الاثنين، نوفمبر 08، 2010

جريمة كنيسة النجاة مستمرة

جريمة كنيسة النجاة مستمرة
ما دام «نظام الشرق الأوسط الجديد» ينخر في جسد العراق
لو أردنا أن نعرف من ارتكب مجزرة كنيسة النجاح، لكان علينا أن نقرأها بعيداً عن الأخبار والتقارير التي ترافقت معها، لأن التقارير قد تكون موظَّفَة لغرض تقصده الجهة التي ارتكبت الجرم لتجهيل الفاعل الحقيقي. أما القراءة الأكثر موضوعية، من أجل الكشف عن المجرم، فتستند إلى قراءة استراتيجيات القوى التي تحتل العراق.
يقول المبدأ العلمي: إن تلازم الظواهر قانون طبيعي، أي إذا حصلت متغيرات في حقل من الحقول فسينتج عنها ظواهر تترافق معه، لتشكل أساساً للمتغيِّر. ولما كانت ظاهرة الجريمة الطائفية غائبة في العراق قبل الاحتلال، ولأنها ظهرت مع الاحتلال، فتكون الجريمة الطائفية كظاهرة فرعية هي نتيجة لمتغير قد حصل. ولما كان الاحتلال هو ذلك المتغير الأساسي فلا بَّد من أن تكون الجريمة الطائفية ظاهرة فرعية للمتغير الأساسي. واستناداً إلى هذا المقياس نعتبر أن الجريمة التي طالت كنيسة النجاة نتيجة، يشكل الاحتلال سبباً لها. وطالما كان المقياس منطقياً، فنعتبر أن الجريمة الطائفية ستستمر طالما ظل الاحتلال قابعاً في العراق حتى يحقق ما يريده منها. ولهذا لن تنتهي فصول الجريمة الطائفية إلاَّ بزوال سببها.
أما ماذا يريد الاحتلال أن يحقق من تلك الجريمة، كأنموذج لما قبلها ولما بعدها؟
ليس الاحتلال في العراق واحداً، بل للاحتلال وجهان: أميركي متبوع، وإيراني تابع له. فالوجه الأميركي يعمل على إنجاز مشروع الشرق الأوسط الجديد، أي المشروع القائم على تقسيم الوطن العربي إلى فيدراليات طائفية. ومشروع ولاية الفقيه الإيراني الذي لن يشق طريقه في الوطن العربي إلاَّ بعد تقسيمه إلى فيدراليات طائفية أيضاً.
فحكاية جريمة «كنيسة النجاة» في العراق، خاصة بمظاهرها الطائفية؛ والمجازر الطائفية الأخرى التي سبقتها، أو التي ستتلوها، كانت نتيجة للاحتلال لأنها وُلدت معه. ولأنهما وُلِدا معاً ويجب أن يزولا معاً، فسوف تستمر الجريمة الطائفية ما دام الاحتلال مستمراً.
لكل ذلك فقراءة مجزرة كنيسة النجاة يتم من خلال قراءة ما تحتويه أدراج المتآمرين على وحدة الأمة العربية ونظريتها الحديثة في القومية العربية. ومن خلال تلك القراءة لا بُدَّ من أن نلتقط حالة التناقض بين الاستراتيجية القومية القائمة على أساس الوحدة العربية واستراتيجية التفتيت القائمة على أساس خلق حواجز بين الطوائف والمذاهب التي يتشكل منها المجتمع القومي العربي. ومن خلال القراءة الاستراتيجية لا بُدَّ من الخروج بنتائج أساسية وهي أن من يعمل على أساس استراتيجية التفتيت القومي فلن يتورَّع عن ارتكاب المجازر الطائفية التي تعتبر من أهم عوامل الضعف في جسد المجتمع القومي، والتحريض الطائفي في أوساط محقونة أصلاً بالطائفية سوف تستجيب بسرعة لردات فعل غير محسوبة.
نحن نتعرَّف على مرتكب الجريمة من خلال بصماته الإيديولوجية، فمن يحارب وحدة الأمة العربية لن يحافظ على وحدة مجتمعاتها القطرية. ومن هو مع تمزيق جسد العراق إلى فيدراليات قائمة على الدين والمذهب والعرق، فلا شك بأنه يزرع جراثيم التفتيت الطائفي والمذهبي والعرقي؛ وليس من المنطقي أن من أقرَّ شرعية الفيدراليات في الدستور العراقي سيكون حريصاً على أمن الأديان والمذاهب المتعددة، بل إنه ضالع في جعل أمنها هشاً لكي يرغمها على اختيار أقل الشرور التي تنهي مسلسل الموت، وهو التقسيم الطائفي.
تفاوتت التفسيرات حول ما حصل، وتعددت الاتهامات، وتراشق الجميع بالتهم:
قالوا: إنه تنظيم القاعدة الذي ارتكب الجريمة، ولكن من هو مؤسس القاعدة؟ إن القاعدة خدعة ابتكرتها مخيلات أجهزة مخابرات القوى التي تحكم العراق الآن من أجل تمرير الجرائم الطائفية وتحميل مسؤوليتها لتنظيم يتبادر للذهن فوراً أنه تنظيم أصولي ينتسب إلى مذهب إسلامي.
وقالوا: شكِّلوا الحكومة في العراق فهي التي ستضبط الأمن، وتناسوا أن حكومة اللون الواحد والشكل الواحد، وإن تبدلت أسماؤها، لم تبسط الأمن، وليس من صالحها أن تبسطه، لأنها ضالعة في غرس بذور التفتيت. فالحكومات السابقة واللاحقة، هي عميلة للأميركان أو عميلة للإيرانيين أو عميلة مشتركة، وهي لن تبقى واقفة على رجليها إذا امتنعت عن تنفيذ استراتيجية التفتيت، استراتيجية الفيدراليات، لأنه بغيرها لن يتحقق شيء من أهداف الأميركيين أو أهداف الإيرانيين.
لم يتساءلوا أن البعث عندما حكم العراق لخمس وثلاثين سنة، لم يرشق أحد من العراقيين أي مسيحي بوردة. لكنهم لم يلحظوا أن الجرائم، بعد الاحتلال، تُرتكب بحق المسيحيين العراقيين من كل حدب وصوب، ما إن تنتهي مجزرة حتى تتبعها الأخرى. ولم يحصل هذا الأمر إلاَّ عندما وطأت قدم الاحتلال الأميركي وشريكه النظام الإيراني أرض العراق. ولهذا لن ينال الاستقرار المسيحيين إلاَّ عندما يزول السبب.
ولم تكن حماية المسيحيين واردة في ظل نظام البعث، النظام الوطني الذي سادت تحت خيمته كل عوامل الأمن الاجتماعي والعسكري، لأن المسيحيين كانوا مواطنين لا يُنتقص من حقوقهم حقاً واحداً. لا أكثرية تفرض تشريعها، ولا أقلية مغبونة الحقوق من أصغرها عدداً إلى أكبرها. ولم تكن حماية المسيحيين مِنَّة من البعث لأن المسيحيين كانوا من المشاركين في حماية العراقيين بمسلميهم ومسيحييهم، بصابئتهم وأشورييهم وكلدانهم، بعربهم وأكرادهم.
لم يعلن أحد يوماً أن تلك الطائفة واجبة الحماية أكثر من غيرها، بل كان هم الأمن الوطني هو الهم الذي يوحِّد العراقيين، ولم يكن هم أمن الطوائف هو البديل لهمِّ الأمن الوطني. وكان هذا هو الثابت لأن البعث يؤمن بأن الأمة العربية لن تتوحد ما لم يتوحد كل أبنائها من أي دين جاءوا أو إلى أي طائفة انتسبوا.
وأما بعد الاحتلال امتلأت أدراج (ويكيليكس)، بطبعتها الأميركية، بملايين الوثائق التي تدين الفاعلين الإيرانيين وعملائهم.
ولأن الشريكين اختلفا على تقسيم غنيمتهم، فابتدأ الأميركي بنشر الوثائق التي تدين شريكه، سيرد عليه شريكه الإيراني بتحية أفضل منهم عندما يفتح أدراج (ويكليكس) بطبعتها الإيرانية، ليكشف عن جرائم شريكه الأميركي. وسوف تتصاعد معركة نشر الوثائق بين الشريكين، ويستمران في معركة عض الأصابع، حتى يصرخ أحدهما، أو يعلنا هدنة بينهما إذا اتفقا على حجم حصة كل منهما من الغنيمة، والأرحج أنهما سيصلان إلى تسوية بينهما حتى لو كانت مؤلمة لأي منهما حتى لا يخسر كل شيء.
إن الشريكين يسرحان ويمرحان على أرض العراق، يتفاوضان ويتساومان، ولكل منهما داعميه والساكتين عن جرائمه بحق العراق والعراقيين. أما العراق فلا نصير له إلاَّ أبناءه من المقاومين، وهم لا يقاتلون من أجل العراق فحسب، بل يقاتلون من أجل العرب كلهم، ومن أجل قضايا حركة التحرر العالمية أيضاً.
وإذا كنا ندعو العرب، أنظمة وحركات وأحزاباً، للقيام بما يوجبه عليهم انتماؤهم القومي، فإننا ننبههم أيضاً بألاَّ يضيعوا الفاعل الحقيقي في ارتكاب جريمة كنيسة النجاة، وألاَّ يتجاهلوه وألاَّ يعملوا على تجهيله، سواءٌ أكان أميركياً، أم كان إيرانياً، وذلك لأن لكل منهما مشروعه التفتيتي، تحت صيغ مختلفة، سواءٌ أكان مشروع «الشرق الأوسط الجديد» بطبعته الأميركية، أم كان مشروع «ولاية الفقيه» بطبعته الإيرانية.
كما ندعوهم، من أجل معرفة الحقيقة، أن يفتِّشوا عن البصمات التي هي أساس في الأدلة الجنائية، ونستحلفهم بالله قائلين: هل تجدوا إلاَّ بصمة أميركية وأخرى إيرانية؟
إرسال تعليق