الاثنين، يناير 10، 2011

إخترنا لكم من أرشيفنا الخاص/ مقابلة صحفية حول كتاب الماركسية بين الأمة والأممية


مقابلة صحفية حول كتاب الماركسية بين الأمة والأممية
مجلة الوطن العربي العدد (1353): تاريخ 7/ 2/ 2003م: الصفحات (40 41).
حسن خليل غريب كاتب وباحث من لبنان، تميَّزت أبحاثه بنقد الفكرين الديني والمذهبي من جهة، وبتعميق الفكر القومي من جهة أخرى. وهو في كتابه الجديد »الماركسية بين الأمة والأممية« يضع محاولة للحوار بين التيارين الماركسي والقومي، وكان قد نشر بحثاً سابقاً تحت عنوان »نحو طاولة حوار بين المشروعين القومي والإسلامي«. وبذلك نستشف، من خلال عناوين كتبه أنه يسعى إلى مد طاولات من الحوار بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية والحزبية الفاعلة على الساحة العربية.
صدر للباحث الكتب التالية:
1-»في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام«، و»نحو طاولة حوار بين المشروعين القومي والإسلامي« صدرا عن دار الطليعة في بيروت.
2-»الردة في الإسلام«، و»نحو تاريخ فكري سياسي لشيعة لبنان« بجزئين صدرا عن دار الكنوز الأدبية في بيروت.
بعد أن أصدر كتابه الأخير »الماركسية بين الأمة والأممية«:كان لنا معه حوار حول مشروعه الحواري:

·                   تميَّزت أبحاثك بأنها اتَّخذت منهجاً نقدياً حول الدين، ألا ترى أن طريق نقد الفكر الديني مشوب بالصعوبات؟
ليس نقد الفكر الديني مسألة ضرورية فحسب، بل هي مطلوبة أيضاً. تستند ضرورتها إلى الأسباب التالية:
-يُقاس تقدم الشعوب أو تخلفها نسبة إلى ثقافتها. فلا تعجب أن تكون الثقافة السطحية دليل جهل وتخلف. وإذا أردت أن تعرف أسباب تخلف الشعوب عليك أن تفتِّش عن مستوى ثقافة أفرادها. فإذا كانت الثقافة سطحية لهو دليل على عجز العقل الذي يحملها، ومتى كان العقل عاجزاً عن اكتساب ثقافة عامة عميقة، ومنها الثقافة الدينية، لهو دليل على ضعف مقدرة ذلك العقل. ومتى تعطَّلت قوة العقل أصيب الفكر البشري بالعقم لأن أداة إنتاجه مصابة بالشلل. ولهذا ترى الكسل العقلي مستفحلاً في أوساط شعبنا، إذ تدع الأكثرية الساحقة أقليات نخبوية في صفوفها لكي تفكر عنها.
أما بالنسبة للفكر الديني فهو نتاج لعقل يتميَّز بصفات معينة، ومن أهم تلك الصفات هي التقليد والتسليم والاتكالية. تقوم النخبة من المتدينين، وهم غالباً من رجال الدين، بتقليد السلف والاتكاء على نص مجمَّد، ويُطلق عليه »النص المقدَّس« تهرباً من مسؤولية مناقشته عند من هم مصابون بعقل كسول ومعطَّل.
ولما انحدر الفكر الديني، بمساعدة من العقل الذي يستسهل التقليد، انتشرت بؤر التعصب في ثياب مذهبية تأخذ من النص المجمَّد ما يخدم ذرائعها وأهدافها، وتضفي عليها صفة القداسة.
ولما كان العقل المذهبي منتشراً في أوساط أوسع ما يمكن من شرائح المجتمع، ويقوم بدوره بتغذية العقل المستسلم الاتكالي بالتعصب والأوهام من جهة، وتكفير الآخرين من جهة أخرى، أُصيبت الأمة بالخمول العقلي وبكل ما هو صالح للتفتيت والتفرقة. فأتت من تلك الأسباب حاجتنا الملحة إلى نقد مثل هذا العقل. مع العلم أن انعكاساته السلبية لا تعطل العقل الفردي فحسب، وتطال ما له علاقة بالسماء فحسب، بل تنعكس على عقل الأمة كلها وتنال كل ما له علاقة مع الأرض أيضاً.

·            نرى أنك قد انتقلت بمشروعك النقدي، من النقيض إلى النقيض، بعد أن أصدرت كتابك الأخير »الماركسية بين الأمة والأممية«. كنت تتوجه بنقدك نحو الفكر الديني وهو ذو جانب روحي، أما الآن فإنك تتوجه به نحو الفكر الماركسي، وهو ذو جانب مادي؟
لا يكمن الخلل في منهج المعرفة الديني فحسب، بل يكمن في مناهجنا المعرفية ككل أيضاً. ومن التعسف أن نحمَّل جانباً واحداً وزر التخلف الذي نعاني منه.
جاء الفكر الماركسي نتيجة لشعور مجموعات واسعة من النخب العربية بواقع التخلف الذي تعاني منه الأمة، ولأن الفكر الديني بكل مواصفاته كان سائداً على العقل العربي، ولأنه يمثل القاعدة الثقافة الأساسية واليومية للفرد العربي تمَّ تحميله وزر التخلف. فنشأت تيارات فكرية من هنا وهناك كردة فعل على ما أصاب الفكر الديني من الجمود، فقاد بدوره حالة مستفحلة من الجمود الفكري العام والجمود الثقافي. مما أصبح من الممتنع على العقل العربي أن يتطوَّر نحو التجدد مستنداً إلى مسلمات دينية تُنكر على الإنسان أن ينقد ويجدد تحت طائلة العقوبتين الدنيوية والأخروية.
لقد نشأت في الوسط العربي، منذ أواخر القرن التاسع عشر، عدة من التيارات الفكرية والسياسية التي انكبَّت على معالجة عوامل التخلف. فبرز من الوسط الديني الإسلامي تيار للتجديد، وكذلك على المستوى القومي السياسي، وبرزت، منذ الربع الأول من القرن العشرين تيارات حسبت أن في الماركسية أدوية يمكنها أن تسهم في علاج أمراضنا.
ولأن العقل العربي قد تأثر بمناهج المعرفة الدينية المستسلمة والمقلِّدة والمتَّكلة، اكتسبت كل مناهجنا المعرفية، ولن نستثني الحديثة منها، سمات التجميد والقدسية. فكان التيار الماركسي هو إحدى تلك المظاهر الثقافية التي حوَّلها العقل العربي إلى نص مقدس آخر.
ولأننا نعلم أن في الأمة العربية ثلاثة تيارات أساسية تستند إلى منهج التغيير، وهي: التيار الإسلامي والماركسي والقومي، وهي تعمل من أجل نشر فكرها ومشاريعها السياسية.
ولأنه لا يمكن لشعب أن يتطوَّر ويتغيَّر إلاَّ من خلال وحدة الفكر والثقافة،
ولأن التيارات الأساسية لم تتوصَّل، طوال عقود طويلة من الزمن إلى نتائج فكرية مشتركة تساعد الشعب العربي على تطوير مستواه الفكري والثقافي، فيكتسب وسائل ناجعة في التغيير،
كان من الضروري، كما نحسب، أن تلتقي تلك التيارات حول طاولات من الحوار الجدي والبنَّاء والموضوعي يتناولون فيه الأسس الفكرية التي تستطيع أن تجمعهم فيُنتجون من الفكر والثقافة المتجانسين مما يسهم في توحيد الرؤى العملية والمشاريع السياسية فيعملون على هديها من أجل مواجهة الكثير من التحديات الموجَّهة ضدهم من الخارج. فكان ما يحدوني للعمل في سبيل هذه الغاية أمل يتظلل تحت خيمة قاعدة توحيدية تقول بأنه لا يمكن مواجهة الخطر القادم من الخارج إلاَّ بوحدة من الداخل. فكيف نواجه الخارج ونحن نقف في مواجهة بعضنا البعض.
ولمثل هذه الغاية، ومن موقعي الفكري القومي العربي، قدَّمت دعوتين في كتابين منفصلين، أدعو من خلال الكتاب الأول إلى مشروع حواري بين التيارين الإسلامي والقومي، وفي الآخر دعوة إلى طاولة حوارية بين المشروعين الماركسي والقومي.

·      يطغى على أبحاثك اتجاهات الإسلام والعروبة من جهة، والدعوة إلى الحوار بين مشاريع إيديولوجية ثلاثة: القومية والإسلامية والماركسية. نحن نعرف أن تلك الإيديولوجيات عايشت أجيالاً عديدة من الصراعات الداخلية على حساب الصراعات مع الخارج، فهل أنت متفائل بالوصول إلى نتائج إيجابية؟
-فلنبدأ في الإجابة من القسم الأخير للسؤال. ليس لمنطق التفاؤل والتشاؤم في تعريفات التغيير تأثيرات كثيرة، فلو عدنا إلى منطق التغيير لرأينا أنه لا علاقة له بمساحة الزمن، بل له علاقة بوعي المشكلة التي تعمل على تغييرها من جهة، وتأمين وسائل النضال من أجل تغييرها من جهة أخرى. فلو كانت المشكلة واضحة والإيمان بتغييرها حاراً نكون قد قطعنا مسافة أساسية على طريق تغييرها، لأن ما تعي خطورته وتنوي العمل لدرء تلك الخطورة هي الخطوة الأساسية الأولى في منطق التغيير. ومن هنا لا نقيس التغيير بالمسافة الزمنية، التي إذا ما عجزنا في خلالها عن إحداث التغيير نصاب باليأس والتشاؤم. يكفي أن تكون المشكلة واضحة في مردوداتها السلبية على الفرد أو المجتمع لتكون حافزاً دائماً أمام الذين يعملون من أجل تغييرها.
إن الصراع بين الإيديولوجيات الداخلية، التي تتجمَّع بأهدافها- لإحداث تغييرات في مجتمع واحد، متوحِّدة في غاياتها وأهدافها، فبها ومن خلالها نكون قد قطعنا نصف المسافة، لكنه النصف الأقل عناء. أما لو تباينت تلك الإيديولوجيات حول مشاريع الحلول فذلك يعني أنه علينا أن  نقطع نصف المسافة الآخر والذي هو النصف الأكثر صعوبة.
قطعت الإيديولوجيات العربية نصف المسافة الأول، فعليها لكي تتوحَّد مشاريعها- أن تنتقل إلى نصف المسافة الآخر. وعلى الرغم من أن المدة الزمنية لقطع مسافة النصف الأول قد طالت إلاَّ أنها أصبحت على نهاياتها، خاصة وأن المشاريع المعادية أصبحت على درجة بالغة الخطورة من الشراسة.
استهلكت مسافة الزمن في الأجيال السابقة سلسلة من الصراعات الإيديولوجية بين مشاريع ثلاثة: قومية، وأمميتان إسلامية وماركسية، شهدت بعدها عدة من التحولات باتجاه توحيد الرؤى الفكرية السياسية على قاعدة وحدة الفكر القومي، الذي أصبح المرجعية الأساسية في فكر الإيديولوجيات الثلاث.
وقياساً إلى منطق التشاؤم والتفاؤل، أصبحنا أكثر تفاؤلاً في المستقبل لأن المسافات التي كانت تفصل التيارات الثلاثة أصبحت أقل وأضيق، وتحولت إمكانية التباعد في الماضي إلى واقع التلاقي في الحاضر.
لقد دفعنا هذا السبب لكي نلعب ولو دوراً صغيراً في ترسيم المشكلات لتكون بدايات لجداول أعمال طاولات الحوار.

       ·            ما هي أهم الإشكاليات التي تحول دون الوصول إلى جوامع مشتركة بين التيارات الثلاث؟
هناك إشكاليات عديدة تواجه الباحث في محاولاته لتقريب المسافة بين التيارات الثلاث، ومن أهمها الخلاف حول عدد من الثوابت:
-هل هي قومية أم أممية: يتفق الماركسيون والإسلاميون حول العمل من أجل بناء مجتمع أممي. لكنهما يختلفان حول الأسس التي تنبني عليها الدولة الأممية. فما يجمعهما هو الإطار الأممي، وما يفرقهما هي الأسس التي ينبني عليها نظام الحكم الأممي: أدينية هي أم علمانية.
-حول تحديد أسس النظام السياسي: علماني أم ديني. يتفق التياران الماركسي والقومي حول علمانية الدولة. فما يجمعهما هي الأسس الرئيسة لنظام الحكم، وما يفرقهما هو قومية النظام أم أمميته.
-حول الفلسفة الروحية: يتفق التياران الإسلامي حول أهمية دور الروح في بناء الإنسان. ويختلفان حول مضمون ذلك الدور: أهو ديني خاص أم ديني عام. ويفترق التياران عن التيار الماركسي الذي يفسِّر أسس الكون تبعاً للعامل المادي.

       ·          هل واجهت عقبات وصعوبات في قول كل ما تريد أن تقوله؟
-إن الانخراط في ورشة نقد الفكرين الدين والمذهبي دونه عقبات مؤلمة، وهي نابعة من المفهوم العام للمقدَّس. فالفكر الديني مكبَّل بمفاهيم مقدَّسة تحول بين الباحث وبين التفكير بحرية، لأن من يتجرّأ على نقد المقدسات يقابَل بالتكفير. وكأن العقل البشري لا مكان له في قاموس التديُّن.
فأينما ذهبت، تجد نفسك تعيش في بيئة ثقافية مُشبَعة بحالات من التدين، بعضها السطحي، وبعضها المكبَّل بالنص، وبعضها المجامل
·           هل أصبح المواطن العربي في مستوى ثقافي يستطيع أن يهضم مناهج النقد، أم أنك تكتب لطبقة نخبوية من المثقفين؟
-قل لي ما هي ثقافتك أقل لك من أنت. لا يمكننا فصل التغيير في واقع المجتمعات عن التغيير في بنيتها الثقافية. فلا يمكن للتغيير، شئنا أم أبينا، أن يشق طريقه بشكل سليم من دون إحداث تغيير في البنية الثقافية. فإذا كانت الثقافة تعني فهم الواقع فقط، فهي ليست ثقافة تغييرية. لأنه أن تفهم الواقع هو أن تكتشف فيه أسباب إعاقة المجتمعات عن التطور. ولا يمكن لكل الناس أن يفهموا الواقع على درجة متساوية، وتتسع الهوة المعرفية إذا كان الهدف التفتيش عن وسائل التغيير. وهذه العملية المعرفية: درس الواقع ومعرفة زواياه الإيجابية والسلبية، تتطلَّب مستوى ذهنياً وعقلياً متطوراً وعلى درجة من العمق، وهذا ما لا يمكن أن يكون في متناول كل الناس على درجة واحدة من التساوي. فلا بُدَّ من وجود نخب مثقفة، والنخبوية ليست مسألة طبقية على الإطلاق. وتتحول النخبوية إلى طبقية عندما تصبح المقاييس مداراً لتعالي المثقف لى أبناء مجتمعه. لكن وبما أن للمثقف دور يتمثل بالعمل من أجل التغيير، يتحول المثقف والثقافة إلى ثقافة ثورية وإلى مثقف ثوري، والثقافة الثورية تتحسس مشاكل المجتمع وتعمل على رفع مستوى وعيه لمشاكله، فيصبح قليل الوعي مدار اهتمام للمثقف الثوري فيلتصق معه في ورشة تربوية ثقافية، وعندما يلتصق هم المثقف بهم الأقل ثقافة ويصبح مدار اهتمام تنهزم الطبقية بين النخبوية والشعبوية.
عندما أكتب، فإنني أكتب من أجل الأقل ثقافة، ومن الطبيعي أن أجهد نفسي لأجل أن تكون كتاباتي في متناول محور التغيير، أما إذا فشلت في ذلك، فالنخبوية هي حالة متكاملة ومترابطة، ففي تعاون شتى المستويات النخبوية المثقفة يمكن أن يؤدي إلى تسهيل مهمة إيصال الثقافة ذات الوظائف التغييرية إلى أوسع قطاعات الشعب، خاصة إذا ما تم توظيف الفكر من خلال وسائل سياسية تلقى أضواءها على مشاكل المحتمع المعيوشة، الملموسة والمحسوسة. فليست الثقافة، خاصة إذا كانت موادها فكرية مجردة، بمتناول الجميع. ولا يمكن أن يبقى الفكر، لكي يكون شعبياً، في دائرة المحسوس، وإلا تحوَّل إلى درجة من التبسيط قد يؤدي بانحراف الفكر إلى مستوى من البساطة فيحرم نفسه من العمق النظري الذي هو غالباً ما يستند إلى نظريات مجرَّدة تساعد على استنباط القوانين النظرية العامة.
       ·          هل توجد أزمة ثقافة ومثقفين في العالم العربي؟
-لكي تستدل على وجود أزمة ثقافة أو عدم وجودها، فما عليك إلاَّ أن تنظر إلى واقع المجتمع. فإذا كان المجتمع متخلفاً يعني بما لا شك فيه أن هناك أزمة ثقافة، فمقياس التخلف أو التطور هو المستوى الثقافي، فإذا كان المستوى الثقافي، وأقصد فيه انتشاره أفقياً وشعبياً وليس نخبوياً فقط، متخلفاً فواقع المجتمع لا شك انه متخلف. والعكس صحيح، أيضاً، فالتخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي هو أهم وأبرز مظاهر التخلف الثقافي.
فإذا تساءلنا: هل نحن متخلفون على الصُعُد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟ سيكون الجواب، بلا شك، إننا متخلفون على تلك الصُعُد. ولأننا متخلفون على تلك الصُعُد، فنحن بلا شك متخلفون ثقافياً.
هنا علينا التمييز بين اكتساب العلوم التقنية والمهنية وبين المستوى الثقافي. فالذي يكتسب علوماً تقنية مهنية، لن يكون بالضرورة مثقفاً، لأنه قد يكون منفذاً ومسانداً لإيديولوجية الطبقة المالكة المال والسلطة. فالمثقف، يقول جان بول سارتر، هو الذي يعي مشاكل طبقته ويعمل من أجل وضع حلول لتغييرها. وهنا يجب التمييز بين المالك للعلم التقني والبعيد عن الاهتمام بمشاكل طبقته العاملة، وبين الواعي لمشاكل طبقته والعامل في سبيل تغييرها.


إرسال تعليق