليق