الثلاثاء، مارس 01، 2011

إسقاط الطغاة لا يبيح المحظورات

-->
إسقاط الطغاة لا يبيح المحظورات
حسن خليل غريب           في 28/ 2/ 2011
طلعت علينا صفحات الأنترنت بنقاشات حول تفسير ما يجري في ليبيا الآن، واستشراف مستقبلها بعد الثورة المندلعة فيها. والنقاشات تدور حول مخاوف البعض من إعادة إنتاج النظام نفسه ولكن برعاية بعض دول الغرب الرأسمالية، تتقدمهم الولايات المتحدة الأميركية. وقد استدلَّ الخائفون على خوفهم بمشروع تُحاك خطواته سراً في كواليس تلك الدول، والقاضي بإعادة تقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات تشكل رأس الحربة التي تفتح الأبواب أمام مرحلة استعمار جديدة لسرقة غاز ليبيا ونفطها.
إن المخاوف تشكل احتمالاً وارداً، والسبب أن الدول الرأسمالية لا تحتمل أي تغيير يحصل في الوطن العربي يهدد مصالحها. ولهذا كان التسابق على احتواء ثورة تونس ومن بعدها ثورة الشباب في مصر محموماً. حتى أوباما، رئيس الولايات المتحدة الأميركية، لم يَخفِ تسرُّعه بالطلب من رئيسي النظامين التونسي والمصري بمغادرة كرسييهما بأسرع ما يمكن، وكأنه كان أكثر حرصاً من ثوار تونس ومصر على إسقاط النظامين المذكورين.
لا شك بأن ما أظهرته إدارة أوباما من حرص على الديموقراطية كان خدعة تمارسها كل أنظمة الغرب الرأسمالية، من قبيل استدرار عطف الثوار ومحاولة تضليلهم من جهة، وتسهيلاً لمهمة تمرير البدائل التي أعدتها منذ أزمان طويلة لتحل مكان من ينكشف أمره من عملائها من جهة أخرى، ولم يكن هناك نظام عربي رسمي أكثر عمالة للدول الرأسمالية من نظاميْ بن علي وحسني مبارك. واستنتاجاً كان الجدل الحاصل يصب في دائرة تحذير ثوار ليبيا من المطبات التي تواجهها والتي تعمل إدارة أوباما وأنظمة الغرب الرأسمالية على وضعها في طريق الثورة الليبية.
 إننا قبل مناقشة المخاوف المتعلقة بثورة ليبيا نقول إن المخاوف نفسها نزلت إلى أسواق تحذير الثوار في كل من تونس ومصر عندما كانت ثورتاهما في أوج اشتعالها، لأن الخوف من سرقة الثورتين كان هاجساً يسكن عقول العروبيين وضمائرهم على قاعدة أن كل ثورة تحصل تكون معرَّضة لثورة مضادة تعمل على حرفها عن أهدافها الحقيقية، وإعادتها إلى الوراء لكي يقطفها الاستعمار والصهيونية وعملاؤهما، ومن الانتهازيين أيضاً، أو تكون عرضة لخداع من هنا أو هناك من الدول الأجنبية للاحتفاظ بموقع تأثير يتيح لها ضمان مصالحها، خاصة وأن لا تدخل أجنبي يأتي من باب الحرص على الثورة ومصالح الثوار.
ولهذا نعتبر أن هناك محظورات ثوابت تعترض طريق الثورات التي حصلت في بعض أقطار الوطن العربي، أو حتى التي ستحصل، ومن أهمها الحذر من التدخل الأجنبي، ومن عملائه، ومن الانتهازيين:
-أول المحظورات: منع كل دولة أجنبية، غربية أكانت أم شرقية، من التدخل في شؤون الثورة. فأداة الثورة يجب أن تكون وطنية وأهدافها وطنية. أداتها من الذين اكتووا بنار النظام، وأهدافها إعادة الحق المسلوب لأهله. أما أهداف كل تدخل أجنبي فلن تتقاطع مع أهداف الذين اكتووا بالظلم والفساد، بل تتقاطع مع أهداف الأنظمة الفاسدة، تتشارك معها بسرقة ثروات الأمة ونهبها. واستنتاجاً نرى أن إسقاط طاغية لا يبيح تدخلاً أجنبياً تحت قناع مساعدة الثوار. والتدخل الأجنبي هو كل ما ليس عربياً، تدخل بكل تلاوينه وأشكاله.
-وثاني المحظورات: منع كل معارضة تربَّت في أحضان الدول الأجنبية أياً كانت هويتها، من المشاركة في الثورة، لأن هذه المعارضة، أو تلك، رضعت ثقافة الالتحاق والتبعية من أثداء تلك الدول. وهي تعمل لمصلحة أسيادها.
-وثالث هذه المحظورات: منع الانتهازيين من التسلل، وهؤلاء تتلوَّن جلودهم متماهية مع أهداف مراكز القوى التي تسندهم، وهم يبدلون البندقية من كتف إلى آخر كلما اقتضت مصالحهم الفئوية ذلك. كما أنهم لا يفهمون من الدولة والسلطة إلاَّ المصالح الفئوية التي لن تكون إلاَّ على حساب مصالح جماهير الثورة وثوارها.
لكل ذلك نعتبر أن من أول أهداف إسقاط الطاغية هو استبداله بنظام أكثر عدالة بإحداث إصلاحات في شتى الاتجاهات على أن تصب في مصلحة كل المواطنين بدون استثناء، وبالتالي إسقاط كل تدخل أجنبي سواءٌ أكان مباشراً، أم كان بصورة معارضين موهومين ممن تربوا على ثقافة حاضنيهم، أم كان على صورة انتهازي لا يرى السلطة إلاَّ على شاكلة مصالحه الخاصة. وإسقاط كل هؤلاء يقفل أهم الأبواب أمام أي محاولة لصناعة طاغية آخر باسم آخر أو بثوب مغاير لثوب سابقه.
وحتى لا نستهلك وقتنا بحصر المحظورات التي توحي وكأن الثورة الليبية تتعرض لها وحدها، نعتبر أن كل ثورة اندلعت أو ستندلع في الوطن العربي معرَّضة للمحظورات ذاتها. ولذلك نقول: نعم للخروج عن طاعة الطغاة بل والثورة عليهم. ولكن هذا الخروج لا يبيح السماح للمحظورات أن تتسلل إلى جسم الثورة فحسب، وإنما اجتثاث وجودها سواءٌ أكانت بشكل مباشر أم كانت بصورة عملاء وانتهازيين أيضاً.
يا ثوار ليبيا، لن نقول لكم أوقفوا ثورتكم حتى تتوفر كل شروط نجاحكم، والعياذ بالله، بل نقول لكم لتبقَ أصابعكم ضاغطة على زناد الثورة لكن على أن تبقى عيونكم ساهرة لتمنع كل أجنبي، أو عميلاً لأجنبي، أو انتهازياً، من التسلل إلى صفوفكم، فأنتم تفجرتم في الشارع لا لكي تستبدلوا فاسداً بأفسد منه، أو طاغية بأشد منه طغياناً. كما لتبقى حقيقة أهداف التدخل الأجنبي واضحة، فلا تنخدعوا بدموع أجنبية فهي من دون شك دموع اصطناعية. كما أنه لن تشفى آلامكم إلاَّ بدواء صناعته عربية، ولن ينتهي جوعكم إلاَّ برغيف عربي حلال، كما لن يشعر بشقائكم إلاَّ من ملأت قلبه نخوة العربي وشهامته.
إن ما أشار إليه عدد من الكتاب الحريصين على الثورة العربية من هواجس التدخل الأجنبي، وفي الطليعة منه أميركا وفرنسا وإيطاليا، نعتبر أن هذا التدخل ليس من قبيل الاستنتاج بل يقع في صلب استراتيجية الرأسمالية. حصل منذ أن تشكلت تلك الأنظمة، وكان أكثرها وضوحاً عند العدوان على العراق واحتلاله وقد ترجمه النظام الرأسمالي بأسلوب عسكري كان الأكثر وحشية في التاريخ، وعمل على ترجمته بنعومة ديبلوماسية فائقة في كل من ثورتيْ تونس ومصر، وهو يلوِّح باستخدامه بأسلوب التهديد العسكري في الثورة الليبية بعد إصدار قرار مجلس الأمن الدولي الأخير، لم تجد إدارة أوباما بعد صدوره صبراً فأعلنت الاستنفار العام لأساطيلها في البحر الأبيض المتوسط.
وكما انتابتنا هواجس الخوف على العراق بعد احتلاله، فجاء جواب التطمين سريعاً من المقاومة الوطنية العراقية، كذلك جاءنا خطاب التطمين من ثوار ليبيا الذي أعلنوه في البيان الرقم واحد مؤكدين وطنية الثورة وأهدافها، وحرصها على منع التدخل الأجنبي من العبث بنتائج الثورة وإنجازاتها، وقد جاء فيه ما يلي: «أيها الشباب إن ثورتنا لم يصنعها محتل أو غازي أو مدعى أنه ساند الشعب الليبي لتحقيقها، وعليه فهي منذ البداية والحمد لله ثورة مستقلة لا فضل لأحد في إنجازها سوى دماء شهداءنا الأبرار».
ولقاء ذلك بينما أعيننا وقلوبنا مع ثوار ليبيا، ولأن تجربة الثورة العربية ملك لكل العرب، فإننا نتوقع من الشعب الليبي أن يجهز سلاح المقاومة الأبيض ليوم التدخل الأجنبي الأسود.


إرسال تعليق