الثلاثاء، يونيو 20، 2017

أفكار لصياغة برنامج سياسي اجتماعي اقتصادي في لبنان

أية ديموقراطية نريد؟
وأية عدالة اجتماعية نختار؟
أفكار لصياغة برنامج سياسي اجتماعي اقتصادي في لبنان


  لأن النظام اللبناني يطبِّق النظام الديموقراطي، بحيث يصل ممثلو الشعب إلى المجلس النيابي عن طريق الانتخاب المباشر، نرى أن نبدأ بصياغة أفكارنا حول البرنامج السياسي بإطلالة فكرية حول المسألة الديموقراطية. ومن بعدها سنحاول أن نجيب حول الأسئلة التالية:
-هل نتائج الممارسة الديموقراطية المطبقة في لبنان تلبي الغاية من أهداف النظام الديموقراطي؟
-وهل هناك عوائق تحول دون تطبيق النظام الديموقراطي بما يحقق الغاية من الديموقراطية؟ وما هي تلك العوائق؟
-كيف نرى الأسس التي على النظام الديموقراطي أن يقوم عليها؟
-وكيف تشكل مدخلاً أساسياً لوضع مشروع برنامج سياسي للساحة اللبنانية؟
مقدمة حول المفهوم الديموقراطي
من البديهيات أن يهدف النظام الديموقراطي لتأمين مصالح الشعب، أي عندما يكون هدف الديموقراطية أن تحقق مصالح الأكثرية في دولة ما لا يمكن أن تكون مفهومة إذا لم تكن تلك الأكثرية من الطبقات التي على أكتافها يقوم البناء الوطني، في الانتاج والخدمات، أقل من يستفيد منها. فلو كان المجتمع هرماً طبقياً تبقى تلك الطبقات هي قاعدته الأساسية وهي الأكثرية فيه، والتي عليها أن تقطف نتائج الديموقراطية، وأن تكون لمصالحها أولوية عند من يمثلونها في المؤسسات السياسية الديموقراطية. ولكي تحصل الأكثرية على مكتسبات متواصلة، في ظل نظام يعتنق المبدأ الديموقراطي، لا يمكنها من تحقيق ذلك إذا لم تكن واعية في اختيار الممثلين الحريصين على مصلحتها.

إشكاليات في آليات الديموقراطية المطبَّقَة في لبنان ونتائجها
أما ما يحصل في لبنان فيتلخص في أن الأكثرية تختار ممثليها، ولكن أولئك الممثلين هم، في أكثريتهم الساحقة، ممن لا يبدون حرصاً على مصلحة الأكثرية. فتكون الصورة، والحال كذلك، هي أن الأكثرية تمارس الديموقراطية فعلاً في اختيار نواب الشعب ولكنها لا تستطيع القطاف من ثمارها. وهنا تبدو الصورة غريبة ومستهجنة. فمن هو موكول إليه أن يختار نواب البرلمان، على قاعدة إيصال من يؤمن مصلحة الأكثرية، لا يستفيد منها. والأكثر استغراباً هو أنه على الرغم من ذلك تعيد تلك الأكثرية انتخاب من لا يمثل مصالحها، فهي بمثل تلك الحال كمن يخون نفسه.
فهل تنشأ تلك الظاهرة من خلل ما في المسألة الديموقراطية؟
ليست الديموقراطية بحثاً نظرياً يتحول المواطن إلى ديموقراطي إذا ما قرأه أو حفظه عن ظهر قلب. فللديموقراطية وجه تطبيقي يتلازم مع جانبه النظري. ذلك الجانب يتضمن أوجه الوعي للحقوق والواجبات معاً، على أن يكون وعياً نظرياً أولاً وممارسة حقيقية ثانياً.
فلا معنى لثقافة ديموقراطية تُلمُّ بالحقوق من دون تلازمها بمعرفة للواجبات. فالديموقراطية وُضعت كمبدأ للذات وللآخر. فطغيان أحد وجهيها على الآخر يؤدي إلى خلل في العلاقة بين طرفيها. فالديموقراطية اجتماعية سياسية، أي لا يمكن تطبيقها إلاَّ في مجتمع، ولأن أفراد المجتمع متعددو المصالح كان لا بدَّ للمبدأ الديموقراطي من أن يوازن بين مصالحهم بالعدل والمساواة. ولأن الديموقراطية مبدأ سليم فهو لا يتحمل وزر الأخطاء في تطبيقه. فالديموقراطية لا يمكن أن تكون سليمة بدون أفراد ديموقراطيين.
هنا تُطرح إشكالية العلاقة بين الديموقراطية كإنتاج فكري سياسي موضوعي، والديموقراطية كممارسة إيديولوجية. فلإبراز التأثير الإيديولوجي على ممارسة الديموقراطية وظيفة مهمة لا يمكن فهم الخلل في تطبيقها من دون الإشارة إليه ومعالجته.
فللديموقراطية وجه إنساني اجتماعي عام لا يولي الانتماءات الطبقية ولا الدينية ولا المذهبية ولا العرقية أي حيز من الاهتمام. فإذا كانت الحرية قيمة إنسانية عامة، وإذا كانت الديموقراطية وجه تطبيقي متلازم مع قيمة الحرية، فيجب أن تكون ذات أوجه عامة. ومن اكتسابها تلك الصفات فهي تتعارض مع الممارسة الإيديولوجية في شتى وجوهها. ولكي لا نلغي الإيديولوجيا كشرط لضمان تطبيق ديموقراطي سليم يمكننا أن نقنن الإيديولوجيا، بمعنى أن نبتعد عن الأحكام الإيديولوجية في أثناء ممارستنا للديموقراطية. ولمزيد من التوضيح يأخذ خيارنا الديموقراطي في الانتخابات مواصفات المرشحين الأخلاقية وليست انتماءاتهم، برامجهم المعلنة وصدقهم في تطبيقها وليست هوياتهم الدينية أو المذهبية أو العرقية.
فالسائد في المجتمع اللبناني أن يتم الاختيار في ورقة الاقتراع، في الغالب الأعم، على قاعدة الإيديولوجيا المذهبية من دون النظر إلى مصلحة الإيديولوجيات المذهبية الأخرى. وهذا ما يفسح الساحة لواقع التنابذ المتبادل. فينتج عنها مبدأ الذرائعية في الدفاع عن المذهب أو الطائفة حتى ولو كان على حساب المذهب الآخر. وتتم ممارسة هذا الخطأ على حساب اللاحم الوطني من جميع مذاهب لبنان وطوائفه. فيصبح مبدأ الوطنية غطاء هشاً يدافع عنه الجميع لفظياً من دون أية ممارسة عملية.
ولتلك المظاهر أسباب حقيقية يتغافل عنها الجميع ولا يولونها أهمية عملية، فيتسابق الجميع في التكاذب المتبادل. وهكذا تتوالى الأيام وتزداد الأحوال سوءاً، ويجب أن لا تخدعنا مظاهر الحرص اللفظي لأنها لا تحمل دوافع من أجل الوصول إلى تشخيص حقيقي للمرض وإعطاء المريض علاجاً صحيحاً. فالمرض يكمن في ثقافة النخبة ومصالحها.
تلك هي آفة الطائفية السياسية في لبنان. تلك الآفة التي ورثها المجتمع اللبناني من المرحلة العثمانية. وتاريخ لبنان مليء بالشواهد والأمثلة. ولأن الدولة الدينية لم تكن عادلة مع شتى الأديان والمذاهب، كان يحصل الخلل في بنية السلطة وأدائها. إذ كان المذهب الحاكم يولي الاهتمام بنخبه الدينية والسياسية حتى على حساب العامة فيه. ولما جاءت مرحلة الانتداب الفرنسي، حاولت سلطاته أن تقوم بتحديث للبنى السياسية على مستوى السلطة السياسية والإدارة، ولكنها أبقت على البنية الثقافية الشعبية من دون أي تغيير، فأبقت الثقافة الرسمية والشعبية أسيرة الماضي. وبمعنى أدق فقد حدَّثت النظام السياسي بتلبيسه ثوباً ديموقراطياً على قاعدة أن يختار الشعب ممثليه وعلى أن يتولى السلطة من يختاره الشعب. وهي عندما لم تُعن، بالتنسيق والتواطوء مع النخب الاقتصادية والعائلية اللبنانية، كما ورثتها تماماً عن العهد العثماني،فقد ألبست اللبنانيين ثوب التحديث من دون أن تلامس البنية الثقافية للمجتمع اللبناني أدنى اهتمام.
وبمثل تلك النقلة المصطنعة الهشة استمرأت نخب الطوائف في لبنان ونخب العائلات قواعد اللعبة، فتوارث أقطابها كراسي الحكم جيلاً بعد جيل ولا تزال. وبمثل هذا الواقع اكتسبت الديموقراطية اللبنانية سمات خاصة، بمعنى أن نتائج اللعبة الديموقراطية وُظِّفت لكي تصب في مصلحة النخب الطائفية والعائلية.
وإذا كان لبنان، في تاريخه المعاصر، قد أصاب بعض المتغيرات على صعيد النخب فقد دخلت النخب المالية والاقتصادية، من الذين راكموا رؤوس الأموال، دائرة التنافس مع النخب الطائفية والعائلية. لكن قلما اصطدمت مصالح هؤلاء وأولئك لأنهم كانوا يجدون تسوية ما تضمن مصالح الطبقتين معاً.
وإذا كان يمكننا أن نصف واقع حال النخب الحاكمة الآن في لبنان فنرى إنها تقوم على تحالف بين الطائفة ورأس المال. فينتج عنهما سلطة تعيد إنتاج نفسها باستمرار فتكون الديموقراطية في لبنان قشرة يستغلها التحالف المذكور من أجل مصالحه.
واستناداً إلى ذلك تبقى الأكثرية في لبنان خاضعة لمفاهيم إيديولوجيا الطائفة المتحالفة مع سلطة رأس المال. ولا يمكن أن نتصور أن يحصل تغيير ما في لبنان ما لم يتم الحفر في البنى الثقافية للأكثرية التي يستخدمها وارثو السلطة.
تلك مهمة طويلة بلا شك، ولكنها ستبقى أبدية ما لم تبدأ حركات التغيير في بناء أسس ثقافية شعبية ترتقي بواسطتها بالثقافة الشعبية إلى مستوى الوعي والإدراك للحقوق والواجبات على اتجاهين اثنين: الوعي الوطني والوعي الطبقي معاً. ولا بدَّ من الإشارة إلى أنه من الأفضل أن تبدأ حركات التغيير لإنجاز مهمة طويلة بدلاً من أن تنتظر الأبد الذي لن يغيِّر من الواقع شيئاً من دون جهود تُبذل.

إلغاء نظام الطائفية السياسية:
ولأن الثوابت الوطنية، أي تلك المبادئ التي تنظر إلى جميع المواطنين بعين المساواة في الحقوق والواجبات، وتكيل مصالحهم بميزان العدل، هي الأساس الحديث والمعاصر في بناء الدولة العلمانية، نرى أنه لا يمكن لتلك الثوابت أن تشق طريقها في الثقافة الشعبية من دون إلغاء الطائفية السياسية من النصوص والأعراف السائدة. لكن هذا لا يعني إلاَّ أن العمل من أجل إلغاء الطائفية السياسية لن يمر من دون صراعات متواصلة، وقد تكون متعبة ومرهقة، مع النخب المستفيدة منها. إذ أنه لا يمكن انتظار مروءة تلك النخب لكي تتنازل عن مواقع السلطة التي تدر عليها اللبن والعسل، خاصة وأن التاريخ ماثل أمامنا ويؤكد أن النخب، في كل عصر ومصر،لم تكن لتتخلى عن مواقعها في الحكم والسلطة من أجل أن تضمن مصالحها الخاصة. وهي لأجل تلك المصلحة كانت تغرس في أذهان العامة أنها حاجة لا بدَّ منها لتمثيل مصالح تلك العامة. وتستند تلك الثقافة إلى غيبيات أحياناً، وإلى أسانيد اجتماعية متعددة أحياناً أخرى، وإلى مظلومية أبناء مذهبها في كثير من الأحيان. أو إلى تصوير بطولاتها في حماية التجمعات الطائفية أو الاجتماعية أو السياسية من أخطار التجمعات الأخرى. فكانت دائماً تعزز المخاوف من التجمعات الأخرى من أجل الدفع بالعامة إلى الالتفاف حول نخبها تحت ستار حماية الكرامة والخصوصيات.
وتدور عجلة الزمن وتنتقل وسائل خداع النخبة، بحماية حياض المذهب وأبنائه، من دون تبديل أو تغيير إلاَّ ما تفرضه متغيرات المرحلة من تنويع خطاب النخبة. أما نتائج الخطاب فكانت واحدة: إذعان ثقافي من العامة يدفعها إلى تمجيد بطولات النخبة في حمايتها من خطر التجمعات الأخرى. لذا تتنازل عامة جماهير المذهب عن حقوقها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من أجل إعادة إنتاج ما تتوهم أنه النخبة التي تدرأ عن الطائفة غوائل الطوائف الأخرى ومخاطرها. وهي، في الوقت نفسه، تتعامى عن قطف الجنى الاقتصادي والاجتماعي من قبل النخبة.
ولكي تبقى تلك المعادلة تصب في مصلحة النخبة في داخل التجمعات الخاصة، كان العرف نفسه منتشراً في داخل الجماعات الأخرى، بحيث أصبح الثنائي: العامة والنخبة، في داخل الجماعات الطائفية في لبنان، مرادفاً للترتيب الاجتماعي السياسي الاقتصادي في نظام المحاصصة الطائفية. وبها نشأ تحالف بين شتى النخب الطائفية على أن تتم المحافظة على أسس ذلك النظام على قاعدة تشريع ما ينظم تلك المصالح ويحافظ عليها، بما يستتبع ذلك من بناء ثقافي شعبي يدعمه ويستميت في المحافظة عليه. وإن ما نستغربه من أن الأكثرية في البنى الاجتماعية اللبنانية تخون نفسها، في صندوقة الاقتراع، لمرتبط بصلة عميقة مع البنيان الثقافي الموروث. ومن هنا نرى أنه لا يمكن الانقلاب على نظام الطائفية السياسية من دون الكشف عن حقيقة علاقة النخب في الطائفة مع الأكثرية فيها.

تأثير سلطة رأس المال وطرائق التحذير منه
على خطى حكمنا بأن النخبة تضع العراقيل في منع إلغاء الطائفية السياسية، نرى أن العمل من أجل الحد من سلطة رأس المال لن تمر من دون صراعات متواصلة أيضاً. وقد تكون تلك الصراعات متعبة ومرهقة، مع النخب الرأسمالية ومؤسساتها الاقتصادية، إذ أنه لا يمكن انتظار مروءة تلك النخب لكي تتنازل عن سلطة لا تحمي رؤوس أموالها، ووسائل نهبها للثروة الوطنية، بدونها.

كيف تصيغ قوى التغيير مناهج النضال من أجل إلغاء الطائفية السياسية والحد من سلطة رأس المال؟
قبل الدخول في صياغة برنامج سياسي نرى أنه لا يمكن لقوى التغيير أن تضع حلولاً لأمراض الواقع من دون منهج فكري وسياسي وثقافي.
-المنهج الفكري: يستند هذا المنهج إلى منطلقات وأسس وطنية، بمضامينها وممارساتها، لأنه لا جامع بين أفراد المجتمع المتعددي الانتماءات الدينية بدونها. أما نتائج غيابها فلن يكون إلاَّ تأسيساً لفتن قد تخمد أحياناً ولكنها ستندلع كلما استدعت مصلحة النخب الطائفية ذلك. فهي تبقيها سلاحاً مشهوراً في وجه الآخر للدفاع أو للضغط من أجل الحصول على امتيازات للمذهب أو للطائفة. وليس هناك سلاح أشد جذباً للعامة من سلاح الحقن الطائفي، وهي لا ترى من الثقافة إلاَّ ثقافتها الخاصة بها. وغالباً ما ترتبط تلك الثقافة بمفاهيم غيبية لها علاقة بطريق خلاص الأنفس في الآخرة.
وعلى هذا المنوال، ومن أجل إلغاء الطائفية السياسية، لا بدَّ من صياغة خطاب جريء وواضح حول مثالب الطائفية ودور المذهبيين، من رجال دين وسياسة، كما يمكن الكشف عن شرورها وخطورتها. فالخطاب الملتبس والغائم لن يُنتج إلاَّ المزيد من التقوقع والهروب أمام المتمذهبين، لأنه لا يوجد في المقابل من يصحح ويوضَّح.
-أما المنهج السياسي فلا يمكن بدونه للخطاب الفكري أن يفلح، لأنه سيبقى ساعتئذِ في برجه النظري. فالمنهج السياسي هو وسيلة لترجمة الخطاب النظري والتبشير به. على أن يرتبط بحركة نضالية لا تضع حسابات المصلحة الانتخابية نصب أعينها، لأن الموقف سيكون، بارتباطه بعدد الأصوات، بغير جدوى. فهو ساعتئذٍ سيقع في منحدر المجاملة ولن يعبِّر عنه بوضوح.
فإذا ما تكامل المنهجان الفكري والسياسي سيشكِّلان حركة ثقافية تعمل التيارات ذات الإرادة بالتغيير على تأمين مستلزمات نشرها بأكثر ما يمكن من الإمكانيات والوسائل لكي تعبر إلى أوسع الجماهير المعنية بها، والمقصودة بعملية التغيير الثقافي.
ولهذا نرى أن يرتبط أي برنامج سياسي لأية حركة أو حزب أو تيار أو شخصيات وطنية ببرنامج نضالي ثقافي يستند إلى رؤية واضحة من الطائفية السياسية والنخبوية المالية. فيكون البرنامج الفكري والثقافي معياراً ومكيالاً للبرنامج السياسي فيحدد تفاصيله وخطواته، مسائله وقضاياه. وبناء عليه نرى أن يعالج البرنامج السياسي شتى جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
في الجوانب السياسية:
أولاً: الحاجة لاستمرار الحركة من أجل تعميق الثقافة السياسية وتعميمها
1-إذا كانت مناسبة الانتخابات النيابية فرصة متاحة كل أربع سنوات تستفيد منها قوى التغيير في الحوار المباشر مع أوسع الشرائح الشعبية، إلاَّ أنها ليست الوسيلة الوحيدة للاحتكاك مع تلك الشرائح، بل هي حلقة في سلسلة متواصلة من النضالات. كما أنها يجب أن ترتبط مع رزمة من الوسائل، ومن أهمها:
2-بناء حلقات من العمل الجبهوي بين شتى اتجاهات التغيير وقواه، على أن تستند إلى هدف الكشف عن حقيقة اتجاهات تحالف القوى والتنظيمات الطائفية السياسية المُسنَدَة من قوى رأس المال. ومن أهم ما يمكن التركيز عليه في بناء تلك التحالفات هو توفير أجواء من الثقة بين الأطراف المتحالفة من خلال نقد طبيعة العلاقات التي كانت سائدة في الماضي والتي كانت منطلقاتها مبنية على قاعدة التنافس والتناحر والتسابق على الكسب الفئوي.
3-احتضان كل نشاط اجتماعي ورياضي وسياسي وثقافي من خلال بناء مؤسسات وأندية ثقافية واجتماعية ورياضية على كل الرقعة الجغرافية التي تتواجد فيها قوى التغيير.
4-أن تتكامل أدوار تلك القوى من خلال الاتفاق على برامج سياسية تمثل، في مراحلها الأولى،الحد الأدنى من خطط النضال الشعبي والبرامج السياسية.

ثانياً: في جانب اختيار ممثلي الشعب
تشكل فرصة الانتخابات النيابية كل أربع سنوات منبراً حراً أمام قوى التغيير. يتسنى من خلالها لتلك القوى فرصة تنشر فيها أفكارها وبرنامجها السياسي. ولهذا الجانب أهمية في التبشير والشرح لأن يكون قانون الانتخابات أقرب ما يمكن إلى إنتاج لحمة وطنية لا يمكن أن توفرها القوانين التي تراعي مصالح النخب الطائفية والمالية والعائلية. وهنا لا يمكن إلاَّ اختيار قانون التمثيل النسبي للأحزاب والشرائح الاجتماعية، وهو على العكس من القانون النسبي الذي يعني توزيع التمثيل على القاعدة الطائفية. أما قانون التمثيل النسبي الذي هو أكثر عدالة في إيصال صوت الأقليات التي لا يمكن أن يمثلها النظام الأكثري فمستحيل أن يأتي بنتائج ذات أهمية في بيئة تلعب فيها الطائفية السياسية دوراً مؤثراً في نتائج العمليات الانتخابية. فالنسبية، في ظل سيادة الثقافة الشعبية القائمة على الحس الطائفي، سيُعيد إنتاج الطبقة الحاكمة على أساس طائفي. وهي إذا لم تنطلق من بواعث طبقية واعية لحقوقها وواجباتها فستبقى الأكثرية الناخبة أسيرة لمنافع آنية، إما مذهبية أو اقتصادية، تُغدَق عليها كل أربع سنوات لكن الإغداق لن يتيح للناخب المستفيد إلاَّ منافع زهيدة لا يُقدَّر لها أن تعيش لأكثر من أيام.

ثالثاً: في أهمية النضال المطلبي
لأن الوصول إلى قمة التغيير الفعلي في بُنى النظام السياسي لا يمكن أن يحصل من دون تغيير في البُنية الثقافة لأوسع الشرائح الشعبية، يقتضي ذلك اعتماد مبدأ المرحلية. والمرحلية، كما نفهمها، تكمن في أنه لا يمكن لقوى التغيير أن تحرق مراحل التغيير الثقافي. وإلى الحين الذي يأخذ التغيير الثقافي مدياته القصوى، هو أن تعي حركات التغيير أكثر المطالب إلحاحاً ذات الصلة بواقع الجماهير اليومية، ابتداء من قضايا الخدمات ذات العلاقة بالمستوى المعيشي مروراً بالقضايا ذات العلاقة بمستقبل الأجيال الجديدة وصولاً إلى استشراف آفاق القضايا التي تحدد مستقبل أوسع الجماهير الشعبية. وهنا تندرج برامج التنمية الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية.
ومن أجل أن تكون الخطط مبرمجة وواضحة لا بدَّ من إعداد دراسات أكاديمية عن الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والسياسية التي يقوم بإعدادها أكاديميون وتقوم الحركات والأحزاب بترجمتها إلى خطط عملية ونضالية.
في الجوانب الاقتصادية
نرى أن المبدأ الاشتراكي يشكِّل الحل الأمثل للمشكلة الطبقية والفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين طبقات المجتمع. ولأن للنظام الاشتراكي أسس ومنطلقات وشروط للتحقق ليست متوفرة في الساحة القطرية اللبنانية، يمكن لأي برنامج يتناول الجانب الاقتصادي في لبنان أن يراعى ما يمكن تحقيقه استناداً للشروط المتوفرة. ويحصل ذلك من خلال سلسلة من المراحل التي يمكنها أن تؤسس لنظام اشتراكي عندما تتوفر شروط تحققه.
يأتي من أهم تلك المراحل وأكثرها واقعية العمل على قاعدة الحصول على مكتسبات تصب في مصلحة الأكثرية الواسعة من الطبقات الاجتماعية، سواءٌ أكان منها التي تقع في أسفل الهرم الطبقي أم تلك التي تمثل الطبقة الوسطى في السلم الاقتصادي، وتشكل تلك المرحلة بداية ضرورية لردم الهوة السحيقة بين طبقات المجتمع اللبناني.
وإذا كنا لا نستطيع في برنامج عام أن نتناول تفصيلات جوانب المراحل، خاصة ذات العلاقة بالعمل على ردم درجات السلم الاجتماعي الاقتصادي، فنشير إلى عناوين تلك المراحل، والتي نطلق عليها مصطلح «الحماية والأمن الاجتماعي» للشريحة المسحوقة. وبناء عوازل تحول دون النزول إلى درجات أقل، أي بحماية المكتسبات التي تحصل عليها تلك الطبقات والحؤول دون الالتفاف عليها من قبل الطبقات الحاكمة.
ولأن اتجاهات النظام اللبناني تستند إلى تحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد خدمات. وهذا النوع يحوِّل المجتمع إلى مجتمع «دون المستهلك»، مما يبقيه رهينة لاقتصاد «الأخطبوط» الذي يتمسك بأكثر من ذراع بفريسته. وبه يرتهن المواطن إلى إرادة رأس المال من دون أن يستطيع الفكاك منه. فارتهان المجتمع لنظام الخدمات يعني أن المواطن يبقى عرضة للجوع إذا ما حاول أن يستخدم أسلوب الاعتراض والإضراب، فهو في الوقت الذي يحصل لقمة عيشه بـ«المياومة» أو «الأجر الأسبوعي»، أو حتى «الراتب الشهري»، يبقى عرضة لابتزاز قطع مورده اليومي. وتلك إحدى الوسائل المخيفة للعامل أو الموظف أو الأجير سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص.
إن تحويل المجتمع إلى مجتمع منتج لا ينعزل عن «مبادئ التنمية في الإنتاج». ذلك الأسلوب الذي يرتبط مع تنمية القطاعين الزراعي والصناعي.
ففي حقل التنمية الزراعية، خاصة وأن في لبنان تتوفر شروط «الأرض والمياه»، على حركات التغيير أن ترفع شعار «التنمية الزراعية». ومنها، وبها، تنشأ طبقة «الفلاحين والعمال الزراعيين». وتكفي موارد الأرض كل العاملين فيها مؤونة ابتزاز رأس المال. وتخرجهم من دائرة الأخطبوط لأن عندها ما يكفيها مؤونة توفير «رغيف الخبز». ولا ينعزل بناء طبقة يتوفر لها الحد الأدنى من ذل السؤال عن تخطيط نضالي دؤوب ومتواصل للحصول على مكتسبات ثابتة.
وهنا لا يمكن تجاهل العلاقة الوثيقة بين الإنتاجين الزراعي والصناعي، والمعروف بمصطلح «الصناعة الزراعية». ولا يمكن تجاهل تأثير «التعاضد التعاوني» في سبيل بناء مؤسسات تعاونية ذات علاقة بتصريف الإنتاج الزراعي من جهة، وبناء مؤسسات لـ«الصناعة الزراعية» من جهة أخرى.
أما في حقل التنمية الصناعية، فلا يمكن أن نستند إلى مفهوم الصناعات الكبيرة بل نعني هنا حقل الصناعات التي تنتج السلعة ذات الاستهلاك المحدود. أما استثناءنا للصناعات الكبيرة فتستند إلى أن شروط بناء مؤسسات صناعية كبرى لا تتوفر في لبنان من حيث إن قدرة رأس المال ليست متوفرة فيه كبلد صغير ، كما شروط توفر اليد الفنية والعمالية لا تستطيع رفد الصناعات الكبرى بما يلزمها من موجبات الكفاية والاكتفاء، هذا إذا ما أخذنا أهمية تصريف الإنتاج بعين الاهتمام. لذا نرى أنه لن تتوفر شروط الصناعات الكبرى إلاَّ في محيط اقتصادي قومي متكامل من حيث توفير مستلزمات بنائه: رأس المال واليد الفنية والعاملة وسوق التصريف. ولهذه المسألة حيز خاص لبحثه.
حتى بناء الصناعة الاستهلاكية المحدودة لا يمكن أن ينفصل عن اتفاقيات ثنائية أو أكثر بين لبنان والأقطار العربية لتضمن الصناعة المحلية شروط نجاحها من حيث التخطيط الاقتصادي بين أقطار الأمة العربية. وهذا ما يستدعي إعطاء الأولوية في استيراد السلعة وتصديرها على قاعدة التنسيق والتكامل بين الصناعات القطرية بما يحمي مصادر إنتاج قطر من المنافسة الحادة من جانب وبما يؤمن لها أسواقاً للتصريف من جانب آخر.
إن حشر الصناعات القطرية في جانب إنتاج السلعة المحدودة لا يُنتج من جانب آخر طبقة عمالية على قاعدة الرؤية الماركسية لتتوفر بها ثنائية (بورجوازي عامل) ومن خلال فقدان تلك الثنائية يمكن للفكر الاقتصادي والسياسي أن يصيغ مصطلحات أخرى وثنائيات أخرى تكون صالحة لتحليل أسس الصراع بين الطبقات.
ولغياب ثوابت الثنائيات الماركسية في الصراع بين الطبقات في لبنان أو أي من الأقطار العربية يمكننا التمهيد لاستشراف بعض الأسس لتشكل منطلقاً لصياغة نظريات جديدة في سلم الطبقات، ومن أهمها:
1-اعتبار ثنائية (السلطة  المواطن) نقطة انطلاق في وضع تلك الأسس: ويبرر هذا الاعتبار هو أن طبقة البروليتاريا، بالمفهوم الماركسي (أي الطبقة العاملة التي يستغلها رأس المال)، لم تعد قادرة في لبنان على تفسير مناحي الصراع الطبقي. بل انضم إلى تلك الطبقة عناصر جديدة من أصحاب الحرف الصغيرة وصغار التجار والحرفيين والمزارعين وصغار الملاك والموظفين والمثقفين الثوريين وصغار الكسبة والمتقاعدين...
كما أن طبقة البورجوازية، بالمفهوم الماركسي (أي الطبقة البورجوازية، الصناعية والتجارية، التي تستغل جهد العمال)، لم تعد قادرة، أيضاً، على الإجابة عن الإشكالية الماركسية التي تستند إلى قاعدة الصراع الطبقي حسب ثنائية (بورجوازي عامل)، والسبب أن خليطاً من النخب العائلية والطائفية والمالية انضمت إلى الطبقة البورجوازية (التجار والصناعيين وكبار الملاك) في نسج قواعد تحالف تبوأت أطرافه كرسي السلطة واستولت عليها. فأصبحت أسس الصراع محصورة بين (سلطة  مواطن). وهذا ما يستدعي التجديد من خلال وضع ثنائيات أخرى في الصراع الطبقي خاصة بعد أن غابت طبقة العمال كشريحة كبرى في مفاهيم الصراع السابقة. وهنا نرى أن ثنائية (السلطة  المواطن) هي الأكثر تعبيراً عن واقع الحال الجديد.
2-اعتبار ثنائية (القوانين والتشريعات التي تحمي سلطة الاستغلال في مواجهة القوانين والتشريعات التي تحمي مصالح المواطن) أساساً ونقطة انطلاق للبرامج النضالية لحركات التغيير. ومنها يمكن العمل في ردم الهوة في الصراع بين السلطة والمواطن من خلال التجديد في التشريعات والقوانين التي تحد من شبق السلطة (تحالف النخب الطائفية والعائلية والمالية) في الاستغلال والهيمنة والتفرد من جانب، وبما يحمي المكتسبات الشعبية (تحالف الشرائح الاجتماعية التي أشرنا إليها أعلاه) ويعززها ويجدد فيها من جانب آخر.
3-ومن أجل إنتاج ثقافة جديدة لا تصطدم مع الموروث الثقافي لأوسع شريحة في المجتمع اللبناني نرى أن تعتني قوى التجديد والتغيير بما يلي:
أ-كانت عوامل اختيار ممثلي الشعب في مجلس النواب، تدور تحت سقف الشعار الخادع حماية الطائفة من خطر اجتياح الطوائف الأخرى، من أهم هموم المواطن اللبناني. ويبدو أن الخروج من هذا النفق لن يكون في المدى المنظور. وهنا يمكن التركيز على أن مسألة التفاوت الطبقي الاجتماعي الاقتصادي بين شرائح الطائفة الواحدة في غاية الأهمية. ويمكن أن تستند تلك الرؤية إلى أن حماية الطائفة لا يبرر التفاوت الكبير في المستويات الاجتماعية والاقتصادية لأبناء الطائفة الواحدة. ويمكن أن تكون المرحلية، في ظل برنامج إصلاحي اجتماعي واقتصادي، تستدعي اختيار من هم أقرب إلى التغيير وتقصير المسافة بين الطبقات الاجتماعية في داخل الطائفة الواحدة. ومن ناحية أخرى يمكن التركيز على أن حماية الطائفة لا يمكن أن يتم في ظل الصراع والتنافس بين الطوائف، بل إن الجامع الوطني (بما يعني العدالة والمساواة على قاعدة المواطنة) هو الأقرب لحماية الجميع من الجوامع الطائفية.
ب-أن تعمل من خلال دراسات موضوعية وعلمية، على كشف الغطاء عن التفاوت الكبير في الوضعين الاجتماعي والاقتصادي بين طبقة النخبة في الطائفة والطبقات الأخرى.
ج-أن تضع في برامجها خططاً مرحلية في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية في شتى المناطق اللبنانية. وأن يتم ذلك تحت شعار أنه لا يمكن تقصير المسافات، ولا يمكن ردم الهوة بين الطبقات، إلاَّ ببرامج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهي الكفيلة بتوفير فرص عمل للمواطنين من جهة وتعزيز حقوقها الاجتماعية من جهة أخرى.


إرسال تعليق