الأربعاء، أغسطس 11، 2010

إخترنا لكا من أرشيفنا الخاص/ العروبــة: بين النتائج الراهنة واحتمالات المستقبل

الفصل الأخير من كتاب
«المقاومة الوطنية العراقية: الإمبراطورية الأميركية بداية النهاية»،
الصادر في شهر حزيران من العام 2004.

بين النتائج الراهنة واحتمالات المستقبل
حيث إن المقاومة العراقية، كما أصبح مؤكَّداً، قلبت كل الموازين الدولية رأساً على عقب، عندما أفشلت المشروع الأميركي الصهيوني في العراق، كان لا بُدَّ من تسجيل بعض النتائج الشديدة الأهمية حول العمل الشعبي المسلَّح كأهم الوسائل التي على الشعوب المُستَضعَفة استخدامها في إعادة صياغة الخلل في موازين القوى العسكرية بين الاحتلال الأجنبي وحركات التحرر الوطني:
1-أصبح من الثابت أن الكفاح الشعبي المسلَّح هو الأداة الرئيسة في طرد الاحتلال الأجنبي. وهو يشكل عامل التوازن الرئيسي بين الضعيف بالتكنولوجيا العسكرية ومالكها.
2-كما أصبح من الثابت أن حالة التراكم في الخسائر بين قوات الاحتلال هي التي ترهقه، وتمنعه من الإمساك بالأرض والشعب، بما يؤدي إلى إفشال أهدافه السياسية.
3-في الدراسة التاريخية لتجارب المقاومة كانت حالة التراكم تمتد لسنوات عديدة قبل أن يشعر الاحتلال بأنه وقع في مأزق. أما من خلال دراستنا لتجربة المقاومة العراقية، فقد توصلنا إلى استنتاج أن حالة التراكم تقوم على قاعدة النسبية، وهي أن نتائج العمل المقاوم لا تقاس بعدد السنين بل بسرعة التراكم النضالي الذي تسجله المقاومة في حركتها ضد قوات الاحتلال.
إن تجربة المقاومة العراقية قد حقَّقت حالة نضالية تراكمية سريعة لم تعرفها كل التجارب الثورية في العالم، ومن أهم نتائجها أنها ستكون محوراً أساسياً لدراسات أكاديمية ستعمل على تغيير الكثير من معالم الاستراتيجيات العسكرية التقليدية السائدة في العالم، سواء منها المتعلقة باستخدام الحروب النظامية كوسائل للسياسة الاستعمارية، أو للأنظمة السياسية التي تخشى نتائج الحروب العسكرية النظامية وتبتعد عن خوضها بحجة أنها لا تستطيع تأمين مستلزماتها.
استندت حجج النظام العربي الرسمي في امتناعه عن خوض حرب تحرير فلسطين إلى عجزها عن إحداث توازن مع الآلة العسكرية الصهيونية. ونصحت النظام السياسي لحزب البعث في العراق بأن لا يقف في مواجهة الآلة العسكرية الأميركية لأنها »كاسحة ماسحة«. بل واستغربت إصرار القيادة العراقية على اختيار المواجهة بدل الاستجابة للإملاءات الأميركية، إلى الحدود التي أخذت فيها بعض الأنظمة والأوساط الإعلامية التابعة لها تسخر من »رومانسية« حزب البعث وأمينه العام، وبشَّرت بأن البعث وأمينه العام يقودان الأمة العربية إلى هزيمة أخرى، تحت شعارات خطابية فارغة من المضمون.
لقد تبيَّن أن الاستراتيجية التي وضعتها قيادة حزب البعث في العراق، ليست إلاَّ الاستفادة من عوامل القوة للشعوب المستضعفَة. لذا راحت تضع استراتيجيتها، مستفيدة من إمكانيات السلطة، موضع الاعداد والتحضير. وهذا ما أكَّدته تقارير تسرَّبت عبر وسائل الإعلام الغربية.
كثيرة هي الأوساط السياسية والثقافية والفكرية والإعلامية العربية هي التي نعت في التاسع من نيسان من العام 2003م- نظاماً عربياً رسمياً آخر وضمته إلى لائحة الأنظمة التي سجَّلت اسمها في تاريخ »الهزائم العربية«. ولكنها استفاقت على ما وصفته بالظاهرة  القتالية »اللا متوقَّعَة«، ومن خلالها راحت تنسج افتراءات وتهم منسجمة بالترويج لها مع الإعلام الأميركي- لكي تجرِّد التجربة الجديدة من أهميتها وفضلها على إعادة صياغة أسس للمواجهة مع الدول الاستعمارية الكبرى.
وكان من أكثر المفاجآت حدة عند تلك الأوساط كما عند الدول الكبرى وحركات التحرر العالمية وحركات التحرر العربية والأنظمة الرسمية العربية- هي حالة التأثير السريع التي أجبرت الاحتلال، بعد أشهر قليلة، على الاعتراف بأن ما يواجهه كان خارج كل حساباته. أما تلك الحالة فلم تولد بسحر ساحر، بل سبقها الإعداد والتحضير السابقين للاحتلال بسنوات، وهذا الإعداد المسبق هو الذي سرَّع في خلق حركة تراكمية نضالية نوعية أعطت ثمارها بقفزة غير مسبوقة في التجارب الثورية العالمية.
تعيش حكومات النظام العربي الرسمي، في هذه المرحلة، حالة من القلق والإرباك من تداعيات خطيرة ستتركها حالة التراكم النضالي السريعة التي حققتها المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي، وأهمية النتائج التي ستتركها على الأحلام الرأسمالية والاستعمارية في المستقبل القريب، وعلى استراتيجيات تلك الدول في المستقبل الأبعد.
من خلال هذه التوقعات، التي تجاوزت الاحتمالات، مستندين إلى الدروس التي أعطتها تجربة نظام حزب البعث في العراق، نستخلص النتائج التالية:
1-إن الأمة العربية، في مواجهة المشروع الاستعماري الأميركي الجديد، كما في مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني، ليست بحاجة إلى إحداث تغيير في موازين القوى التقليدية.
2-إن المشروع الاستعماري الأميركي، بالتكامل مع المشروع الصهيوني، لن يحقق أهدافه إلاَّ بالسيطرة على ثروات الأمة وأسواقها. ولن تتم السيطرة بدون قوة عسكرية تتموضع على الأرض العربية. ولا معنى للوجود العسكري المباشر من دون تأمين الحماية الكافية له. ولن يستطيع الاحتلال حماية قواته بالأقمار الصناعية ولا بالطائرات وحاملاتها، ولا بالصواريخ البالستية، ولا بالقنابل الذكية.
3-إن الأمة العربية، نظاماً نظاماً، ليست بحاجة إلى تكنولوجيا متقدمة تواجه بها التكنولوجيا المتقدمة، بل هي بحاجة إلى مقاومين أشباح يمتلكون أولاً إرادة التضحية في سبيل السيادة الوطنية، وثانياً أن يكونوا مزوَّدين بأبسط إمكانيات التسليح الخفيف، وهذا متوفر بسهولة أكثر مما نحسب وأقل كلفة مما نظن.
4-لن تكون ذرائع أي نظام رسمي عربي أنه لا يمتلك الإمكانيات المادية لبناء جيوش وجحافل، لأن ثمن سلاح المقاومين الأشباح يمكن تأمينه من المصروف اليومي لأية عائلة عربية.
5-لن يحتاج أي نظام عربي رسمي للإعداد لحرب شعبية إلاَّ لمجموعات من المدرَّبين المتمرسين في حرب التحرير الشعبية.
إن استراتيجية جديدة، على قاعدة إيديولوجية جديدة، هو المطلوب التبشير به والضغط من أجل تنفيذه. وهذا ما فعلته قيادة حزب البعث والثورة في العراق.
6-من أجل توفير مناخ ملائم للحصول على تراكم نضالي سريع، كما حصل في التجربة العراقية، لا بُدَّ أمام النظام العربي الرسمي من أن يباشر باختصار المسافات الزمنية قبل أن يداهم الخطر الاستعماري مضاجع الجميع، من أن يبدأ بالتحضير قبل الاحتلال ما سوف يرى نفسه مجبراً على تحضيره بعده.
7-ولأنه من الوهم أن نراهن على أن النظام العربي الرسمي سينتقل من ضفة إلى ضفة بسرعة مناسبة، يبقى الرهان على الوسط الجماهيري في الضغط على حكومات ذلك النظام هو البديل المحتمل. أما البديل المؤكد فهو أن تأخذ حركات التحرر العربية وتياراتها دورها اليوم قبل غد لتغيير خطابها التحرري التقليدي، والانتقال إلى خطاب جديد ومسؤولية جديدة.
ومن جملة النتائج التي توصلنا إليها من بحثنا عن المقاومة العراقية، ولتسجيل عدد منها بما يفيدنا كعرب لا زلنا في حالة صراع مع الاستعمار، نضع أمام قادة الفكر والسياسة والثقافة النتائج والإشكاليات التالية:

أولاً: على صعيد الإشكاليات الداخلية المحيطة بالمقاومة العراقية:
يمكن الإشارة إلى عدة مسائل تسهم بعض الأوساط السياسية والفكرية  في تشويه مضامينها، أو تنظر إليها بعين قاصرة، ومنها:
أ-لأن نظام حزب البعث السياسي في العراق -كما يحاول أولئك أن يصوروه- كان معزولاً عن المجتمع العراقي، تخلى الشعب عن القتال ضد القوات الغازية في بداية الحرب، لأنه كما يحسبون- لا يريد أن يدافع عن نظام لم تكن علاقته مع النظام إلاَّ في حدود التناقض والتوتر.
فهم، بداية، اختزلوا الدفاع عن الكرامة والسيادة الوطنية بمواقف جداً ضيقة، أي في حدود الموقف من هذا النظام أو ذاك. بينما الدفاع عن السيادة الوطنية لها شروطها المنفصلة عن العلاقات الداخلية الخاصة بين تيارات المجتمع الوطني. حول هذا الجانب، نؤكد على أن النظر للسيادة من خلال هذا المنظار تنحدر إلى حدود التشويه والتضليل المبدأي وهو افتئات على كل القيم الإنسانية؛ ففيه تتحول السلطة السياسية إلى بديل عن الوطن، كما يمكن أن تتحول إلى سلعة اقتصادية خاضعة للصراع بين الطبقات، يمكن للطبقات الفقيرة على أساسها- أن تتخلى عن الدفاع عنه إذا كانت الطبقة الرأسمالية هي الحاكمة. وكما يمكن للشرائح المذهبية الدينية أن تستقيل من رسالة الدفاع عنه إذا كان الحاكم من دين آخر أو مذهب آخر.
إن مفهوم السيادة الوطنية ترتقي إلى مفهوم إنساني يعلو كل الفئويات السياسية والطبقية والدينية. ولا مبرر لأي مواطن، كما لا يجوز أن نشرِّع له مبررات التخلي عن رسالة الدفاع عن وطنه عندما يتعرَّض إلى غزو خارجي. أما التناقضات الأخرى فهي خاضعة لقوانين الصراع الداخلي في المجتمع المدني الوطني الواحد.
لقد فرضت الرؤية القاصرة، للتيارات السياسية المتناقضة، والتيارات المذهبية السياسية، مفاهيم مُستغرَبة بفصلها مفهوم الدفاع عن السيادة الوطنية عن الرغبات الفئوية الضيقة.
لقد استند أولئك، في ما له علاقة بين المجتمع العراقي ونظامه الحاكم، إلى مقدمات مغلوطة، من خلال النظر إليها على أنها كانت علاقة القاهر بالمقهور، كان فيه المقهور ينتظر الفرصة للتخلص من قاهره.  وتظهر غرابة تلك المقدمات عندما نعرف أن النظام السياسي  كان يعمل قبل العدوان على العرق- على تدريب الملايين من العراقيين وتسليحهم وتأهيلهم للمقاومة. فلو كانت بين النظام والمجتمع العراقي تلك الفجوة التي يتوهم الآخرون وجودها، فماذا يعني أن يسلِّم نظام قاهر ملايين قطع السلاح إلى جماهير الشعب المقهورة؟
ب-ظلَّت شريحة واسعة من المثقفين والسياسيين، أسرى آليات نقدية تجاوزتها تجارب الأمة بشوط كبير. فعلى الرغم من المتغيرات والمعطيات على أرض الواقع ظلَّت النخب المثقفة أسيرة مرحلة نقدية تحاسب الوقائع على أساسها، وهي أصبحت بحاجة شديدة لتغيير آلياتها النقدية لتواكب المراحل الجديدة من نضالات الأمة، وهي الخروج من نقد ما يجري على الساحة النضالية القومية على مقاييس الحروب النظامية إلى استخدام مقاييس أخرى تحسب للإمكانيات والمخزونات الشعبية فعلها وتأثيراتها في خوض حرب طويلة الأمد ضد أعداء الأمة.
هذا الجانب كان مأخوذاً بأهميته القصوى عندما قرَّرت قيادة حزب البعث في العراق خوض المواجهة ضد أعتى قوة عسكرية في العالم؛ والسبب أن لحزب البعث إرث فكري وسياسي ونفسي معلن حول آليات وثقافة الكفاح الشعبي وأعلاه درجةً المقاومة المسلَّحة.
وعى البعثيون تلك الحقيقة فتوقعوا نتائج مرحلة الحرب النظامية على أساسها، واعتبروها مرحلة أولى وغير أساسية في الصراع، وأعدوا البديل عنها منذ سنوات عديدة سبقت الحرب النظامية العدوانية، ولهذا لم يكترثوا بأكثر من الشعور بالألم من احتلال العراق، ولكن الألم لم يصل إلى حدود الصدمة والمفاجأة، بل انتقلوا إلى استراتيجية أخرى، طلَّقوا فيها العمل العلني بالعودة إلى العمل السري، وتابعوا نضالاتهم على قاعدة حرب العصابات ، منذ العاشر من نيسان، بعد انتهاء المرحلة النظامية في التاسع منه.
وإذا بقيت أوساط مثقفة وسياسية ثابتة على آليات نقدها السايق، فهذا يعني خسارة طاقات فكرية وسياسية ونضالية كان يمكن أن تفيد مرحلة النضال الوطني والقومي الراهن في مواجهة الاستعمار لو أنها شاركت في تثقيف الجماهير الشعبية بأهمية المقاومة المسلَّحة وفعاليتها. إن استقالة أولئك من دورهم ستجعل حركة النضال بطيئة ولكنها لن تلغيها أو تلغي ما يجري من حقائق على الأرض يعترف بها العدو قبل الصديق.
ج-تسود بعض الأوساط السياسية والمثقفة من العراقيين، وأكثر منهم من العرب، رؤية خاصة بالنسبة للمقاومة العراقية. تقوم أسسها على حالة انفصام بين الظواهر وصانعيها.
في هذا المجال، وبسبب خلفيات إيديولوجية حزبية، أو بسبب مواقف سياسية سابقة، تظهر بعض المواقف انفصاماً بين تأييد المقاومة العراقية كأهم ظاهرة في تاريخ العرب الحديث والمعاصر- وتوجيه نقد لاذع يصل إلى حدود التجريح الشخصي للرئيس صدام حسين ولحزب البعث معاً، يتم ذلك على الرغم من أن كل البراهين والوقائع تثبت بما لا يدع مجالاً للشك- بأن حزب البعث بقيادة صدام حسين قد أعدَّ متطلبات المقاومة الشعبية وموجباتها منذ زمن طويل. وفي تلك المواقف، التي لا بُدَّ من أنها تحمل الكثير من الجور والظلم والتحامل، تسود أحكام »الشخصنة« و»لفردنة«، بحيث يُحلُّون الفرد بديلاً للوطن. فيحرِّضوا ضد الوطن، أو ضد القضايا السامية المرتبطة به، من خلال تحريضهم ضد أشخاص أو أفراد.
إن ظاهرة ما تشكل مثار اعتزاز وتأييد لا بُدَّ من أن يكون صانعها، أو المساهم فيها، يستأهل الاعتزاز والتأييد أيضاً. وإذا حصل العكس فلن تكون تلك الأحكام إلاَّ محط استهجان واستغراب، وتدعو إلى الشك في الحالة النفسية والمعرفية لمطلقيها، ولا بُدَّ من أن تكون مجالاً للتشكيك في السوية النفسية والمعرفية لهم، فهم يمارسون تحت مظلة الادِّعاء بحب الديموقراطية- منتهى الديكتاتورية الفكرية. وهنا نسجِّل أن الديكتاتورية ليست قمعاً بوليسياً ومخابراتياً فحسب، بل هي قمع فكري وسياسي أيضاً.  وهي فصل منطقي تعسفي بين القضايا الكبرى وصانعيها. وهذه المسألة لا تنعكس سلباً على واقع تقييم التجربة العراقية فحسب، بل تؤسس لقواعد معرفية عربية خاطئة تسهم في تضليل الثقافة الشعبية العربية أيضاً.
فإذا كانت الأسس المعرفية العامة عند الكثير من النخب السياسية والمثقفة العربية تسير في المسالك الخاطئة، فإن ذلك بلا شك- سينعكس على الأحكام حينما يبدأ دور تحديد أسس للديموقراطية بين شتى الفصائل المشاركة في المقاومة العراقية.
ليست موازين القوى بين الفصائل المشاركة متساوية، وإن لم تكن كذلك فهي متكاملة، ومن أهم خصائص تكاملها هو أنها تمثل الوحدة الوطنية. لكن لا بُدَّ لأي عمل، كمثل المقاومة العراقية، من أن يكون لها قائد، وعلى القاعدة الديموقراطية يكون »الأجر على قدر المشقَّة«. فلا يعني، في مثل هذه الحالة، أن تغمط الديموقراطية حق الذي يقدِّم أكثر من غيره، بل الأجدر أن تعترف له بهذا الحق([1]).
فإذا كان حزب البعث يحسب أنه قائد للمقاومة فإنه لا يفتعل ذلك. لكن الحزب، وفي الوقت الذي يعلن فيه تلك الحقيقة، فإنما جاء إعلانه مترافقاً مع نصح لبعض الفصائل التي تقاتل بأن لا ينجرّوا إلى افتعال معارك فئوية يعرف الحزب تأثيراتها السلبية على مسار المقاومة المسلَّحة. ولهذا دعا تلك الفصائل إلى الابتعاد عن كل ما يلحق الأذى بالعمل المقاوم، وعن كل ما يلهيه عن أهدافه الأساسية. كما دعاهم  إلى العمل بجدية في سبيل ترسيخ عمل جبهوي وطني يكون فاعلاً للتسريع في طرد الاحتلال([2]).
تنسب قيادة »المقاومة والتحرير« العراقية لنفسها القيام ب 95% من الأعمال العسكرية([3])، إلاَّ أن التعليمات السياسية كما يقول أحد قادتها- تقضي بمساعدة كل شخص أو مجموعة أو فئة، إلى أية جهة سياسية تنتمي، وتزويده بالإمكانيات المتوفرة، والتنسيق بشكل كامل وفاعل- معها([4]).  فقيادة المقاومة العراقية السياسية الوحيدة المعروفة هي قيادة البعث، لكن الجماعات المقاومة الأخرى ما يزال بعضها محدود الانتشار، وقد دخلت إلى ساحة المقاومة على أساس دوافعها الوطنية أو الدينية، وكانت محدودة التجربة والإمكانيات. وقد تلقى المقاومون البعثيون تعليمات واضحة من قيادة حزب البعث أن يسعوا إلى التنسيق ميدانياً مع كل الجماعات التي تقاتل، وأن يوفروا لها السلاح والحماية والمعلومات وكل وسائل الدعم التي تحتاجها، وكان من نتائج هذا التنسيق القيام بعمليات مشتركة في أكثر من مكان.
ولا بد من القول إن تشكيل جبهة وطنية تضم كل المناوئين للاحتلال والمنتمين للمقاومة، هي مطلب بعثي ومصلحة وطنية في الوقت نفسه، وإن الاتصالات في الجانب السياسي لا تزال مستمرة لتحقيق هذا المطلب الذي من شأنه أن يقوي من عزيمة المقاومة وأدائها ([5]).
وعلى أية حال لم تخرج تجارب حركات المقاومة على الصعيد العربي والعالمي عن واقع الحال الذي تعيشه المقاومة العراقية، فهناك فصائل واتجاهات، بعضها أقرَّ اشتراكه بالعمل المسلَّح وبعضها الآخر يساند المقاومة المسلَّحة وأية أشكال أخرى، وأجمعوا على أن مقاومة المحتل لها الأولوية على كل التناقضات السياسية والفكرية التي تحكم علاقاتها السابقة، ولهذا لا يجوز تبرير مواقف المنكفئين عنها أو المعارضين لها أو المحاربين لها أو المتعاونين مع الاحتلال تحت حجة أنها ترتبط بشكل أو بآخر- مع رأس النظام السابق أو الحزب الحاكم([6]).
د-تقاعدت بعض الأوساط السياسية أو الحزبية العربية عن القيام بواجب دعم المقاومة العراقية من جراء التباسات وقعت فيها عندما ساوت بين المهمات النضالية الداخلية للمعارضة مع المهمات ذات العلاقة بالتحرر الوطني(])، وتصاعد موقفها السلبي من المقاومة العراقية بعد أن تأكَّد لديها أن للمقاومة هوية وارتباط وثيق مع حزب البعث بقيادة صدام حسين، فتناست أهمية المقاومة وقدسيتها أمام مواقفها الإيديولوجية السابقة منهما.  إن تلك المساواة في الأولويات النضالية هو »نتاج خطأ فهم وتحديد العلاقة بين قضية الحريات والديمقراطية« والعدوان الخارجي، بما فيه احتلال الأرض الوطنية. ويتبيَّن خطأ مواقف تلك التيارات في الربط بين المسألتين إذا عرفنا أن »الحرية والديمقراطية (ليستا) هدفاً مستقلاً فحسب بل هما أيضاً ـ  وأساساً في هذه المرحلة ـ وظيفة للنضال التحرري الوطني ضد الاستعمار والصهيونية«. ولا معنى لهما في ظل خضوع الجميع لإرادة الاحتلال، فمن يكن صادقاً بشعاراته في الحرية والديموقراطية عليه أن يحرر الأرض أولاً ، ويعيد السيادة على الأرض والقرار للإرادة الوطنية.  لذلك فيما لو كان الاحتلال الأمريكي للعراق قد نجح في إخماد المقاومة العراقية تماماً، سيجعل مطلب جلاء  »إحدى المهمات الأساسية المباشرة« لكل قوة وطنية عراقية أو عربية حقيقية ، لأنها مقاومة للاستراتيجية الأمريكية والصهيونية ([7]).
وعلى هذا الأساس، وعلى الرغم من تباين أيديولوجيات فصائل المقاومة، تعمل جميعها من أجل هدف واحد، وهو إيقاع أقسى الضربات والخسائر البشرية والمادية بقوات الاحتلال والمتعاونين معها([8]). وهذا ما يُفرغ الدعوات التي تربط بين مقاومة الاحتلال الأميركي والنضال من أجل الديموقراطية من البراهين العملية، ويبقيها مجرد شعارات خالية من المضمون.
ج-إذا كانت وحدة الهدف الاستراتيجي: إخراج الاحتلال أولاً، متَّفقاً حول أسسه. فإنه يُخشى من الاختلاف حول مستقبل النظام السياسي بعد التحرير.
فإذا كان من واجبنا القومي أن نسهم في العمل من أجل تمتين حبال الود الجبهوية بين شتى الفصائل التي تقاوم الاحتلال، وعلى الرغم من أن معظمها لا يرى أي مبرر لإبراز أية عوامل قد تزرع الخلاف بين المقاومين، لن يكون ما نعمل على توضيحه إلاَّ الدعوة إلى السبيل الديموقراطي السليم الذي يقضي بالاعتراف لمن يعطي أكثر بحقه في الحصول على قدر عمله، ونضاله وتضحياته. وحول ذلك الأمر أشار البرنامج السياسي لـ»المجلس الوطني للمقاومة العراقية« إلى أن »من يتصدى لمهمة مقاومة المحتل، وطرده، وتحرير العراق، هو الأجدر على قيادة العراق وإعادة بنائه وليس في العراق مكان للخونة واللصوص والمرتزقة«([9]).

ثانياً: على صعيد استشراف نتائج الصراع بين المقاومة العراقية والاحتلال الأميركي:
لمن فاتته رؤية ما يجري على أرض العراق بعين فاحصة موضوعية، ندعوه إلى أن ينظر إلى نتائج وانعكاسات وتداعيات ما تتركه المقاومة العراقية على الداخل الأميركي وعلى علاقات الإدارة الأميركية الحالية مع الدول الأخرى والمجتمع الدولي، تلك التي لم تكن لتحصل لولا نضالات المقاومين العراقيين وتضحياتهم، وهي ليست إلاَّ تلك التي قام بالتخطيط لها حزب البعث العربي الاشتراكي. ولا يمكننا إلاَّ أن ننظر بعين الاحترام والتقدير إلى كل الفصائل المقاومة الأخرى، مقاتلةً ومعترضةً ومسانِدة.
لم تكن المقاومة الوطنية العراقية، كما تأكَّد لدينا، ردَّة فعل مرحلية أو مؤقتة، بل كانت بناء لاستراتيجية فكرية  وسياسية، تقوم دعائمها على أسس وطنية وقومية عربية وعالمية إنسانية. وإن مقاومة لها تلك الدعائم لا يمكن أن تكون بناء لردة فعل من هنا أو هناك، أو تكون استراتيجية تمت صياغتها بين ليلة أو ضحاها.
إن النظر إلى أساسيات استهداف العراق، وتحديد أهمية موقعه، ينبعان من أن المشروع الأميركي يستند في أولوياته في احتلال العراق، إلى استهداف الفكر الاستراتيجي الذي يهتدي به حزب البعث، والقائم على نظرة مبدأية للسيادة الوطنية أولاً، ويزيدها خطورة أهدافه في الوحدة القومية العربية ثانياً، ومكافحة تحالف الاستعمار والصهيونية ثالثاً.
إن مقاومة مسلَّحة تهتدي بمنارات ثلاث: وطنية وقومية وعالمية لا يمكن إلاَّ أن تكون نتائجها ذات أبعاد وطنية وقومية وعالمية. أما حول الشق العالمي، فهنا ما يمكننا أن نتوقَّف عنده، للخروج باستنتاجات عملية وواقعية وموضوعية.
لا تنحصر أهداف المشروع الأميركي الذي ينفِّذه الأميركيون المتطرفون تحت فلسفة »القرن الأميركي الجديد«، في السيطرة على العراق لوحده، بل هو مدخل رئيسي للسيطرة على الإقليم الشرق أوسطي أولاً، كبوابة جيواستراتيجية لدول شرق آسيا ثانياً، شاملة أجزاء الاتحاد السوفياتي سابقاً. ومن معرفة تلك الأهداف يتحدد موقع أصدقاء أميركا من ذلك المشروع ثالثاً.
إن العلاقات التي تربط أعضاء نادي الدول الرأسمالية، هي علاقات التكافؤ في نهب خيرات الشعوب، والسيطرة المتكافئة على منظمة الأمم المتحدة. أما أن يخرق أحدها هذا العرف فهو ما يعجِّل بتوتر العلاقات بينها. ولقد أخذ المشروع الأميركي للمتطرفين الجدد يزرع بذور التناقض بين أصدقاء الأمس. ولأن المقاومة العراقية تشكل الحائل دون إتمام الحلم الأميركي، احتلَّت أهم موقع بين العوامل التي تستهدف إفشال مشروع الهيمنة الأميركية ، وبهذا أصبحت  لاعباً دولياً أساسياً، لن تتخلَّى عنه منظومة الدول المتضررة من المشروع الأميركي. وفي الوقت ذاته، لما كانت قوى حركة التحرر العالمية تعمل من أجل منع »أمركة العالم« تحوَّلت المقاومة العراقية إلى أقوى أذرع تلك الحركة. ومن هذا المنطلق سنضع استنتاجاتنا ورؤيتنا لعالم جديد سوف تسهم المقاومة العراقية في صياغته، وفي توفير أجيال وأجيال من النضال العالمي من أجل بلوغ تلك الغاية، واستناداً إلى ذلك نرى تأثير المقاومة العراقية في انتعاش حركتين، وهما: أولاً، إضفاء مزيد من الحيوية على حركة تحالف الدول المتضررة من مشروع القطب الأميركي الواحد. وثانياً، إضفاء المزيد من الحيوية على شارع حركات التحرر العالمية.
وعليه نرى أن هناك حركة علاقة جدلية تربط بين ضغوط المقاومة العراقية العسكرية المباشرة على قوات الاحتلال الأميركي من جهة، والضغوط السياسية التي تقوم بممارستها دول العالم الممانع للهيمنة الأميركية وحركات التحرر العالمية من جهة أخرى. وبمثل هذا الربط يصبح فكر حزب البعث العربي الاشتراكي أحد أهم ركائز صياغة تاريخ جديد لعالم جديد خالٍ من الأحلام الإمبراطورية القائمة على القوة العسكرية، خاصة وأنه ارتبط بحركة نضالية عسكرية شعبية تقف في مواجهة المشروع الأميركي في العراق لتشع بتأثيراتها على العالم بأسره.
إن استفادة القوى الرأسمالية العالمية من جهد المقاومة العراقية، لا تعني على الإطلاق أن نقاط التلاقي بينهما تصل إلى حدود الأهداف الاستراتيجية، لأن ذلك يتعارض مع الأهداف الاستراتيجية للمقاومة التي لا تقل عن هدف التحرر من الهيمنة الرأسمالية الاستعمارية على العالم مهما كانت هوياتها. كما أن استفادة تلك الدول من جهد المقاومة لا يرتفع فوق سقف الأهداف المرحلية الرأسمالية في منع الاستفراد الأميركي بالقرار العالمي.
أما أهداف المقاومة فتلتقي، حتماً، مع أهداف حركة التحرر العالمية، بسقفها الأعلى المناهض والرافض والمقاوم لكل أشكال الاستغلال الرأسمالي لثروات الشعوب.
فإذا كانت الأهداف المرحلية تجمع حول مقاومة أهداف مشروع الأميركيين الجدد، فلا ضير من أن تستفيد المقاومة العراقية من شتى الجهود الرامية إلى إلحاق الهزيمة بالمشروع الأميركي الأم.

تداعيات دور المقاومة العراقية على الصراع الداخلي الأميركي:
لقد أعادت المقاومة العراقية الحيوية إلى الجدل الدائر في داخل أميركا على صعيدين: الصراع بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي، والصراع بين إيديولوجيتين، أميركا الإمبراطورية أو أميركا الأمة.
يقوم الصراع بين الحزبين على أغراض انتخابية، وتستند آليات تحليلنا التقليدية إلى عدم التمييز بين انتقال السلطة إلى أحدهما بفروق نوعية، فمن ينجح منهما في الانتخابات الرئاسية كما هو متعارف عليه- سيتابع تطبيق استراتيجية المؤسسة الأم. إلاَّ أننا نرى أن هناك من الفروق التي من غير الجائز أن نهملها- والتي يمكننا النظر إليها بعناية دقيقة، ومنها أن هناك رؤية أميركية ثالثة تتكون، ولا تزال في طور الولادة، ولا يقتصر تشكيلها على أعضاء حزب دون آخر، بل تجمع أنصاراً من داخلهما معاً،بالإضافة إلى حركة الفكر الأميركي المناهض للأهداف الإمبراطورية الأميركية في تسجيل انتصارات لمصلحة المذهب الرأسمالي.
إن ملخص أيديولوجية، ما نسميه بالاتجاه الثالث في أميركا، يرى أن إدارة جورج بوش تمثل تيار المغامرة والغرور في غزو العالم من دون تغطية أخلاقية أو شرعية دولية.  كما أنها تغلِّف نفسها بغطاء ديني إيديولوجي مسيحي متطرف. ويرى الاتجاه الثالث أنه لما تشاركت، في مشروع »القرن الأميركي الجديد«، عوامل الأممية الاقتصادية المتطرفة مع عوامل الأممية الدينية المتطرفة اندفع إلى بناء إمبراطورية أميركية جديدة، ذات رسالة إلهية، تقف في الاتجاه المعاكس لمصلحة الأمة الأميركية. وهي بهذا تؤجج عوامل العداء المسبق والسافر من الرأسماليين في العالم من جهة، وعوامل العداء من كل ثقافات العالم العلمانية والدينية معاً من جهة أخرى.
إن الفروقات بين الحزبين، الجمهوري والديموقراطي، تبرز ليس حول بقاء الولايات المتحدة القوة الأعظم في العالم، وإنما هو أسلوب واتجاهات إيديولوجيتها. فإذا كان أصحاب القرن الأميركي الجديد يريدون ابتلاع دور أصدقاء أميركا، ويتجاوزون كل شرعيات الصداقة والشرعية الدولية والأخلاقية بغزو العالم عسكرياً وحكمه بشكل مباشر. يستند أصحاب التيار التقليدي إلى وجوب التقيد بمصالح الأصدقاء وبغزو العالم من دون تصدير نفسها بالحروب وارتكاب مجازر أخلاقية تنفِّر الجميع وتدفعها للانقلاب عليها.
لا بُدَّ من الإشارة، هنا، إلى أن مطالبة الأميركيين من أصحاب الاتجاه الثالث- بنهاية الحلم الأميركي ليس إنهاءً للجمهورية الأميركية كما يشير إلى ذلك يوهان غالتونج- وإنما إنهاء الجنوح الإمبراطوري الأميركي هو المقصود، فالإيديولوجيا الإمبراطورية »الآن في طور الشيخوخة وتنوء بمهام الحفاظ على الهيمنة مما تعجز عن المزيد من التوسع«، أي عندما يصبح »التخلص من عبء إقامة وإدامة الإمبراطورية أكثر من المكاسب المتحصلة«. 
أما الذي يعمل على إسقاط الجنوح الإمبراطوري، يجيب غالتونج نفسه، فهم: »المستغَلُّون (بفتح الغين) والمحرومون والمقهورون والمطرودون ، والمتضامنون معهم، وأولئك الذين يقفون بوجه الإمبراطورية الأمريكية من أجل أن يقيموا إمبراطوريتهم«([10]).
لقد أثارت الأطماع الإمبراطورية الأميركية، مخاوف أصدقاء أميركا قبل أعدائها، ومخاوف شرائح واسعة من الأميركيين قبل غيرهم. فلم يعد المتطرفون الأميركيون الجدد يخفون أن تكون وسائلهم ميكيافيلية، لأن الوسيلة عندهم، وهي القتل، سوف تغفرها لهم انتصاراتهم العسكرية السريعة، وفرض سيطرتهم على اقتصاد العالم وثقافته. وتناسى هؤلاء أن وسيلتهم الوحيدة للسيطرة على العالم تستند بشكل وحيد إلى الجندي الأميركي، ولأن الجندي الأميركي بعد أن خاض أمرَّ تجربتين في فييتنام، والآن في العراق- كان يشعر بأن السيطرة على العالم لا تعني له أكثر من أن يملأ معدته ويشتري الكماليات التي يحلم بها مما تجود به عائدات الغزو الأميركي للعالم، ولكن عندما يصبح ملء معدته ثمناً لحياته، أو كما يعبِّر عنه الأميركيون أن يصبح مهر النفط دماً أميركياً يأخذ مسار التضحية في الحرب اتجاهات أخرى، فالنفط ليس أغلى من الدم.
لم تردع نتائج حرب فييتنام، الطبقة الرأسمالية الأكثر تطرفاً في أميركا، عن إنتاج مغامرات عسكرية أخرى، وإنما ازدادت تطرفاً بعد نتائج تلك الحرب الفاشلة خوفاً من أن تستضعفها أفكار اليساريين في أميركا وخارجها، ولذلك لجأت إلى صياغة إيديولوجيا »حرب الأفكار« بما فيها تبشيرها بانتصار الفكر الرٍأسمالي وإعلانها عن مرحلة »نهاية التاريخ« استناداً إلى ذلك الانتصار لكي توحي بأنه لا فكر أو إيديولوجيا أخرى يمكن أن تحكم العالم، أقفلت بوابات التغيير وجمَّدتها عند حدود أفكارها.
ومن أجل إعلان انتصار الأميركيين المتطرفين الجدد في حرب الأفكار، كانوا قد خططوا لاحتلال العراق، واحتوائه، من أجل إعلان »نهاية التاريخ«. وكان من الممكن للجندي الأميركي، الذي بدونه تصبح الآلة العسكرية الأميركية عمياء بكماء من دون فعالية، أن يستمر في أداء دوره الوظيفي في حماية تلك الإيديولوجيا راضياً بما تدره الغزوات الأميركية العسكرية من غنائم يستفيد من خيراتها، لولا أن بدأت المقاومة العراقية في وضع تلك العوائق في طريقه، وأخذت تدمي أصابع ذلك الجندي وتحرقها، وتحوِّل دمه وحياته إلى مهر عليه أن يدفعه من أجل إبقاء مشاريع الطبقة الرأسمالية الأميركية على قيد الحياة، تلك الطبقة التي تجاوزت عتبات الرأسمالية وانتقلت إلى مرحلة ما بعد الرأسمالية في تكديس الثروات الخيالية.
إننا نرى في الأفق الأميركي ملامح صراع طبقي، ليس على قاعدة تناقض العمال وأرباب العمل، وإنما على قاعدة تناقض مصالح أسياد الاقتصاد القائمة على الحرب في أميركا والجندي الأميركي أداة فتح الأسواق الجديدة والتوسع فيها على صعيد العالم كله.
تستند فلسفة المحافظين الأميركيين الجدد أساساً- إلى قواعد لا أخلاقية، ولا يخجل أقطابهم من الإعلان عنها، وهذا ما يشرحه أحد مخططي البنتاغون، قائلاً: »إن دور القوات المسلحة للولايات المتحدة هو المحافظة على استقرار العالم من أجل اقتصادنا والانفتاح على غزونا الثقافي. ومن أجل هذين الهدفين سنقوم بمقدار لا بأس به من القتل«([11]).
إن هذا إلاَّ تعبير عن فجوة ثقافية أخذت تذرُّ بقرنها في وسط المجتمع الأميركي، وبرزت في تيارات فكرية أخذت تميِّز نفسها في أطروحات تدور حول صراع بين نهجين داخل طبقة واحدة:
-يمثِّل النهج الأول الطبقة الجديدة الحاكمة في أميركا، وتُسمَّى بـ«white class»، »التي لا تُعرَف فقط بمداخيلها، ولكن أيضاً بعاداتها الثقافية والذهنية وتأييدها لما يُسمى العمل التأكيدي (Affirmative action)، الذي يعني التمييز الإيجابي لصالح الأقليات في مجال الأجناس«([12]). ويحدو هذه الطبقة حلم بناء إمبرطورية أميركية في العالم.  والإمبراطورية بمفهوم هذه الطبقة- ما هي إلاَّ تعبير عن العلاقة مع العالم »الذي يجب أن يكون تحت السيطرة، وأن يتحوَّل إلى فضاء داخلي بالنسبة إلى سلطة الدولة«، لكن بناء إمبراطورية مماثلة لا بُدَّ من أن يرتكز إلى خاصيَّتين: الضغط العسكري الذي يهدف للحصول على (الجزية)، والتعامل مع الشعوب المغلوبة »مثل معاملته للمواطنين العاديين، ويعامل المواطنين العاديين مثل معاملته للشعوب المغلوبة ]أي[ ليس الحرية للجميع بل الاضطهاد للجميع«([13]).
-أما النهج المقابل فينحو باتجاه بناء أمة أميركية ديموقراطية ومكتفية ذاتياً([14]).
من الواقعي أن نقف أمام موازين القوى بين النهجين، ومن الواقعي أن نؤكد بأن الموازين تميل إلى جانب أصحاب الحلم الإمبراطوري، ففي يدهم سلطة المال، وبها يقدرون على إخضاع الرأي العام الأميركي لمشيئتهم. وليس هذا فحسب، بل إن صراع الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة الأميركية: الديموقراطي والجمهوري، ليس على سيادة إيديولوجيا رأس المال، وإنما على وسائل تحقيقها وطرق تطبيقها.  وإنه حتى الخلاف حول تلك الوسائل هو بحد ذاته بذرة لا يمكن الاستهانة بها. أما السبب فيكمن في أن النقطة الخلافية تلك لها امتدادات على مساحتين: مساحة الرأي العام الأميركي، بما يعني الشريحة الواسعة من العمال والفقراء، ومساحة المصالح الدولية حتى التي تنتسب إلى نادي الدول الرأسمالية.
أما حول المساحة الأولى، فمنها يتم إنتاج صغار الجنود الذين بدونهم لا يمكن لأحدث وسائل التكنولوجيا أن تسيطر على العالم. يمكنها أن تدمِّره ولكنها لا يمكن أن تحتله بدون جندي يقف وراء متراسه، أو يقود آليته هذا الجندي يمكن أن يبيع حريته لشبق الطبقة المالية المسيطرة، ويمكن أن يخوض الحروب بالنيابة عنها، لكن على شرط أن تكون (الجزية) من وراء تلك الحروب كافية لكي تؤمن له لقمة الخبز. أما أن يبذل دمه، وحياته في أحيان كثيرة، فسوف تغيَّر معادلة الموازنة الدقيقة بين الجهد المبذول مقابل لقمة العيش.
استناداً إليه نرى أن الصراع الداخلي الأميركي بين مفهوم بناء الإمبراطورية أو بناء الأمة الأميركية القوية؛ والصراع بين أقطاب الرأسمالية بسبب السيطرة القومية الأحادية القطبية، سيكون، في المستقبل المنظور وليس البعيد، مسماراً يُدقُّ في نعش الحلم الإمبراطوري الأميركي.
فعندما يبدأ الحالمون الأميركيون الجدد بدفع أثمان من دم وأرواح جنودهم، ومن أموال المكلَّف الأميركي. ومن الواقعي استناداً إلى تجربتهم في العراق- أنهم سيقفون عاجزين عن تأمين الإمكانيات البشرية والمالية الكافية لتمويل تصدير حلمهم، سيبدأ المأزق الفعلي، وهو قد بدأ بدون شك. حينئذٍ سيكون للعامليْن: الداخلي الأميركي، والمساندة الدولية، أكبر التأثير على بداية التراجع في خطى أصحاب »القرن الأميركي الجديد«.
أما حول المساحة الدولية، فقد يخشى أصحاب الأطماع الإمبراطورية الأخرى من غير الأميركيين من أن يدفعوا أثماناً باهظة من أرواح مواطنيهم إذا ما عملوا على إسقاط الحلم الأميركي، والسبب هو أنهم بنوا حضارات متقدمة أمَّنت لهم ولمواطنيهم العيش الرغيد، فلماذا يغامرون خاصة في عصر التكنولوجيا النووية- للصدام مع الحلم الأميركي، إذا وجدوا من الشعوب المتضررة أو التي هي عرضة للاحتلال الأميركي قناعة في دفع الدم والروح في مقاومة الحلم الأميركي. وهم قد وجدوا في المقاومة العراقية ما يعفيهم من المغامرة في التصدي للمشروع الأميركي، وهم يدعون الآن- لها بالنجاح في تقليم أظافر النمر الأميركي وإضعاف مناعته في الانتصار، فيلتقون معها بالضغوط السياسية في لعبة ديبلوماسية تعفيهم من إراقة دم الجنود الأميركيين بشكل مباشر.
فمن بوابة المقاومة العراقية يراهن المجتمع الدولي على إضعاف الحلم الإمبراطوري الأميركي. فالدول الرأسمالية، مهما بلغت أمانتها لإيديولوجيتها الرأسمالية، ومهما بلغت درجة التضامن بين أعضاء النادي الرأسمالي، فهي تحمل تناقضاتها الذاتية. فهي لن ترضى أن تكون خاضعة لقوة تتجانس معها إيديولوجياً، مهما بلغت مقدراتها العسكرية، وتكون خادمة لها.
عند تلك البداية، فإن من سيموت على أيديهم الحلم الإمبراطوري الأميركي، أن يعملوا جاهدين من أجل أن يدفع الجندي الأميركي، كأداة وحيدة للاحتلال، حياته أو إعاقته جسدياً ونفسياً، مما يدفع غيره من الجنود الآخرين إلى الخشية من أن يدفعوا، لامتلاء جيوب الأباطرة الأميركيين، دماً وروحاً، أو إعاقة جسدية أو نفسية. ومن تلك الوسائل، التي يراهن عليها كل الكاشفين لخطورة المشروع الأميركي، كانت المقاومة الوطنية العراقية من أهمها وأكثرها قوة، ومن أهمها ممن يمكن الرهان عليه.
لكن، وإذا كانت البداية الكبرى للمقاومة في العراق قد ثبَّتت أقدامها، فليس من الطبيعي أن تُترك المهمة لها وحدها بل لا بُدَّ من أن تشاركها المهمة كل حركات التحرر القومية والعالمية، ففي تلك المشاركة ما يُسرِّع في خلاص العالم من أقذر مشروع يقوده الأميركيون المتطرفون الجدد. وفي اللحظة التي ينتصر فيها العالم على ذلك المشروع تنتقل التناقضات إلى داخل كل مجتمع قومي بعيداً عن عوامل »إرهاب الأميركيين المتطرفين«، وبها تسلك نضالات حركات التغيير طريقها الطبيعي في داخل مجتمعاتها الوطنية المدنية.
إلاَّ أنه من البديهي القول: بوركت اليد التي جعلت الحلم الأميركي المتطرف يدفع الثمن، لأنها هي التي أثارت الألم من آثار الموت والحاجة عند الجندي الأميركي ومعه كل من يتألم: آباؤهم وأمهاتهم، زوجاتهم وأولادهم، أقاربهم وجيرانهم، وكل من هو موضوع للحلول محل من يُقتلون أو يُجرحون أو يدخلون مستشفيات الأمراض العقلية.
وبوركت اليد التي استنهضت همم الدول المتضررة من شبق الحلم الإمبراطوري الأميركي، لأنها وجدت من يكسِّر قرون الثور الأميركي الهائج، وإن كانت تصفِّق لتلك اليد بالسر، إلاَّ أنها يجب أن تكون مَدينة له مهما طال الزمن أو قصُر.
كما بوركت اليد التي ستصنع للعراق موقعاً مشرِّفاً آخر في تاريخ العراق، وستعيد للأمة العربية مجدها، وتدفعها إلى تجاوز مراحل التخلف في مسيرتها لتحتل كرسيها في تاريخ الإنسانية الحضاري. وستكون تلك اليد هي التي خلَّصت العالم من تحالف الشر لليمينيين الأميركيين الجدد ومعهم أوهام التلموديين الصهاينة.
وأخيراً، بوركت يد البعث التي صنعت تجربة عراقية وعربية وعالمية. فمن معتقلات الاحتلال تظهر بسمات كل العراقيين، مقاومين، وقادة الدولة والحزب، كلما نالت يد مقاوم عراقي جندياً محتلاً، أو دولاباً من عربة يحتمي بها المحتل.
***



([1]) 05‏/11‏/2003 القدس العربي: نوري المرادي: »أما من يقود هذه المقاومة فهو حتماً شخص ليس كباقي البشر. شخص سنكون مدانين بالجميل له قروناً وقروناً.«.
([2]) جاء بيان قيادة قطر العراق، بتاريخ 4/ 11/ 2003م، أن »البعثيين يعرفون أن مهمتهم هي مقاومة الاحتلال, لا الدخول في مهاترات تعيق الفعل الوطني العظيم«، ولكن الأمر اقتضى الرد على بعض تصريحات من يدَّعون الانتماء للصف الوطني، من الذين »تطوعوا بتقديم شهادات نسب مزورة لهذه المقاومة, إلا انهم رفضوا نسبتها إلى حزب البعث والرفيق القائد صدام حسين« ، بل راحوا يروجون= =»أسماء وهمية, وانتماءات لا توجد إلا في أذهان المروجين لها«، ويوضح أن حزب البعث دعا -ومنذ الأيام الأولى للاحتلال- إلى تشكيل جبهة مقاومة وطنية عريضة. وهو ما زال يعلن استعداده »لتوسيع دائرة قيادة المقاومة وقاعدتها أيضاً, بمشاركة كل القوى الحية والفاعلة «.  ]راجع نص البيان في ملاحق الكتاب[.
([3]) لندن ـ القدس العربي : 21/ 11/ 2003م: : »مقابلة سياسية مع المنسق السياسي للمقاومة العراقية«.
([4])28/ 11/ 2003م: شبكة البصرة: بغداد ـ خاص: »آلاف العراقيين سجلوا أسماءهم لدى قيادة البعث للاستشهاد: تعليمات واضحة من صدام حسين للحوار مع القوى المناهضة للاحتلال«: »وأكَّد القيادي= =أن لديهم تعليمات واضحة من الرئيس صدام حسين بالتحاور مع كل القوى المناهضة للاحتلال، سواء كانت إسلامية أو قومية أو يسارية«، وقد شُكٍّلت في عدة  مناطق قيادات موحدة للمقاومة.
([5]) بغداد - (الدار: فلسطين : »أحد قادة المقاومة العراقية يوضح هوية المقاومة ومرجعياتها«.
([6]) الدكتور غالب الفريجات / الأردن: »خيانة الإسلاميين في تبرير الاحتلال: التعاون مع الاحتلال تبريراً للعداء لصدام حسين خيانة«: الذين يرفعون لواء الإسلام في العراق من "إخوان مسلمين" و"حزب الدعوة" و"منظمة آل الحكيم" وما يتبعها من "قوات بدر" منافقون، فليس في الإسلام شيء يبرر تعاونهم مع قوى الاحتلال بسبب العداء لصدام حسين.
] تشمل الحزب الشيوعي العراقي. وما هو الذي يفسر سلوك حزب من المفترض -حسب مبادئه الاشتراكية- للتعاون مع الاستعمار الأمريكي قيادة الرأسمالية العالمية والإمبريالية العالمية?
([7]) شبكة البصرة / من د. نوري المرادي: »اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية: المقاومة العراقية المسلحة الأسلوب الرئيسي والحاسم لتحرير العراق«.
([8]) الكادر: 26/ 3/ 2004م: أ. د. محمد العبيدي: »حرب الجيل الرابع...المرحلة الثالثة للمقاومة«.
([9]) راجع البيان السياسي، الصادر بتاريخ 1/ 4/ 2004م، في ملاحق الكتاب.
([10]) يوهان غالتونج: »لماذا وكيف ومتى وأين وعلى يد من ، تنهار وتسقط الإمبراطورية؟«: م. س.
([11]) يوهان غالتونج: م. س.
([12]) إيمانويل تود: ما بعد الإمبراطورية (دراسة في تفكك النظام الأميركي): م. س: ص 100.
([13]) م. ن: ص 101.
([14]) م. ن: ص 101.
إرسال تعليق