الثلاثاء، يناير 04، 2011

الحروب الأهلية في الوطن العربي

-->
الحروب الأهلية في الوطن العربي
بداية لتطبيق مشروع الشرق الأوسط الجديد
حسن خليل غريب                في 4/ 1/ 2011
لم يصدر عن أي مركز أبحاث ما يشير إلى أن أوباما هو غير جورج بوش، ولا إلى أن الحزب الجمهوري هو غير الحزب الديموقراطي، بل أوباما وبوش وحزباهما مظهران من مظاهر الرأسمالية الأميركية وأداة لها. وهما إذا اختلفا فإنما يكون الخلاف بينهما تسابقاً لمن يكون أكثر ولاءاً لمؤسسات الرأسمالية تلك، من أجل أن يضمن للنخبة في حزبه كراسي السلطة لاقتناص أكبر ما يمكن من فرص الربح وتكديس الأموال.
لم يكن الحزبان يفترقان حول أهمية احتلال العراق وأولويته في برامج الرجلين والحزبين بل اختلفا على الوسيلة، فجورج بوش الإبن ومن يمثل كانوا على استعجال من أمرهما عندما فضَّلا اختيار الاحتلال العسكري كونه في برنامجهم أسرع وأقل كلفة، كما كانا يحسبان. أما أوباما الديموقراطي، ومن يمثل، فلم يعترضوا على أسلوب الاحتلال العسكري إلاَّ عندما فاقت تكاليفه كل التوقعات سواءٌ أكان في أرواح جنود الولايات المتحدة الأميركية أم كان في مالها.
ذهب جورج بوش، وسقط الحزب الجمهوري، لأنهما لم ينجزا شيئاً لمصلحة الرأسمالية أكثر من أنها دفعت كلفة باهظة. وجاء أوباما لمتابعة المشروع ذاته ولكن على أساس تقليص حجم الكلفة. ولهذا سقط المنهج العسكري الذي اختاره الحزب الجمهوري، وراح الحزب الديموقراطي يحاول ضمان مصلحة الرأسمالية الأميركية باستراتيجية الحوار كما يزعم.
بالانتقال من مشهدية جورج بوش إلى مشهدية أوباما انتقل الوضع العربي بأكمله إلى مشهدية الحوار التي دعا إليها أوباما، ولكن تبيَّن بالأدلة الحسية أنه مخطط له أن يتم تنفيذه على أسس نشر الحروب الأهلية في كل مكان في الوطن العربي، من العراق إلى اليمن إلى فلسطين إلى لبنان إلى السودان فمصر، وما يجري في تونس، كون ما يجري جديداً، ليس معزولاً عن المنهج ذاته، حتى وإن كان يظهر في ثوب مطلبي وطني، يُخشى من أن تنفذ من خلاله القوى الدولية والإقليمية التي تتشارك بتنفيذ مشروع «الشرق الأوسط الجديد»،وحبل الفتنة سيمتد عبر جرار الأقطار الأخرى. فكيف نرى مشهدية الوطن العربي في هذه المرحلة بالذات؟
ركَّز مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي وضعه اليمين الأميركي المتطرف على تحديد مركزيْ دائرة يتم التركيز علىهما، وهما العراق والسودان. فهذه الاستراتيجية تقضي بتقسيم العراق كونه النقطة المركزية في دائرة جغرافية آسيوية سوف تنعكس سلباً على الدائرة كلها حالما ينجح المشروع بتقسيم العراق. والنقطة المركزية الثانية هي السودان التي إذا سقطت بين أيدي التقسيميين سوف تنعكس سلباً على الأقطار العربية في أفريقيا.
لقد كان المشروع كاملاً متكاملاً، بحيث طمع الحزب الجمهوري بتنفيذه على نار حرب مباشرة حامية، بينما الحزب الديموقراطي اعتمد استراتيجية الحروب الأهلية بالواسطة، وهذا ما يتم تطبيقه بالفعل.
ولأن ملامح ولادة المشروع أصبحت واضحة نعتبر أن ما يمر به الوطن العربي الآن هو من أكثر المراحل خطورة على الإطلاق. إن العمل جارٍ على تكريس تفتيت العراق وتثبيته، وهذا السودان سائر على شفير التفتيت، بينما لبنان تعد طوائفه لاستقبال المشروع حيث إن شروط تفتيته أصبحت جاهزة، تسليحاً وتمويلاً، لأن الشرط النفسي السائد الآن مكتمل الشروط ولا يلزمه أكثر من شعلة بسيطة حتى يدب اللهيب في كل أرجائه. واليمن يخوض حرباً أهلية بالفعل حيث عوامل التدخل والتمويل والتحريض الخارجي سالكة وآمنة. ومصر تشتد فيها عوامل الاقتتال الطائفي، وما تفجير الكنيسة القبطية إلاَّ بداية لسيناريو يتم تطبيقه بسرعة وزخم. ولن تفوت قوى التقسيم فرصة الحرب المطلبية الدائرة الآن في تونس، فهي جاهزة لابتكار عناوين ووسائل لإبقاء الحرب مشتعلة تكون من أهدافها على الأقل إلهاء القوى الوطنية في ذلك القطر العربي، بحرب لا تهدأ من أجل أن تتقوقع أهدافها وتنحصر في إطفاء الحريق الداخلي، وتكون مرغمة على وضع أهدافها القومية في آخر همومها. وهنا نركِّز على الوضع في تونس ليس إلاَّ من أجل تحذير القوى الوطنية فيه من إمكانية اختراقها بمعونات إقليمية أو دولية مشبوهة تحت حجة تقديم عون يمكن أن تحتاجه في حركتها المطلبية المشروعة، بينما ستتحول تلك الإمكانيات بالتدريج إلى خدمة مخطط التقسيم والتفتيت. لذا نرى أن الحرص والحذر يجب أن يكون نصب أعين القوى الوطنية في تونس.
إن الحروب الأهلية الدائرة الآن في معظم أقطار الوطن العربي هي احتلال غير مباشر، تتعاون على إنجاحه قوى دولية وإقليمية لن تكون آثارها السلبية بعيدة عن إشغال الأتراك بهموم أكرادها، من أجل إعادتها إلى حظيرة الحلف الأطلسي ومنعها من ممارسة استقلاليتها التي أخذت تتصاعد وتقوى في الفترة الأخيرة.
أما إيران فإنها مُثقلة بهواجس تأسيس دور قوي في المنطقة، من خلال تبذير جهودها وإمكانياتها في مواجهة إخطبوط رأسمالي دولي تتوهَّم أنها تستطيع أن تواجهه بوسائله، أي بتحقيق توازن رعب استراتيجي معه. بينما تستطيع أن تحقق هذا الدور إذا كانت في موقع الصداقة مع العرب وليس في موقع العداء لهم. تستطيع ذلك إذا كان العرب موحدَّين وليسوا ممزقين، وهي بدلاً من ذلك تعمل على إضعافهم أكثر مما هم ضعاف من خلال إعلان موقفها المعادي للقومية العربية، والضلوع بعملية تفتيت الوطن العربي على مثال أهداف مشروع «الشرق الأوسط الجديد». وهي وإن انتدبت نفسها لضمان مثل هذا الدور إلاَّ أنها لا تمتلك إمكانيات تحقيقه، وهي وإن ظلَّت ضالعة بوسائلها تلك كمثل ما تفعل في العراق، فلن ينقضي وقت طويل حتى يتم استنزاف قدراتها بالكامل. وستصل إلى أقل من نصف الشوط حتى تنوء تحت أثقاله.
إنها مشهدية بشعة للوطن العربي الآن، لن تنفع لإصلاحها أدوية كدواء استعادة ضمير حكامها، لأن كل حاكم مشغول الآن وسيكون في المستقبل مشغولاً بتضميد جراحه الداخلية محاولاً ترميم ركبه المهتزة التي تنوء تحت أثقال الخضوع للخارج والاستجابة لشروطه، وتحت أثقال الهم الداخلي الذي ستكون عناوينه استعادة السلم الوطني الأهلي.
إنها مشهدية بشعة الآن لن تنفع معها أدوية عودة أحزاب حركة التحرر العربي إلى رشدها، وهي ستبقى كذلك طالما لم تستعد وعيها وتعيد حساباتها وتوقف حالات الاحتراب فيما بينها، تلك الحالات التي يغتال فيها بعض الأحزاب والقوى بعضها الآخر، وهي في واقعها الآن سائرة في ركاب الانفعال من دون الفعل وستجد نفسها في دائرة احتواء تلك القوة أو الأخرى.
صورة مأساوية من دون شك، ولكنها ليست أكثر مأساوية مما كانت عليه قبل قرن من الزمن، حيث انطلقت حينذاك من نقطة الصفر حركة ثقافية تمتلك عوامل التغيير وشروطه، فوجدت جماهير الأمة متعطشة لاحتضانها بحيث أنتجت الثقافة الجديدة في أوساط الجماهير العربية ثورة أسَّست لانطلاقة قومية ناهضة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي لم يتم إجهاضها على يد الاستعمار والصهيونية إلاَّ عندما تفرَّقت السبل والأهواء بأحزاب وقوى حركة التحرر العربي.
على الرغم من بشاعة الصورة لا تزال الأحزاب والقوى التقدمية تمتلك رصيداً يمكنها تجديده والإضافة عليه من أجل إعادة تثوير الجماهير العربية لتقف في مواجهة تمرير مشروع «الشرق الأوسط الجديد».
وإذا كانت الثقافة قد أثبتت أهميتها وضرورتها بأنها عامل مهم وضروري في مقاومة التطبيع الثقافي المتجه نحو الاستسلام لإرادة الأنظمة التي هي بدورها مستسلمة لإملاءات الخارج، فإن المقاومة الشعبية العسكرية قد أثبتت أيضاً أنها تشكل عامل التوازن الاستراتيجي مع تكنولوجيا الحرب الرأسمالية.
ولذلك سيبقى المثقفون المقاومون الرافضون لكل أشكال التجميد الثقافي وكل أشكال التطبيع الثقافي وجهاً أول لعملية المقاومة يستكمل دوره ويتكامل مع استراتيجية المقاومة الشعبية المسلحة الذي يشكل الوجه الثاني لعملية النهوض القومي.
ولكل ذلك ستبقى صورة الذين يقاومون، ثقافياً وعسكرياً، الأمل الذي سيشد إليه الصادقين من أبناء هذه الأمة للوقوف صفاً واحداً في مواجهة غول الشرق الأوسط الجديد.
إرسال تعليق