الخميس، يناير 13، 2011

من تونس الخضراء تندلع الثورة الحمراء

-->
من تونس الخضراء تندلع الثورة الحمراء
الشعب التونسي يقدم أكثر الثورات المطلبية جرأة ووعياً
حسن خليل غريب    في 13/ 1/ 2011
تنام معظم الدول العربية على محيطات من النفط، تصب عائداتها في جيوب الرأسمالية، وما يبقى من فضلاتها تملأ جيوب العائلات المالكة، أو النخب الحاكمة. وفي المقابل أصبح الجوع وسادة تتكئ إليها معدة الأجيال الجديدة والفقيرة منها بشكل خاص، والبطالة أصبحت فراشهم الذي تتلوى عليها أجسادهم التي ينخرها الجوع أو المرض.
لقد دخل العرب مرحلة تحديث أنظمتهم، ولكنهم دخلوها من بوابة اقتصاد السوق الرأسمالية التي تُجيع عمالها وتتخم نخبها الرأسمالية، فكان التحديث مرضاً بدلاً من أن يكون علاجاً وبلسماً. واقتصاد السوق يعني أن يزيد من فرص تكديس الثروات في جيوب تحالف رأس المال العالمي، واستفحال الفساد  في صف نخب الاقتصاد المحلية. فيتعاون الطرفان على امتصاص دماء العمال، ودماء الفقراء الذين يعيشون في متاهات البطالة والحرمان، فهم في قاموس التحالف مجرد أفواه تأكل لتصب أثمان السلعة في بطون غيلان التحالف وحيتانها.
وبمثل هاتين الحقيقتين الناصعتين راحت أمتنا العربية تكتوي بنار النفط بدلاً من أن تتدفأ على مشتقاته، ويتقاسم أبناؤها الجوع بدلاً من أن ينعموا ببعض ثروات أوطانهم.
لقد سرق الغرب نفطنا وثرواتنا، كما سطا غيلان الأمة على الفتات الذي تركه الغرب لنا.
ومن أجل أن يضمن الغرب الرأسمالي سيطرته على دماء قلوبنا حمى عدداً من الأنظمة المحلية، التي تمت تسميتها أنظمة وطنية، وليس من بين الساسة التي يحكمونها واحد لسع الجوع معدته، وزرعت البطالة كابوساً في قلبه أو معدته.
وبمثل هذا التحالف الوثيق بين لصوص الغرب واللصوص العرب، استرخت معظم طبقات المجتمع العربي ونامت ساكتة عن ثعالبها التي بشمت من أكل عناقيد كروم الأمة. وأصبح النظام العربي الرسمي لا يفسح مكاناً أو كرسياً في حكوماته لمن جاع مرة واحدة أو كان العري نصيبه أو نخر المرض عظامه حتى لا تشق الشفقة إلى قلبه درباً كلما رأى جائعاً أو عرياناً أو مريضاً. لذا استخدمت تلك الأنظمة شتى الوسائل من أجل أن تستمر على رأس السلطة لتضمن استمرار انتقال الثروات إلى حيتان الرأسمالية وغيلان الأنظمة الفوقية. وراح مثقفوها وأجهزة إعلامها تبشِّر بفضائلها على مواطنيها، وتحمي كراسيها بأجهزة القمع بديلاً لأجهزة الأمن التي عليها أن تسهر على مصالح المواطنين وراحتهم.
لقد كذبوا وروَّضوا وسجنوا وقمعوا لكي يخفوا حقيقة أفعالهم وأدوارهم، وبثوا ثقافة فضائل الجوع وفضائل الصبر عليه. ولكن مهما طال الزمن، ولأنه لا جائع يبقى ساكتاً عن جوعه إلى الأبد، لا بُدَّ للجائع من أن يستل سيفه من غمده ليشهره في وجه المسؤول عن ذلك. فالإمام علي بن أبي طالب قال: أعجب لامرءٍ جائع لا يستل سيفه ليقتل به من كان السبب في تجويعه. وقيل: لا يوجد غني إلاَّ على حساب فقير. وقال غاندي: لا يستطيع حتى الله أن يظهر للجائع إلاَّ بصورة رغيف الخبز.
تلك هي حكاية المشهد الذي يشاهده العالم كله في شوارع قرى تونس ومدنها، لقد استلَّ الجائعون سيوفهم وأعلنوها حرباً لا ردَّة عنها في وجه النظام الذي ظلمهم كثيراً، وكان السبب في تجزيعهم.
لقد قيل، أكذب مائة مرة وقد يصدَّقك الناس، لكن سيأتي يوم يكتشف به الناس أنك كاذب.
واسرق مائة مرة، لكن سيأتي اليوم الذي سيكتشف فيه الناس أنك لص.
وعذِّب الناس ما شئت، ولكن سيأتي اليوم الذي سيكتشف الناس فيه أن عذابك لن يخيفهم.
واعتقل ما شئت، ولكن سيأتي اليوم الذي سيعرف به المعتقلون أن الاعتقال أصبح شرفاً عليهم أن يتسابقوا لحيازته.
واقتل ما شئت ومن شئت، لكن سيأتي اليوم الذي يتسابق فيه الجائعون والمرضى والعاطلون عن العمل للموت من أجل حقوقهم. أولئك الذين آمنوا أن الشهادة خير من الموت جوعاً ومرضاً وبطالة.
ولأن النظام في تونس ليس الخطَّاء الوحيد بين الأنظمة الرسمية العربية، بل هو واحد منها. وليس الشعب التونسي هو الشعب الجائع الوحيد. وإنما لأن الشعب في تونس كان السبَّاق في إعلان ثورة تميَّزت بشموليتها وجرأتها، خصصنا في مقالنا هذا ما يجري في شوارع تونس الآن.
في قرى تونس ومدنها، جيِّش النظام رجال الأمن لارتكاب كل أنواع المجازر بحق الشعب، هؤلاء الرجال الذين من واجباتهم أن يحموا أمن الشعب. واستخدم الجيش لقمع الثورة المطلبية، هذا الجيش الذي من واجباته حماية حدود الوطن، لا حدود النظام.
ولأنه أتى اليوم الذي كشف فيه الشعب التونسي أخطاء النظام وجرائمه، سيأتي اليوم الذي يشعر فيه رجل الأمن أو الجيش أنه لا مصلحة طبقية له فيما يدافع عنه. وأنه لا تربطه بالطبقة الحاكمة أي مصلحة، وأن من يلاحقهم ليعتقلهم أو يقتلهم هم أبناء الطبقة التي تربى بين أحضانها، وعانى معها كل أنواع الظلم والاضطهاد.
سيأتي يوم يتحول فيه سلاح رجل الأمن أو الجيش إلى صدور أبناء النظام الحاكم وخدامه، أولئك الذين يسرقون قطرة النفط وحبة الدواء وحبة القمح، ويعززون دور التاجر الشاطر بالسرقة ورفع الأسعار لينتعش اقتصاد السوق فتزداد جيوب أبنائه انتفاخاً على حساب العاطل عن العمل والجائع والمريض.
سيكتشف رجل الأمن والجيش أن وظيفتهم المحافظة على السلم الأهلي، وأمن الوطن والمواطن، وليست وظيفته أن يترك حدود الوطن سائبة وأمن المواطن سائباً.
لن يتوقف وعيهما عند حدود اكتشاف «الغيلان الصغار» ممن ينسبون أنفسهم للوطن، وإنما سيكتشف أن هؤلاء هم خدام لسياسة النهب الخارجي الذي تتولى إدارة شركاته «سدنة الرأسمالية»، بل سيكتشفون أن لهؤلاء «الوطنيين» امتداد في الخارج، وقد يتخلى الخارج عنهم متى اقتنع أنهم انكشفوا ليستبدلهم بأمثالهم ممن لم ينكشف القناع عن وجوههم.
إن أطراف الحركة المطلبية، من الأحزاب والشخصيات والنقابات، الذين نزلوا إلى الشارع نحذرهم من أن «قناصي الفرص» من الشرق سواءٌ أكانوا أم من الغرب، من الدول الرأسمالية الغربية كانوا أم دول الإقليم الضالعة بـ«مشروع الشرق الأوسط الجديد» أنهم يترقبون الفرص في تونس من أجل تقديم دعم من هنا أم من هناك لنيل حصة لهم في مقاعد المشروع الخبيث.
كما أنه على تلك الأطراف أن تكون حذرة لتفويت الفرصة على من قد يحوِّل الحركة المطلبية المشروعة إلى بداية «حرب أهلية» تعمل على إنهاك الشعب التونسي وجره إلى مستنقع التفتيت والتفسخ من أجل تمرير صفقة تمزيق الأقطار العربية لكي لا يبقى فيه مجتمع يستطيع الوقوف على رجليه تعيناه على مواجهة المؤامرة الأخطر التي يتم تنفيذها على قدم وساق في العراق واليمن والسودان وفلسطين ولبنان، والحبل الآن على جرار تونس والجزائر.
ونتساءل مع الشعب التونسي، وكل جماهير الأمة العربية، ألم يكن أشرف وأكثر إنسانية لأرباب سرقة النفط، كملك عام يحق للأمة أن تستفيد منه، ان يقوموا بتوظيف رساميلهم في تنمية الأقطار العربية التي لا تملك موارد كافية لتعزيز الثورة الزراعية والصناعية. وبمثل هذه الخطوة تضمن أكثر من حق، وتسد أكثر من نقص، ومن أهمها:
-توفير الأرباح المشروعة للرأسماليين.
-توفير فرص العمل للذين سحقتهم البطالة بشدة وطأتها.
-توفير السلعة المصنوعة محلياً لكل أبناء القطر، فتتحقق المعادلة التي تدعو إلى «أمة تأكل مما تزرع وتلبس مما تحوك».
-تضمن معادلة اقتصادية في ردم الهوة بين الإنتاج والاستهلاك. بين الاستيراد والتصدير.
وهل من ثورة أخرى مماثلة لثورة الشعب التونسي في قطر آخر، ومن ثمَّ آخر، حتى تجعل غيلان الأنظمة الرسمية يفيؤون إلى رشدهم، ويعودوا إلى ضمائرهم؟

إرسال تعليق