الجمعة، نوفمبر 12، 2010

إخترنا لكم من أرشيفنا الخاص


الفصل الرابع من كتاب (تهافت الأصوليات الإمبراطورية)


تهافت مشاريع الإمبراطوريات الدينية
تمهيد
من خلال تعريف مفاهيم النزعة الإمبراطورية توصلنا إلى أن هناك ما يجمع بين النزعات المادية والسياسية وبين النزعات الدينية، فكل من النزعتين تعمل على تصدير نفسها إلى خارج حدودها القومية تحت ذرائع تصدير القيم التي اعتقدت أنها تصلح للبشرية في كل زمان ومكان، وأنهت التاريخ عند حدود تلك القيم. فراحت تروِّج لها بأثواب جميلة وجذَّابة.
فالنزعات المادية السياسية، كما مرَّ معنا في فصل تهافت النزعات الإمبراطورية الأميركية، رفعت لواء تصدير الحضارة الصناعية التي بهرت العالم، وتصدير مفاهيمها البراقة للديموقراطية. بينما النزعات الدينية، عملت على تصدير نفسها، ولا تزال تعمل تحت لواء خلاص الأنفس في الآخرة.
فتحت أي أهداف تُصدِّر النزعات الإمبراطورية الدينية نفسها؟
بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، نشطت الدعوة إلى الجامعة الإسلامية في أوساط جماعة الإخوان المسلمين في عدد من الأقطار العربية؛ ولدى بعض الحركات الإسلامية في الهند، مثل الدعوة التي تزعَّمها أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي، وقد بدت ذات طبيعة متشددة تماماً. وبعد ظهورها تميَّز القرن العشرون بتحولات أثَّرت على مجرى الواقع السياسي والفكري الإسلاميين. فكان من أهمها المسألتان القومية والديموقراطية، ولحقت بهما مسألة إلغاء الخلافة الإسلامية.
كانت الخلافة تعبيراً عن رمز سلطوي يدير شؤون الدولة الأممية الإسلامية، وكانت تعبيراً عن النظـام السياسي للدعوة الإسلامية. فترك الفراغ المفاجئ فيها بلبلة في أوساط النخب المثقفة ووضعها أمام مأزق لم تكن قد أعدَّت نفسها لمواجهته.
وكان النزاع بين شكل النظام الإسلامي الأممي وشكل النظام القومي من أهم مظاهر تلك الإشكاليات، الذي يتمثَّل بالنزاع بين شريعة الوحي كقانون إلهي وبين شرائع النُظُم السياسية القادمة من الغرب كقوانين وضعية من صنع البشر.
إن إقامة دولة الإسلام هدف ثابت عند الحركات الإسلامية، يهيمن على نشاطها ويطبع علاقاتها بالأنظمة الحاكمة بطابع الريبة إن لم يكن طابع العداوة والتصادم؛ فانقسمت الحركات الإسلامية المعاصرة إلى فريقين:
-فريق المتصلبين الذي يرى أن الجهاد هو الوسيلة الباقية بعد أن فشلَت سائر الوسائل، وإن التغيير لم يبق منوطاً بإصلاح الأوضاع.
-وفريق المعتدلين الذي يميل إلى العمل الاجتماعي الطويل، الرامي إلى تأهيل الأفراد والجماعات بالتربية الإسلامية و بالتقويم الأخلاقي.
وانحصرت مواقف تلك الحركات في رفض الأنظمة الحاكمة وتكفيرها، وكانت المقاصد المطلوبة تغييرها. فأصبحت العلاقة مطبوعة بالتصادم حيناً، وبالمهادنة أحياناً أخرى، ولا يصلح عامل الزمن إلا للتربص وإتمام الاستعداد للإطاحة بالطرف المقابل. وقد تولَّد عن ذلك الصراع ثنائية النضال والقمع، والإرهاب والإرهاب المضاد، وهذا ما لا يزال من الوقائع المستمرة. وإذا كانت ثنائية الصراع محصورة بين تلك الحركات والأنظمة حتى الآن، فإن مظاهر الصراع بينها وبين الحركات القومية وقفت عند حدود صراع الأفكار الذي لم يخل من تكفير الداعين إلى الفكر القومي([1]).
كانت الحركة الإسلامية، منذ أواخر القرن 19م، قد مهَّدت لحركة إصلاحية بشعارات متقدمة نسبياً عن التيارين: السلفي العربي والسياسي العثماني، وتمحورت حول مسألة الانفتاح على الفكر العلمي  الغربي، من دون أن تمس ما له علاقة بفكرة الجامعة الإسلامية، لتدعيم فكرة التضامن الإسلامي.
أما في مرحلة الخلافة العثمانية، فقد ارتبطت الهوية القومية بالملة الدينية، وأصبحت دعوة المسلمين العرب إلى القومية العربية، كأنها توحي بأن الإسلام أصبح هو العروبة. هذا السبب زرع الخوف عند أتباع الأديان الأخرى، ووضع إشكالية أمام الفكر القومي العربي، الذي أصبح من مهماته أن يقدِّم حلولاً يزيل بها تلك المخاوف. فالمهمة صعبة في جو ثقافي مُشبَع بالتراث الديني الإسلامي، الأمر الذي يتطلب الوقت الكافي لإحداث التغيير المطلوب، لأنه من غير الموضوعي تجاوز التأثيرات التي يتركها النظام الثقافي على البنى الاجتماعية والفكرية والسياسية لمجتمع ما.
صحيح أن للإسلام تأثيرات واسعة تركت كثيراً من السمات والأنماط الثقافية المميزة داخل المجتمع العربي- الإسلامي؛ لكن التاريخ أثبت، أيضاً، أن المرجعية الإسلامية (الجامعة الإسلامية) لن تشكَّل  الأساس المرجعي  السياسي الموحِّد؛ و ليست هناك مرجعية إسلامية موحِّدة تُجمع عليها المذاهب الإسلامية.
لكل هذا، أصبح من مهمات الفكر القومي العربي أن يقدم تعليلاً مقبولاً لدى المسلمين العرب أولاً، وأن يطمئن أصحاب الأديان الأخرى ثانياً، وأن لا يكون متعارضاً مع التحليل العلمي الاجتماعى للظواهر الثقافية والاجتماعية وتأثيراتها ثالثاً.
كان الإسلام عميق الجذور. فلم تستطع الأفكار القومية الجديدة أن تحدث مكاناً للقوانين الحديثة في التشريعات الجديدة، ووقف الإسلاميون في  وجه كل محاولة للعلمنة. ووقف المفكرون المسيحيون، وإلى جانبهم قلة قليلة من المسلمين ممن كانوا يحلمون بإنشاء دولة عربية علمانية، لا تقوم على أساس ديني، إلاَّ أن تلك الدعوة لم تلق تشجيعاً من قبل غالبية سكان البلدان الإسلامية. وهكذا لا يمكن الفصل التام، بسهولة، بين الإسلام والقومية العربية([2]).
إن الإغراق في وهم انتزاع حالة ثقافية من مجتمع ما، وكأنها قطعة من آلة يمكن استبدالها بأخرى، يتساوى مع وهم الإغراق باستحالة تغيير تلك الحالة وكأنها ثابتة إلى الأبد، فالحالة الاجتماعية والثقافية هي مشروع دائم للتغيير.
فكلما أصبحت بعض سمات نظام ثقافي متخلفة عن الزمن تأخذ طريقها نحو الاضمحلال، وكلما جاءت سمات أخرى تحاكي روح العصر، فأنها تحل مكانها. فليس كل سمات النظام الثقافي السابق مرفوضة، بل إن بعضها يبقى ذا قيمة وأثر، خاصة إذا كانت لا تتعارض مع مصلحة المجتمع.


أولاً: الأممية الإسلامية ذات بعدين: عقائدي وسياسي.
أُدخِل المفهوم العقائدي للجامعة الإسلامية بتأثيرات المسلمين من غير العرب، بشكل أساسي، مستندين إلى الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية13). أو استناداً  إلى الحديث  النبوي «لا فضل لعربي على أعجمي إلاَّ بالتقوى».
أما المفهوم السياسي، فقد اتخذ، منذ القرن التاسع عشر، شكل الدعوة إلى «الجامعة الإسلامية»؛ وكانت دوافعه: الرغبة في استخدام روابط الأخوة والتضامن الإسلامي في معركة تجديد الإسلام ونهضة المسلمين. كما أدَّت ملاحظة هذا التيار، أن  مشاكل المسلمين واحدة ومتقاربة، ليحسبوا أن علاج أوضاعهم سيتوفر بمنهج إسلامي واحد أو مناهج متقاربة. وشكَّلت، أيضاً، ضرورة التصدي للقوى الاستعمارية، أحد الدوافع المباشرة للمناداة بالوحدة الإسلامية.
عرف شعار الجامعة الإسلامية تيارات متعددة، تمايزت مواقفها الفكرية والعملية، تبعاً لتعدد مواطنيه، واختلاف المواقف الاجتماعية والفكرية لروادها. فهو عند الوهابية مختلف عما هو لدى العثمانيين، وعند هؤلاء الأخيرين مختلف، أيضاً، عما هو لدى التيار الإسلامي المتنور كما يمثله جمال الدين الأفغاني.... لكنه على الرغم من التمايز بين التيارات، نجد أن هناك ما يجمعها، وهو اعتبار الأخوة والتضامن الإسلامي، أي الرابطة الإسلامية، هو الأساس([3]).
وعلى العموم، وقف الإسلاميون ضد الأيديولوجيات المستوردة، وهاجموا الثقافة الحديثة،كما آمنوا بأن التشبه بالغرب دلالة على التغريب. لذا دعا تيار الجامعة الإسلامية إلى وحدة سياسية إسلامية، قاعدتها الشريعة الإسلامية، واعتبار الرابطة الإسلامية الرابطة الوحيدة بين أبناء المجتمع الإسلامي. لهذا  كانت الدولة العثمانية تمثل المرجعية الإسلامية الوحدوية للعرب المسلمين، على الرغم مما كانت تمارسه من اضطهاد اجتماعي وسياسي واقتصادي، وتمييز عرقي وطبقي. ولأن المشرق العربي، كان قريباً من مركز السلطة العثمانية، وتحت إشرافها المباشر؛ فكانت علاقات التنافر معها متساوية مع علاقات التجاذب. فالحاجة إلى الحماية من الخارج، والشعور العقائدي بالوحدوية الدينية الإسلامية، كانت تشكَّل عوامل الانجذاب العربي باتجاه المحافظة على وحدة الامبراطورية العثمانية. لكن ممارسات السلطة القمعية، بوجهها المباشر، كانت تثير المشاعر العدائية عند سكان المنطقة ضد الدولة، مما كان يعزز الاتجاهات الانفصالية عنها.
وقياساً على ارتباط القومية بالملة؛ وارتباط القومية العربية بالدين الإسلامي، ارتبطت الوطنية بالولاء للطائفة عند الأديان الأخرى، وكان يتعزز هذا الشعور كلما طال أمد حل تلك الإشكالية.
لم تكن الحركة الإصلاحية الدينية، التي تدعو إلى الجامعة الإسلامية، هي الوحيدة التي احتلَّت الساحة الفكرية، قبل انهيار الدولة العثمانية وبعده فحسب،  وإنما نشأ تياران إلى جانبها، وهما: التيار الليبرالي، والتيار العلماني.
-التيار الليبرالي الذي أسَّسه رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873م). وانفتح على التراث الغربي، وتحوَّلت الليبرالية، على يدي طه حسين، إلى إعمال للعقل في نقد التراث الأدبي، ونقد الأوضاع الاجتماعية. وظهر كُتَّاب إسلاميون، يُكفِّرونه، ويضعون الإسلام في مواجهة العقل والعلم والنظم الديموقراطية، ويُظهرون جوانبه الإلهية. فانتهت الليبرالية وسادت موجات التكفير لكل فكر جديد؛ وأصبح كل اجتهاد بدعة.
-أما التيار العلماني فشطح كثيراً تجاه الحضارة الغربية؛ وبدأت النظم العلمانية الغربية كالاشتراكية أو القومية تظهر كبديل عن النظام الإسلامي. وقد خلَّف هذا التيار ردود فعل لدى الأصولية الإسلامية، فأظهرت العداء الشامل للغرب. وفي المقابل تحوَّل التيار العلماني إلى المادية والإلحاد والطعن في الإسلام والمسلمين؛ وهكذا انتهى فجر  النهضة الإسلامية العربية الحديثة لصالح الأصولية الإسلامية، وسادت روح المحافظة الدينية.
1-نشاط الحركات والأنظمة الإسلامية استغلَّ كوسيلة من وسائل الاستعمار([4]):
كان للمد القومي العربي، وتنامي تيار دول عدم الانحياز، رافداً للحركات التحررية القومية، تأثير مهم على بناء الاستراتيجية الإمبريالية.
فمنذ الخمسينيات من القرن العشرين، سعت المملكة العربية السعودية، بتشجيع من حليفتها أميركا، إلى احتواء تصاعد المد القومي العربي عن طريق تدعيم التضامن الإسلامي. واعتمدت على نظامين يستمدان شرعيتهما من العقيدة الإسلامية، وهما: الباكستان والمغرب الأقصى، وتشكل منهما حلف وقف في وجه دول عدم الانحياز.
ومنذ ذلك الحين أخذت مظاهر الحركة الإسلامية تتنامى بصيغة المؤتمرات والندوات الإسلامية، وظهور المؤسسات مثل منظمة المؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، والمراكز الإسلامية التي انتشرت في المدن الغربية الكبرى، وصدور عدد كبير من الكتب والدوريات عن الحركة الإسلامية السياسية.
إذا كانت الإمبريالية قد احتوت الأنظمة الإسلامية على قاعدة ترابط المصالح، فإنها تنظر إلى الحركات الأصولية الإسلامية بمنظار الاطمئنان، وليس بمنظار الخوف، والسبب في ذلك  يعبر عنه نيكسون بأن «تأثير الأصوليين على شعوبهم لا يقوم على جاذبية ما يدعون إليه بقدر ما يقوم على تأييد ما يدعون إلى ضده، أي ضد الوضع الراهن الذي لا يقدم حلاً لمشاكل الحاضر، كما لا يقدم أملاً في الحل في المستقبل»([5])، فهي وإن عرفت كيف تهدم، لكنها عاجزة عن معرفة كيف تبني. وبالتالي يكفي الاستفادة منها ما دامت تقف في مواجهة الأفكار القومية والوطنية الليبرالية واليسارية/الشيوعية.
وإلى جانب ذلك، ساعدت جملة من العوامل، على المستويين القومي والإسلامى، على بزوغ فجر الصحوة الإسلامية، وتفجير طاقات الحركات الأصولية، ومن هذه العوامل:
2-الحركات الإسلامية استفادت من التراجعات التي واجهت المشروع القومي:
منذ نكسة 1967م، أصابت الجماهير العفوية ردة فعل حادة، ومراجعة نقدية عند التيارات القومية والوطنية واليسارية، وردة ثأرية من قبل الحركات اليمينية والرجعية ومنها الحركات الأصولية الإسلامية.
في تلك المرحلة كان الاقتصاد المصري قد شارف على الإفلاس، وزادته النكسة العسكرية تثقيلاً، الأمر الذي ساعد على إيقاظ عملية الإحياء الإسلامي. فكثرة الضحايا وتوزعها في القرى والأرياف المصرية كانت مادة خصبة للإسلام الشعبي المتأثر بالطرقية الصوفية، مثل: حلقات الذكر في المساجد، واحتفالات الزار، وهي «بمجملها طرق عمل تحمِّس المتعبد وتوثِّق عراه بالإسلام على أساس وجداني مؤثر»، هذه الطرق والوسائل، راحت تنافس الإسلام الرسمي للأزهر.
وانعكست تأثيرات النكسة، بخلفياتها السياسية والفكرية والأيديولوجية، على أقطار المغرب العربي أيضاً، وكانت لها مفاعيل مزدوجة في الخليج والجزيرة العربية، فحصلت ردة ضد القوى القومية الناشئة، واشتدَّت أكثر عندما انخرطت الأنظمة التقدمية في مشروع التسوية مع الأنظمة المحافظة/ الرجعية في قمة الخرطوم، في مقابل الحصول على مساعدات مالية منها، وخاصة من السعودية والكويت. وما دامت تلك المساعدات لا توضع في خدمة الصراع العسكري بين العرب والعدو الصهيوني، فإن تقديم المساعدات التي أقرتها قمة الخرطوم لن تضير المصالح الاستراتيجية الإمبريالية شيئاً.
لم تكن نكسة حزيران العامل الوحيد في انتشار موجة الإحباط النفسي عند أوسع القطاعات الشعبية العربية، فقد سبقتها حالة من التراكم الإحباطى، ومنها:
- فشل المشاريع الوحدوية.
-الصراعات العربية- العربية بين الدول التقدمية.
-العجز عن التلاقي بين المجتمع والسلطات في الميادين الاجتماعية والديموقراطية.
-عجز الأنظمة عن إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية.
كانت جدلية الصراع بين السلطة والمجتمع تشهد تراكمات متواصلة. فلا السلطة كانت قادرة على إيجاد حلول للمشاكل، ولا المجتمع كان قادراً على السكوت عن استلاب حقوقه. فعجز السلطة كان يقابله المزيد من المعارضة، وكان المستفيد من هذا الصراع، غالباً، قوى عديدة، منها: الليبرالي و الأصولي والثوري والمحافظ والبورجوازي... الذي كان يستثمر الحالة الصراعية لمآرب سياسية.
فكلما كان الحس المطلبي يزداد، وتتحرك التيارات السياسية لتصعيد الحركة المطلبية، كانت السلطة تخشى على مواقعها من السقوط، فتلجأ إلى الرد على المعارضة بوسائل القمع، فتتصلب المعارضة بمواقفها، وينمو الصراع ويتصاعد بحركة جدلية متنامية.
ففي هذا الجو استفادت الحركات الأصولية من آثار النكسة العسكرية في العام 1967م، كما أنها كانت تستفيد من حالة الصراع السلطوي- المجتمعي أيضاً.
وبسبب ذلك تصادمت الأنظمة مع الحركات الإسلامية، كما حصل في سورية ومصر، مثلاً، في صدامهما مع حركة الإخوان المسلمين التي كان لها مشروعها  السياسي الذي يتناقض كلياً مع العلمانية. فهدفها كان يعني، ليس إزاحة النخب الحاكمة فحسب، و إنما تغيير  النظام السياسي بأكمله أيضاً.
في مثل هذه الحالة، يصبح من  غير المفيد أن  نحدد  على من تقع مسؤولية استمرار الصراع: فالسلطة تستخدم وسائل القمع وتغييب الديموقراطية، والحركات الإسلامية، التي فيما لو نجحت في تحقيق مشروعها، فإنها لن تكون أقل رحمة بمعارضيها، خاصة وأن مشروعها لا يسمح بالحرية في النقد والمعارضة لأنه،كما تحسب، مشروع إلهي.
وإن التصادم بين السلطة، في مرحلة ما قبل حزيران، وبين الحركات السلفية، ترك فجوة عميقة من العداوة دفعت بتلك الحركات إلى أن تعود إلى النشاط، بعد مرحلة النكسة، مستعيدة مشروعها السياسي، ومستفيدة من الإخفاقات التي منيت بها التيارات والقوى والأنظمة القومية والوطنية والعلمانية.
لقد تضافرت عوامل الفشل القومي العام مع الفشل القطري الخاص. فالأول كان عاجزاً عن تشكيل وحدوية دفاعية تشكل حماية للأقطار العربية من العدوان، وعجز عن استثمار الثروة العربية للصالح القومي العام. أما الثاني فعجز عن توفير علاقة سليمة بين واجبات السلطة وحقوق المجتمع.
وبهما تضافرت تلك العوامل، وأنذرت بولادة معارضة تعمل على المطالبة بتصحيح الخلل. أما سبب العجز فيعود في تقديرنا إلى أن التيارات والحركات والأحزاب القومية كانت لا تزال في مرحلة الصياغة النظرية إذ لم تمر عليها أكثر من ثلاثة عقود، ولم تكن تجربتها السياسية بعد قد تجاوزت عقدين من الزمن، حتى واجهها الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية فحاولت معالجتها  بأقل ما يمكن من الإمكانيات المادية، والعنصر البشري غير المؤهل، وهذا لا يكفي لبناء أنظمة سياسية ناجحة.
أما الحركات الإسلامية، فكانت مستندة إلى تلك القاعدة الشعبية ذات الثقافة الإسلامية. كما أنها التقت بتراث الحركات الوطنية، وكانت شريكة أساسية لها في الحصول على الاستقلال السياسي في مختلف الأقطار العربية، حيث كان أكثرها قد اتخذ من الجهاد مبدأ  أساسياً  في نضاله ضد الاحتلال الأجنبي، مثل: الثورة المهدية في السودان، المقاومة السنوسية في ليبيا، ثورة عبد القادر الجزائري وجمعية العلماء المسلمين في الجزائر، والجمهورية الإسلامية في ريف المغرب الأقصى، وانتفاضة فلسطين (1936-1939م)، ونشاط المجلس الإسلامي في القدس، ومشاركة الإخوان المسلمين في مصر والشام في معركة فلسطين 1948م.
وبدلاً من استيعابها والحوار معها فقد تجاهلت  أغلب الأنظمة الوطنية بعد الاستقلال الحركات الإسلامية، وقاومتها باسم الحداثة، لكنها فشلت في التحديث، ولم تنجح في تهذيب هذا الثقافة وتطويرها.
كانت كلها أسباب، ساعدت الحركات الإسلامية في أن تتخذ من تقاليدها وتراثها ومن قاعدتها الشعبية العريضة، وعقائدها السياسية الإسلامية، دوافع تحسب نفسها من خلالها أنها ليست البديل للأنظمة الليبرالية القومية والوطنية فحسب، و إنما هي النظام الأصيل أيضاً. فالأنظمة الليبرالية منعتها من هذا الحق، وها هي اليوم، بعد إثبات الفشل الذي أصيبت به تلك الأنظمة، لأنها ذات شرائع وضعية، تعود لكي تستعيد الحق الذي سُلب منها، ولكي تباشر النضال من أجل بناء نظام تقوم دعائمه على شرائع إلهية.
كثيرة هي القوى التي وجدت في الحركات الإسلامية وسيلة في سبيل استخدامها، أو الاستفادة من الزخم الذي تتميَّز به، لمنافسة الاتجاهات القومية والوطنية حول القواعد الشعبية لتفكيكها وإضعاف قوة تأثيرها وشرذمتها بين هذه التيارات أو تلك.
وبالإجمال، أخذت الصحوة الإسلامية المعاصرة تطل، بقوة متصاعدة لافتة، على المسرح السياسي العربي، منذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين.
3- الصحوة الإسلامية المعاصرة: واقعها واتجاهاتها
بعد انهيار المرجعية الوحدوية السياسية  الإسلامية العثمانية، اتخذت الاتجاهات الوحدوية مسارين متمايزين: مسار الوحدوية الإسلامية، ومسار الوحدوية القومية.
لقد انكفأ مسار الوحدوية الإسلامية أمام الموجة الوحدوية القومية، نخبوياً وشعبياً؛ لكن هذا الانكفاء لم يصل إلى حدود الإلغاء، بل كانت بعض الحركات الإسلامية السياسية، مثل حركة الإخوان المسلمين، تحمل لواء الوحدوية الإسلامية، واصطدمت بسلسلة من الصراعات القاسية، وغير المتكافئة مع السلطات السياسية، ذات الاتجاهات القومية أو الوطنية الليبرالية. وتعود أسباب الانكفاء إلى عوامل عدة، ومن أهمها:
-القوة والزخم اللتان اكتسبتهما الاتجاهات القومية والوطنية، في أعقاب الحصول على الاستقلالات السياسية، حزبياً وشعبياً ورسمياً.
-قوة المؤثرات الفكرية السياسية الجديدة، مثل مفاهيم  الشعب/ الجماهير، والدستور والديموقراطية.
باستثناء ظاهرة حركة الإخوان المسلمين، وحزب التحرير الإسلامي لم يعرف هذا المحور حركات أصولية منظمة وفاعلة إلا منذ بداية السبعينيات من القرن 20م.
تكاد تكون الأنظمة السياسية، في كل من مصر وسوريا والعراق، متشابهة في اتجاهاتها القومية، بشكل عام، بتجاربها ومحاولاتها الوحدوية السياسية. كانت هذه الاتجاهات في موقع القوة اللافتة، طوال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. لكن بعد وفاة عبد الناصر، استمر الوضع في كل من العراق وسوريا حاملاً الدعوة إلى القومية، ولو بأساليب سياسية مختلفة. ولهذا أصبح التناقض بينها وبين الحركات الأصولية الإسلامية خطاً سائداً. إذ كانت أسس  التناقض بينهما قائمة على مستويين: مستوى الهوية، أهى إسلامية أم قومية ؟ ومستوى هوية النظام السياسي هل يكون قائماً على الشريعة الإسلامية، أم على الأسس العلمانية ؟
على صعيد الأنظمة السياسية القومية، فقد نصَّت دساتيرها، فيما يختص بالإسلام: على أنه دين للدولة، واعتبار الفقه الإسلامي مصدراً رئيساً للتشريع، وهذا يعني أنه ليس المصدر الوحيد. أما بالنسبة إلى القومية، فقد نصَّت على أن الشعب- المصري، السوري، العراقي- هو جزء من الأمة العربية، وهدفه تحقيق الدولة العربية الواحدة.
يتناقض هذا المنحى، بلا شك، مع الدعوات السلفية، سنية وشيعية، لأنها لا تعترف بغير الشريعة الإسلامية  مصدراً للتشريع، بل تعتبره المصدر الوحيد، كما أن الدولة الإسلامية هي النظام السياسي الوحدوي والوحيد، وليس أي نظام غيره.
انتعشت منذ الخمسينيات، خاصة في مصر وسوريا والعراق، مؤسسات لها علاقة بتطوير المجتمع والسلطة: حينذاك انتشرت مفردات الثقافة الجديدة، مثل: سلطة الشعب، الجماهير، الاشتراكية. بحيث مهَّدت لفك الطوق السياسي عن الطبقات الشعبية الذي فرضته النخبة التقليدية الحاكمة، وأدَّى إلى تغييرات في بنية السلطة السياسية، التي أصبح عمادها: أعيان مدينيون، ضباط طموحون، أساتذة حزبيون...
لكنه على الرغم من أن التحولات السياسية ، قد أوصلت الطبقات الشعبية إلى السلطة، فإنها أدت أيضاً إلى «اندماج أيديولوجيا الدولة الشعبوية في صلب الثقافة السياسية». وهي بحد ذاتها، أصبحت تشكل عوامل احتكاك مع الحركات الأصولية، لأنها ترفض كل الاتجاهات الوضعية لأنها تتناقض مع سلطة الخليفة، ومع مبدأ الحاكمية لله، ولان دساتيرها غير مستقاة من المصادر الإسلامية الأساسية: الكتاب والسُنَّة.
فالتحديث في بني السلطة السياسية قاد إلى صراع دائم بين الحركة الأصولية والسلطات الحاكمة، لكن بشكل محدود في الخمسينيات والستينيات. أما بدءاً من السبعينيات فأتخذ الصراع أشكالاً أخرى.
 كان هدف إقامة الدولة الإسلامية يحتل مقدمة الأهداف المرسومة للحركات الأصولية، معتدلين ومتصلبين، وهي عملت لإتمامه على مراحل للأسباب التالية:
-التفاوت الكبير في ميزان القوى بين الحركات الإسلامية والأنظمة، التي كانت تمثل العائق الأساسي في طريق تحقيق المشروع الإسلامي.
-حالة المجتمع الإسلامي وما به من أوضاع التخلف، فكان لا بد من تقديم السعي إلى إصلاح المجتمع على السعي لتحكيم الشريعة.
لكن المتصلبين، لا يختلفون حول الهدف النهائي عن المعتدلين، وإنما يتعارضون معهم بالوسيلة التي تحقق الهدف. يرى المتصلبون«أن الجهاد هو الوسيلة الباقية بعد أن فشلت سائر الوسائل، وإن التغيير لم يبق منوطاً بإصلاح الأوضاع». أما ا المعتدلون فيميلون إلى تأهيل الأفراد والجماعات بالتربية الإسلامية وبالتقويم الأخلاقى.
بعد نكسة حزيران 1967م، أخذت الرجعية العربية تتصرف على قاعدة أن المد القومي العربي قد أنهك. وبعد قبول مصر، وبعدها سوريا، بقرارات مجلس الأمن الدولي التي  تدعو لتسوية الصراع العربي-الصهيوني، أخذت المنطقة تعيش مناخ مرحلة التعايش السلمي الذي اتفق عليه الجباران: السوفياتي والأميركي.
بعد وفاة عبد الناصر في العام 1970م، استغلَّ أنور السادات نشاط الحركة الإسلامية، وتوقها للظهور، بعد أن غابت فترة من الزمن تحت تأثير الأجواء العلمانية والحماسة القومية وآمال التحديث. فعمل على الاستفادة من زخمها، فأخرج الإخوان المسلمين من السجون لمواجهة التيارات القومية واليسارية. كما لعبت الدول الرجعية دورها، أيضاً، عن طريق مدِّ هذه الجماعات بالمال والسلاح لضرب حركة التقدم، وبخاصة الديمقراطية والاشتراكية.
ترافقت تلك الخطوات مع أحداث كان لها تأثير مهم في استنهاض المزيد من الحركات الأصولية في  كل من سوريا ولبنان، من أهم أسبابها:
-اتجاه نظام السادات نحو عقد صلح منفرد مع «إسرائيل».
-اندلاع الأحداث الدموية في لبنان منذ العام 1975م.
-إسقاط نظام شاه إيران في العام 1979م، حينما  استولى رجال  الدين على السلطة السياسية، وأسسوا دولة إسلامية، كان لها تأثيرات بالغة وإيجابية على تنشيط الحركة الأصولية في لبنان.
ففي لبنان كانت الحركة الإسلامية السنية، بشكل عام، تتلوَّن تارة بألوان قومية (الناصرية، منظمة التحرير الفلسطينية…)، وتارة أخرى بألوان طائفية- سياسية محلية (الارتباط بالزعماء المحليين). ولكنها لم تنسج علاقات استراتيجية، مع الحركة السياسية الإسلامية في الخارج، لكنها نجحت في إقامة علاقات محدودة مع إيران.
أما الشيعة في لبنان، فلم تعرف حركات أصولية منذ البداية. فكانت أول إطلالة لها طائفية-سياسية أكثر منها دينية. أما منذ أوائل الثمانينات، وبتأثير من الأيديولوجية الخمينية، وُلد أول مشروع سياسي ديني، راح ينشط تحت اسم «حزب الله».
منذ تلك اللحظة التقت الحركتان الأصوليتان، الشيعية والسنية، في الدعوة إلى تأييد سلطة رجال الدين في إيران؛ إلا أن إقامة نظام حكم إسلامى، فوراً، في لبنان لم تكن تلاقي صدى متماثلاً عند جميع أعضاء هذا التيار.
وفي سوريا  ظهرت حركة الإخوان المسلمين، منذ نهاية الأربعينيات من القرن العشرين، واصطدمت بالسلطة، منذ أواخر الخمسينيات، بعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا. منذ ذلك الحين، تأثرت الحركة في سوريا بمثيلتها في مصر، خاصة بعد أن أعلن سيد قطب أفكاره، الداعية إلى حاكمية الله، وتكفير الأنظمة القائمة. فانقسمت الحركة في سوريا إلى تيارين: الأول يدعو إلى المهادنة، والثاني يدعو إلى الصدام مع السلطة.
أما في العراق، وعلى الرغم من تأثير التغيير الذي حصل في إيران في العام 1979م، والذي أنعش بعض الآمال عند الأصولية الشيعية، إلا أنها لم تستطع أن تضع مشروعاً سياسياً مستقلاً عن التأثيرات الإيرانية، بل إن هذا المشروع قد أُعلن من خارج العراق.
وفي الأردن  بدأت الحركة الإسلامية منذ أوائل الخمسينيات بانطلاق حزب التحرير الإسلامي، داعياً إلى بناء دولة إسلامية تبايع خليفة من واجباته: إقامة الحدود وسد الثغور.. والحكم بما أنزل الله. لكن الحكومة الأردنية عملت على احتواء الحركة الإسلامية، وجعلت منها حركة معتدلة.
وفي المغرب العربي خاضت الحركات الدينية، حروب الاستقلال جنباً إلى جنب القوى الوطنية. لكنها اصطدمت مع السلطة الليبرالية، وتصالحت مع العائلية التاريخية.
ففي ليبيا تأسست أول حكومة وطنية في العام 1952م، وتبنى الملك ادريس السنوسي الطريقة السنوسية، وكانت بنية النظام الملكي قائمة على التحالف بين السلفية- الطرقية والتنظيم القبلي، فورثته ثورة الفاتح من سبتمبر من العام 1969، متأثرة بالثورة الناصرية. فجمع النظام الجديد بين العقيدة القومية والإسلامية، فهو وحدوي عربي، وفي الوقت نفسه داعية للوحدة الإسلامية([6]). فلهذا السبب لم تنشأ في ليبيا حركة أصولية.
أما في (المغرب الأقصى- تونس- الجزائر)، فقد كانت للحركة الأصولية مظاهر، ليست هي ذاتها في كل من الأقطار الثلاثة، مع وجود خصائص مشتركة بينها، ومنها:
-فيما له علاقة بموقفها من العروبة والإسلام، تكاد تكون نصوصها الدستورية متشابهة. فهي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة التي  تضمن حرية ممارسة الأديان، وتتعهد بضمان حرية كل فرد في ممارسة شؤونه الدينية ([7]).
-تأثرت الأقطار الثلاثة بالليبرالية الغربية، وحصلت حركة تفاعلات واسعة بينهما.
-لم تعرف الأقطار المغربية صدامات بين المذاهب الإسلامية، لأنها تكاد جميعها تنتمي إلى مذهب واحد، هو المذهب المالكي والمنهج الأشعري.
لذا نشأت الحركات السلفية، في هذه المنطقة، إما بحالة توافق أو مصالحة مع السلطة أو بحالة تناقض معها. فحالة التوافق أو التناقض كانت قائمة على قاعدة مدى قرب السلطة أو بعدها عن المجتمع، أي إذا كانت السلطة تقوم بوظيفتها الاقتصادية والاجتماعية. لذا تميزت علاقة السلطة مع الحركات السلفية على الشكل التالي:
ففي تونس، اعترفت الحركة الإسلامية بالدولة على اعتبار أنها مختارة من الشعب، لكنها لا تعترف بشرعيتها الدينية  لأنها لا تحكم بالإسلام. والتقت مع المجموعة القومية على التأكيد على حكم الشعب، وليس على طريقة «الحاكمية».
وبالإجمال، فإن الحركة الإسلامية في تونس تسير على خطى التدين العقلاني الإسلامي، وذلك بتطعيمها التدين بمكاسب التراث العقلاني، وخاصة مبادئ المنهج الاعتزالي «الداعي إلى التحرر من ظواهر النص، والى الأخذ بالتأويل المقاصدي لاستبيانه الشرعية المنطقية لأحكام التنزيل»([8]).
وفي المغرب الأقصى انقسم العلماء والطرق الصوفية، فاسترضت الدولة العلماء. أما الطرق الصوفية فتغلغلت بين القبائل. لذا كانت علاقة الفقهاء والمتصوفة متوترة، إذ إن العلماء يمثلون السلطة السياسية، والمتصوفة يمثلون السلطة الروحية وهم مع الشعب.
إلاَّ أن المغرب الأقصى يتميَّز بوجود ترابط بين الإسلام وسلطة العرش فمن الإسلام يستمد العرش المغربي شرعيته الأولى. و الجماعات الإسلامية  لا تطعن بشرعيته، كما أن الشعب لا يفهم أن لا يحكمه الملك. وبذلك، تحولت إلى حركة تدعو إلى التحديث:
-فالجديد لم يعد بدعة، بل إنه يُقبل أيضاً عندما تقره المصلحة العامة».
-وإن التآخي بين الأمم الإسلامية، لم يعد ممكناً تحقيقه ضمن وحدة سياسية.
-والفقه الإسلامي مادة لتشريع مدني، على أن لا يعني ذلك «لادينية الدولة»، أو دولة دينية، بل أن تصبح الحكومة الإسلامية حارساً على الأخلاق والفضيلة.
-كانت «سلفية الإطار ليبرالية المضمون». تدعو إلى «الإخاء الإسلامي»، وليس«الجامعة الإسلامية». أي الدفاع عن الإسلام الذي يوفر للفرد حرية العقيدة وحرية الفكر، ويعترف للأمم بحقها في تقرير مصيرها واختيار النظم التي تريدها.
لكن الحركات الإسلامية المعارضة بدأت تظهر منذ السبعينيات من القرن العشرين، بصور من العنف، ضد بعض أطراف المعارضة، وضد الماركسيين الذين أخذوا يهاجمون الدين. ومنذ ذلك الحين برز التيار الإسلامي السري الداعي إلى إقامة الدولة الإسلامية، وانقسم إلى جماعات تكفِّر بعضها البعض. وفي المقابل نشأت مجموعات أخرى التي تضم «جماعة التبليغ»، والطريقة الصوفية البوتشيشية، اللتان لا تظهرا اهتماماً بالسياسة.
وبالإجمال استطاعت السلطتان في المغرب الأقصى وتونس، أن  ترجِّحا سيطرة السياسي على الديني، أو إجراء مصالحة بينهما لصالح السياسي؛ فلم تحصل تطورات  في بنى الحركات الأصولية تدفع باتجاه الصدام مع السلطة.
أما في الجزائر فأخذت  الحركات الأصولية تشكِّل خطراً حقيقياً على النظام الليبرالي الذي تأسس بعد حرب التحرير، بحيث أسهمت عدة أسباب في بلوغ هذه الحركات نقطة الصدام مع النظام. إذ قصَّر النظام الجديد بحل إشكاليتين أساسيتين:
-رفضه مشاركة أي طرف سياسي بالسلطة، وبذلك غيَّب الديمقراطية.
-وعجزه عن حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الجزائري.
وعلى العموم، استفادت الحركات السياسية الإسلامية، في الوطن العربي، من الحالة الثقافية الشعبية الإسلامية، واستغلَّت حالات الاحباط الشعبي المتولد عن فشل التجارب الوحدوية  القومية، أو عن الأخطاء  التي ارتكبتها الأنظمة القطرية، وراحت تفسر أسباب ما حصل على أساسها.
وفي المقابل، لم تجد التيارات القومية والوطنية، ما تدافع به عن أسباب النكسات فحسب، وإنما أيضاً كانت في موقع الناقد لما يحصل. وهي في الوقت ذاته لم تستطع أن  تنظم نفسها في حركة معارضة هادفة وفاعلة، لكي تقدِّم البديل القومي والوطني في سبيل مواجهة النكسات والعمل في سبيل تصحيح الأخطاء التي وقعت.
بين هذين التيارين: القومي والإسلامى، كانت الأكثرية الساحقة من الجماهير الشعبية، المصابة بالاحباط، تفتش عن تعليل وتفسير لما كان قد حصل.
لم تكن الوحدوية، داخل الوجدان الشعبي، قد ميَّزت هويتها بعد على غرار الانقسام الحاصل بين الأحزاب والحركات السياسية، فهي تارة وحدوية إسلامية؛ وتارة أخرى وحدوية قومية.
أما الأنظمة القطرية، وتياراتها الثقافية فوقفت موقف الذي يقاوم الثقافة الإسلامية باسم الحداثة، لكنها فشلت في التحديث ولم تنجح في تهذيب تلك الثقافة وتطويرها.
ولكل هذا، استفادت المشاريع الخارجية من حالة الصدام بين الحركات الإسلامية، والحركات القومية.
ففي مواجهة ما حُسِبَ أنه استفزاز مُوَجَّه، من التغريبيين المنتصرين لحضارة الغرب ضد الأصوليين المنتصرين للتراث التشريعي الإسلامي، نشأت عدَّة حركات إسلامية أصولية منظمة. ولأن دور الحركات المنظَّمَة هو الأكثر تأثيراً وفاعلية، سنسلِّط بعض الأضواء على أهمها، ومنها: حركة الإخوان المسلمين، وحركة الثورة الإسلامية في إيران.


ثانياً: مناهج الحركات الدينية في بناء الدولة الإسلامية متناقضة
 I-إعادة إحياء نظام الخلافة الإسلامية على نهج الحاكمية لله
(الإخوان المسلمون)
تأسست حركة الإخوان المسلمين في القاهرة في العام 1928م، وتوسعت بشكل كبير في داخل مصر، وانتشرت في السودان وسوريا والعراق. وكان من أهدافها الدعوة للمحافظة على أسس الدين، لكنها أخذت، فيما بعد تعلن أن للإسلام معنى واسعاً، وإنه لا يقتصر على المسائل الدينية والروحية الصرف. فدعت الحركة إلى تأسيس دولة إسلامية، وأعلنت أن «فصل الدين عن الدولة كان نتيجة للتدخل الغربي في البلاد الإسلامية. وقد حاول برنامج (الإمام حسن البنا (1906-1949م): مؤسس الحركة ) تأكيد القانون المقدس في شتى مجالات الحياة([9]).
أخذ الإمام حسن البنا في العام (1927م)، السلفية عن الحركة الإصلاحية، وبشكل خاص عن محمد عبده، مدعَّماً بحماس الأفغاني ونشاطه ونظرته الشمولية وعدائه للاستعمار والتخلف؛ وحاول أن يكمل ما نقص عند الأفغاني في تجنيد الجماهير الإسلامية. فأسس جماعة الإخوان المسلمين التي خرجت منها الجماعات الإسلامية الحالية([10]).
شقَّت حركة الإخوان المسلمين طريقها بسهولة، منذ تأسيسها حتى قيام ثورة 23يوليو/ تموز 1952م في مصر؛ وامتازت بعدد من الخصائص، منها:
-ارتباطها بالحركة الوطنية المصرية، في الأربعينيات من القرن العشرين، وكان الاستعمار عدوها الرئيس. وشارك أعضاؤها في حرب فلسطين.
-اصطدامها بالملكية، لأن إماماً للمسلمين لا تقوم ولايته إلاَّ بالبيعة والشورى.
-شعبية الدعوة وتغلغلها في أوساط العمال والفلاحين والطلبة والمثقفين.
ومرَّت حركة الإخوان المسلمين بطورين:
-الأول: الدعوة إلى الله، وإلى القيم الإسلامية، كقيم مقدسة؛ والعودة عن طريق البدع إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله، وعمل الصحابة والتابعين.
- الثاني: الانتقال من وسائل تحقيق الأهداف بالحكمة والموعظة الحسنة إلى الجهاد.
ولهذا ركَّزت الحركة على مطالبة الحكومة المصرية بالعمل في سبيل الله، عن طريق الاهتمام بالتعليم الديني ومحاربة الإلحاد. وبهذا انتقلت إلى الوقوف في وجه الحكومة، والدعوة إلى أن تكون السياسة جزءاً من الدين، فكونت كتائب الجهاد للقيام بواجب الصراع مع السلطة لاستلامها وبناء الدولة الإسلامية.
ولكي تبني تنظيماً مجاهداً، حدَّدت شروط الانتساب إلى الجماعة: بالطاعة العمياء (فطاعة المرشد أو أمير الجماعة هي طاعة الله). والإيمان بأن النظام الإسلامي هو النظام الديني الإلهي (الإسلام هو النظام العام الشامل الذي يفضل أي نظام آخر في كل زمان ومكان). والعداء لكل النظم التي حلَّت محل الإسلام (الأفكار المستوردة في الدستور، وإلغاء الأحزاب). والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس. ثم العمل لاسترداد الخلافة.
وكان تناقض الجماعة واضحاً مع الأنظمة السياسية الحاكمة في بعض الأقطار العربية مثل سوريا ومصر، ما أدَّى إلى نشوب صراع دموي بين الطرفين، بحيث كانت ثورة تموز/ يوليو 1952م في مصر، بداية لنهاية الإخوان المسلمين.
ومنذ الستينيات، دخلت «جمعية الإخوان المسلمين» في سوريا في حركة معارضة مسلحة وأعلنت عن ثورة إسلامية شاملة في سوريا ضد النظام تحت ذريعة أنه فاقد للشرعية. لكنه، إلى جانب هذا التيار المتصلب، كان هناك تيار معتدل يؤيد حركة الإخوان، لكن، من دون المشاركة في عمليات العنف.
بعد اغتيال الإمام حسن البنا، برز سيد قطب في مصر، الذي دعا إلى تكفير الحكومة ومواجهتها بالعمل الثوري بعد أن عملت السلطات بالإخوان قمعاً واعتقالاً وتعذيباً. ولقد تأثَّر سيد قطب بأبي الأعلى المودودي، الباكستاني الأصل، خاصة في بلورة فكرة الجهاد. وكان المودودي يدعو إلى: «أن حاكمية الله هي ضد حاكمية البشر، وألوهية الله في مواجهة ألوهية البشر، ثم ربانية الله في مقابل العبودية لغيره من البشر». وقد مثَّلت فكرة (الحاكمية لله) ما يشبه المُسلَّمَة الفكرية والحركية بالنسبة لتنظيمات الإخوان المسلمين، والحاكمية تعني تكفير الحاكم والمؤسسات المحيطة به، وشرعية الانقلاب عليه، لأنه يستند إلى حاكمية أخرى غير حاكمية الله، وهي (حاكمية البشر) التي تسمح أحياناً بالديموقراطية، وأحياناً أخرى بالاشتراكية وبالعلمانية([11]).
مثَّل كتاب سيد قطب (معالم في الطريق) محوراً أساسياً في تطور فكر الإخوان. ودعوته قامت على أن هناك تعارضاً شديداً بين مجتمعين ونظامين وحقيقتين: الإسلام والجاهلية، الإيمان والكفر، ولا بقاء لطرف إلا بالقضاء على الآخر. فالإسلام هو مجتمع الإيمان حيث تكون فيه الحاكمية لله؛ ونظام الدولة القائم هو مجتمع الكفر. ولا يمكن إحداث التغيير فيه إلا عن طريق القضاء على أئمة الكفر، ووضع أئمة الإيمان محلهم؛ ويقوم بهذه العملية الصفوة المؤمنة، وهي مفروضة فرضاً عينياً على كل مسلم ومسلمة.
وقد أدى التغيير الذي أحدثه سيد قطب إلى تفريع الجماعة إلى محورين رئيسين:
-فرع التبشير والحوار، ومنه السلفيون، والإخوان المسلمون.
- وفرع التغيير عن طريق الجهاد، ومنه:
-جماعة الجهاد: التي ترى أن قتال السلطة الكافرة واجب ديني لا يمكن التقصير في القيام به. فقتال الحاكمين واجب لأنهم ارتدُّوا عن دينهم، وقتل المرتدِّ واجب.
- جماعة التكفير والهجرة([12]): تأسست في العام 1977، وتحسب نفسها أنها الفرقة الناجية من النار. ودعت إلى النضال ضد الدولة الكافرة التي تحكم بغير ما أنزل الله. ويمر النضال عندهم بمراحل ثلاث: الدعوة العلانية إلى إعلاء كلمة الله، الهجرة إذا تعرض المسلمون للبلاء، والعودة عندما يشتد عودهم لإزاحة الطاغوت، وحينها سوف ينتصرون على جند الشيطان حتماً.
وتحسب الجماعة أن أكثر المعاهد الأزهرية الدينية منحرف كل الانحراف، لأنها تدرِّس فلسفة ابن سينا والفارابي والكندي وغيرهم على طلبة الكليات. فالعلم «من الله وحده، وإن ما عداه فهو ظن، وإن العلم الذي أجاز الله تعلمه للناس إنما هو على سبيل الحصر: العلم الذي يربطهم بالتكليف الوحيد الذي لم يكلفهم الله إلا به وهو عبادته سبحانه… وثبت عند الجماعة «أن الأعلم بالله والأتقى له هو الأقل علماً بأمور الدنيا». و«يُحرَّم تعليم الكتابة في الجماعة المسلمة إلا بقدر الحاجة العملية، وتعلُّم الكتابة الزائدة حرام». لأن «البشرية كلها الضالة، التي دمرها الله تعالى، لم تكن تزهو إلا بالعلم، ولم تكن تتعالى على الله إلا بثمرة هذا العلم المنعدم الصلة بعبادة الله وحده».
تحكم الجماعة بالكفر على كل من لا يقتنع بفكرها ومذهبها، ولكنها لا تحِلُّ قتله الآن، وإذا قتله أحد أفرادها فلا يستحق القود لأنه « لا يُقتَل مؤمن بكافر».
-تنظيم الفنية العسكريـة: أنشئ في العام 1973م، يعتقدون أن الجهاد لتغيير الحكومات الكافرة، وإقامة الدولة الإسلامية، فرض عين على كل مسلم ومسلمة. ويكفرون كل شخص يشترك في الأحزاب والجمعيات ويعتنق مبادئها العقائدية، وكل من يوالي الدولة والأحزاب الكافرة، وكل من أعدَّ القوانين المخالفة للإسلام أو أسهم في إعدادها، أو طبَّقها من دون اعتراض، والمعارضون لأحكام الإسلام مهما كانت، والاعتزاز بتراث الكفر، وحصر الدين بالعبادة، وكل من سبَّ الله أو الدين أو النبي، وكل من ترك أركان الإسلام، وكل من أنكر إحدى عقائده.
-جماعـة الجهـاد: وقد ظهرت في العام 1973م؛ وتفرَّعت عنها جماعة الجهاد الإسلامي في العام 1979م، وهي التي نفَّذت اغتيال أنور السادات في العام 1981م.
هي جماعات متعددة، لا يضمها إطار تنظيمي واحد، ولكن تجمعها (عقيدة الجهاد)، وقتال الحاكم وتكفير مؤسساته المختلفة.
أما السلطة عندها فهي أداة لتنفيذ شرع الله. وعن فكرة الحاكمية ينتج تكفير النظام، ووجوب الخروج عليه، وجواز قتاله، واغتنام أموال الدولة، ومحاربة الجيش والبوليس لأن الخدمة فيهما كفر. فلا طاعة إلا لإمام، ويجب عصيان إمارة الكفر والسفه والجاهلية. لذا ترى جماعة الجهاد أن القتال ضد السلطة الكافرة واجب ديني.
انتقدت جماعة الجهاد جماعة التكفير والهجرة، والواقفين بالإسلام عند حدود التقوى والعبادة والنسك، وقالوا بأن قمة العبادة في الإسلام هي الجهاد؛ إلاَّ أنهم يعتبرون أن الطريق إلى تحرير القدس يمر عبر تحرير البلاد من الحاكم الكافر.
ويرون أن بناء دولة إسلامية يمر بمرحلتين: مرحلة البناء والتكوين، ومرحلة الحركة.
ففي المرحلة الأولى تهتم الجماعة بالتعليم الشرعي من جهة، وبالتربية الروحية والبدنية من جهة أخرى، وإعداد الأعضاء قتالياً من جهة ثالثة.
أما في المرحلة الثانية، أي الحركة، وهي مجموعة الأعمال التي تقوم بها الجماعة للوصول إلى الغاية العظمى؛ وتتمثَّل بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم الجهاد في سبيل الله وهو ذروة سنام الإسلام.
أعلنت حركة الإخوان المسلمين مشروع استعادة بناء الدولة الإسلامية، وكان العمود الاستراتيجي لتنفيذ مشروعها يمر عبر إسقاط الأنظمة العلمانية، لذا أعلنت عداءها الصريح لتلك الأنظمة لأنها لا تحكم بما أمر الله به، واعتبرت بعض الفروع، التي ولدت من رحمها، أن إسقاط تلك الأنظمة أولوية لا تسبقها أولوية أخرى حتى ولو كان على حساب الصراع مع الصهيونية والاستعمار. وعلى هذا الأساس انتقلت من مرحلة التبشير إلى مرحلة التنفيذ منذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين.
جاءت التطورات اللاحقة لتثبت حقيقة تلك الاستراتيجية، وكان من أهم مظاهرها علاقة بن لاذن مع الأميركيين الذي استجاب للاستراتيجية الأميركية فيما عُرف بتحرير أفغانستان من الاحتلال السوفياتي.  ومن بعد إنجاز المهمة انفصل عن الاستراتيجية الأميركية وأعلن بناء نواة للدولة الإسلامية المنشودة في أفغانستان المحررة. واعتبرها القاعدة المركزية التي ينطلق منها لما اعتبره تحرير الدول الإسلامية من أنظمتها العلمانية. وأدَّت تلك الاستقلالية إلى الصدام مع الولايات المتحدة الأميركية، حليف الأمس.
كما نجد ترجمة لهذا المبدأ في التحالفات التي عقدها (الحزب الإسلامي العراقي)، وهو أحد فروع حركة الإخوان المسلمين، مع الاحتلال الأميركي.
وإن كانت الحركة السلفية السنية، التي تشبَّعت بفكر حركة الإخوان المسلمين، قد أعلنت الجهاد ضد الاستعمار فيما بعد في أفغانستان، فإنما كان هذا الجهاد نقلة تعتبر المرحلة التالية في استراتيجيتها. لكن هذه المرحلة لم يبلغها (الحزب الإسلامي العراقي) منتظراً متغيرات أخرى، ربما يكون من أهمها الاطمئنان لخروج الاحتلال الأميركي من العراق.  وتلك مرحلة تمثل أحد أكبر المآزق التي تواجه تلك التيارات السلفية، وليس أكثر خطورة من ارتكاب جريمة الخيانة العظمى بحق الدول التي تنتسب إليها تحت ذريعة أنها تقاوم إلحاد الأنظمة المتمثل بالعلمانية، كما تعتبرها أخطر من الاستعمار ذاته.
إن تركيزنا على جانب أهداف الحركات السلفية السنية واستراتيجياتها، إنما يشكل الخطورة الأكثر مثولاً في مشاريع تلك الحركات، أي أنها تهدم الأنظمة الوطنية، وهي لا تمتلك شروط بناء البديل على شتى الصعد، خاصة وأنها ترتكب جريمة الخيانة.  ولهذا صحَّ فيها قول نيكسون، رئيس الولايات المتحدة الأميركية الراحل:  إنها حركة تعرف كيف تهدم، لكنها عاجزة عن معرفة كيف تبني.


II-إعادة إحياء نظام الخلافة الإسلامية على نهج نائب الإمام المنتظر
(تيار ولاية الفقيه)([13])
تمهيد
تقوم أصول المعرفة  عند الشيعة  على أربعة مصادر: الأول إلهي ينتقل إلى النبي بواسطة الوحي.  والثاني السنة النبوية. والثالث  فيُنقَل  عن  الإمام المعصوم. ويأتي الفقيه مصدراً رابعاً. وتعتبر الإيديولوجية الشيعية أن كل مسلم يتلقى المعرفة من غير هذه المصادر يبتعد عن جادة الصواب في الدين إلى حد الشرك بالله. 
ونظرية المعرفة عند الشيعة هي أساس لنظريتهم السياسية، فللفقيه السلطات نفسها في شؤون الدين والدنيا. وسلطاته مطلقة محصَّنَة بالإرادة الإلهية، فهو «الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام، و الراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله كما جاء عن صادق آل البيت (ع)» ([14]).  لكنه لم يتسن للشيعة  الإثني عشرية  أن يختبروا  نظريتهم في السياسة، إذا  ما استثنينا  بعض تجاربهم العابرة والقصيرة المدى مثل فترة خلافة علي بن أبي طالب، والتجربة المعاصرة في إيران.
أما ما بين التجربتين، ومنذ أيام الإمام جعفر الصادق، فقد أرجأت الشيعة الإثني عشرية الثورة  لتغيير نظم الحكم  السياسي وإقامة الدولة  الشيعية. وكان سبب الإرجاء  مبدأ التقية بسبب ما واجهه أئمة الشيعة من التضييق على حرياتهم في جميع العهود. فأصبحت عندهم من الدين استناداً إلى قول الصادق «من لا تقية له لا دين له»([15])
واستمر الوضع حتى العام (260هـ)، حينذاك حصل تطور على غاية من الأهمية بفعل (الغيبة الصغرى) للإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن المهدي المنتظر) وهو ابن خمس سنين.  أما بعد (الغيبة الكبرى) فتوقفت سلسلة الأئمة  عند الشيعة الإثني عشرية، فأرجأت  الثورة  ليس بفعل  مبدأ  التقية هذه المرة  بل لأن  الإمام غاب لأمر مقصود ولا يجوز قيام نظام سياسي إسلامي إلا بعد ظهوره. 
وهكذا عاش الشيعة، عبر التاريخ الإسلامي، يخضعون لدول لا يؤمنون بصلاحها، ويرونها دول جور وسلطات استبدادوهم لم يثوروا علىها لا لضعف ورهبة، فقط، بل لأن الثورة عندهم مؤجلة ومرهونة بظهور الإمام الغائب([16])
إن مبدأ التقية، وغياب الإمام الثاني عشر، أوجدا شغوراً في الحياة السياسية عند الشيعة؛ وهذا الشغور كان سبباً في ولادة تيار شيعي أخذ يتساءل: إلى متى يبقى الشيعة خارج دائرة الفعل السياسي الإسلامي؟ وهل يجب أن يبقوا في حالة انتظار-طال أمدها-إلى حين ظهور المهدي المنتظر؟ ومنه نشأ ما أصبح يُعرف بنظام «ولاية الفقيه».
1-كيف تأسس الخط الحزبي السياسي عند الشيعة؟
تعود بداية التفكير الشيعي الإثني عشري بسلوك الخط التنظيمي الحزبي إلى العام (1959م)؛ عندما تأسس حزب الدعوة الإسلامي-الشيعي في العراق، على قاعدة أن يتسلّم علماء الدين الحكم ويقومون به، وأن يطلبوا قيام دولة إسلامية عالمية. وانتقل إلى لبنان في النصف الثاني من  الستينيات من القرن العشرين. ولم يفلح الحزب المذكور في توسيع الدعوة في كل من القطرين. وظل مأسوراً في نادٍ للنخبة. وظلَّ على هذه الحال إلى أن باتت ثورة رجال الدين الشيعة في إيران، في أواخر السبعينيات، تشكل حافزاً أمام الحزب وغيره من أجل تقليدها. فسلك منذ تلك اللحظة طريقين مقلِّدين للأنموذج الإيراني في العراق ولبنان، على الرغم من خصوصيات تكوينهما:
ففي العراق استنهضت الحركة المذهبية الشيعية نفسها، وراحت تعد لأعمال شبيهة بما حصل في إيران بمساعدة من الثورة الإيرانية وتشجيع ودعم، تُرجمت بعدد من العمليات الأمنية، من اغتيالات، وتلاعب في الأمن الداخلي العراقي. إلاَّ أن التجربة الخاصة لها في العراق اندمجت مع تاريخية الصراع العراقي الإيراني وانتهت مظاهرها بانتهاء الحرب الإيرانية العراقية، وانسحبت قياداتها إلى إيران التي عملت على تأهيلها وإعدادها لجولة أخرى، كانت من أهمها محطتين:
-الأولى: انخراطها في أعمال الشغب في محافظات جنوب العراق، أو أنها هي التي أعدَّت لها، بعد العدوان الثلاثيني على العراق مباشرة في شهر شباط من العام 1991، مستظلة تحت حماية جوية أميركية. عرَّفتها وسائل الإعلام المساندة لها بـ«الثورة الشعبانية». ولكن الحركة قُضي عليها بعد أن عاثت فساداً وقتلاً وتخريباً تركت آثاراً سلبية في تلك المحافظات.
-الثانية: تسلل تلك الحركة، هذه المرة مباشرة تحت حماية الاحتلال الأميركي، بحيث كان هذا الدخول منسقاً بشكل عملي واضح من قبل القيادة الإيرانية. وكانت مشاركتها للاحتلال الأميركي، والعمل على إنجاح ما سماه الاحتلال بـ«العملية السياسية»، وقد عاثت تلك الفصائل فساداً في العراق، إن كان عبر حماية الاحتلال وملاحقة المقاومين العراقيين، والتشديد على تقسيم العراق إلى كانتونات طائفية، وافتعال الحرب الطائفية بأعمال القتل والاغتيال وتطهير المناطق من أجل «تشييعها» لأغراض قد تنال من أمن الفيدرالية الشيعية المزمع بناؤها.
أما في لبنان، فسادت حالة الانبهار الإسلامي بنجاح الأنموذج الإيراني، وقد أتاحت هذه الفرصة للنظام الإيراني الجديد استقطاب قسم من شيعة لبنان، وإغراء قياديين كُثُراً من حركة أمل التي أسسها الإمام موسى الصدر منذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين. وبهم أسَّس ما عُرف بـ«حزب الله»، الذي اعتنق مبادئ وإيديولوجيا «ولاية الفقيه» التي طبقها النظام الإيراني كنظام حكم ليست حدوده إيران فحسب، بل يتجاوزها إلى تأسيس دولة إسلامية عالمية أيضاً. وهذا الأمر الثاني يقتضي تأهيل شيعة العالم لتشكيل حركات تدعم النظام الإيراني وتعتبره مركزاً للثورة الإسلامية العالمية.
ومن وسائل الحزب التنظيمية، بداية، أن يجمع طالب العلم بين التحصيل الديني، وبين أنشطة حياة عادية. فالداعي يقوم بنشاط التدريس الديني، ومشاركة الناس في أعمالهم، ومعايشة همومهم وقضاياهم. بالإضافة إلى ذلك، فقد تدرَّب أعضاء الحزب على العمل المسلَّح في أوائل السبعينيات من القرن العشرين.
عمل حزب الدعوة، ومن بعده «حزب الله» -منذ أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، على بناء الشخصية الإسلامية التامة من خلال المدارس والحوزات، وإعداد «الملتزم الرسالي». ويتحصَّن المجتمع الإسلامي عندهم، أي مجتمع «الحكم الشرعي» العامل بولاية الفقيه « الإمام قائد الأمة»، بالمسجد أو بالنادي الحسيني([17]).
أما منطلقات حزب الله: فهي «الرسالة التي يجب أن تعمَّ العالم، وتحكمه، ولا يحكمه الإنسان». وهي ليست «رسالة تبشيرية فقط، وإنما رسالة تبشيرية ورسالة لإقامة مجتمع العدالة في الأرض»؛ وهذا ما سوف يفرض «حالة صراع مع كل التجمعات البشرية التي ترفض أن تتعامل مع الإسلام كرسالة للحياة». ويعلن الحزب أنه يدرس «مشروعاً إسلامياً مبنياً على فكر ورسالة دولة الإسلام الكبرى... وعمل توحيدي للشعوب في المنطقة... وهذا ما عبَّر عنه الإمام الإمام الخميني بتصدير الثورة»([18]). تحت قيادة الرسول، والأئمة المعروفين، وبعدهم الفقهاء الأولين، بانتظار ظهور الإمام المنتظر.
كانت الدعوة إلى مركزية الدولة الإسلامية واضحة في بدايات مراحل تأسيس «حزب الله»، فحمل تابعيه على تجاوز كل ما هو عائلي ووطني، والإقرار بمركزية الثورة الإسلامية في إيران. ولكنه بعد أن اشترك في تظاهرة ترفع شعار (لا حاكمية إلا لله) في بيروت في أوائل الثمانينيات، أخذت تحولات على مواقفه المعلنة تظهر، منذ أوائل التسعينيات من القرن العشرين، حيث أعلن مواقف سياسية جديدة، وذلك بالانخراط في المعركة الإصلاحية التي  كان يرفضها سابقاً، والدعوة إلى ضمان الحريات السياسية والفكرية والإعلامية([19]).
ولكن كيف يمكن لمنهج نظرية الفقيه أن يعالج إشكاليات العلاقة بين المذاهب الإسلامية، والديانات السماوية الأخرى، ومع الأحزاب والحركات القومية؟ 
-حول العلاقات بين السُنَّة والشيعة، يفترض هذا التيار أن بينهما حالة شكلية طائفية أو مذهبية، حدودها نفسية، ربما تعود إلى ابتعاد السُنَّة عن الشيعة في مجتمعاتهم، وإن الزمن يَحِلُّ كثيراً من هذه المشاكل.
-وحول العلاقات مع الديانات السماوية، خاصة بأهل الذمة، فيمكن إعادة النظر فيه. لكن الحزب لم يوضح  ما إذا كان الخطأ في نظام أهل الذمة عائداً إلى الخط الإسلامي، أم إلى إساءة في التطبيق.
-وحول العلاقة مع الحركات القومية، فلا يشعر هذا التيار أن القومية العربية، كإطار ومضمون، شيء واقعي. وتمكن مشاركتها في مواجهة الاستعمار مرحلياً ولكن لا يمكن الاعتراف بشرعية أفكارها([20]).

2-«ولاية الفقيه» نظرية سياسية أممية ذات أبعاد شيعية
 طال  غياب المهدي  المنتظر، وبقي الشيعة في حال انتظار طويلة ملتزمين مبدأ التقية، يخضعون لسلطات لا يؤمنون بصلاحها.  ولأنهم «كانوا آيسين من رجوع الحكومة إليهم، ويرون كأنه بمنزلة أمر ممتنع»([21]).  وقد انقرض ملك بني العباس، ولم يظهر أحد من أهل البيت.  ولطول المدة أخذت تتحول إلى تساؤلات عند بعض فقهائهم، فأقر البعض منهم بجواز أن يتولى الفقيه مسئوليات الإمام في فترة غيابه([22])
تلقَّف الإمام الخميني هذا الاجتهاد، ورأى أن عصر الغيبة الكبرى طال أكثر من ألف ومائتي  عاماً تقريباً، و قد يطول أكثر من ذلك؛ ورأى أن للإسلام «أحكامه النظامية والسياسية وقوانينه الإدارية والعسكرية التي لا تزال صالحة للتطبيق على الحياة العامة من غير  تحوير شعرة [ولا ينقصها إلا أنها] بحاجة  ماسة إلى ضامن، نافذ الكلمة، مُطاع على الإطلاق [وإن الإسلام قد] فوَّض تولي أمور المسلمين إلى الفقهاء  العدول[و] إن وظيفة الفقيه العارف  بأحكام  الشريعة هي  النهضة والانتفاضة وإعلاء كلمة الله في الأرض والمجاهدة وتطهير أرض الله من أعداء الله»([23])
وهاجم الدعوة لفصل الدين عن الدولة وعن السلطة السياسية، واعتبرها دعوة استعمارية يهدف من ورائها «إلى إبعاد رجال الدين عن ساحة السياسة، وعن التدخل في شؤون الدولة إطلاقاً، لكي ينطلق عملاء الاستعمار في أعمالهم التعسفية».  وهاجم بعض رجال الدين الشيعة من الذين خضعوا لهذه  الدعوة؛ وقد خاطبهم بقوله: «الدعايات الأجنبية عرفتكم إلى الملأ الأعلى شرذمة رجعية مُتزمِّتة تجمَّعت في النجف وقم، وما شأنها والتدخل في سياسة البلاد»([24])
كما يرى الإمام الخميني  أنه في تأخير تأسيس الدولة الإسلامية حتى  ظهور الإمام مؤامرة على الإسلام و المسلمين.  فمضمون الحكم في الإسلام وأسسه ليس موضوع جدل، فالقوانين «جاءت من عند الله لغاية تطبيقها  على الحياة، [و ما على الولاة سوى] تنفيذ الخطة القائمة من دون  ... التدخل في  شؤون أحكام الله على الإطلاق [و] إن ولاة  الأمر في الإسلام يتبعون  الرسول  الأعظم، والرسول يتبع القانون الإلهي الحكيم»([25])
يرى الإمام الخميني أنه من غير الجائز على المسلمين  أن ينتظروا  ظهور المهدي  أكثر  مما انتظروا.  والسبب أن الإسلام يشكل  مجموعة من القوانين  التي جاءت من عند الله  أولاً، ولأنه «لم يختلف أحد من المسلمين في ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية منذ الصدر الأول للإسلام([26])
لم يكن الاختلاف حول تشكيل الحكومة أو عدم تشكيلها، وإنما أصبح يتعلق في توفر الظروف المناسبة أو عدم  توفرها، لهذا بعد أن  أصبحت الظروف مؤاتية  في إيران أصبح  لزاماً على المسلمين البحث عن الحكومة وفض  الاختلاف «في نوعية تشكيلها، وفي الشرائط اللازمة في شخص الحاكم الإسلامي؛لأنه إذا اجتمع فقهاء المسلمين في هذا العصر «وأجمعوا رأيهم لكان بوسعهم تشكيل حكومة إسلامية عادلة من غير ريب»([27])
لكن البحث في الشرائط اللازمة للحاكم، ولبناء الدولة الإسلامية يصبح غير  ذي مضمون في الحالة التي يظهر فيها الإمام المنتظر، لأنه بظهوره -كما يحسب منتظري-«يغنينا من هذه الأبحاث العريضة»([28]).  وكأننا بمنتظري لا يخرج عن دائرة المنطق التخميني، فلا  اليقين ثابتاً  عنده في مبدأ انتظار  الإمام، وليس يقيناً  ثابتاً في نظرية  ولاية الفقيه؛ فأيهما الجاهز للتطبيق فهو الأصلح للعمل بمقتضياته. 

3-الشرائط اللازم توفرها في الفقيه الحاكم
يرى منتظري أن السيادة والحاكمية لله تعالى فقط.  والنبي  أيضاً لم يكن له حق الحكم إلا بعد ما فوَّض الله إليه ذلك. والأئمة، أيضاً، قد انتُخِبوا من قبل النبي بأمر الله تعالى، والفقهاء في عصر الغيبة، أيضاً، نُصِبوا من قبل الأئمة، وليس لانتخاب الناس أثر في هذا المجال أصلاً.  فالحكومة الإسلامية ثيوقراطية محضة»([29])
ولأنه لم يتعيَّن شخص الحاكم الإسلامي بالنص في عصر الغيبة، يحدد منتظري طريقة اختياره وشروطها، فهو يقول : «وجب على الأمة  ترشيحه وانتخابه، إما بمرحلة واحدة أو بمرحلتين: بأن ينتخب أهل كل صقع وناحية بعض أهل الخبرة، ثم يجتمع أهل الخبرة وينتخبون الفقيه الواجد للشرائط والياً على المسلمين»([30]).
أما الشرائط  التي يجب توفرها في شخص الفقيه:معرفته الكاملة بالقانون، وعدالته العامة بالتنفيذ. على أن لا تكون معرفة وضعية، وتنفيذاً وضعياً؛ وإنما لا حكم لغير القانون الإلهي يتصدى بتنفيذه الحاكم  الإسلامي  الذي «جاء تعيينه  من قبل الله»([31])
فللفقيه نائب للإمام، سلطة مُطلَقَة في أصول المعرفة الدينية، والسلطة السياسية المطلقة، فهو له الزعامة الكبرى و هو المصدر للقيادة العليا الإسلامية فالأمراء والقواد هم الممتثلون لأوامره، وهو الواقع في قمة الحكم، والبقية مأمورون مؤتَمِرون وهو المخوَّل من قبل الله في إجراء الحدود»([32]).  وللفقيه سلطات واسعة غير محدودة، فبيده  أزمَّة الأمور كلها، الله أعطاه  هذا الاختيار، وأوكل إليه أمر الأمة»([33])
وعلى الرغم من أنه يرى بأن الفقيه لا يداني النبي والإمام فضيلة أو مكرمة،  يقرر أن هناك حدوداً  للتطابق بين النبي والإمام والفقيه، حيث يقول: «إن الحكومة تكون للعالم العادل: نبياً أم إماماً أم فقيهاً عادلاً»([34])
وخلاصة القول: اعتمدت نظرية ولاية الفقيه على المفاهيم التالية:
-تشريع تجاوز انتظار المهدي المنتظر، وهو الذي طالت غيبته أكثر من ألف ومائتي عام، لأن غيبته قد تطول مدة مماثلة أو أكثر. 
-للاستعمار مصلحة في فصل الدين عن الدولة، وانتظار  المهدي لكي  يقيم حكومة العدل هو منع رجال الدين من استلام السلطة. 
-إن في الإسلام قوانين إلهية ثابتة لتنظيم شؤون الحكومة الإسلامية. 
-إن الإسلام يواجه مشكلة صلاح أي كان لتطبيق هذه القوانين، وقد وجدها في نائب للإمام، الذي هو (الفقيه). 
4-نظرية ولاية الفقيه تشكيك بيقينية نظرية الظهور
أما بالنسبة إلى مبدأ ظهور المهدي فنجده في صلب نظرية المعرفة عند الشيعة، لأنه لا يجوز أن يطبِّق  القوانين الإلهية سوى إمام  معصوم، كي لا يقع الحاكم  في أخطاء  تضعف الثقة بالتشريع الإسلامي.  لذلك أصبح من الواجب انتظار ظهوره.  أما النظرية الخمينية حول ولاية الفقيه فرأت في مسألة الانتظار ثغرتين:
-الثغرة الأولـى: أن الشيعة انتظروا  مدة طويلة فمن غير  الجائز أن ينتظروا  أكثر. فأصبحت المشكلة و كأنها مسألة  نفاذ صبر، وإذا كان ذلك كذلك فهناك احتمالان:
-الأول: أن يكون نفاذ الصبر من الانتظار هو المشكلة فعلاً. 
-الثاني: أن  تكون مسألة الانتظار  متعارضة مع القوانين الإلهية، التي توجب تعيين إمام معصوم لتطبيق هذه القوانين، كما تنص عليه العقيدة الشيعية الإثني عشرية. 
فإذا كان الاحتمال الأول هو الصحيح، فلماذا طال الصبر إلى مئات السنين؟ أما كان من  الأجدر التوفير على مصالح  المسلمين  الكثير من الوقت  المهدور؟
أما إذا  كان الاحتمال الثاني  هو الصحيح  فكان على  الإمام الخميني، رائد تطبيق نظرية ولاية الفقيه،  أن ينتظر ظهور الإمام المعصوم مهما طال الزمن.
لا نصوص نستند  إليها في التحليل، و إنما طريقنا الوحيد هو تفسير  ما يقول، فإن ما يريد أن يقوله يُعبِّر عنه  بمنهج من المداورة و ليس المباشرة. 
وجد الإمام الخميني في انتظار الإمام المعصوم الغائب ثغرات، من أهمها:
-إن  الله تعالى لو أراد أن لا يُولِّي الحكم إلا  لإمام معصوم لما كان قد عمل  على تأخير ظهوره مئات من  السنين، و قد تطول المدة  أكثر من ذلك.  وهنا نتساءل: أليست نظرية ولاية الإمام المعصوم المنتظر، كما يدل نفاذ الصبر عند الإمام الخميني، مسألة مستحيلة؟
فإذا كان يؤمن فعلاً بوجوب ولاية الإمام المعصوم، وأن هذه الولاية منصوص عليه إلهياً، لكان من  واجبه كشيعي أن ينتظر  ظهوره مهما  طال  الزمن، وإلا فإن نفاذ الصبر من انتظار تحقق أمر إلهي، هو الوقوع في معصية استعجال أمر الله الذي يكون قد عمل على  تأخير الظهور لسبب لا يعلمه إلا هو.  ولكن لشك في الإيمان بولاية الإمام  المعصوم  عجَّل  بالتراجع  عن  ركن  من  أركان  العقيدة الشيعية الإثني عشرية. 
-يرى  الإمام الخميني أن المستفيد من  الانتظار هو  المستعمر  نفسه. وإن المستعمر يريد أن  يفصل الدين عن السياسة لمنع رجال الدين من تسلُّم السلطات السياسية.  وهذا يدفعنا إلى التساؤل:
-هل كان الاستعمار موجوداً قبل  العام 148هـ، حينما وضع الإمام الصادق مبدأ التقية؟ وهل كان الاستعمار موجوداً في العام 260هـ-التاريخ الذي اختفى فيه الإمام محمد بن الحسن عن الأنظار؟ 
-وهل غير الفقهاء الشيعة هم الذين صاغوا نظرية الانتظار؟  وهل هناك أي شك بنواياهم السليمة عندما وضعوها؟ وهل أسهمت أية جهة معادية للشيعة في وضعها؟
إن نظرية ولاية الفقيه هي انقلاب على  أسس المعرفة الشيعية  حاول واضعوها أن يوفِّقوا قواعدها  مع أسس تلك المعرفة حتى  لا تبدو متعارضة مع  تراث مئات السنين  من الحجج الفقهية  التي أسست نسقاً معرفياً للشيعة يتميَّزون به عن غيرهم. 
ومع أن مسألة التجديد في الفكر مسألة ضرورية، كان الأجدر بالخمينية ان تطرق بابها بصورة شاملة وليست بصورة جزئية؛ فالمدخل الإصلاحي في التغيير قد يردم ثغرات ليخلق ثغرات أخرى. فهو لا يتوافق مع التيار المطالب بالتجديد الشامل، ولا يرضي التيار المحافظ. وهذا الأمر تنتج عنه حالة تفتيتية جديدة في داخل المذهب الواحد لتخلق أسباباً جديدة للصراع. 
تنطلق عملية التنظير الخمينية لمرحلة البناء الجديدة. فيقوم بناء السلطة السياسية الإسلامية عنده على مسلَّمتين اثنتين:
-وجود الشرائع الإلهية الجاهزة للتطبيق. 
-وإحلال  الفقيه محل الإمام المعصوم للقيام بكل سلطاته السياسية. 
تصور الخمينية أن كل شيء جاهز للبناء الجديد، فعلى المسلم أن يُسلِّم مصيره إلى سلطة الفقيه المطلقة من دون نقاش، لأن كل شيء مرسوم بدقة متناهية؛ فإن ظُلِم المسلم في  ظل  هذه السلطة فلخطأ من جنى يديه، وإن لم يُظلَم فلأنه سلَّم أمره لها. وهل ما تقول به نظرية ولاية الفقيه إلا استحالة جديدة وانتظار جديد؟
فإذا  كان صبر أصحاب نظرية  ولاية  الفقيه قد نفذ بعد  ألف ومائتي عام، فكم هو مطلوب من أعوام الصبر كي تثبت نظرية ولاية الفقيه واقعيتها وصحتها وعدالتها([35])؟
أحدثت نظرية ولاية الفقيه حركة  اعتراض شيعية، فانقسم الشيعة بين مؤيد لها ومعترض عليها.
أما المعترضون من فقهاء الشيعة، فيؤمنون  بوجوب  تطبيق  أحكام الشريعة الإلهية  بواسطة إمام معصوم من آل بيت الرسول، ليشكِّل ضمانة للتطبيق.  ويعتقدون، أيضاً، أن كل راية حكم غير رايته هي راية بدعة وجور، بمعنى أن الإمام المنتظر لا يظهر  إلا إذا  امتلأت  الأرض ظلماً وجوراً؛ فكل من  يتصدَّى للمنكر والجور فهو يخفف منهما ولا يستطيع إزالتهما إزالة  تامة، فهو كمن يرقِّع  الثوب  البالي، فيطيل عمره بدل أن يمزقه.  فالخوئي (ت في أوائل التسعينيات من القرن 20 م) -مرجع شيعي أعلى في النجف-مثلاً، لا يجيز القول والعمل بولاية الفقيه العامة، لضعف  بعض الأحاديث التي  استند إليها  الإمام الخميني، و البعض الآخر يحسب أن الاستدلال بها لم يكن على الوجه الصحيح. 
كما اعترض بعض رجال الدين الشيعة الإيرانيين  على النظرية، و حسبوا أنها تتعارض مع العقائد الشيعية، فأصدر أحدهم فتوى دينية يُحرِّمها قائلاً: «من  الممكن أن يصدر الفقيه حكماً غير حكم الله، سهواً وليس عمداً، ومن الطبيعي والقطعي فإن طاعة هذا الحكم غير جائزة». يستطرد الفتوى محذِّراً مما تخلقه من فوضى، لأنه في كل زمان يوجد عدد من الفقهاء.  وإذا اختلفوا فيما بينهم ستدب الفوضى بين مقلدي كل منهم. لذلك فإن فتوى  ولاية  الفقيه، مضرّ بالإسلام، ووصمة عار لجبين الإسلام والشيعة»([36]).
ومن اللافت أن هناك مفكر شيعي هو محمد خاتمي، شغل منصب رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران، في العام 1997م، وينتسب إلى المدرسة الخمينية، يقف من موضوع قيام دولة إسلامية موقفاً مرناً يُمَيِّزُه عن الذين يقولون بحتمية قيام مثل هذه الدولة تحت طائلة تكفير من يعتقد بغير هذا.
يبرِّر خاتمي موقفه بأنه « ليس هناك شكل واحد مُتَّفَق عليه بين الفقهاء والمفكرين الإسلاميين للحكم الإسلامي، ولا شرائط مخصوصة مُتَوافَقاً عليها، لأن الفهم الموَّحد، والرؤية المُوحَّدَة للإسلام غير موجودين». لأن «الدين قد حدَّد الضوابط الأساسية والإطار العام، وأما الحكومة فأمر مرجعه إلى الناس. حتى إنه في زمان المعصوم كانت إرادة الناس ورغبتهم شرطاً لحكومته…
يستطرد خاتمي قائلاً:  لقد قامت حكومة الرسول، بعد أن بايعه كل أهل يثرب تقريباً. والإمام علي بن أبي طالب يقر بحضور الحاضر وقيام الحجة ووجود الناصر شرطاً أساسياً لقيامه بالحكم.  يستطرد خاتمي، وإنه إذا لم نع أن الفكر قد تطوَّر وتحوَّل، وإنه لا يمكن حبس الأفكار في سجن من حديد، أقول: إننا لن نجد إذ ذاك طريقاً سوى الديموقراطية. ويتابع خاتمي أن الإسلام «لم يقل بأنه من الممكن لنا إجراء حكم الله بأية طريقة وأي شكل وبأي ثمن كان». لهذا فإذا انتخب الناس حكومة دينية «لا ضوابط إسلاميـة لها…فإن علينا احترام رأيهم…شريطة أن تُصان آنئذٍ حريتي في نقدها، وإعلان ذلك دونما خوف»([37]).
أصبح من الواضح أن للاتجاهات السياسية عند الشيعة الإثني عشرية علاقة مع أصول المعرفة عندهم.  وليست هذه الأصول نظرية في الدين فحسب، وإنما هي نظرية في السياسة بمضامين دينية أيضاً.
اتفق التياران، المحافظ والمجدد، على التراتبية المعرفية بمصدريها (الكتاب والسنة)، وعلى وجوب  أن يخلف  الإمام  المعصوم  النبي في قيادة الدولة الإسلامية -دينياً ودنيوياً- وتطبيق الشريعة الإلهية؛ ولكنهما افترقا، لاحقاً  فاستقر  أحدهما على الاعتقاد  التقليدي بأنه لا يجوز لغير المعصوم، بعد ظهوره، أن يحكم الدولة  الإسلامية.  أما التيار المجدد فأجاز ولاية الفقيه، على الرغم من  أنه ليس معصوماً، طالما بقي الإمام غائباً. 
وعلى العموم «يعمل كل  من التيارين  لاستلام السلطة  السياسية، لكن لكل منهما  طريقه المختلف عن الآخر. فالتيار المحافظ يريده طريقاً مثالياً غيبياً إلى حد الاستحالة؛ أما التيار المجدد فيريده واقعياً وعملياً، لكنه في الوقت الذي حاول فيه الخروج من نفق  الاستحالة، يقع أسير طريق وعر وصعب، وأوقع الفكر الشيعي في استحالة جديدة.
للخروج من مأزق الغيبة وانتظار ظهور الإمام، سلك تيار ولاية الفقيه  طريق التوفيق والتبرير؛ ووضع  للفقيه  الوالي  شرائط  وسلطات وصلاحيات تكاد لا تضع فروقاً بينه وبين الإمام المعصوم.  قد يكون وضع ذلك منفعلاً بصفات الأنموذج المثالي  للحاكم الإسلامي من آل  بيت الرسول.  وفعل ذلك تبريراً لانقلابه على نظرية الانتظار، عندما أتى بأنموذج  للحاكم لا يقل شأناً عن الإمام المنتظر  في  محاولة  منه ألاَّ يبتعد  كثيراً عن  النظرية  الأم التي تشترط وجود إمام معصوم لا يخطئ. 
ولهذا فإن ما جاءت نظرية ولاية الفقيه لتتجاوزه، وقعت في محاذيره؛ وقد تكون المحاذير أشد وقعاً، فقد حاولت أن تنزل من الغيبية إلى أرض الواقع، فإذا بها تعمل على الارتفاع بالواقع إلى مستوى الغيبية المستحيلة،  لأنه لا يمكن أن نجد إنساناً يكون جامعاً لهذه الشرائط، خاصة أن نظرية المعصوم لم تخضع للتجربة([38])
ومن جانب آخر منعت المذاهب الإسلامية الأخرى الشيعة من استلام السلطة طوال قرون عديدة، فهل سيتقبَّلون نظام ولاية الفقيه في هذا العصر؟ وإنه ما لم  تنل إجماع الشيعة أنفسهم، فهل ستحوز على  إجماع المسلمين؟
إن النتيجة ستكون حرباً بين الشيعة أنفسهم، وستكون كذلك حرباً بين الشيعة والسنة. وإذا أضيفت الحروب بين التيارات السنية نفسها، فلنتصور كم سيكون الواقع مأساوياً للمسلمين. وأين سيكون موقع الإسلام في ميدان التكفير والتكفير المضاد؟
5-نظرية ولاية الفقيه انتصار تيار شيعي على تيار شيعي آخر:
لم تدر حروب التكفير المتبادلة بين المذهبين الشيعي والسني فحسب، بل تدور حتى بين الفرق المتشعبة عنهما أيضاً. وإن كان الشيعة يجمعون على حق آل بيت الرسول بالخلافة، إلاَّ أن التشيع انقسم إلى فرق كفَّر بعضها البعض الآخر:
أ-الخلاف في تحديد ورثة الأئمة: فهناك خلاف بين الحسنيين الذين يحصرون الخلافة بأبناء الحسن بن علي، والحسينيين الذين يحصرونها بأبناء الحسين بن علي. وحصلت افتراقات بين الحسنيين في حصر الخلافة بين ورثة الإمام جعفر الصادق، هل هو اسماعيل أم موسى الكاظم؟ ومنها نشأت الفرقة الاسماعيلية التي حصرت الخلافة بأبناء اسماعيل بن جعفر. بينما استمرت الفرقة التي حصرت الخلافة بموسى الكاظم بن جعفر، وعُرفت بعد غيبة الإمام الثاني عشر، بالشيعة الجعفرية أو الإثنيْ عشرية.
لم يكن النص  واضحاً في استخلاف الأئمة عند الشيعة وإلا لم يكن  الخلاف ليقع بينهم، فتعددت فرقهم. ونحسب أن الخلاف، بين الأخوة، لم يكن لأسباب دينية خالصة، بل قد تكون وراءه أسباب سياسية أو فكرية أو شخصية.
ب-الخلاف حول الجهاد: بين من يطبق مبدأ التقية ومن يرفضه:
في  الصراع الذي كان  دائراً بين  المذاهب  الإسلامية، أو بينها وبين السلطات الإسلامية السياسية، الذي كان حاداً وعنيفاً ودموياً، اندفع الشيعة إلى ابتكار مبادئ  تتناسب مع حدة الصراع وعنفه، ومن أهمها مبدأ (التقية). ولقد اختلف أئمة الشيعة حول شرعية هذا المذهب  أو لا شرعيته، فهل هذا المبدأ سياسي أم ديني ؟ هل هو مرحلي أم استراتيجي؟ متى يأخذ الشيعي به ومتى يتخلى عنه؟ 
لقد عدَّت الفرقة الزيدية هذا المبدأ لا شرعياً.  ولم يقروا سياسة محمد الباقر، وابنه جعفر  الصادق، بالاكتفاء  بالإمامة الروحية من دون  إعلان الثورة. وقالت الجارودية، إحدى  الفرق الزيدية: «من ادعى منهم  الإمامة وهو قاعد في بيته مرخي ستره عليه  فهو كافر مشرك؛ وكل من اتبعه على ذلك، وكل من قال بإمامته»([39]). و قال زيد بن علي: «ليس الإمام منا من أرخى عليه ستره، إنما الإمام من أشهر سيفه»([40])
أما الشيعة الإثني عشرية فعدَّت التقية مسلَّمة دينية وضعها الإمام جعفر الصادق، ابن أخ زيد، قائلاً: من لا تقية له لا دين له. وكان من أهم تأثيراتها فصل الدين عن الدولة. واستمر الأخذ بهذا المبدأ إلى أن هاجمها الإمام الخميني  وعدَّها من صنع الاستعمار.
من هنا نحسب أن هناك تلازماً وثيقاً، عند التيار الشيعي المحافظ، بين مبدأ التقية وبين مبدأ الظهور. الأمر الذي انقسم حوله الشيعة الإثني عشرية بين من ظلَّ محافظاً على الالتزام بالمبدأين، وبين من انقلب عليهما سالكاً اجتهاده الخاص بتطبيق نظرية ولاية الفقيه.
فإذا كانت الفرقة الزيدية قد هاجمت القول بمبدأ التقية وقامت بثورتها ضد الأمويين في الوقت الذي لم تكن فيه إشكالية الغيبة والظهور قد بدأت في الفكر الإثني عشري، فها هو التيار المجدد في الوقت الراهن يهاجم مبدأ التقية ويبرر الانقلاب على مبدأ الظهور. 
فالمشكلة ليست في إلغاء هذا المبدأ  أو ذاك من  المبادئ  المذهبية، لأنها ليست  محصورة في دائرة المذهب، بل إن الأهم هو النظر الشامل  في كل البنى المذهبية الإسلامية على حد سواء؛ وتأتي المضامين الفكرية المذهبية على رأس الأولويات في النقد والمراجعة. 



ثالثاً: حروب التكفير بين المسلمين
ينطلق  أساس الخلاف  بين الفرق الإسلامية  حول الأصول المعرفية والأصول السياسية، وهو خلاف مدعَّم بالجدل الفقهي، بعضه يستند إلى نصوص متفق عليها كنصوص، ومختلف عليها تأويلاً و تفسيراً، سواء أكانت نصوصاً من القرآن، أو أحاديث منسوبة إلى الرسول؛ وإذا كان النص القرآني موحَّداً، فإن الأحاديث النبوية ليست كذلك، فهناك أحاديث يقبلها  طرف ويرفضها الطرف الآخر.  ومن خلال الاختلاف على تأويل النص القرآني، والاختلاف حول الأحاديث النبوية، يصل  اتهام البعض للبعض الآخر حدود التكفير.
1-حديث الفرقة الناجية من النار أصل يقف عليه المسلمون:
وإن اتَّفَقت التيارات والجماعات الإسلامية حول هدف الدعوة إلى بناء دولة إسلامية، فإنهم عند الغوص في التفاصيل، يرون أنفسهم غارقين حتى الأذنين في بحر الخلافات. وإن الخلاف بينهم لا يصب في مجرى التعددية في الآراء، فحوارهم ليس حواراً ديموقراطياً يريدون به الاتفاق حول حقيقة ثالثة، لأن الحوار بين مقدسين حوار عبثي، فإما أن تؤمن بهذا المقدَّس أو تؤمن بذاك، ولا خيار ثالث بينهما. وكل من لا يؤمن بمقدسك فهو فاسق أو صاحب بدعة أو كافر([41]).

أ-نصّ اجتهـادي يكـفِّر نصَّـاً اجتهاديـاً آخر.
تاريخياً كانت بعض الفرق الإسلامية تُكفِّر البعض الآخر. واستمرت محنة التكفير إلى يومنا هذا. إن مواقف التكفير والتبديع، نُشِرَ بعضها في العلن وبعضها وُزِّعَ في السر؛ والكثير الكثير منه ينتشر ثقافة شعبية يقوم بتغذيتها فقهاء مجتهدون، أو معمَّمون ناقصو ثقافة؛ أو متعصبون من العامة ناقصو وعي ومسؤولية.
يكشف أحد الذين كانوا من السنة وتشيعوا، عن تجربته السابقة، فيقول: «نحن لا نعرف غير المذاهب الأربعة، وما عداها فليس من الإسلام في شيء». فقد «تعوَّدت على أن كلمة شيعة هي مسبَّة». وإن «الشيعة عندنا هم أشد على الإسلام من اليهود والنصارى». ويصف الوهابيين بأنهم خالفوا إجماع المسلمين وكفَّروهم وأباحوا دماءهم. وحقدوا على الشيعة أيضاً، وإنهم لا يوفِّرون من التكفير المذاهب الأخرى([42]).
ينفي قيادي، في أحد تيارات الإخوان المسلمين، أن تكون الثورة الإيرانية ثورة إسلامية، لأن الإمام الخميني، كما يقول، يتبنَّى «كل العقائد الشاذة للتشيع عبر التاريخ»؛ وإن «الخمينية المارقة» تحذو حذو أسلافها من حركات الغلّو والزندقة، فتتظاهر بالإسلام قولاً، و تُبطِنُ جملة الشذوذ العقيدي،  «الساقطة في شرك الكفر والزندقة»([43]).
رجل دين، أخذ بالفقه الشافعي، يتهم حزب التحرير الإسلامي بتحريف دين الله بسبب إيمانه بالقضاء والقدر، أي أن أعمال الإنسان من اختياره، وهذا الكلام، كما يحسبه رجل الدين نفسه، مخالف للقرآن والحديث الصريح، قياساً إلى ما قاله ابن عباس«إن كلام القدرية كفر»؛ وإلى ما قاله عمر بن عبد العزيز، والإمام مالك بن أنس، والأوزاعي: «إنهم يُستتابون فإن تابوا، وإلا قُتِلوا»([44]).
وشهادة من (أمير جماعة التكفير والهجرة من الإخوان المسلمين): إن دعوت إنساناً بعينه إلى فكري ومذهبي، ولم يدخل في ما دخلت فيه: «أحكم عليه بالكفر لهذا السبب وحده، بل لا يوجد عندنا سبب للكفر غيره»([45]).

ب-لا يلتقي نظامان إسلاميان في وحدة إسلامية سياسية وعقائدية.
سنتناول، كعيِّنة للبحث، وضع نظامين إسلاميين: نظام المملكة العربية السعودية (عقيدته المذهب الوهَّابي)، ونظام الجمهورية الإيرانية و(عقيدته الشيعة الإمامية).
-المملكة العربية السعودية: تأسست على قاعدة المذهب الوهابي الإسلامي، والملكي المتوارث، و«الأحكام تكون دواماً في المملكة الحجازية منطبقة على كتاب الله وسُنَّة رسوله، وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح»([46]). لكنها لا تحصر فقهها في مذهب من المذاهب الأربعة([47])،  بل تعتبر أن الطائفة الناجية من النار ليست سوى المملكة العربية السعودية، وهي ليست في حاجة لأي فكر وافد، أو منهج من أي جماعة أو حزب([48]).
وفي المقابل توجه بعض التيارات (من أهل السُنَّة والجماعة) انتقادات لاذعة للمذهب الوهابي، وتنتقص من شأن صاحب المذهب محمد بن عبد الوهاب، بالقول إنه: «ليس من المبرِّزين بالفقه ولا بالحديث، إنما دعوته الشاذة شهرته، ثم أصحابه غلوا في محبته، فسموه شيخ الإسلام والمجدِّد، فتبَّاً لهم وله»([49]).

الجمهورية الإسلامية الإيرانية: تأسست في العام (1979م ) على قاعدة نظام إسلامي إثني عشري؛ وجمهوري يستند إلى انتخاب رئيس للجمهورية بواسطة الشعب مباشرة؛ وإلى اختيار مرشد أعلى للجمهورية يُنتَخَب من مجلس يُسمَّى مجلس الخبراء.
تطبِّق الجمهورية عقائد مذهب الشيعة الإثني عشرية، وركيزتها الكتاب والسُنَّة، لكن على قاعدة تفسير أئمة أهل بيت الرسول وتأويلهم لها. يقول الإمام الخميني إنه لما امتنع المسلمون عن العمل بهديهم «جعلوا من القرآن الكريم وسيلة (لإقامة) حكومات معادية للقرآن». وهكذا فعل الوهابيون، فحكومتهم خارجة على تعاليم الإسلام، ومذهبهم مليء بالخزعبلات والخرافات. بينما تفخر إيران، يتابع الإمام الخميني، باتباع مذهب مؤسسه رسول الله بأمر من الله تعالى، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والأئمة المعصومين. ويطلب من المسلمين أن يقتدوا بالأئمة، وأن لا ينحرفوا قيد أنملة عن عطاء مدرستهم، سواء الأحكام الأولية منه أم الأحكام الثانوية، و«أن أية خطوة منحرفة تشكل مقدمة لسقوط المذهب والأحكام الإسلامية، وحكومة العدل الإلهية».
لن يكتمل طريق الخلاص عبر تحديد وسائل بناء الدولة فحسب، وإنما وجوب كشف القناع عن الظالمين وعن الخارجين على الخط الصحيح، ومنها لعن بني أمية، وأن تُذكَر في ذكرى عاشوراء فجائع ظلم الظالمين في كل عصر وفي كل مصر، ومنهم آل سعود «خونة الحرم الإلهي». وأن يُذكَر ظلمهم مقروناً باللعن.
ويحسب الإمام الخميني أن انتصار الثورة في إيران، وإقامة دولة إسلامية قد تحققت «بتأييد إلهي غيبي». وأن « الإسلام، والحكومة الإسلامية هي ظاهرة إلهية»([50]).
وإنه بالمقارنة بين نظامين إسلاميين، يستندان إلى الشريعة الإسلامية (الكتاب والسنة) كناظم وحيد لشؤونهما، فهل نرى أي منفذ نخلص منه للاستنتاج بإمكانية توحيدهما؟
ج-الحركات السياسية الإسلامية لا ترتبط بمرجعية دينية واحدة([51]).
تستند الحركات السياسية الإسلامية إلى مسلمات تضفي عليها صفة القداسة، وبتعدد تلك الحركات تتعدد المقدسات، فتتناقض الرؤى والأهداف، فيتحول المقدس إلى محور لحروب بين الحركات. فإذا لم تكن الرؤى حول المقدَّس موحَّدَة، فهي لن تكون مُوحِّدَة. فالأولى بالمقدَّس أن يكون، بل يجب أن يكون، بعيداً عن تعدد الآراء. وإلا فيصبح المقدَّس داخل الدين الواحد مقدسات تتصارع باسم الألوهية. فأين يقف المسلمون من النص المقدَّس؟
إذا كانت ثنائية (المؤمن والكافر) ثابتة عند كل الفرق الإسلامية، فإن ثنائية (الباغي وغير الباغي) سادت قروناً طويلة، وميَّزت العلاقات بين تلك الفرق.
فالثنائية الأولى تعني الصراع بين جماعة المسلمين (كطرف مؤمن) وبين الآخرين (كطرف كافر)، فالثنائية الثانية تعني الصراع بين الفرقة الإسلامية (الناجية) والفرق الإسلامية (الباغية). وتلك الثنائية كانت القانون الذي حدد العلاقات بين الفرق الإسلامية. الأمر الذي يطرح إشكاليات عديدة تحول دون بناء مشروع سياسي يحفظ وحدة المسلمين، ومن أهمها استحالة تأسيس مرجعية دينية إسلامية مركزيـة مُلزِمـة تشكِّل الحَكَم الفيصل في الخلافات والاجتهادات والآراء. والعكس يعني أن أساس بناء الدولة الدينية الإسلامية سيبقى مهتزَّاً تتقاذفه عوامل التمزق والتفتيت؛ ويصبح أكثر صعوبة، بل أكثر استحالة، إذا بُني على قاعدة تعدد الأحكام المقدسة كما هو حاصل بين الفرق الإسلامية، فسوف تتناقض المرجعيات وتتحارب ولن تتنازل فيها إحداهما عن مقدساتها لصالح مقدسات الفرق الأخرى. أما تعددية الاجتهادات، وبالتالي المقدسات، فكانت نتيجة غموض النص الإسلامي. فالنص الديني الإسلامي لم يكن واضحاً جامعاً مانعاً لكي يغني عن أي تفسير أو تأويل، لهذا كثُرَت الاجتهادات فيه؛ ولأنه يُعّدُّ نصاً مقدساً أسبغت كل فرقة إسلامية صفة القدسية على اجتهاداتها الخاصة.
ويعزز الاستنتاج ما جاء في كتاب نهج البلاغة لعلي بن أبي طالب: »لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمَّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً«([52]). ويجاريه في القول فقهاء مسلمون من الشيعة والسنة، كما جاء في أقوالهم: إنه «لو كانت أحكام الشريعة قد أُعطِيَت كلها من خلال الكتاب والسُنَّة، ضمن صِيَغٍ وعبائر واضحة صريحة لا يشوبها أي شك أو غموض لكانت عملية استخراج الحكم الشرعي من الكتاب والسُنَّة ميسورة لكثير من الناس».
وإنه أصبح لكل إمام نص يفوق قدسية النص المقدَّس: «كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ»([53]).
د-كمال الشريعة الإسلامية بين المؤيدين والمعارضين:
على الرغم من ذلك أسبغ الفقهاء المسلمون صفة الكمال على الشريعة الإسلامية، ونفاها البعض الآخر، ومن أهم النماذج في تضارب الفتاوى الفقهية، ما يلي:
-يقول زكي أحمد (مفكر إسلامي معاصر): «نحن نعتقد اعتقاداً قاطعاً لا ريب فيه أن الإسلام فلسفة متكاملة لحضارة الإنسان، شرح لنا أدقَّ المسائل الجزئية ... وهذا يعني أن الإسلام لا يحتاج حتى إلى الأمور الصغيرة، فكيف بالأمور الكبيرة»([54]).
يؤيده في ذلك محمد مهدي شمس الدين (مرجع شيعي راحل) مُسبِغاً على الإسلام صفة الكمال والاكتمال حتى في أدقِّ التفاصيل، ففيه نظام حياتي كامل، ويحكم بأن الشريعة الإسلامية شاملة مستوعبة لكل ما تحتاجه سُنَّة الحياة من نُظُمٍ وأحكام. وعلى الرغم من ذلك فهو يدعو إلى التكامل مع الحضارات الأخرى، فهو يرى أنه من غير الواقعي أن يقابل المسلمون الحضارات الأخرى بالانغلاق([55]).
لكن الواقع أن أحكام الشريعة الإسلامية على مستوى الأصل، وعلى مستوى التفاصيل لم تكن بالدقة التي تستجيب إلى كل الحاجات البشرية في كل زمان ومكان. أما الدليل على ذلك فهو التباين حول مضامين الاجتهاد والتأويل والتفسير وشرائطها.
وحول ذلك اتَّفَق الجميع على أن النصوص المتشابهة تحتاج إلى تأويل أو تفسير؛ وتُرِكَت المهمة للراسخين في العلم. ومن بوَّاباتهم  دخل النص في نفق من الخلافات الكثيرة. فلكل من السُنَّة والشيعة طرائقه وشروطه في الاجتهاد:
-الشيعة يقبلون التأويل والتفسير من الإمام المعصوم:
-يقول محمد بن يعقوب الكليني: «الشيعة لا يُسلِّمون بأن إكمال الدين وعصمة الرسول  تُغنيانا عن المعصوم لأن الأحكام متجدِّدَة، والأحوال مُتغيِّرة، وحاجة الناس ليست فقط لإمام يحفظ الشرع، وإنما ليفسِّر الأحوال المتجددة» أيضاً.
ويرفض الشيعة الإجماع فهو عندهم الاتفاق المشتمل على قول المعصوم، لا مجرَّد اتفاق العلماء على قول. وهنا يرى عبد الحسين شرف الدين أنه لا دليل للجمهور على رجحان شيء من المذاهب الأربعة. كما أن الاجتهاد والأمانة والعدالة والجلالة غير محصورة بهم. وليس هناك من يجرؤ على تفضيلهم على أئمة بيت النبي.
-والسنة يقبلونهما من إجماع الصحابة:
فأصول الاجتهاد عند السُنَّة أربعة: الكتاب والسُنَّة والإجماع والقياس. ويُقرُّونها من إجماع الصحابة؛ وتلقُّوا أصل الاجتهاد والقياس منهم أيضاً. فإذا وقعت حادثة شرعية من حلال أو حرام، ابتدأوا بكتاب الله، فإن وجدوا فيه نصَّاً أو ظاهراً فزعوا إليه؛ وإن لم يجدوا فزعوا إلى الاجتهاد. ومن شروط الاجتهاد الإجماع.
جاء عند الشافعي: «إذا وجدتم لي مذهباً، ووجدتم خبراً على خلاف مذهبي، فاعلموا أن مذهبي الخبر». ويعتبر مالك بن أنس إن المدينة دار الهجرة والصحابة، وإن أهلها أعلم بالوحي بأحوال صاحب الشريعة، وإن إجماعهم يُعمَلُ به وحده. وحصر أحمد بن حنبل الإجماع بالصحابة دون غيرهم؛ استناداً إلى الحديث الشريف: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين».
بينما يرى عبد الرحمن النجدي (من الوهابية): «على أن الحق لم يكن محصوراً في المذاهب الأربعة… ولو كان الحق محصوراً فيهم لما كان لذكر المُصنَّفين في الخلاف، وأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم ممن خرج عن أقوال الأربعة فائدة».
أما عند أهل الرأي، فكان الفقهاء لا يأخذون من الأحاديث إلا قليلاً؛ ودعوا إلى تحكيم العقل والرأي. وربما يقدِّمون القياس الجلي على آحاد الأخبار.
وعلى العموم، غابت المرجعية الواحدة ، وتركت الساحة مفتوحة الأبواب أمام مصالح الفرق الإسلامية، فبَنَت كل منها لنفسها مرجعيتها الخاصة بها، وهيهات استطاعت كل مرجعية مذهبية أن تُلزِم كل فروعها باجتهاد مُوَحَّد؛ فتعددت المرجعيات في داخل المذهب الواحد، واستجاب الفقهاء إلى أساليب التزلُّف والقربى من الله تعالى؛ وانحصر عمل الفقهاء، في سبيل كسب الأجر والثواب؛ فالفقيه لن يخسر بما أفتى شيئاً، وإنما هو الرابح في حالتي الخطأ والإصابة([56]).
هـ- اختلاف الفرق الإسلامية حول هُوِّيَة النظام السياسي للدولة الإسلامية وتضاربها
منذ البدء تأسس الخلاف بين المسلمين حول أحقية من يخلف الرسول. وافترقوا حول أن يكون من سلالة الرسول أم من غيرها. فانتصر الاتجاه القائل باختيار من يحوز قبول أكثرية المسلمين الذين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، ومن بعدها لم تثبت هذه القاعدة ولم تحدد شروطها، بل كانت طريقة الاختيار تتبدل وتتغير كلما واجه المسلمون مهمة تنصيب خليفة جديد. ويصح القول أنها مرَّت بتنصيب أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وانتهاء بعلي بن أبي طالب حيث بلغ الخلاف بين المسلمين ذروته، وافترقوا أيما افتراق بسبب الصراع الدموي عندما دبَّ النزاع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. ومن بعده استمر الخلاف بين الأمويين والعباسيين، ولم يتوقف بعد دخول المسلمين من غير العرب على خط استلام الخلافة، والعودة إلى المرحلة المملوكية والعثمانية ما يفصح بوضوح عما عانى المسلمون من هذه المشكلة.
في ظل تلك المتغيرات، كانت الفتاوى والاجتهادات حول مواصفات الخليفة تأخذ جانب الذي يمتلك القوة العسكرية، فوصلت الأمور إلى درجة تشريع «إمارة الاستيلاء». وكان كل عهد يجد من الفقهاء من يفتون بأحكام شرعية على قياسه. ومصطلح «فقهاء السلاطين» يدل على ذلك.
وبفعل الاختلافات عرفت الدولة الإسلامية مراحل كثيرة تميزت بانقسامها إلى دويلات مذهبية. لجأ فيها الشيعة إلى بناء دويلات تأخذ بمذهبهم، إلاَّ أن المسار الأهم كان انكفاؤهم عن الصراع حول السلطة وبناء دولة إسلامية، وربطوها بشرط ظهور المهدي المنتظر. واستمر حالهم إلى المرحلة المعاصرة التي شهدت متغيرات في مفاهيمهم السابقة عندما أجاز بعض تياراتهم الخروج إلى العلن، وشرَّع دولة« ولاية الفقيه».
أما عند الفرق والحركات السنية المعاصرة، فقد حدَّدت جماعة التكفير والهجرة، أحد فروع الإخوان المسلمين، أسساً فقهية لإحياء الخلافة الإسلامية، ومن أهمها: «إن الخليفة الذي قبله إما أن يُعيِّنَه بالاسم، وإما أن يدخله ضمن ناس يُختار من بينهم، أو إما أن يأتي الاختيار تلقائياً من قبل المقربين للخليفة الأول، فيختارون منهم واحداً، ولا يُترَك للشعب بأن يستفتي عليه»([57]).
كما أرست مفاهيم للجهاد وللخلافة، استأنفت فيها ما كانت تمارسه الفرق الإسلامية في القرنين الرابع والخامس الهجري، حتَّمت فيها:
-قتال الحاكم المرتد المبدِّل لشرع الله المُحرِّف لشريعة الإسلام، المبتعد عن الحكم بالقرآن، لأنه «بذلك ينازع المولى عزَّ وجل في ألوهيته، فيجعل لنفسه حق التشريع من دون الله». و«إن ترك الحكم بشرعية الإسلام، والحكم بالقوانين الوضعية كفر بواح، والحاكم الذي يحكم بالقوانين الوضعية كافر مرتدّ». فأجازوا قتال المستبد الكافر وقتله.
-قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام: تستند الجماعة إلى فقه الإمام مالك وإلى قول بن تيمية، وتعتبر أن «إن الشرع الحنيف يأمر بقتال أي طائفة تمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام، أو التي تعطِّل حدود الله وأحكامه». فهم ملعونون، وأينما ثُقِفوا أُخِذوا وقُتِلوا تقتيلاً، وهم بطبيعة الحال أول المرتدِّين.
وتجاريها جماعة تنظيم الفنية العسكرية، أحد فروع الإخوان المسلمين، وتعتبر الحكم القائم اليوم في جميع بلاد الإسلام حكماً كافراً، والمجتمعات في هذه البلاد كلها مجتمعات جاهلية. و﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: من الآية44).
ويخالفهم عدد من المسلمين، إذ أثبت بعضهم بالنص أن دور الخلافة دنيوية وليست دينية، وبعض من أجاز الخلافة فقد أعطى للشعب حق اختيار الخليفة أو عزله([58]).
والشيعة، بشتى فرقهم، شايعوا علياً، وقالوا بإمامته وخلافته نصَّاً ووصية، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده. واعتبروها قضية أصولية، لا يجوز للرسل إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة.
وعلى الرغم من ذلك فقد تباينوا في مسألة التوريث والعصمة: فالإثني عشرية قالوا «بوجوب ثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر». أما الزيدية فساقوا الإمامة في أولاد فاطمة، سواءٌ أكانوا من أولاد الحسن، أم من أولاد الحسين. لكنهم يرفضون العصمة والتقية وغيبة الإمام. ويختلفون مع الشيعة الإثني عشرية بأنهم يقولون إن الأوصاف وليس النص هي الشروط المطلوبة في تنصيب الإمام. ولأنهم يعطون الأولوية لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قالوا: إنه «ليس الإمام منا من أرخى عليه ستره، إنما الإمام من أشهر سيفه».
والإسماعيليـة يرون أن الإمامة انتقلت من الإمام جعفر الصادق إلى ولده الأكبر اسماعيل ومنه إلى ابنه محمد، لأن الإمامة لا تنتقل من الأخ إلى أخيه. ولا تعاني الإسماعيلية من انقطاع سلسلة الأئمة، وإن كانت قد مرَّت بمرحلة من الستر، فإن السلسلة عندهم ما زالت مستمرة حتى يومنا الحاضر.
والشيعة الإثني عشرية (الإمامية) افترقت عن الزيدية بأنها ساقت الإمامة بأولاد الحسين دون أولاد الحسن. وافترقت عن الإسماعيلية بأنها ساقت الإمامة إلى موسى الكاظم (أخ إسماعيل)، ومن بعده ذريته وصولاً إلى المهدي المنتظر، ومن بعده انقطعت سلسلة الأئمة، وبقي الشيعة الإمامية ينتظرون ظهوره، يخضعون لدول لا يؤمنون بصلاحها؛ فهم لم يثوروا على هذه الحكومات والدول، لا لضعف ورهبة فحسب بل لأن الثورة عندهم مؤجَّلة ومرهونة بظهور الإمام الغائب أيضاً.
فبين قائل إن الخلافة ضرورة سياسية، أو قائل إنها حكم إلهي، أو قائل إنه يمكن ابتكار صيغ أخرى لكيفية الحكم في الدولة الإسلامية، تبقى إشكالية أي نظام سياسي نريد مطروحة على بساط الحاجة الضرورية  لتوحيد رؤى شتى المذاهب الإسلامية. وسوف تبقى هذه الإشكالية مستمرةً ما دام كل مذهب يُسبِغ على الشروط، التي يضعها حول خلافة لا تخرج عن أسس العقيدة الإسلامية، صفة القداسة التي لا تُناقش.
لم تنحصر التناقضات، حول مسألة الخلافة، بين المذاهب الإسلامية، فحسب؛ وإنما انتشرت في داخل فقهاء المذهب الواحد أيضاً. و يهون الأمر لو أراد المسلمون، بشتى مذاهبهم وفرقهم، أن يقرروا أي نظام يريدون في داخل دولة ذات أكثرية إسلامية. ويهون الأمر، أيضاً، في تقرير مذهب ولي الأمر، وتحديد أي مذهب إسلامي هو الذي يشكل المرجعية المركزية في حفظ الشريعة، في داخل دولة تنتسب الأكثرية فيها إلى مذهب واحد: تستطيع إيران مثـلاً بأكثرية سكانها الشيعة الإمامية أن تتحكم بتحديد المذهب الفقهي للدولة، كمرجعية دينية مركزية. وتستطيع السعودية بأكثرية سكانها الوهابيين أن تحدد المذهب الوهابي مذهباً للدولة. أما لو تعلَّق الأمر بدولة مثل لبنان تتعدَّد فيها الأديان والطوائف، فتتعقَّد المشكلة كثيراً، وتتكاثر الآراء والفتاوى، ولن تجد حلاً دينياً-سياسياً موَّحدَّاً.
ففي لبـنان، مثلاً، تداخلت الرؤى بين مختلف التيارات الإسلامية حول مبدئية إقامة دولة إسلامية في لبنان. وكانت الرؤى متناقضة بين المذاهب من جهة، وبين التيارات في داخل المذهب الواحد من جهة أخرى. وانقسمت اتجاهات وآراء واجتهادات الفقهاء المسلمين في لبنان إلى ثلاثة اتجاهات:
-الاتجاه الذي يقول بوجوب قيام نظام إسلامي كامـل([59]).
-الاتجـاه الذي يدعو إلى قيام نظام إسلامي في لبنان بشروط وعلى مراحل: يسترشد هذا الاتجاه بالعقيدة الإسلامية لبناء نظام سياسي إسلامي في لبنان، لكنه لا يستعجل الأمور، ولا يتخطَّى المراحل والظروف المحيطة بلبنان خاصة وبالمنطقة عامة، وبوضع المسلمين في العالم بشكل أعم([60]).
-الاتجـاه الذي يدعو إلى التعايش بين الأديان في لبنان كواقع تاريخي([61]).
ولم تشذ الخلافات، في الجزائر مثلاً، بين الحركات الإسلامية من داخل المذهب الواحد. فجبهـة الإنقـاذ الجزائريـة شهدت صراعاً داخلياً، وشرَّعت الديموقراطية البرلمانية محل الشورى في الإسلام، واعتبرت أن السلطة انتهكت الديموقراطية الأمر الذي أدى إلى ردَّات فعل سلبية([62]).
أما حركـة حمـاس الجزائريـة، فترى أن حالة التسيُّب، التي تُغلَّف بلباس الجهاد، تؤدي إلى تمزيق وحدة البلد وقتل المواطنين وسحلهم وذبحهم. كما ترى أن الجماعة الإسلامية المسلَّحة هي جماعات كثيرة تتقاتل مع غيرها، وتتقاتل فيما بينها. حتى وصل الخلاف إلى قياداتها في داخل السجون وخارجها؛ أو من هم خارج الجزائر في أميركا وألمانيا وبريطانيا، فهم جميعاً لم تجمعهم فكرة واحدة. كما أن هناك الحركات الإسلامية الراديكالية التي تنطلق من التبديع …ثم تتحوَّل إلى التكفير. وأكثر من قتل من مرتادي المساجد، المعروفين بعدم اعتدالهم في فهم الإسلام، وإنهم «أناس من أهل الإيمان تسلل إلى أفكارهم فكر التكفير والتفسيق على غير فهم»([63]).
2-إشكالية مقاربـة النص الإسلامي مع انتشار العولمـة/ الأنسنـة
إن العولمة هي عملية تاريخية، لكن ليس بمعنى التسليم بحتمية القيم التي تُعيد إنتاج نظام جديد للهيمنة من قبل القوى الكبرى([64]). لكن السائد الآن أن بعض التيارات يرفض العلمانية، كرد فعل ضد مظالم الاستعمار، ويرفض الديموقراطية من الزاوية ذاتها، وها نحن نرفض العولمة انطلاقاً من ردود الفعل ذاتها.
في الواقع أن الغرب يمثَّل مصدر إنتاج المبادئ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الحديثة، وهي ليست غير النسخة التي يطبِّقها على نظامه الاجتماعي؛ و أنها أصابت نجاحاً في تغيير الكثير مما كان يعيق مجتمعاته عن بلوغ التغيير. وقد أصابت تقدماً كبيراً في بناء الإنسان الغربي بناء جديداً، وأصابت في بناء الصروح العلمية الهائلة.
بدأت تصل إلينا أولى طلائع الإنتاج الفكري الغربي، منذ أوائل القرن 18م. فاصطفَّت معظم النخب الإسلامية-العربية بين رافض لها بالمطلق أو قابل بالمطلق، والقلة كانت إلى جانب الدراسة والاختيار بعد النقد الموضوعي. وبتنا والحالة هذه في موقع الدفاع السلبي: أي أننا نمتنع عن الإنتاج من جهة، ونقاوم الإنتاج القادم إلينا من الخارج تحت ذريعة أن ما عندنا يكفي ونخاف عليه من التلُّوث.
نحن لا ننكر أن الغرب، يعمل لضمان مصلحته بشكل مباشر، لكننا لن نقتنع أن يكون كل ما يصل إلينا منه موبوء ومُثقَل بأوزار المؤامرة.
ألم تحلَّ العلمانية مثلاً أهم إشكالية كان الغرب يرزح تحت وطأتها قروناً عديدة؟
ألم تكن إشكالية الصراع بين الإيمان الساذج للكنيسة وبين عقل الفلسفة تربك مسيرة الحضارة في الغرب، بل وتدفعها إلى الوراء؟
لكنه لما انتصرت الفلسفة، لم تنهزم الكنيسة، لأن العلمانية «قامت لا على العداء للدين، ولا على إنكار القيم السماوية المُنزَلَة، بل قامت على معارضة الكنيسة كمؤسسة فكرية تعرقل حرية التفكير، وتلاحق العلماء وتُكفِّرهم، وتحرق كتبهم»([65]). ولما انعتق فكر العلماء والفلاسفة من إرهاب محاكم التفتيش الكنسية؛ ولما كُتِبَت السلامة لمؤلفاتهم من الحرق والمنع والتحريم؛ ولما أيقن الفيلسوف والمفكر والعالم والناقد أن رقابهم أصبحت بعيدة عن مقصلة التكفير، أخذت رقعة العلوم تتَّسع، فأعطت ثماراً يانعة للتقدم والحضارة الغربية أولاً، وتقدم الحضارة الإنسانية ثانياً.
وتلك هي المشاهد التي تتكرر في مجتمعاتنا بالمقارنة بين ماضي العقل في الغرب، وحاضر العقل في الشرق.
يقول ول ديورانت: «إننا مدينون [في الغرب] لفلاسفة القرن 18م-وربما للفلاسفة الأكثر عمقاً في القرن17 م بالحرية النسبية التي ننعم بها في الفكر والكلام والعقائد… وبسببهم استطاعت ديانتنا [المسيحية] أن تتحرَّر أكثر فأكثر من الخرافة البليدة الكئيبة، واللاهوت الذي يبتهج بالتعذيب… وبسبب هؤلاء فإننا هنا الآن [في الغرب] نستطيع أن نكتب دون خوف ولا وجل، ولو مع شيء من اللوم»([66]).
أما عندنا-في المجتمع العربي والإسلامي-فما زلنا نعيش مراحل محاكم التفتيش، بشكل أو بآخر، بصورة أو بأخرى؛ وهذا بيان لمجموعة من الكُتَّاب والمثقفين والفنانين العرب صدر في العام 1989م، حيث عبَّروا فيه عن واقع الحال قائلين: «تواصل قوى الظلام جهادها ضد العقل والمدافعين عنه، فتحرق الكتب، وتُعدِم كل من كتب كتاباً لا يعجبها، وتبيح دم كل مثقف عرف المسؤولية، تاركة الجهل يأخذ مداه الكامل… وها هي تتحرك طليقة في الشوارع والمدن والقرى مستقوية بأعداء العقل والإنسان الذين يريدون لشعوبنا أن تظلَّ غارقة في ظلمات الجهل والخرافة»([67]).
لقد استفادت كل حضارات العالم من الحضارات التي سبقتها، وأصبح الجزء الجديد يشكل قيمة أعلى بمجرد أنه جمع بالاستفادة منه مجتمعين أو أكثر، وكل ما نقله مجتمع من مجتمع آخر يكون قد تعولم، وكلما استفادت مجتمعات أكثر من تغيير تم نقله كلما أصبح التغيير ذا صفة إنسانية. ولما كانت الحضارة الإسلامية قد استفادت من حضارات سبقتها، وبدورها أفادت الحضارة العربية الإسلامية حضارات الشعوب الأخرى وعلى الأخص منها الغرب، فليس من المستغرب أن يستفيد العرب والمسلمون من الحضارة الغربية، وإنما الأمر الأكثر غرابة هو أن لا يستفيدوا منها.
وعلى قاعدة أن الحضارة الغربية ليست إشعاعاً نقبله كله، أو مؤامرة نرفضها بالكامل، لا يجوز أن يكون الجزء المفيد منها مرفوضاً، ستكون عولمة الأجزاء المفيدة، أمراً مطلوباً، ليس بانتظار تصديره من الآخرين فحسب، بل علينا استيراده أيضاً.
إن العالم، جمعها عوالم، يشتق منه فعل (عَولَمَ)، والاسم منه (عولمة). وفكرة العالم هي إنسانية وكونية. إلاَّ أنه ليست من السهولة صياغة تعريف دقيق للعولمة، نظراً إلى تعدد تعريفاتها، التي تتأثر أساساً بانحيازات الباحثين الأيديولوجية، واتجاهاتهم إزاءها رفضاً وقبولاً. ومن أهم شروط تعريفها أن تصبح مشاعة لدى جميع الناس. وتذويب الحدود بين الدول. وزيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات»([68]).
وكل قيمة عليا هي عالمية، ولكي يكتسب أي مبدأ سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، صفة العالمية لا بُدَّ له من أن يُنشَرَ خارج الدائرة التي نبت فيها إلى الدائرة الأقرب مباشرة، فالأبعد…حتى يَعِمَّ كل بقعة في العالم البشري؛ وهكذا يُسبَغُ على هذه القيمة صفة العالمية، ويصبح فعل نشرها «عولمة». فالعولمة هي العمل على تصدير أي مبدأ إلى العالم، فإذا انتشر وقُبِل اكتسب صفة العالمية([69]).
فالعالمية هي صفة لكل قيمة عليا، فهل يمكن لعالمية القيم أن تتحقق؟
إن الخطوة الأولى تبدأ بالاتفاق حول تعريف القيم الإنسانية المقبولة على الصعيد النظري؛ ومن ثم مقاربتها من واقع التعدديات الثقافية والدينية بين المجتمعات شيئاً فشيئاً عن طريق الحوار وليس عن طريق القسر والإكراه.
تُعَدُّ العالمية صفة من صفات الأديان السماوية، بشكل عام:
-فالمسيحية صدَّرت مبادئها وتعاليمها، فوصلت إلى أوروبا، وأصقاع الأرض.
-والإسلام، صدَّر مبادئه وتعاليمه، فوصل إلى الصين شرقاً و جنوب أوروبا غرباً.
-وكل فلسفة قديمة، منذ سقراط حتى الآن، كانت تتعولم بطريقة أو بأخرى: فتعولم أرسطو في الشرق الإسلامي، ثم انتقل إلى الغرب المسيحي بوسائط عربية إسلامية. وعولمت الفلسفة الأوروبية نفسها فانتشرت من أدنى الكرة الأرضية إلى أقصاها، ولاقت صدىً واسعاً في الشرق العربي-الإسلامي منذ قرنين من الزمن.
-ومنذ تأسيس هيئة الأمم المتحدة، في العام 1945م، بفعل انفتاح شعوب العالم على بعضها البعض، بفعل التطور الهائل في وسائل الاتصال والمواصلات، وُلِدَت مجموعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، مما أبرز إلى الواجهة حاجة المجتمع الدولي لتوحيد مفاهيم المصالح، فنشأت الحاجة إلى عولمة القوانين في أكثر من حقل.
فأين يمكن مقاربة بعض التشريعات الإسلامية مع تعددية الانتماءات في العالم؟ بل هل يمكن المقاربة بينهما؟
ولأن البحث واسع جداً، سوف نقصر محاولة المقاربة بين المفاهيم الإسلامية وبين عولمة القوانين على ما يعلق بـ«حقوق الإنسان».
لقد جرت أول محاولة لعولمة قانون موحَّد لحقوق الإنسان، منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في العام 1948، عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان الإعلان المذكور منطلقاً لإصدار ثلاثة صكوك، وهي: العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العام 1966م. والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في العام ذاته. ثم صدر البروتوكول الاختياري. وفي العام 1979م صدرت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. إن للإعلان العالمي سلطان معنوي. أما العهدان فهما معاهدتان مُلزِمتان للدول التي تصدِّقهما بتوقيعها.
أثار الدور الذي تلعبه الأمم المتحدة معظم الهيئات في الشرق العربي-الإسلامي، ودفعها إ لى إصدار أكثر من خمسة عشر مشروعاً، صاغت معظمها هيئات علمية من الجامعيين والدارسين ورجال الحقوق، وإلى بعض المنظمات، مثل: رابطة العالم الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وجامعة الدول العربية.
يشترك معظم هذه المشاريع بطابع الخصوصية المرجعية التي تمتاز بها عن النصوص الأممية، إلا أن بينها ميادين تطابق عديدة. وما يُميِّز المشاريع الأممية عن النصوص الإسلامية فارق جوهري، بحيث تمتاز النصوص الإسلامية في منعها حق الارتداد، وتُعدُّ فيها الحقوق مِنَّةً ربانيَّة، والحريات تخويلاً إلهياً. بينما تنطلق المواثيق الدولية من مبدأ النظام الطبيعي، وأسبغت على قوانينها صفة العالمية؛ وصِيغَت آليات تضمن التزام الناس بها([70]).
وعلى العموم، تُشكِّل هيئة الأمم المتحدة إطاراً دولياً عالمياً يُمثِّل شتى الاتجاهات الدينية في العالم؛ لذا فهي تستند إلى مسألة التعددية الدينية وحرية الاعتقاد. وإنه على أي اتفاقية دولية أن تراعي الاتجاهات المختلَف حولها لشتى أديان البشر على الكرة الأرضية. وإنه إذا تضمَّنَت هذه الاتفاقيات والعهود خصوصيات كل دين، ولكل دين نصوصه المقدَّسة، لامتنعت الصفة العالمية عنها، ولأصبح من المستحيل عولمتها.
فهل العولمة تتحقق في ظل تعددية النصوص المقدَّسة؟
أ-لا حرية للاعتقاد الديني في الإسلام في ظل قانون الردة:
في دائرة المقارنة بين مبادئ الإسلام عن حقوق الإنسان و بين الإعلان العالمي، يحسب بعض الإسلاميين أن الإسلام أرسى المساواة المطلقة بين البشر من دون تفرقة أو عنصرية أو تمييز بسبب اللون أو العرقية أو اللغة. لذا، بالاستناد إلى مقارنة بين النصين الإسلامي والأممي، يحسبون أن مبادئ الإسلام، هي أشمل من المبادئ والمعايير التي أقرَّها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان منذ خمسين عاماً([71]).
ليست هذه المقارنة موضوعية، فوثيقة الأمم المتحدة قد أتت على ذكر مسألتين في غاية الأهمية رفض الإسلام الاعتراف بهما، وهما لُبُّ الصراع الدائر بين الأديان كافة: نصًّت الوثيقة على تساوي كل الأديان على كل الكرة الأرضية، وسجَّلَت اعترافها بها. كما نصَّت على المساواة في الحقوق السياسية والمدنية بين كل الأديان من دون تفرقة أو تمييز(*).
كان الموقف الإسلامي واضحاً فهو قد رفض السماح بالارتداد عن الدين من جهة، ولم يساو في الحقوق المدنية بين المسلم وغير المسلم من جهة أخرى.
ب-مشكلة الاسترقاق والإماء في الإسلام تتعارض مع القيم الإنسانية العليا:
وتبرز، من جهة أخرى، إشكالية مقاربة النص الإسلامي من العولمة، وهي مشكلة الاسترقاق ومشكلة الإماء([72]). لقد كان نظام الاسترقاق معمولاً به منذ أيام الدعوة الإسلامية الأولى، ولم يُعدَّل حتى الآن. فكان كل من أُسِرَ في الغزوات يجوز استرقاقه، ولما كثرت الفتوحات كثر الاسترقاق من الأمم المغلوبة كثرة هائلة؛ وكان المُستَرقًّون، رجالاً ونساءً وذراري، يُوزَّعون على المسلمين الفاتحين([73]).
كما جاء في النص القرآني: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (محمد: من الآية4). وقد جاء في تفسير هذه الآية ما يؤكد ثبات هذه الشرائع، فالأسير يُخيَّر بين القتل أو الاسترقاق([74])، أو المنُّ عليه أو مفاداته([75])، أو منٌّ من غير فداء([76]). لكل هذا كان جُلَّ ما فعله الإسلام بالنسبة لمسألة الرقيق أن جعل عتق الرقبة كفَّارة عن الذنوب: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (القصص: من الآية3). ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (المائدة: من الآية89).
لا يستقيم الموقف إذا ادَّعى الفقهاء المسلمون أن موضوع الرقيق قد عفَّى عليه الزمن، من بعد أن أصبح لاغياً بحكم الأمر الواقع، لأن النصَّ وتأويلاته باقيان  منهلين أساسيين أمام كل مسلم ليأخذ منهما ما يتناسب مع الظروف التي يعيشها، فهو حرّ أن يستعبد من أسرى الحرب من يشاء إذا شاء، ويفعل ذلك من دون أي حرج شرعي. وهذا ما تؤكده بعض الأخبار الصحفية على قلتها ([77]).
لم تُشرِّع العقيدة الإسلامية حق الاسترقاق فحسب، وإنما منعت المساواة بين الأرقاء والأحرار، أيضاً: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (البقرة: من الآية178).وقد جاء في تفسير هذه الآية ما يؤكده في الفقه الإسلامي، وعن ذلك جاء عند محمد جواد مغنية: إن الحر لا يُقتَل بالعبد، وإن الرجل لا يُقتَل بالمرأة، أي إن الحر إذا قتل عبداً لا يُقتَلُ به. وإذا قتل الرجل امرأة لا يُقتَلُ بها، فهل هذا محل وفاق بين الفقهاء؟ يتساءل مغنية، ثم يُفصِّل ما جاء عندهم ([78]).
إعتراف الإسلام بالاسترقاق بامتناعه عن تحريمه بنص مُحكَم؛ والإقرار بشرعية الطبقية بين سيد و عبد ومنع التساوي بينهما؛ والحال كما هي عليه، فكيف يمكن التوفيق بين عالمية القوانين وعولمتها وبين الشريعة الإسلامية؟
إن المسيحية لم تقف، تاريخياً، موقفاً متميزاً بالنسبة للعبودية فهي علَّمت أن عتق العبد يُعَدُّ كفَّارة عن ذنوب المؤمنين؛ وذهب القديس أوغسطينوس إلى أن العبودية هي عقاب مفروض على الإنسان المذنب. إلا أن «الخطيئة هي التي تجعل الإنسان يَستعبِد الإنسان طيلة حياته، ومثل هذا لا يمكن أن يحدث إلا بحكم الله الذي لا يعرف الظلم، والذي يعرف كيف يكيل العقاب لمن يستحقه»([79]).
أما المواثيق الدولية، ومنها اتفاقية جنيف الرابعة، فتُشكِّل، كنص معولم، حماية للمدنيين وللمحاربين: فهي قد حرَّمت في مادتها 33 معاقبة أي شخص عن ذنب لم يقترفه شخصياً. فهذه الاتفاقية حرَّمت ما لم تُحرِّمه الأديان السماوية.
لقد جاءت النصوص العالمية لتُعبِّر بشكل جلي عن تحريم الاسترقاق والاتجار به بشتى أشكالهما من جهة، ولكي تساوي بين جميع الأفراد بالحقوق والواجبات بدون تمييز من أي نوع كان من جهة أخرى. وجاءت لتؤكِّد-في المادة الثالثة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية-على مساواة الرجال والنساء بحق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية.
فهل في ظل هذه الاتفاقية يمكن استرقاق المحاربين وأهاليهم؟ أو هل يمكن أن تُعَدَّ النساء رقيقاً يبقون ملك يمين المنتصر؟ وهل يجوز قتل الرجال والنساء؟ وهل يمكن استرقاق أطفال المحاربين؟
فهل يبقى من مخرج أمام الفقهاء المسلمين إلا أن ينتظروا الواقع لكي يفرض نفسه على الشريعة؟ تلك حقيقة لم يستطع بعض الفقهاء المسلمون إلا أن يتوقفوا عندها، بالقول: «إن الحديث عن الإماء وأحكامهن أصبح بلا جدوى بعد إلغاء الرق»([80]).
ج-حقوق المرأة في النص الديني الإسلامي تتعارض مع النصوص الأممية:
صدرت عن هيئة الأمم المتحدة في العام 1979م، وثيقة حقوق المرأة من أجل القضاء على التمييز بين الرجل والمرأة، وبين المرأة والمرأة، ومساواتهما بالحقوق(*).
بينما يفتقد الفقه الإسلامي والنص القرآني المساواة  بين المرأة والرجل، وبين المرأة والمرأة، وبين الطفل والطفل([81]). ومن جملة عدم المساواة نهى الفقه الإسلامي، قديماً، عن تعليم المرأة بينما اعترف للرجل بهذا الحق ([82]).
وحتى اليوم يبرر بعض الإسلاميين تعليم المرأة بشروط، وذلك أن تطابق مواد التعليم فطرة المرأة. وأن يكون مسموحاً للمرأة، في رأي بعضهم، أن تكون مدرسة أو طبيبة، وما هو أكثر من ذلك فهو ضرب من التزيد([83]).
وهناك من الفقهاء الذين ِيُضَيِّقون الخناق، ليس على المرأة فحسب، وإنما ليضع تشريعاً يَحِدُّ فيه من حرية التعلم على الرجل أيضاً([84]).
وبدلاً عن ذلك اتفق كل الفقهاء المسلمين على «أن الإسلام دين عالمي، يصلح لكل زمان ولكل مكان». فدعوا إلى عولمته لأن تعاليمه ليست معروفة لدى الغربيين([85]).
إن المسألة ليست كامنة في أن الغربيين يجهلون الإسلام. ونحسب أن إلغاء التمييز العنصري، وضمان حرية الانتساب إلى الأديان، لم يأت إلا ردَّاً على قوانين الردة الدينية، التي أُسبِغَت عليها صفة القدسية، والتي تتنافى مع حقوق الإنسان.
ولأن عولمة الثقافة والقوانين وتأسيس أرضية مشتركة للتعايش الشعبي الدولي تتعمق أكثر فأكثر، وتمَّت عولمة كثير من المؤسسات الإنسانية والثقافية والقانونية، أصبحت الشعارات العامة الفضفاضة، والدعوات المثالية ليست إلا إغراق الخطاب الديني بالألفاظ التي لا تفيد أية حقيقة علمية موضوعية.
د-فصل الدين عن السياسة إشكالية أخرى تعوق بناء دولة دينية:
كما هي العادة، انهالت على العلمانية -كمبدأ سياسي يفصل الدين عن الدولة، من جهة؛ وكونه آتٍ إلينا من الغرب من جهة أخرى- شتى أنواع التهم؛ فكانت، بحدها الأدنى، أنها تتنافى مع الشريعة الإسلامية وهي مُرسَلَة بمهمة تآمرية ضد الإسلام والمسلمين؛ وفي حدها الأقصى اتهام السائلين عنها والقائلين بها بأنهم كفرة مُلحِدون. أما في أحسن الأحوال فقد وُصِمَت بأنها مبدأ صالح للغرب المسيحي فقط لأن المسيحية تُقِرُّ (ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، أي أن المسيحية هي دين للآخرة وليس للدنيا؛ وتتعارض العلمانية مع الإسلام لأنه دين ودنيا، فلا يمكن فيه الفصل بين الدين والسياسة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن المسلمين، لم يعطوا للغرب-ولأنفسهم أيضاً-أنموذجاً فكرياً، يصلح لبناء نظام سياسي إسلامي يُحتذى به لقيادة البشر في الدنيا و يوصلهم إلى الآخرة بأمان من جهة، ونستطيع أن ننافس فيه الأفكار القادمة من الغرب من جهة ثانية. كما أنه لم يتيسر بين أيدينا-عبر التاريخ الإسلامي كله- أنموذج لنظام سياسي إسلامي نستطيع الاتفاق على أنه كان صالحاً لقيادة المسلمين بشكل سليم أولاً، ولكي نقوم بعولمته في سبيل تصديره للغرب المسيحي، ثانياً. كما أنه ليس بين الأنظمة الإسلامية القائمة حالياً ما يقنع قطاعاً واسعاً من المسلمين أنفسهم لكي يكون المثال المُحتذى، فكيف يمكننا إقناع الغرب المسيحي، وغيره من بلدان الشرق البوذية، مثلاً؟
ألم يوفِّر الغرب المسيحي مئات من السنين من جهد علمائه وفلاسفته وعقلائه عندما استفاد من تجربة العقل الإسلامي-العربي وإنتاجه منذ أخذ ينقل تراثنا وإنتاج عقول علمائنا وفلاسفتنا؟
هـ-الديموقراطية ليست محل اتفاق عند الفقهاء المسلمين:
إن الديموقراطية تعبير غربي، فهي: نظام سياسي- اجتماعي، يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأ المساواة بين المواطنين ومشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة. أما أساس هذه النظرة فيعود إلى المبدأ القائل بأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر الشرعية، وبالتالي فإن الحكومة مسؤولة أمام ممثلي المواطنين وهي رهن إرادتهم.
كانت المجتمعات الغربية قد خضعت لأنظمة الحكم المطلق من خلال مبدأ الحق الإلهي. أما انبثاق النظام الديموقراطي فقد جاء نتيجة عملية تدريجية تمخَّضت عن الصراع الاجتماعي بين الطبقات الحاكمة: الدولة والكنيسة، الملك والنبلاء الإقطاعيون. ومع نهاية نظام الإقطاع، برزت أفكار جديدة مثل حكم النظام الدستوري في بريطانيا، والحق الطبيعي والمساواة السياسية والعقد الاجتماعي والحرية في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية.
لكن «تشعُّب مقومات المعنى العام للديموقراطية، وتعدد النظريات بشأنها، علاوة على تميز أنواعها، وتعدد أنظمتها، والاختلاف حول غاياتها، ومحاولة تطبيقها في مجتمعات ذات قيم وتكوينات اجتماعية وتاريخية مختلفة، يجعل مسألة نمط ديموقراطي دقيق وثابت مسألة غير واردة عملياً»([86]).
وبالإجمال فإن الديموقراطية، في التقاليد الغربية، تعني «أن إرادة الشعب ذات حرة لا تتقيد مطلقاً بقيود خارجة عنها، سيدة نفسها، ولا تسأل أمام سلطة غير سلطتها»([87]).
ولأن الديموقراطية، كمفهوم سياسي- اجتماعي، من نتاج وضعي من جهة، ولأنها من نتاج الفكر الغربي من جهة أخرى، ولأن لها علاقة بالعلمانية كمفهوم سياسي وضعي من جهة ثالثة، انقسمت المواقف النخبوية العربية والإسلامية من حولها، كل من منطلقاته الخاصة.
آمنت بعض الأوساط النخبوية العربية بأهمية الإرادة الشعبية، وتبنت المبدأ الديمقراطي، وراحت تفتش عن النمط الديموقراطي الذي يتناسب مع واقعنا السياسي والاجتماعي وقيمنا الحضارية والفكرية.
أما اتجاهات السلفيين الإسلاميين فسارت في خط معاكس، مسلَّحة بالنص الديني؛ وهي إشكالية طالما تناقضت مواقف المسلمين من حولها؛ كمثل إشكالية الجبر والاختيار، أي المواقف حول أعمال الإنسان: هل هو مخيَّر أم مسيَّر ؟ وقد وجدت كل فرقة في آيات القرآن ما يدعِّم وجهة نظرها. فاستفاد السياسي من بعض نتائج الجدل حولهما فأيَّد القائلين بالجبرية لصالح تثبيت سلطته وتغليفها بمبدأ الحق الإلهي، فخضع المجتمع الإسلامي لذلك النظام تهيباً من المسلَّمات الدينية التي كانت تحمي السلطة السياسية.
ولأن أصل العقيدة الإسلامية يستند إلى الكتاب والسنة، وهي عند المسلم أوامر إلهية لا يمكن القياس إلاَّ عليها، ولأن بعض المذاهب الإسلامية  ألزمت أتباعها بطاعة (الإمام المعصوم، وأولي الأمر...)، لم يشعر المسلمون أنهم بحاجة للنظر في مسألة الحرية من جانبها السياسي([88]).
وعلى أساس هذه المعادلة خطا بعض الإسلاميين في رسم اتجاهاتهم في مسألتي الحرية والديموقراطية.  فالبعض قال بأن العبودية لله تقتضي الالتزام بأوامره، وإن الحرية هي اتباع الهوى، وهي تتناقض كلياً مع مصدر الشريعة. وهذا مناقض لعبودية الإنسان لله تعالى والتزامه بما يرتضيه ([89]).
والبعض الآخر اعتبر أن الديموقراطية والدستور ونظام رئاسة الجمهورية هي تشريعات وضعية من صنع البشر أولاً، ومن صنع الدولة الغربية ثانياً، فإن للإسلام يعتبر أن الديموقراطية وكل ما يُبنى عليها مفهوم كفر، وكل من يختار تشريعاً غير الأحكام الدينية، يكون مرتداً ويُقتل([90]).
وعن الشورى يرى البعض أنها لا تعني رأي الأكثرية، فالموقف الحاسم يكون موقف الرسول([91]). وهذا الرأي يخالفه آخرون تماماً، حيث يعتبرون أن الشورى ملزمة للحاكم حتى لو خالفت رأيه([92]). وأن الشورى تعني اختيار رأي الأمة، على أن تكون مقيَّدة بطاعة الله والرسول وأولي الأمر([93]).
ويحاول  البعض أن يقارب بين مصطلحات الشورى والديموقراطية والحرية، لأن العلاقة بين الشورى والديموقراطية ليست علاقة عداء بالمطلق أو تطابق بالمطلق، وإنهما يتطابقان بأنهما يعطيان السلطة للأمة، ويفترقان بمصدريهما، الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، الأمر الذي يدفع إلى فك الاشتباك بينهما لضرورات واقعية([94]).
ولأن موضوع الديموقراطية شأن سياسي له علاقة بقضية حساسة عند الإسلاميين، متمثلة بوضعهم أمام اختيار حاسم: إما الشريعة كأمر إلهي، وإما القوانين الوضعية كأمر بشري، فإنهم ولحسابات عقيدية سوف يبقون في داخل دائرة الرفض للديموقراطية مثلما أصبحوا في داخل دائرة الرفض للعلمانية قبلها. ولأن مبادئ الشريعة الإسلامية لا تلزم غير المسلمين، دفاعاً منهم عن مبدأ المساواة في الحقوق؛ ولأن الفقه الإسلامي موزع إلى أكثر من مذهب، فلن يستطيع أي مذهب منها أن يلزم المذاهب الأخرى، السبب الذي قد لا يحقق المساواة في الحقوق السياسية حتى للمذاهب الإسلامية في ظل دولة الإسلام. وكل ذلك يشكل حوافز وحاجات أساسية في سبيل إعادة النظر في الموقف السلبي من الديموقراطية([95]).




استنتاجـــات
مرَّت الدولة الإسلامية بقرون عديدة من التجارب، لم تستطيع أن تجد حلولاً لمشاكل المجتمعات الإسلامية من رعاياها. ومع سقوط الدولة العثمانية الإسلامية، واجه المجتمع العربي، كجزء منها، فراغاً فكرياً وسياسياً. فاستعانت النخب العربية المثقفة بالمؤثرات الفكرية والحضارية الأوروبية، للاستفادة منها فى سبيل بناء هوية وحدوية قومية، والتنظير لأسس نظام سياسي بديل.
ففي الربع  الثاني من القرن العشرين، شهد الفكر القومي العربي تطورات مهمة على صعيد الوضوح النظري. ومنذ أوائل الاربعينيات، أنزِلته الأحزاب المنظمة من برج النخب إلى الأوساط الشعبية. وعرف نضجه النظري، بمضامينه الاجتماعية والسياسية وبناه الحزبية الحديثة، مع تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1947م.
وقفت تيارات عديدة في الخندق المواجه للفكر القومي، ومنها: السلفية الإسلامية، والشيوعية الأممية. متجاوزاً العوائق، شق التيار القومي طريقه، منذ أوائل الخمسينيات، وحقق إنجازات رسمية وشعبية. فاستلمت بعض تياراته السلطة السياسية، في كل  من مصر (بواسطة الناصرية)، وسوريا والعراق (بواسطة حزب البعث). أما على الصعيد الشعبي، فقد  غدت المرحلة عصراً ذهبياً للجماهير العربية وللفكر القومي على حد سواء. فاصطدمت بعدد من العوائق منها الذاتي والموضوعي الداخلي، ومنها عوامل الإعاقة القادمة من الخارج.
نتيجة لتلك الظروف أصيب المد القومي بعدد من الانتكاسات والتراجعات لصالح الاتجاهات الرجعية، المحمِّية من القوى الإمبريالية، فانتعشت حركات سياسية ودينية إسلامية بعد فترة من الغياب والتراجع. وحاولت أن تشكِّل البديل للمشروع القومي، وانقسمت إلى تيارات: بعضها المتطرف الذي استخدم العنف وسيلة، وبعضها الآخر استخدم أسلوب التبشير الديني الهادئ.
دعت بعض التيارات إلى إقامة الدولة الإسلامية، بإعادة نظام الخلافة، التي تسهر على: تطبيق الحدود، وحماية الثغور، والعمل بأحكام الشريعة  الإسلامية. ودعت إلى  تكفير الأنظمة القائمة، وأعلنت الجهاد لإسقاطها.
فمنذ السبعينيات تراجع المشروع القومي، وارتفع الخطاب السلفي الإسلامي مستقطباً أوساطاً واسعة من الجماهير التي تؤيد المشروع القومي. وكانت من أهم أسبابه أن الوجدان الشعبي الوحدوي أصيب بحالة من الذهول، في أعقاب الانتكاسات التي لحقت بالبنى السياسية للمشروع القومي، في الوقت الذي لم يكن قد تسنَّى للتيار القومي أن يؤسس البنية البشرية المثقفة، التي تستطيع أن تقدم تفسيراً موضوعياً لكل ما حصل. خاصة أن الجماهير كانت مُغرَقة بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
شكَّلت تلك الأزمات مادة خصبة لكل التيارات الداخلية، المعادية للمشروع القومي، (القطريون الانفصاليون، الشيوعيون الأمميون، الحركات  السلفية الإسلامية، الأنظمة السلفية...)، الأمر الذي استفادت منه المخططات الخارجية التي تهدف إلى إبقاء الأمة في حالة من التفتيت والتجزئة.
لقد كانت للحركات السلفية بنيتها البشرية المؤهلة والمنتشرة في الأوساط الشعبية، والقادرة، بامتلاكها الأصول الثقافية الإسلامية، على كسب ود الجماهير وإقناعها بدون عناء كبير. فوجدت إسناداً نظامياً رسمياً معززاً بمباركة ودعم خارجي. فأصيب المد القومي بالتراجع لحساب انتشار الحركات الأصولية. تلك الحركات التي سلكت دروب الصراع الداخلي على حساب الوحدة النضالية في مواجهة أطماع الخارج.
وجاءت، في أواخر السبعينيات، الحالة الإيرانية التي أسست دولة إسلامية، لتشكِّل مؤثراً مهماً، زرع الأمل في نفوس السلفيين العرب بأن بناء دولة إسلامية ليس مستحيلاً من جهة، ولكي تقدم الدعم المالي إلى كثير من الحركات الأصولية من جهة أخرى.
تلك العوامل مجتمعة تقدم تفسيراً لزخم الصحوة الإسلامية منذ أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، التي من أجلها تسابقت بعض القوى القومية والوطنية، للتقرب منها، بدلاً من تحصين مواقع الفكر القومي، فأخذت إشكالية العلاقة بين القومية والدين، العروبة والإسلام، تطرح نفسها في الوطن العربي. وهذا ما شكَّل دافعاً إلى السؤال عن مستقبل الحركات الأصولية من جهة، ومستقبل الحركة القومية من جهة أخرى.
إن ظاهرة تشرذم الحركات الأصولية لجهة تمايز منابتها الفكرية ومشاريعها السياسية، تدفعنا إلى القول إنه ليست هناك حالة أصولية ذات مرجعية، عقائدية وسياسية واحدة. كما أن ما يسمى بالصحوة الإسلامية لا تحمل، أيضاً، البذور التوحيدية، فهي، حتى الآن، حركة تحمل بذور التفتيت على شتى المستويات الفكرية والسياسية و العقائدية.
قاوم الليبراليون العرب الثقافة الشعبية الإسلامية، تلك التي احتضنت حركات التحرر الوطني، من  دون أن  يعملوا على تهذيبها وتطويرها.  فهم لم ينجحوا في نشر الليبرالية  وفشلوا في إحداث نقلة نوعية في التغيير الثقافي على المستوى الشعبي. الأمر الذي  فتح الأبواب واسعة أمام التيارات الأصولية والسلفية لتلعب دوراً كبيراً في إنتاج ثقافة  أكثر انغلاقاً، وبها لن تستطيع تقديم حلول وحدوية لأنها غارقة في متاهات المذهبية والطائفية والإقليمية، كما هو حاصل الآن بين تياراتها داخل الدين الواحد، والمذهب الواحد. وستبقى موطناً لحروب طائفية داخلية مستمرة.
ولما كانت الحروب المقدسة لن تصل إلى نهاية منظورة، لتكاثرها وتضاربها وتناقضها.
ولما عبرت الثقافة السلفية حدود المجتمع القومي العربي بالدعوة إلى بناء دولة إسلامية أممية، فهي ستعيدنا إلى قرون عديدة من التخلف، تلك التي بنى فيها المسلمون إمبراطورية مترامية الأطراف، لم تقدم للمسلمين إلاَّ الحروب والصراعات بين أبناء الإمبراطورية الواحدة.
ولما كنا عاجزين عن بناء أمتنا، ننشر فيها التفرقة والتفتيت، فسنكون أكثر عجزاً في الاستيلاء على الأمم الأخرى وتوحيدها في مشروع عجزت كل الإمبراطوريات في العالم عبر التاريخ عن حمايته. أوَ لم تكن الإمبراطورية الإسلامية أنموذجاً منها؟
ولأن بناء وحدة على أنموذج ديني أصبح من المستحيلات في ظل حروب المقدسات، دعونا على صعيد أمتنا نعمل من أجل مقاربة موضوعية وعلاقة سليمة بين طرفي التراث والحداثة، الدين والقومية، الإسلام والعروبة.
لا بدَّ من تذكير الحركات الدينية السياسية بأن هدفها في جعل حدود القوميات مفتوحة كشرط ضروري لتصدير الإسلام، وبناء دولته السياسية، بأن هدفهم هذا هو الهدف ذاته الذي رسمه المخطط الأميركي لنفسه، ومضمونه كما جاء في تقرير نشرته مجلة القوات المسلحة الأميركية: إن الحدود الحالية التي رسمتها كل من بريطانيا وفرنسا بشكل عشوائي في القرن التاسع عشر هي حدود غير عادلة. و الحدود المرسومة للدول ليست ثابتة علي الإطلاق والعديد من الحدود من الكونغو إلي القوقاز مرورا بكوسوفا تتغير الآن، ولذلك يرفض المشروع الأميركي التجاوب مع الحجة القائلة: إن هذه الحدود لهذه الدول لا يجب تغييرها، لأنها تعبر عن واقع موجود منذ آلاف السنين([96]).
الهوامش



([1]) الفيلالي،مصطفى: «الصحوة الدينية المعاصرة» (333-408):الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي: مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت: 1987: ط1: ص369 – 372.
([2]) زين، زين نور الدين: نشوء القومية العربية: دار النهار: بيروت: 1986: ط 4: ص 144.
([3]) الكيالي، عبد الوهاب: موسوعة السياسة (ج 2): م . س: ص 18-19 .
([4]) راجع كتابنا: في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام: ص 421 – 460.
([5]) نيكسون، ريتشارد: أميركا و الفرصة التاريخية: مكتبة بيسان:  بيروت: 1992:  ط1: ص 194.
([6]) خوري، يوسف: المشاريع الوحدوية العربية (1913-1987): مركز دراسات الوحدة العربية:  بيروت:  1988:  ط1:  ص 546. جاء في مقدمة الدستور الليبي الصادر في العام 1977م :«أن الكتاب الكريم (القرآن)، مصدر للهداية وشريعة للمجتمع، وهو يؤمن بقيام سلطة الشعب، ويبشِّر شعوب الأرض بانبلاج فجر عصر الجماهير، وإن القرآن الكريم هو شريعة المجتمع ».
([7]) خوري، يوسف: م . س : ص 524:
*جاء في الدستور التونسي الصادر في العام 1959م، ما يلي:
«- مصمم على توثيق عرى الوحدة القومية، وبوحدة المغرب الكبير بانتمائه للأسرة العربية.
- على تعلقه بتعاليم الإسلام وعلى إقامة ديمقراطية أساسها سيادة الشعب.
- تونس : دينها الإسلام، وهي جزء من المغرب الكبير، والإسلام دين رئيس الدولة».
* وجاء أيضاً في الدستور الجزائري الصادر في العام 1962م، ما يلي:
«- هي جزء لا يتجزأ من المغرب العربي والعالم العربي وأفريقيا.
- الإسلام دين الدولة وتضمن لكل فرد احترام آرائه ومعتقداته وحرية وممارسة الأديان».  أما في الدستور المغربي الصادر في العام 1972م، [ص 549]، ما يلي:
«- دولة إسلامية ذات سيادة.
-وهي جزء من المغرب العربي الكبير، ومن  بين أهدافها تحقيق الوحدة الأفريقية.
- الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية».
([8]) الفيلالي، مصطفى:  «الصحوة الدينية الإسلامية»:  م.  س:  ص 366.
([9]) أبو ربيع، إبراهيم : «كيف ندرس التاريخ الفكري للعالم العربي الحديث: العامل الإسلامي» (61-84): مجلة قراءات سياسية: فلوريدا: العدد 2: السنة 3: 1993: ص 76.
([10]) حنفي ، حسن :الحركات الإسلامية في مصر:م . س : ص 26.
([11]) سيد أحمد، رفعت: الرافضـون:رياض الريس للكتب والنشر: لندن: 1991: ط1: ص19-20.
([12]) راجع كتابنا: الردة في الإسلام: دار الكنوز الأدبية: بيروت: ط2: 2001: ص 406 – 414.
([13]) بروكلمـان ،كارل: تاريخ الشعوب الإسلامية:  دار العلم للملايين:  بيروت:  1984:  ط 10:  (تعريب نبيه أمين فارس):  ص 497.
([14]) المظفر، محمد رضا: عقائـد الإماميـة: دار الزهراء: بيروت: 1983: ط4.
([15]) المظفر، محمد رضا: عقائـد الإماميـة: دار الزهراء: بيروت: 1983: ط4.
([16]) الأشعري: مقالات الإسلاميين (ج2): نقلاً عن محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي:دار الوحدة:بيروت:1985:د.ط. ص221-222. 
([17])  شرارة، وضاح: دولـة «حزب الله»: دار النهار: بيروت: 1998: ط3: ص68.
([18]) السيد، إبراهيم : «حزب الله ...ليس تنظيماً حزبياً»: الحركات الإسلامية في لبنان: ملف مجلة الشراع: بيروت:  1985:  ص145.
([19]) شرارة،وضـاح: م . س : هوامش الفصل15(رقم 90): ص 388.
([20])  فضل الله، محمد حسين: الحركات الإسلامية في لبنان: م. س: ص254.
([21]) المنتظري: دراسات في ولاية الفقيه (ج1): الدار الإسلامية: بيروت: 1988: ط2: ص421. 
([22]) المنتظري: دراسات في ولاية الفقيه (ج1): الدار الإسلامية: بيروت: 1988: ط2: ص422. 
([23]) الخميني: الحكومة الإسلامية(ولاية الفقيه): دار القدس: بيروت: د.ت: د.ن. ص 42 . 
([24]) م.  ن. ص 137 . 
([25]) م.  ن. ص 50 . 
([26]) م.  ن. ص 35 . 
([27]) م. ن:  ص 54: (يحصر الإمام الخميني تأخير بناء الدولة الإسلامية في سببين اثنين: أولهما الاضطهاد الذي عانى منه الشيعة عبر التاريخ الإسلامي؛ أما الثاني فتآمر من المستعمر واستجابة فقهاء  الشيعة لفصل الدين عن السياسة.
([28]) المنتظري: م .  س : ص 423. 
([29]) م .  ن: ص404-405.  راجع، أيضاً: الخميني: م.  س: ص61. 
([30])  م .  ن : ص 408. 
([31]) الخميني:  م. س:  ص 51 . 
([32]) م.  ن. ص 51 . 
([33]) م.  ن. ص 51 . 
([34]) الخمــيني: م .  س : ص 50 60.
([35]) راجع كتابنا: نحو تاريخ فكري سياسي لشيعة لبنان (ج 1): دار الكنوز الأدبية: بيروت: ط2: 2000: الفصل الأول.
([36]) قمـي، حسن طباطبائي: «نص الفتوى التي أغضبت الخميني»: مجلة الوطن العربي: باريس: العدد (43-569): تاريخ8/1/1988. (حسن طباطبائي قمي هو من العلماء الشيعة البارزين في إيران؛ وقد اتخذ سلسلة من المواقف المعارضة للخميني؛ وفُرِضَت عليه الإقامة الجبرية في منزله في مشهد.  وفي أول تشرين الأول/أوكتوبر1987، أصدر هذه الفتوى باللغتين الفارسية والعربية).
([37]) خاتمي، محمد: مطالعات في الدين والإسلام والعصر: دار الجديد: بيروت: 1998: ط2: ص85.
([38])راجع كتابنا: نحو تاريخ فكري – سياسي لشيعة لبنان (ج 1): دار الكنوز الأدبية: بيروت: ط2: 2000: الفصل الأول.. 
([39]) الليثي، سميرة مختار: جهـاد الشيعـة: دار الجيل: بيروت: 1978: ط2: ص93. 
([40]) المازندراني ، محمد بن علي(ت سنة 588هـ=1192م):مناقب آل أبي طالب:نقلاً عن: إيبش، يوسف: الإمام والإمامة عند الشيعة: دار الحمراء:بيروت:1990:ط1:ص63. 
([41]) راجع كتابنا: الردة في الإسلام: الفصل الرابع: الفقرة الرابعة (من تكفير الفرد إلى تكفير الجماعة).
([42]) السماوي ، محمد التيجاني : م . س : ص 54.
([43]) حـوَّى، سعيـد: الخمينيـة (شذوذ في العقائد وشذوذ في المواقف): د. ن: 1987: ط1: ص4.
([44]) الهرري ، عبد الله: الغارة الإيمانية في رد مفاسد التحريرية: م. س: ص 3.
([45]) سـيد احمد ، رفعت : الرافضــون :م . س : ص 102.
([46]) الخوري، يوسف:المشاريع الوحدوية العربية:مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت:1988: ط1: ص525. (نص المادة 6 من قانون المملكة الحجازية الأساسي، الصادر في العام 1926م).
([47]) النجـدي، عبد الرحمـن: الدرر السَنِيَّـة (ج1): م . س : ص 273.
([48]) التركـي،عبد الله: مجلـة الوطن العربي:العدد1111:م . س .
([49]) الهرري،عبد الله: المقالات السُـنِّـيَّة في كشف ضلالات أحمد بن تيمية:م . س : ص 46.
([50]) الخميني: نص الوصية السياسية الإلهية: وزارة الثقافة والإرشاد: طهران: 1987م: ص12.
([51])راجع كتابنا: الردة في الإسلام: دار الكنوز الأدبية: بيروت: ط2: 2001: الفصل السادس.
([52])  من وصية الإمام علي بن أبي طالب لعبد الله بن العباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج: شرح نهج البلاغة (مجلد 5) ابن أبي الحديد: دار ومكتبة الحياة: بيروت: د. ت: د. ط: ص 250.
([53])محمد باقر الصدر، فقيه شيعي (ت في العام 1980م)، والسيد سابق (مفكر سني معاصر).
([54]) أحمد، زكي:  الحركة الإسلامية ومعالم المنهج الحضاري:  دار البيان العربي:  بيروت:  1991:  ط 1:  ص 30.
([55]) شمس الدين، محمد مهدي: «موقف الإسلام من العولمة في المجال الثقافي والسياسي» (60-78): مجلة قضايا إسلامية معاصرة: العدد الثالث: بيروت: 1998: ص 76-77.
([56]) راجع بحثـنا: «هل يحقق الفقه المذهبي الإسلامي وحدة الدولة والقانون؟»: مجلة دراسات عربية: بيروت: العدد: أيلول-تشرين الأول / سبتمبر -أكتوبر: 1999م.
([57]) سيد أحمد، رفعت:  الرافضون:  رياض الريس:  لندن:  1991:  ط1:  ص 91.  
([58]) نقـلاً عن محمد سيد كيـلاني:ذيل الملل والنحل(ج2): للشهرستاني : م.س:ص 73. (قال علي عبد الرازق في كتابه «الإسلام ونظام الحكم»، في العام 1945م: «إن الخلافة-دنيوية وسياسية أكثر من كونها مسألة دينية؛ وإنها من مصلحة الأمة نفسها مباشرة؛ ولم يرد بيان صريح في القرآن الكريم، ولا في الأحاديث النبوية، في كيفية نصب الخليفة وتعيينه، وشروط الخلافـة ما هي»).
-الرصاصي، توفيق عبد الغني: أسس العلوم السياسية في ضوء الشريعة الإسلامية: الهيئة المصرية العامة للكتاب: القاهرة: 1986: د.ط: ص 36 . (إن «السيادة في الدولة الإسلامية تكمن في الشعب، فهو الذي يختار الخليفة، ويوجِّهه، ويقدِّمه، وله أن يعزله من منصبه إذا حصل ما يوجب عزله»).
([59]) راجع المصادر التالية:
- شعبان، سعيد: «حكم الله لكل الأرض وليس للبنان وحده» (125-141): الحركات الإسلامية في لبنان:    م. س: ص125. (يقول سعيد شعبان، أمير حركة التوحيد الإسلامية في لبنان: «انطلاقاً من الأمر الإلهي يجب أن يُقام حكم الله تعالى في الأرض كلها، لا في لبنان فحسب. ومن يفكر أن يعيش بغير حكم إسلامي يكون قد كفر في كثير من النصوص القرآنية»).
-شعبان، سعيد: مجلة الوحدة الإسلامية: تاريخ8/12/1989. نقلاً عن: الجمهورية الإسلامية في لبنان (ج3): إعداد محمد شمص وحسين مرجي: الوكالة الشرقية للتوزيع: بيروت: 1990: ط1:ص888. (ردَّاً على من ارتضى أن يكون رئيس الجمهورية في لبنان مسيحياً،يقول: «أعلنوا مشروعية الكفر في لبنان، ومنهم دار الفتوى اللبنانية، التي باركت للرئيس الجديد». وإن كل مسلم يقف هذا الموقف يُعتَبَر مؤيداً للكفر… وهو القائل سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: من الآية51)).
-راجـع : الحركات الإسلامية في لبنان: م . س : ص 311. (يرى المفتي محمد علي الجوزو: «إذا طالبنا بإقامـة جمهورية إسلامية في لبنان فإن من حق الأكثرية أن تقيم الدولة التي تريد، والأكثرية إسلامية، ومن حق المسلمين أن [يقيموا] النظام الإسلامي»).
-حزب التحرير الإسلامي(ولاية لبنان):قانون الزواج المدني هو قانون كفر:بيان منشور  في 19/3/1998. (كما يدعو حزب التحرير الإسلامي إلى رفض أن يكون رئيس الجمهورية نصرانياً: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: من الآية141)»).
- يـكن، فتحي: «حوار معه…» (195-200): الحركات الإسلامية في لبنان: م.س: ص195. ( فتحي يكن -أمين عام الجماعة الإسلامية في لبنان- يقول: «إن إقامة سلطة إسلامية تطبِّق أحكام الشريعة فريضة شرعية في عنق المسلمين في كل مكان بما في ذلك لبنان).
- الموسوي،صادق: "حوار معه…"(323-336): الحركات الإسلامية في لبنان:م.س:ص330. (صادق الموسوي يقول: إن الله حذَّر المسلمين من الخضوع لحكم النصارى واليهود ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (المائدة:51)؛ ووضع الراضين بحكم النصارى في خانة النصارى، وشطبهم من خانة المسلمين ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: من الآية51)).
- الموسوي، صادق: في مقال له في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ14/11/1989: نقلاً عن: الجمهورية الإسلامية في لبنان: م. س: ص801. (ونقل عن الإمام الصادق قوله: «من أحبَّ كافراً فقد أبغض الله، ومن أبغض كافراً فقد أحبَّ الله، وصديق عدو الله عدو الله»).
([60]) راجع المصادر التالية:
-السيـد، إبراهيم أمين: «حزب الله» (143-165): الحركات الإسلامية في لبنان: م.س. (ناطق باسم حزب الله في لبنان، إن الإسلام «ليس رسالة تبشيرية فقط، وإنما رسالة تبشيرية ورسالة لإقامة مجتمع العدالة في الأرض». المشروع المطروح على العالم اليوم، هو مشروع الأمة، دولة الإسلام الكبرى. وتوجد كل الفرص لتوسيع هذا المشروع؛ وهذا ما عبَّر عنه الإمام الخميني بتصدير الثورة، ونحن نريد في لبنان، أن يصبح جزءًا من مشروع الأمة في منطقة الشرق الأوسط).
- فضل الله، محمد حسين: حوار معه أجرته مجلة العهــد (العدد53): بيروت: 1405هـ=1985م: ص6. (يرى أن المشروع الإسلامي يمر بمرحلتين:
-المرحلي: ويتمثَّل بإسقاط النظام الطائفي وخلق ظروف للحوار.
-الاستراتيجي: ويتمثَّل بتحضير الساحة لكثير من شروط التصور الإسلامي، بما لا يجعلها معادية للإسلام، بل للوصول إلى ساحة متعاطفة مع الإسلام؛ وهذا يحتاج إلى إعداد طويل).
- فضل الله، محمد حسين: «اخطأنا كما أخطأ غيرنا…»: مجلـة الحسناء: م .س: ص37. (وعن رئاسة الجمهورية فيرى أنه إذا قَبِلَ الناس أن يكون رئيس الدولة مسيحياً فهذا شأنهم»).
- فضل الله، محمد حسين: 7/10/1989: نقلاً عن: الجمهورية الإسلامية في لبنان (ج3): م.س: ص604. (لكنه يرفض أن يُفرَض هذا التدبير فرضاً من قِبَلِ جماعة محدودة التمثيل -كمثل مجلس النواب اللبناني- ولهذا فهو يرد داعياً إلى استفتاء شعبي  حول هذه العقدة السياسية « لأن الشعب أصبح يمتلك وعياً سياسياً، وأصبح يعرف حقيقة الأمور»).
-نصرالله ، حسن: في محاضرة له نشرتها مجلة العـهد(العدد55): بيروت: 1985م: ص10. (ويقول حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله منذ العام 1997م، في محاضرة له في العام 1985م، إن «الأزمة في لبنان هي مشكلة الابتعاد عن حكم الله، والحل لن يكون على أيدي العلمانيين، لأن «العلمانيين كالإسرائيليين، والعلمانية تعني فصل الدين عن السياسة». والحل عنده بحركة تغيير شاملة في المنطقة، كحركة التغيير التي بدأت من إيران، وبدأت تتنامى من خلال الواقع في لبنان؛ فعلى المسلمين فيه أن يكونوا جزءًا منها. وأن نعمل لبناء أمة مجاهدة، أن نبني جيل المهدي المنتظر).
- الطفيلي، صبحي: في حوار مع مجلة العهـد(العدد70): بيروت: =1986م: ص2. (أمين عام سابق لحزب الله، فيرى أن تُعطَى الحرية المطلقة الحقيقية للبنانيين جميعاً، لكي يختاروا شكل نظام الحكم، فلو أرادوا أن يطبِّقوا الإسلام، فتلك إرادتهم، وليس قوة الحديد والنار. وإن أرادوا شيئاً آخر فيكون كذلك برأيهم، ونحن لا نتحمَّل المسؤولية أمام الله إن اختاروا غير الإسلام).
- الموسوي، عباس:في حوار مع مجلة العهـد(العدد361): بيروت: 1991م:ص3:عامود3. (أمين عام سابق لحزب الله، يقول: عندما نرى بلداً تسود فيه العدالة؛ فلا مانع من المشاركة في المجلس النيابي أو غيره…و من أهدافنا الوصول إلى مواقع القوة التي نستطيع من خلالها أن نفرض ما نريد»).
- الموسوي، حسين: حركة أمل الإسلامية (217-233): الحركات الإسلامية في لبنان:م.س:ص 226. (حسين الموسوي، مؤسس ورئيس حركة أمل  الإسلامية في العام 1982م، وكان سابقاً من مؤسسي حركة أمل مع السيد الإمام موسى الصدر، يقول: نجد واجباً علينا أن نسعى لإقامة المجتمع الإسلامي، الذي سيبني دولة إسلامية. وهذا لا يعني إقامة دولة إسلامية في لبنان الآن، فبتشكيل المجتمع المسلم ستنشأ دولة ترتبط بالإسلام المحيط بالمنطقة»).
([61]) راجع المصادر التالية:
- بابتـي، عبد الله: الجماعة الإسلاميـة (181-194): الحركات الإسلامية في لبنان:م.س:ص 184. (يقول عبد الله بابتي ( المسؤول السياسي للجماعة الإسلامية في لبنان)، التي تأسَّست في العام 1964م)، إن معالجة الوضع في لبنان تأتي ضمن صورة وجود الكثير من الطوائف، وضمن مصلحة المسلمين، من دون التخلِّي عن الإسلام كعقيدة ونظام. وذلك على أساس أن أي مواطن له الحق في حياة كريمة، دون أن يُنظَر إلى هويته أو إلى دينه »).
- قاسم،عبد الحفيظ: «حوار معه…» (337-343): الحركات الإسلامية في لبنان: م.س: ص339. (أما عبد الحفيظ قاسم (رئيس اتحاد العلماء المسلمين في لبنان) فيناصر قيام سلطة إسلامية في لبنان، لكن ليس الآن، خاصة وأنه لم ينص الكتاب ولا السُنَّة على قيام دولة إسلامية؛ فجدير بمن يريد أن يحقق هذا في لبنان فعليه أن ينتظر قرنين من الزمن).
- حيـدر، عاكف: «حوار معه…» (79-86): الحركات الإسلامية في لبنان: م.س: ص 83. (وعاكف حيدر (كان نائباً لرئيس حركة أمل) يقول إن الحركة لا تفكِّر بإقامة دولة إسلامية على غرار ما هو قائم في إيران. فلبنان، يضمُّ عدة طوائف لها الحق في أن تمارس شعائرها على النحو الذي تريده»).
- الأمين، أحمد شوقي: «حوار معه…» (291-307): الحركات الإسلامية في لبنان: م.س: ص 299. (وأحمد شوقي الأمين يرى صعوبة إقامة دولة إسلامية في لبنان بالنظر إلى تداخل الفئات والمذاهب، أولاً، ولأن المسلمين فيه عاشوا قروناً مع إخوانهم المسيحيين، فتفاعلوا في ما بينهم، وتداخلت تقاليدهم وعاداتهم ونظرتهم السياسية، ونتج عنها تراث مشترك من الصعب تدميره ثانياً»).
- الحـر، عبد الحميد: (279-289): الحركات الإسلامية في لبنان: م.س: ص282-283. (وعبد الحميد الحر، يقول: حيث لا يتوافر للإسلام أن يقيم سلطته الشاملة يمكنه أن يزوِّد السلطة القائمة بوقود روحي واشتراعي، يعطيها معنى العدل الذي قام على أساسه الإسلام. وهنا نلتزم قولاً اجتهادياً ورد في حديث (إمامي إرشادي) يتناقله المعنيون في الشرائع ونظام الإدارة في الإسلام (حاكم كافر عادل خير من حاكم مسلم جائر)». كما يجوز لنا أن نتصوَّر الإسلام من غير دولة. لأن الإسلام إذا فقد الدولة لم يفقد الدعوة. فإنه «حتى لو كانت الدولة القائمة غير دولة الإسلام، يمكنها أن تتعايش مع بقية الطوائف متى راعت هذه الطوائف حق المسلمين بالحياة الكريمة»).
-مغنيـة، محمد جـواد: التفسير الكاشف (م7): م. س: ص 64-65. (بعد تأكيده على أهمية تنفيذ أحكام القرآن، يرى محمد جواد مغنية صعوبة قيام دولة إسلامية، في مرحلة تسود فيها القوميات المتعددة، والمذاهب السياسية المختلفة، والفرق الدينية المتباينة. ويتساءل: هل تكون هذه الدولة سُنِّيَّة أو شيعية أو منهما؟ لذا يدعو الساعين إلى قيام تلك الدولة أن يحصروا جهودهم كلها في العمل على الخلاص أو التحرر من القوى الفاسدة الداخلية والخارجية).
([62]) أنظر :مجلـة الوطن العربي: باريس: العدد979: تاريخ 8/12/1995: ص 20-21.
([63]) أنظر : مجلـة الوطن العربي: باريس: العدد 1045: تاريخ14/3/1997: ص 4.
([64]) يسـين، السيد: «في مفهوم العولمة»: مجلة المستقبل العربي (العدد228): بيروت: 2/1998: ص12.
([65]) الفيلالي، مصطفى: «نظرة تحليلية في حقوق الإنسان من خلال المواثيق وإعلان المنظمات» (78-108):    مجلة المستقبل العربي: العدد (223): بيروت: 9/1997: ص 105.
([66]) ديورانت ، ول:قصـة الحضـارة(م38):م.س:ص264-265.
([67]) راجع نص البيان: العظم،صادق جلال: ذهنية التحريم: لندن: 1992: ط1: ص 405-408.
([68]) يسـين ، السيد : م . س : ص 6.
([69]) راجع كتابنا: الردة في الإسلام: م. س: الفصل السادس.
([70]) الفيلالي ،مصطفى: «نظرة تحليلية في حقوق الإنسان…»: م . س : ص 83-84.
([71]) العشماوي، فوزية:"عالمية الدعوة الإسلامية"(41-42): مجلـة شؤون إسلاميـة (العدد4): لندن: 1998. (-قال الرسول: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا أبيض على أسود، ولا لأسود على آخر إلا بالتقوى؛ إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
-تنص المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على أن: «جميع الأفراد لهم نفس الحقوق والحريات بدون تفرقة من أي نوع، مثل الجنس أو اللون أو النوع أو اللغة أو الدين أو الآراء السياسية أو الوطنية، أو الوضع الاجتماعي أو الملكية أو البلاد او أية أوضاع أخرى»).
* -لقد نصًّت المادة18/الفقرة1: «لكل فرد الحق في حرية الفكر والضمير والديانة. ويشمل هذا الحق حريته في الانتماء إلى أحد الأديان أو العقائد، وفي أن يُعبِّر، منفرداً أو مع آخرين بشكل علني أو غير علني، عن ديانته أو عقيدته، سواء كان ذلك عن طريق العبادة، أو التعبُّد أو الممارسة أو التعليم».
-وجاء في الفقرة 2،ما يلي: «لا يجوز إخضاع أحد لإكراه من شأنه أن يُعطِّلَ حريته في الانتماء إلى أحد الأديان أو العقائد التي يختارها».
([72])  كريزر، كلوس: معجم العالم الإسلامي: المؤسسة الجامعية للدراسات: بيروت: 1991: ط1: ص306. (وعنها نصَّت المادة الثامنة (الفقرة1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية على أنه: «لا يجوز استرقاق أحد، ويُحَرَّم الاسترقاق والاتجار بالرقيق في كافة أشكالهما». كما جاء في الفقرة 2: «لا يجوز استعباد أحد».
-أما الشريعة الإسلامية فإنها لم تشجع على الاسترقاق ولكنها لم تُحرمّه. فالعبد في الإسلام كل من تحدَّر من عبد سابق، أو من وقع أسيراً في الحرب…والعبد إنسان وشيء في آن واحد، إذ يمكن بيعه وإهداؤه و توريثه الخ… ولا حق له بالملكية…ويحق له الزواج إذا وافق سيده على ذلك. وانتشرت في العهد العثماني عادة تربية الغلمان، منذ القرن14م=8هـ، وعلى الرغم من أنه تمَّ القضاء عليها، في بداية القرن18م=10هـ، فإنهم كانوا يُعَدُّون من عبيد السلطان).
([73])  أمـين ، أحمـد: فجـر الإسـلام : م . س : ص 88-89. (يقول المسعودي إن ابن الزبير بن العوام كان له ألف عبد وألف أمة… وكان يُعَدُّ هذا الرقيق مملوكاً للسيد المُطاع، له الحق في بيعه وهبته؛ وإذا كان أَمَةً جاز للسيد أن يستمتع بها…ويصح أن يكون للرجل عدد كبير من العبيد، كما يصح أن يكون في بيته عدد من الإماء).
([74]) الخـوارزمي : الكشـاف (ج3) : م . س : ص 531. (قال الخوارزمي، عندما سُئِل عن حكم أسارى المشركين: « أما عند أبي حنيفة وأصحابه أحد أمرين: إما قتلهم، وإما استرقاقهم أيهما رأى الإمام. ويقولون في المِّن والفداء المذكورين في الآية نزل ذلك في يوم بدر ثم نُسِخ. وعن مجاهد: ليس اليوم مَنّ ولا فداء، وإنما هو الإسلام أو ضرب العنق. ويجوز أن يُراد بالمنِّ أن يُمَنَّ عليهم بترك القتل ويُستَرقُّوا، أو يُمنَّ عليهم فيُخلوا لقبولهم الجزية، وكونهم من أهل الذمَّة. وبالفداء أن يُفادى بأساراهم أسارى المشركين؛ فقد رواه الطحاوي عن أبي حنيفة؛ والمشهور أنه لا يرى فداءَهم لا بمال ولا بغيره خيفة أن يعودوا حرباً للمسلمين. وأما الشافعي فيقول: للإمام أن يختار أحد أربعة-على حسب ما اقتضاه نظره للمسلمين- وهو القتل والاسترقاق والفداء بأسارى المسلمين والمَنّ. ويحتجُّ بأن رسول الله منَّ على أبي عروة الحجبي و على ابن أنال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين، وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأي»).
([75]) ابن كثـير : تفسير ابن كثير (ج6) : م . س : ص 309-311.  (جاء عند ابن كثير ما يلي: «الظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله سبحانه وتعالى عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذٍ، ليأخذوا منهم الفداء والتقليل من القتل… ثم ادَّعى بعض العلماء أن هذه الآية المُخَيِّرة بين مفاداة الأسير والمَنِّ عليه منسوخة بقوله تعالى ) فإذا انسلخ الأشهر الحُرُم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم(… وقال الآخرون -وهم الأكثرون ليست بمنسوخة. ثم قال بعضهم: إنما الإمام مُخَيَّر بين المَنِّ على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله. وقال آخرون منهم: بل أن يقتله إن شاء…وزاد الشافعي فقال: الإمام مُخَيَّر بين قتله أو المنِّ عليه أو مفاداته أو استرقاقه أيضاً…»).
([76]) مغنـية ،محمـد جواد: التفسير الكاشف (م7) : م . س : ص 61. (جاء عند محمد جواد مغنية: «…وعندئذ أحكِموا أسر من بقي منهم كيلا يفلت ويعيد الكرَّة عليكم؛ ومتى تمَّ ذلك كان الخيار للنبي أو نائبه في إطلاق الأسير بفداء، أو منّ من غير فداء حسبما تقتضيه المصلحة…»).
 ([77]) راجـع: ابتسام خير الدين: «اليد المسلَّحة للـه» (16): مجلـة الكفاح العربي: بيروت: العدد 2915: تاريخ 2/2/1999.  وفي المقال الصحفي تنقل الكاتبة مراجعة لكتاب صدر في باريس تحت عنوان (اعترافات أمير من الجماعات الإسلامية)؛ جمعه الصحفي الفرنسي باتريك فورستييه. (جاء على لسان أحد أمراء الجماعات الإسلامية في الجزائر ما يلي: «يعيش المتطرفون [الجماعات الإسلامية في الجزائر] في عالم صوفي. يعتبرون أنهم يمثِّلون اليد المسلحة لله؛ وبناء على هذه الصِفة يسمحون لنفسهم بأن يقتلوا مستندين إلى الكتاب المقدَّس، الذي لا يكاد يعرفه معظمهم. يُطبِّقون الخطوط الكبرى فيه من دون أن يهتموا بالفوارق الدقيقة الحساسة… ويعتبرون أن ضحاياهم ليست بريئة بل مُدانة بخطيئة أصلية تقريباً: خطيئة عدم الإيمان بالله. ما هي براهينهم؟ [يحسبون أنه] لا يحترم الجزائريون الشريعة والفقه الإسلامي، ولا يعيشون كمسلمين صالحين؛ يشاهدون برامج التلفزيون الكافرة، ويسمحون لنسائهم بالقيام بكل شيء…كان أعضاء الجماعات الإسلامية المسلحة يؤكدون أنه ينبغي حتى قتل الأطفال الرُضَّع…». وكانوا يقومون بتعذيب الأسرى: إما باقتلاع أجزاء من جلدهم بآلات حادة؛ أو دفنهم أحياء؛ أو قتلهم ذبحاً بالخناجر).
([78]) ابن كثــير : تفسير ابن كثير (ج1) : م . س : ص 369.
(قال مالك والشافعي وابن حنبل: إن الحر لا يُقتَلُ بالعبد.
-قال أبو حنيفة: بل يُقتَلُ الحر بعبد غيره، ولا يُقتَلُ بعبده.
-واتفق الأربعة على أن الرجل يُقتَلُ بالمرأة، والعكس صحيح.
-قالت الإمامية: إذا قتل الحر عبداً لا يُقتَلُ به، بل يُضرَبُ ضرباً شديداً، ويُغرَّمُ دِيَّة العبد. وإذا قتلت المرأة رجلاً عمداً كان ولي المقتول بالخيار بين أن يأخذ منها الدية إن رضيت هي وبين أن يقتلها. فإذا اختار القتل فلا يُغرَّم أهلها شيئاً… وإذا قتل الرجل امرأة كان وليُّها بالخيار بين أن يأخذ الدية إن رضي القاتل، وبين أن يقتله الولي على أن يدفع لورثة القاتل نصف دِيَّة الرجل.
وجاء عند ابن كثير أن الجمهور قد ذهب إلى أنه لا يُقتَلُ الحر بالعبد، لأن العبد سلعة، لو قُتِلَ خطأً لم يجب فيه دِيَّة، وإنما تجب قيمته.
-وذهب الجمهور أيضاً إلى أن المسلم لا يُقتَلُ بالكافر.
-وقال أبو حنيفة إلى أنه يُقتل به لعموم آية المائدة).
([79]) الكيـالي، عبد الوهاب: موسوعة السياسة (ج3):م . س : ص 869.
([80])  مغنيـة ،محمـد جواد : التفسير الكاشف (م2) : م . س : ص 300.
* «تمنح الدول الأطراف المرأة في الشؤون المدنية أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل، ونفس فرص ممارسة تلك الأهلية». وعن ذلك نصت المادة الخامسة -الفقرة أ- على: «تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك المرأة والرجل، بهدف تحقيق القضاء على التميُّزات والعادات العرفية، وكل الممارسات الأخرى، القائمة على فكرة دونية أو تفوق أحد الجنسين». كما أكدت المادة العاشرة على: «القضاء على التمييز ضد المرأة، لكي تكفل للمرأة حقوقاً مساوية لحقوق الرجل في ميدان التعليم».
([81]) دائـرة المعارف الإسلاميـة (م2): دار المعرفة: بيروت: د. ت: د. ط: ص635. (فقد أقرَّت السُنَّة النبوية حق الرجل بالتسرِّي بالمرأة، فأيَّد بهذا عادة ألِفَها العرب في الجاهلية. ولم يتساوَ أولاد الإماء بأولاد الحرائر في الحقوق. وكانت مكانة أم الولد منحطَّةً، حتى إن المسلمين كانوا يُطلقون عليها اسم أم الولد. وأباح القرآن، أيضاً، التسرِّي بما ملكت يمين الرجل، وجاء ذلك في عدد من الآيات:  ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْك﴾ [من الكفار بالسبي كصفية وجويرية] (الأحزاب: من الآية50)).
([82]) زين الدين، نظيرة: السفور والحجاب: مطابع قوزما: بيروت: 1928: د. ط: ص313 -314: (ردَّاً على رفض اعتراف عدد من الفقهاء المسلمين بشرعية المساواة في فرص التعليم بين الرجل والمرأة تنقل عدداً من الأحاديث المذكورة، ومنها: «عن الترمذي الحكيم عن ابن مسعود أن النبي قال: مرَّ لقمان على جارية في الكُتَّاب، فقال: لمن يُصقَلُ هذا السيف؟. وأخرج الترمذي الحكيم من هذا الحديث أن فيه إشارة إلى علَّة النهي عن تعلُّم الكتابة؛ وهي أن المرأة إذا تعلَّمتها توصَّلت بها إلى أغراض فاسدة، وأمكن توصُّل الفَسَقَة إليها على وجه أسرع من توصُّلهم إليها بدون ذلك. لأن الإنسان يبلغ بكتابته في أغراضه إلى غيره ما لم يبلغه رسوله، لأن الكتاب أخفى من الرسول، فكانت أبلغ في الحيلة وأسرع في الخداع والمكر. فكذلك هي بعد الكتابة تصير لا يُطلَب منها شيء إلا كان فيها قابلية إلى إجابته إليه على أبلغ وجه وأسرعه», وتنقل، أيضاً: «روى الحاكم وصحَّحه البيهقي،أن النبي قال: لا تُنزِلوهنَّ في الغرف ولا تُعلِّموهنَّ الكتابة. وعلموهن الغزل»).
([83]) الخـولي، البهي: الإسلام والمرأة المعاصرة: دار القلم: الكويت: 1984: ط4: ص215- 216: (يقول البهي الخولي: «إننا لا ننكر أن للمرأة عقلاً كعقل الرجل، ولا نجحد أنها تفهم كما يفهم الرجل من العلوم والآداب، ولكن القضية إن المرأة خُلِقَت لتكون زوجةً وأماً... هكذا فطرها الله، وفي إرادته الخير كله. فأي خير نجنيه إذا نحن ثقَّفناها بغير ثقافة الزوجة والأم؟ لقد دخلت الفتاة كلية الزراعة وكلية العلوم وكلية الصيدلة فماذا جنت بنجاحها؟...لم تجنِ إلا أنها خرجت من نطاق الأنوثة التي خصتَّها بها الطبيعة إلى استرجال هي أول من يُنكِرُه...».).
([84])  سـيد أحمد ، رفعت : الرافضـون : م . س : 95. (يقول شكري أحمد مصطفى -أمير إحدى جماعات الإخوان المسلمين- إن الإسلام «يُحَرِّم تعليم الكتابة في الجماعة المسلمة إلا بقدر الحاجة العملية؛ وتعلُّم الكتابة الزائدة حرام». ويتابع قائلاً: «إن النبي أمر بتعليم بعض المسلمين الكتابة في حدود الحاجة». ويُبرِّر شكري ذلك فيقول: «إن البشرية كلها الضالَّة، التي دمَّرها الله تعالى، لم تكن تزهو إلا بالعلم، ولم تكن تتعالى على الله إلا بثمرة هذا العلم المتقدِّم الصلة بعبادة الله وحده؛ قال الله تعالى:﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس:24). و﴿يعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم:7)»).
([85])  العشماوي ، فـوزيـة : م . س .
([86]) موسوعة السياسة (ج2): م . س: ص 751: (المادة: الديمقراطية).
([87])  حسن، حسن عباس: الصياغة المنطقية للفكر السياسي الإسلامي: الدار العالمية: بيروت. 1992: ط 1: ص 247.
([88]) المظفر، محمد رضا: عقائد الأمامية: دار الزهراء. بيروت: 1983: ط 4: ص 67.
([89]) صالح، حافظ: الديموقراطية وحكم الإسلام فيها: دار النهضة الإسلامية: بيروت: 1992: ط3: ص103. («إن الأساس الذي جاء به الإسلام يقضي بأن يكون المسلم عبداً لله تعالى. وأعظم مكرمة وأكرم صفة يتصف بها المسلم أن يكون عبداً لله تعالى. وصفة العبودية هذه تتنافى مع ممارسة السيادة دون ضغط أو إكراه، فالإنسان المؤمن بالله يلتزم لأوامره. وإن ممارسة الإرادة في أحكام التخيير، وإن كان يبدو فيها الحرية في العمل، فإنما هي إجازة من الله للإنسان بالفعل أو الترك، وهي تفضل منه. أما الحرية فإنما تعني اتِّباع الهوى وإشباع الرغبة»). و(فالحرية والديموقراطية «لها معنى محدد يتناقض مع الإسلام تناقضاً بيناً لاختلاف المصدر بينهما. فمصدر الديموقراطية والحرية العقل، ومصدر الشريعة الوحي، ويكفي هذا لنبذهما وإبعادهما من أذهان المسلمين».
«فالديموقراطية جعلت السيادة للشعب وجعلت مجموعة من الناس تضع التشريعات لتنظيم علاقات الناس، فمصدر التشريع في الإسلام هو الوحي وليس الناس، والحرية تترك للفرد أن يحكِّم هواه وما يشبع جوعاته الجسدية... وهذا مناقض لعبودية الإنسان لله تعالى والتزامه بما يرتضيه...»).
([90]) حزب التحرير الإسلامي: نقض مشروع الدستور الإيراني: (كراس منشور): 30/8/1979: ص 10 - 16. («إن الإسلام يعتبر مفهوم الديموقراطية مفهوم كفر، ويعتبر جميع ما يبنى عليه من دساتير وأحكام دساتير، كفر وأحكام كفر، لأنها كلها غير منبثقة عن العقيدة الإسلامية ولا مأخوذة من كتاب الله ولا من سُنَّة رسوله، وإنما هي تشريعات البشر».
ولهذا فإن نظام الحكم في الإسلام ليس نظاماً جمهورياً، يُنتخب رئيسه من قبل الشعب، ويملك حق عزله، كما أن الرئيس مقيَّد برأي الشعب وعليه أن يأخذ بما يشرِّعه نواب الشعب لأن التشريع من حقه؛  فشكل الحكم في الإسلام هو على خلاف ذلك «فهو نظام الخلافة، أو الإمامة الذي ينصب فيه الخليفة أو الإمام، بمبايعة أهل العقد من الأمة، على أن يحكمهم بكتاب الله وسنة رسوله، وليست له مدة محدودة ولا تملك الأمة حق عزله». فالحرية «هي من أنظمة الديموقراطية الغربية. وهي تعنى حرية العقيدة، والحرية السياسية، والحرية الاقتصادية، والحرية الشخصية، وجميع هذه الحريات تتناقض مع الإسلام، لأن المسلم مقيد بالأحكام الشرعية، فمن يرتد يقتل، ومقيَّد في سلوكه السياسي، وفي سلوكه الشخصي، ومقيَّد في الملكية وحيازتها وإنفاقها بالأحكام الشرعية»).
([91]) فضل الله، محمد حسين: الإسلام ومنطق القوة:الدار الإسلامية:بيروت: 1981: ط2: ص 152. (إن الشورى ليست هي الديموقراطية، ففي معرض تفسيره للآية ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (آل عمران: من الآية159)، يقول: «ليست واردة في اتجاه الأخذ بالرأي الذي توافق عليه الأكثرية، وإن كان الحق في جانب الأقلية، ولذلك اتجهت الآية الكريمة إلى النبي محمد (ص) لتطلب منه إمضاء الرأي، بعد المشاورة، سواء كان على وفق الشورى، أو على خلافه»).
([92]) الفنجري، احمد شوقي: كيف نحكم بالإسلام في دولة عصرية؟: الهيئة المصرية العامة للكتاب: مصر: 1990: د.ط: ص 209. («وإذا اختلف الحاكم مع المجلس في رأي فعليه أن يحاول إقناعه أولاً فإذا لم يقتنع المجلس فعليه تنفيذ رأيهم لا رأيه الشخصي، لأن رأي الجماعة أصوب من رأي الفرد دائماً»).
([93]) الأنصاري، عبد الحميد اسماعيل: نظام الحكم في الإسلام: دار قطري: قطر: 985 1: ص 59-72، و134، و247: (فهذا البعض يستند في ترجيحه إلى أن «الاختيار من الأمة هو مقتضى الأمر بالتشاور في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (الشورى: من الآية38)، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر (آل عمران: من الآية159)، إذ المقصود بـ (أمرهم) و(الأمر) هو جميع الأمور العالقة المتعلقة بالمصالح العامة في المجتمع، وأهم هذه الأمور بالطبع- رئاسة الدولة- فإذا كانت الأمة محرومة من حق الاختيار فماذا تملك؟ وماذا يتبقى لها بعد ذلك؟».
أما من حيث العلاقة بين الشورى والديموقراطية؛ فقد وجد البعض، الذي يرى أن الديموقراطية ليست حكراً على التيارات الأخرى، أن هناك ديموقراطية إسلامية تقوم على «عناصر ثلاثة لا انفصال بينها من أجل تحقيق ما تدعو إليه من حقوق الإنسان: وهي المساواة، والمسؤولية الفردية، والشورى الدستورية، وهي مقيَّدة بمفهوم الطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر من المسلمين»). 
([94]) عمارة، محمد: راجع تعقيبه في: مجلة المستقبل العربي: بيروت: العدد 70 1 (4/1993): ص 104. («فالرؤية الإسلامية للشورى ليست مناقضة للديموقراطية، وليست مطابقة لها». فبينهما مساحة اتفاق لأن «الشورى تعطي السلطة للأمة، والديموقراطية أيضاً تعطي السلطة للأمة»، وبينهما أيضاً مساحة افتراق من حيث أن الديموقراطية تعطي «السيادة للقانون الطبيعي، فإن الشورى تعطي السيادة للشريعة».
([95]) راجع كتابنا: في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام: م. س: الفصل الرابع.
([96])مجلة القوات المسلحة الأمريكية علي موقعها الإخباري الالكتروني: تقرير كتبه 'رالف بيترز' كولونيل سابق في الجيش الأمريكي خدم في شعبة الاستخبارات العسكرية، تفرغ للكتابة والنشر بعد تقاعده، وقد نشر كتابه المعنون Never Quit the Fight الذي يعد هذا التقرير جزءاً منه.
إرسال تعليق