الخميس، يونيو 07، 2018

حسن خليل غريب في مؤتمر عن التنمية (الحلقة الثانية)



حسن خليل غريب في مؤتمر عن التنمية
(الحلقة الثانية)
أولاً: في توحيد المصطلحات:

توحيد المصطلحات بين (الوطني) و(القومي):
لفتني عنوان المؤتمر باستخدامه مصطلح (المشروعات القومية)، فحسبت بداية أنه يعني المشروعات التي يشارك فيها أكثر من قطر عربي، بينما أكدت مراجعتي لما يعنيه المصطلح الوارد في الدعوة إلى المؤتمر، فوجدت أنها تعني المشاريع التي تنفذ في القطر المصري. ولهذا، نظراً للالتباس الذي يحصل بين مصطلح (وطني) و(قومي) في اللغة العربية، أتمنى على المؤتمر أن يعمل على توحيد المصطلحات في القاموس العربي. وهنا أقترح استخدام (المشروعات الوطنية) التي تتم على مستوى القطر العربي الواحد. واستخدام (المشروعات القومية) لكل ما يتعلق بالمشروعات المشتركة بين أكثر من قطر عربي.
وبناء عليه، تُعتبر التنمية الوطنية خطوة أولى على طريق بناء مشروعات تنموية على الصعيد القومي العربي. وإذ ذاك تزداد أهمية التنمية الوطنية إذا تحوَّلت إلى منهج فعل قومي، وذلك لضخامة العمل التنموي القومي إذا أخذنا بعين الاعتبار التكامل الاقتصادي العربي نظراً للإمكانيات النقدية وكثرة الثروات وتنوعها، واتساع رقعة الأراضي، وكثرة اليد العاملة، واتساع أسواق الاستهلاك.

ثانياً: في تعريف التنمية:
1-مفهوم التنمية على الصعيد الوطني شمولية الأهداف:
التمنية عنصر أساسي للاستقرار والتطور الاجتماعي، وهي عملية تطور شامل أو جزئي مستمر، وتتخذ أشكالاً مختلفة تهدف إلى الرقي بالوضع الإنساني إلى الرفاه والإستقرار والتطور بما يتوافق مع احتياجاته وإمكانياته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وتعتبر وسيلة الإنسان وغايته.
وفي هذا البحث، بالإضافة إلى فوائدها الاقتصادية، تهتم التنمية الشاملة بالتنمية الثقافية الوطنية والقومية، والتنمية البشرية، والفكرية والسياسية والاجتماعية. وبكل ما له علاقة بتحويل الفرد من كونه مستهلكاً إلى فرد منتج في شتى الحقول. ولأن التنمية لو توقفت عند حدود الأهداف الاقتصادية فإنها سوف تتوقف عند مهمة نفعية، تستفيد منها قلة من أصحاب الرساميل فقط من دون أن تشمل إحداث التغيير في البنية الاجتماعية، للانتقال بالمجتمع من صفة المستهلك إلى صفة المنتج، ومن مصاف التخلف إلى مصاف التقدم. ولذلك يجب أن تؤخذ التنمية بمعناها الشامل والمستدام.
وأما التنمية الشاملة، فتُعنى بشؤون تنظيم المجتمع، تبتدئ من التنمية البشرية، أي بناء المواطن تربوياً وتعليمياً ومهنياً. وتمر عبر التنمية الاقتصادية زراعياً وصناعياً. وتصل إلى تأسيس البنى التحتية للخدمات وتكييفها لتتناسب دائماً مع حاجات المجتمع الوطني من جهة، وتسهم في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى. ولأن التنمية الشاملة توفِّر عوامل التنمية المستدامة فإنهما يتكاملان ويخدم أحدهما الآخر.
واستطراداً، نجد تكاملاً بين شتى أنواع التنمية. إذ أنه لا يمكن قيام تنمية اقتصاية في حقل الصناعة أو الزراعة أو التجارة من دون وجود خطط شاملة للتنمية، ومن أولوياتها العوامل التالية:
أ-التنمية البشرية وذلك بتخريج الاختصاصيين في الحقول الإنتاجية والعمال الفنيين لإنجاح العمل الصناعي والزراعي، وما يلحق بهما من مهندسين وإداريين وباحثين في شتى حقول الإنتاج، وهذا يتطلب وجود المدارس والمهنيات والجامعات التي من أهم وظائفها أن تردم الهوة بين حاجة المؤسسات الإنتاجية وطاقة المؤسسات التربوية على تخريج العدد الكافي لإدارة المؤسسات التنموية. وهذا ما قامت على أساسه خطط التنمية البشرية في القطر العراقي، قبل الاحتلال. وما قضية العلماء العراقيين التي أصبحت منتشرة، والذين كانوا هدفاً لسهام كل المشاركين في احتلال العراق، اغتيالاً وإغراءات للهجرة من أجل العمل في الجامعات الأجنبية، سوى الشاهد الأكثر وضوحاً، والأكثر إدانة لدور الدول الرأسمالية في عرقلة التنمية في الوطن العربي. وما السياسة التربوية لقوى الاحتلال، بتهديم الجامعات والمهنيات والأبنية المدرسية، ومنع تطوير ما بقي منها، بنى تحتية ومناهج متخلِّفة للتعليم وإلغاء إلزاميته، سوى أوضح النماذج التي مارسها الاحتلال الأجنبي، الأميركي والإيراني، لتعميم الجهل في المجتمع العراقي. وهو يرسم صورة ما تريده المخططات الأجنبية من قضايا التنمية على شتى أشكالها في المجتمع على امتداد الوطن العربي.
بـ-تنمية المرافق العامة وهي عبارة عن توفير شبكات الطرق ووسائل النقل العامة، والمياه للاستهلاك والري وبناء السدود واستصلاح الأراضي، وتعميم الكهرباء في جميع القرى والدساكر النائية، وطرق الوصول إلى المشروعات الزراعية والصناعية، وتسهيل نقل البضائع بين مصانع الإنتاج وأسواق الاستهلاك. وإذا كانت خطط المرافق العامة، بشكلها التقليدي، تقتصر على الخدمات العامة للمواطنين فإنها تكون معدة للاستهلاك الجماهيري فقط. وستكون بعيدة كل البعد عن المناهج التنموية الإنتاجية. وهنا، وإذا راجعنا المصادر التي نُشرت عن أسس التنمية في العراق، فسوف نجد أن البنى التحتية والمرافق العامة في العراق قد تمَّ إنجازها بناء على قواعد التنمية الشاملة.
جـ-المشروعات الكبرى للتنمية الاقتصادية: إذا اعتبرنا أن أي تنمية، مما ذكرنا، تحتاج لتأسيسها إلى إمكانيات مالية، فستكون المشروعات التنموية الصناعية والزراعية من أهم مصادرها، إذا لم تكن الوحيدة التي تدر تلك الإمكانيات. وإذا اعتبرنا أن الرساميل الوطنية تشكل عاملاً أساسياً في تأسيس تلك المشروعات، ولأنها بحاجة إلى ضمانات تطمئنها، وبعد دراسة التجارب الاشتراكية في العالم، نرى أنها أكَّدت على ضرورة إشراك الرأسمالية الوطنية في المشروعات التنموية. ونتيجة لذلك أصبح مبدأ المشاركة بين القطاعين العام والخاص من المبادئ الاقتصادية الرائجة في أنظمة الدول الحديثة. وتلك الشراكة تقوم على مبدأ الاعتراف بالملكية الخاصة، على شرط أن تضبطها معايير المصلحة الوطنية.
د-تحويل المجتمع إلى مجتمع تنموي: إذا كانت للتنمية ثقافتها الاجتماعية بحيث تصبح منهجاً اجتماعياً، يلعب فيه المجتمع دوراً أساسياً، فنحسب أن لكل فرد في المجتمع دور يمكنه أن يلعبه. وهنا، وبالإضافة إلى رفد المشروعات الكبرى بالعمالة المهنية المتخصصة، فإن للفرد دوره في إنشاء المشاريع الفردية، أي المشروعات التي يقوم بتنفيذها أفراد أو عائلات وذلك بإنشاء مشاريع صغيرة لإنتاج السلع، صناعياً وزراعياً، والتي لاتحتاج إلى رساميل كبيرة. وعن ذلك، ستلعب الدولة دوراً في هذا الحقل، إذ يقع على عاتقها تشجيع تلك المبادرات وتوفير تمويلها بفوائد بسيطة. واستكمالاً لها تقوم الدولة بتشجيع إنشاء التعاونيات التي تجمع إنتاج المشاريع التنموية الصغرى، وتعمل على تسويقه وحمايته.
وبالإجمال، كلما كانت التنمية أكثر اقتراباً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً من قضايا الجماهير، كلما حازت على ثقة الشعب، وتصبح عائداتها لا تصب في مصلحة تراكم الأرباح للرساميل الوطنية فحسب، بل أيضاً سيتم توظيفها لمصلحة تنمية المجتمع بالتدريج التصاعدي.

2-التنمية الوطنية ذات أبعاد قومية:
إذا كانت التنمية مسموحة من قبل الدول الرأسمالية الغربية، وعلى ألاَّ تتجاوز الحدود القطرية، مبنية على قواعد سياسية ترسمها تلك الدول. فإنها إذا تجاوزت هذا السقف إلى أبعاد قومية فهي أشد ما يؤذي مصالحها. فالتنمية الجادة على المستوى القطري يعني إيذاء جزئياً لتلك المصالح، وأما التنمية على الصعيد القومي فيعني إيذاء كلياً. واستناداً إلى ذلك يصبح من حق الشعب العربي، وواجب على الحكومات الرسمية، أن تأخذ التنمية أوسع مجالاتها في القطر الواحد، على أن تكون خططها ذات أبعاد وأعماق قومية.


إرسال تعليق