الاثنين، فبراير 21، 2011

لاستكمال عوامل نجاح الثورة العربية الراهنة

-->
لاستكمال عوامل نجاح الثورة العربية الراهنة
على الحزبي المنظم أن يتكامل مع الشعبي الثائر
حسن خليل غريب في 21/ 2/ 2011
عندما اندلعت الثورة في تونس ومن بعدها في مصر، ومن بعدهما عمَّت معظم أقطار الوطن العربي، كان لا بُدَّ من إعلان أكثر من سؤال، لعلَّ أهمها: من يسبق من، الحزب أم الشعب؟ وهل يمكن لثورة شعبية ما أن تنجح من دون أحزاب منظمة؟ وهل يمكن للحزب المنظم أن ينجح بقيادة شعب ثائر إذا تخلَّف فيه البرنامج السياسي عن النظرية الفكرية؟ وهل يمكن للثورة العربية، في مكان ما أو في ظرف ما، أن تنجح من دون فكر يواكب روح العصر؟
نحن لا نتلهى بالتنظير في الوقت الذي يسقط فيه الشهداء والجرحى وينام فيه الثوار في العراء، بل إن البعض يكمِّل البعض الآخر. فللثورة، أي ثورة، جناحان، وهما النظرية والتطبيق، أي الفكر والعمل. واحد يدفع من جهد فكره وآخر يدفع من جهد جسمه. إلاَّ أن هذا لا يعني فصلاً بين إمكانية المناضل الفكرية وإمكانيته الجسدية، بل من أجل أن تكون الثورة ناجحة لا بُدَّ من أن تتكامل مقدرة الفرد الفكرية مع مقدرته الجسدية. وإن الفصل بينهما أحياناً لا يجوز إلاَّ أن تكون من باب الاستثناء وليس من باب القاعدة، فالقاعدة أن يتكاملا أما الاستثناء فهو أن ينفصلا، ولكل وضع منهما شروطه وظروفه.
إن الإجابة عن تلك الأسئلة مهمة وأساسية في عصرنا الراهن، وخاصة في اللحظة الراهنة. إذ فرض واقع الثورة المنتشرة الآن في كل أقطار الوطن العربي هذه المهمة التي يجب أن يشارك فيها مفكرون وسياسيون، شخصيات مستقلة، وأحزاب منظمة تشارك في الثورة أو تراقبها، ويأتي في الطليعة منها قادة أسهموا في إشعالها وإطلاقها، فيتكامل النظري مع العملي، المناضل في الميدان والحريص على الثورة في مكتبه. ولا غضاضة في أن يتشارك الجميع في إنجاز هذه المهمة، كل في موقعه ودوره.
لا شك بأن الثورة المندلعة الآن انطلقت عندما أوقد أفراد أو تجمعات شبابية شعلتها فالتفَّ من حولهم الملايين، بل عشرات الملايين، ولكن هذا التوسع لم يكن عبثياً بل كان يستند إلى عناصر أساسية نضجت في وعي القلة التي أطلقت الشرارة الأولى، وفي وعي من استجاب لها، وهذه العناصر نختصرها بعاملين أساسيين، وهما:
الأول: حالة الاحتقان الشعبي الطويل نتيجة المعاناة الطويلة الناتجة ليس عن إهمال السلطات لحقوق المواطنين فحسب، بل قمع حالة الاحتقان من الإفصاح عن نفسها بحركة مطلبية أيضاً.
-والثاني: تعميق الحالة الثقافية عند نخبة وعت واجباتها وحقوقها، كما وعت جوهر العلاقة بين واجبات سلطة تحكم وحقوق شعب محكوم. وكان الأهم في هذا العامل أمام الأفراد أو الشرائح الشبابية التي وعت وجود هوة فاصلة بين واجبات السلطة وحقوق المواطن أنه لا بُدَّ من وجود القرار الحاسم بالتصدي للسلطة، وهذا القرار لن يتم الإقدام عليه إلاَّ بوجود الإيمان بتقديم تضحيات لا يجرأ على تقديمها إلاَّ صفوة ممن بلغ بها الإيمان درجة عالية من النضالية والعطاء والتضحية بالنفس.
كانت الصفوة التي قدَّمت الأمثولة والأنموذج في حالة من الصفاء النضالي بلغت ذروتها في النزول للشارع والمواجهة ضد أجهزة القمع، وما برح الأمر طويلاً حتى انتشرت عدوى التضحية بين الآلاف ثم عشراتها ومئاتها وبلغت ملايينها لاحقاً، بحيث لم تستطع أجهزة القمع أن تحافظ على تماسكها بل راحت تتهاوى وتتردد في تنفيذ الأوامر كلما ازداد عدد الضحايا خاصة أن أفراد القاعدة القمعية كانوا من أبناء الطبقات المسحوقة، فلعب مخيال أولئك الأفراد دوراً كبيراً عندما ارتفع إلى وعيهم احتمال أن يكون الضحايا من أقاربهم ومعارفهم وأصدقائهم، وفي أضعف الإيمان من طبقتهم المسحوقة.
وإذا كانت شرارة الثورة سريعة وفعَّالة بمقاييس كل الثورات الشعبية في العالم إلاَّ أن التجارب التاريخية أكَّدت المبدأ القائل : «يُشعل الثورة مجنون (ثائر صهر نفسه بمصلحة الشعب)، ويقطف نتائجها انتهازي». وإن هذا الخوف يدفعنا للعودة إلى معالجة عامل التكامل بين بدايات الثورة ونهاياتها، بين أهدافها الحقيقية ونتائجها. وهذا الأمر يؤدي إلى معالجة الكيفية التي نمنع الانتهازيين من قطف نتائج الثورة التي كان الشعب سخياً بتقديم التضحيات لإنجاحها. وتدخل العلاقة بين دور الثوار الأوائل ودور الأحزاب المنظمة الحاملة لشعارات الثوار عاملاً أساسياً في كشف الانتهازيين، وأصحاب الثورة المضادة، والقوى الدولية المتضررة من أهداف الثورة، وتعريتهم ومنعهم من استغلال الثورة وحرفها عن مساراتها.
من البديهي أن الحزب المنظم كان ابتكار الثقافة الحديثة، وانتشر هذا المفهوم وعمَّ كل التجارب الثورية في العالم، وهنا نعني بالحزب ليس الحزب الراديكالي أو الحزب المعبِّر عن مصالح الطبقات العليا في المجتمع، وبالأخص منها البورجوازية والرأسمالية أو الطائفية التي تقتصر استراتيجيتها على خدمة أهداف ضيقة لتلك الطبقات والشرائح، بل نعني به الحزب الذي يعبِّر عن مصالح الطبقات المسحوقة في المجتمع، سيان كانت تنتمي إلى هذا الدين أو ذاك أو هذه المنطقة أو تلك، فمن أولى شروط وطنيته أن تكون مبادؤه عابرة لمصالح الطوائف والأفراد.
إن للثورة الشعبية وجهان، مرحلة الهدم، ومرحلة البناء: الأول أنها تُسقط الأنظمة التي تخون مصالح الشعب. والثاني أن تبني النظام البديل الأمين على تلك المصالح. وإذا كان الوجه الأول قد أُنجز بسرعة قياسية لا يعوز الثوار فيها أكثر من الإيمان بتقديم التضحيات الجسام، فإن الوجه الثاني لن يتحقق إلاَّ بمراحل زمنية طويلة لها شروط ثابتة يأتي في الطليعة منها الثوابت الفكرية والبرامج السياسية والإنتاج المتواصل للقيادات الحريصة على متابعة التغيير.. وهذه الشروط لا يمكن توفيرها إلاَّ بوجود الأحزاب المنظمة التي تأخذ مصلحة المجتمع بوصلة تقود خطواتها وتمنعها من التعثر أو التراجع.
عن ذلك، عانت الأحزاب الوطنية، على طول ساحة الوطن العربي وعرضه، الكثير من محاولات الاجتثاث والاتهام، تشاركت فيها قوى الاستعمار والصهيونية والحركات الدينية والمذهبية، لكن المؤسف في الأمر أن رفض الأحزاب تسرَّب إلى صفوف بعض الشباب الذين شكَّلوا الطليعة في تفجير الثورة العربية الراهنة. وإذا كانت أهداف القوى التقليدية واضحة بإسقاط التجربة الحزبية العربية، فإن تفسير أسباب موجة الرفض المنتشرة في أوساط بعض الشرائح الشبابية العربية هو الأكثر إلحاحاً ولأنه يفضي بنا إلى محاولة الإلمام بأسبابها، وبالتالي العمل على ردم الهوة بينهما وإعادة ثقة الشباب العربي بالحزب العربي.
بالإضافة إلى حركة العداء الحادة التي غرستها القوى التقليدية المستفيدة من انحسار أو اجتثاث الحركة الحزبية العربية، فإننا نعيد أسباب موجة العداء التي سيطرت على أحكام بعض الفئات من الشباب، إلى عاملين أساسيين، وهما:
-الأول يتمثل بالواقع الموضوعي الذي أحاط بإضعاف الحزب العربي على مستوى الأمة.
-الثاني ويتمثل بالعوامل الذاتية للحزب العربي التي أسهمت بإضعافه.
أما بالنسبة للعامل الأول، الذي لعبت فيه إيديولوجيات مختلفة وأحياناً متناقضة أدواراً عدائية مُتبادَلة، إذ أنه بدلاً من اعتبار التعددية الحزبية عاملاً إيجابياً في بناء حركة التحرر العربية، تحوَّل إلى عامل سلبي عندما أسهمت بعض الأحزاب التقدمية بتغريب نفسها عن الواقع القومي العربي وجنحت باتجاه الحلم الأممي المادي بحيث وضعته في حالة احتراب مع القومي العربي، أو عندما وضعت الواقع القومي العربي في مواجهة مع الأممية الدينية. لذا تحولت تعددية الحركة الحزبية العربية من دور إيجابي كان يجب أن تلعبه إلى دور سلبي خدمت به كل الذين أشهروا حالة العداء للحركة الحزبية العربية، سواءٌ أكانت ماركسية أممية أم كانت قومية عربية. وذلك بأن حالة التكامل بين الإثنين كانت ضائعة في سلسلة من الحروب الفئوية بين القوميين والماركسيين، أو الماركسيين مع الماركسيين، أو القوميين مع القوميين. وإذا كنا لن نقوم بتحميل المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك فلكي لا نقفل أبواب الحوار قبل أن يبدأ، بل ندعو أطراف حركة التحرر العربية إلى فتح تلك الأبواب على مصراعيها من أجل اللحاق بالثورة العربية التي اندلعت في كل مكان، بحيث سبقت الأحزاب كلها. وعلى تلك الأطراف أن تتحمل مسؤولياتها قبل فوات الأوان، لأن كل أطراف الثورة المضادة جاهزون وقد بدأوا يعملون لقطف ثمارها واحتوائها وحرفها عن أهدافها الحقيقة بإعادة إنتاج الأنظمة المتساقطة بوجوه جديدة. كما أننا في ظل الثورة العربية المنتشرة الآن نلفت نظر كل أطراف الحركة العربية الثورية إلى وجوب مراجعة جادة وسريعة للتجربة السابقة والاستفادة منها، والعمل على قاعدة تكامل جهود أطرافها في رفد الثورة القومية العربية على أسس بناء نظام مدني وطني وقومي.
أما بالنسبة للعامل الثاني، والذي كان من الضروري أن تتم مواجهة كل عوامل العداء والإلغاء والاجتثاث بتطوير التجربة الحزبية والتجديد بآلياتها وبناها السياسية والفكرية، فقد أصابت حالة الترهل، والاسترخاء والاستسلام لقوى القمع الرسمية، مقتلاً في بنية تلك الأحزاب فراحت تلعق جراحها وتغرق في مشاكلها الداخلية بديلاً لمداواة تلك الجراح ومعالجة تلك المشاكل.
نتيجة لإهمال معالجة العاملين معاً، لم تعجز تلك الأحزاب عن تجديد الكسب في صفوفها فحسب، بل إنها لم تستطع أن تحفظ بنيتها الداخلية أيضاً، فأصيبت بخسارة أعداد كبيرة من أعضائها القدامى.
وإنه أخيراً، من أجل أن تلحق الأحزاب المنظمة بسرعة حركة الثورة العربية المندلعة أن تعمل بسرعة أكبر منها لكي يُسمح لها بالمشاركة فيها وبالتالي أن تلعب الدور المطلوب منها أن تلعبه في تشكيل الضمانة الاستراتيجية لتمنع الانتهازيين من قطف نتائج الثورة أولاً، ولكي تحول دون حرف الثورة عن مسارتها بفعل عوامل التدخل الأجنبي ثانياً.
وإنه لكي لا نبكي في المستقبل القريب ثورة عربية تعمَّدت بأرواح الثوار ودمائهم، على الحزب العربي أن يبادر إلى البدء بإصلاح الخلل الداخلي فوراً، وتشكيل نوى جبهوية تكسب أطرافها قوة إضافية تستطيع أن تضمن لها دوراً أساسياً في حماية الثورة المعاصرة، ومساعدتها على اجتياز المخاطر التي تتعرَّض لها بعد إنجاز الخطوة الأولى من رحلة الألف ميل.



إرسال تعليق