الخميس، مارس 03، 2011

وزراء الخارجية العرب في مسرحهم العبثي

-->
وزراء الخارجية العرب في مسرحهم العبثي
التدخل الأجنبي ممنوع في ليبيا مسموح في العراق؟!
المدرسة العبثية تعتبر أن الإنسان ضائع لم يعد لأفكاره مضمون، لأنه فقد القدرة على رؤية الأشياء بحجمها الطبيعي. وبمثل هذا الوصف لن يبقى الإنسان إنساناً لأنه لن يتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه، ولن يتأقلم معه، فهو إذن لن يفيد هذا المجتمع ولن يضره.
هذا الوصف ينطبق على الإنسان العادي المجرد من أي مسؤولية، أما إذا كان الإنسان مسؤولاً في مجتمعه، أي أن قراراته تمس مصير المجتمع، فتكبر الكارثة وتتضخم، وتودي بالمجتمع في مهالك كثيرة وخطيرة. هذا الوصف ينطبق على مجتمع عربي في قطر واحد، فكيف إذا كان ينطبق على مجموع الأقطار العربية؟
لا شك بأن وزراء الخارجية العرب، يمثلون عامل ربط بين العرب والدول الأجنبية، لذلك فهم يتحملون مسؤولية كبرى تجاه أمتهم العربية إذا أصابوا بقراراتهم، أم أخطأوا فيها. أما إذا أصابوا فهذا واجبهم، وإذا أخطأوا فسيبقى الوطن العربي، مصدر الطاقة الأساسي، على مرمى استهداف كل الدول الأجنبية الطامعة بالسيطرة على ثرواته وخيراته.
استناداً إلى ما سبق فعلينا أن نتصور حجم المسؤولية الكبيرة التي تُلقى على عاتق مؤسسة وزراء الخارجية العرب، هذا إذا كانوا ممن أخلصوا لمصلحة أمتهم. أما إذا كانوا ممن يتصرفون على قاعدة العبثية فتصوروا أي مصير ينتظر الأمة؟
ولأننا ممن لا يثقون بأهلية الأكثرية الساحقة من هؤلاء الوزراء، بل ممن يطعنون بمصداقيتهم استناداً للتجربة الطويلة. ولا يخرج عن هذا السياق قرارهم الأخير، الذي صدر في اجتماعهم الطارئ، بتاريخ الثاني من آذار، لبحث الأزمة في ليبيا، خاصة أن قراراتهم جاءت ضمن مشاهد تثير الحنق والغضب، لأن عبثيتهم فاقت كل التصورات وتدفع بنا للصراخ في وجوههم: يا لعار وزراء الخارجية العرب، ويا لعار العرب، أن يكون أميناً على مصيرهم عدد من الوزراء الذين يمثلون على مسرح عبثي، بلغة عبثية، وقرارات عبثية.
قرار مجلس وزراء الخارجية العرب أقل ما يُقال فيه أنه عبثي لا تدعمه أسس المنطق والسوية العقلية، فلماذا؟
أولاً، إن القرار الأخير كلام حق يعبِّر عن ثابت مبدأي، لأن التدخل الأجنبي في شؤون الدول الأخرى يتناقض مع الثابت الذي يعترف بحق تقرير المصير للشعوب.
وثانياً، إن الثابت المبدئي يجب أن يشكل القاعدة الأساسية لكل القضايا المماثلة، لا أن يكون منطقياً هنا، وعبثياً هناك.
فهل كانت قرارات مجالس وزراء الخارجية العرب مما يحترم أو الثابت المبدئي؟
وجوابنا على ذلك، إن في قراراتهم السابقة ما هو مسكوت عنه، ومما هو غير المسكوت. وفيها يتقاطع الصيف والشتاء على سطح واحد. ففي القرارات الأخيرة، ليس هناك تناقضان فحسب، بل هناك أيضاً عاران كبيران، وهما:
-العار الأول أن يترأس هوشيار زيباري مجلس وزراء الخارجية العرب، وهو وزير أجنبي بمعنى أنه وزير عيَّنته الإدارة الأميركية، وبارك تعيينه النظام الإيراني.
-العار الثاني، أن صوت وزراء الخارجية العرب مستنكراً التدخل الأجنبي في ليبيا بارك هذا التدخل في العراق.
الجدل المنطقي يقول: ما ينطبق على الوضع في ليبيا، كقرار منطقي، يجب أن ينطبق على كل حالة مشابهة أو مماثلة، سابقة أكانت أم لاحقة. وإذا صدر حول المبدأ ذاته قرار بالصيف، فعلى القرار الشتوي أن يكون مطابقاً بالحرف والنقطة والفاصلة. وبغير ذلك يكون الانتقاء، صيف وشتاء على سقف واحد، عبثياً، وضحكاً على الذقون، واستخفافاً بعقول البشر.
وما يثير استغرابنا أيضاً، أن الحمية والحرص الذي اجتاح تصريحات أولي الأمر في النظام الإيراني، فهلَّلوا وكبَّروا وحلفوا بالطلاق ثلاثاً أنهم لن يقفوا على حياد إذا تدخل الغرب في ليبيا، فهو ليس أكثر من استغباء العقول فينا، وكأننا نسينا تصريحات أولي الأمر فيهم عندما أعلن أحدهم: إنه لولا طهران لما استطاعت واشنطن أن تدخل كابول وبغداد. أنظروا، لا يرحبون بالتدخل الأجنبي في العراق وأفغانستان فحسب، بل هم يشاركونه بفعالية كبيرة أيضاً. أما هنا في ليبيا فيصبح التدخل الأجنبي عملاً آثماً ومنكراً يستحق النهي والتقريع، ودق طبول الويل والثبور وعظائم الأمور.
يا للعار
لمن فاته المشهد. لقد استوى هوشيار زيباري على كرسي عرش مجلس وزراء الخارجية العرب، وراح يتلو القرار المتخذ بالتحذير من التدخل الأجنبي في ليبيا. وإذا كنا نؤيد القرار لمبدئيته فإننا نستنكر أن يتلوه زيباري لسبب أن شدة تأييده للتدخل الأجنبي في العراق جعل يديه تتلوثان بدماء ملايين العراقيين وأرواحهم، وتهجيرهم وقطع أرزاقهم. هذا الاستنكار ليس لأنه أيَّد الاحتلال الأميركي فحسب، وإنما كان من جنود أميركا المخلصين في حربها العسكرية وأصبح الأداة الأساسية في حرب أميركا السياسية للاستيلاء على العراق أيضاً.
وإذا كان من الواقعي الأضعف على وزراء الخارجية العرب، لحفظ ماء وجوههم وهم الخاضعون لإملاءات الأجنبي، أن يسمحوا بحضور هذا المتآمر على وطنه العراق وعلى قومية الوزراء العربية، لكن من غير المنطقي أن يسمحوا لمن كان مع التدخل الأجنبي حتى النخاع أن يتلو بياناً باسمهم واسم العرب، يتهدد فيه التدخل الأجنبي ويتوعَّده.
و في حمأة ثورات التغيير وانتفاضاته التي تعم الوطن العربي، هنا لا تفوتنا الدعوة إلى المطالبة بتنحية كل وزير خارجية عربي وإسقاطه، كل وزير لا تكتمل عنده سوية العقل المنطقي بشكل متساوٍ مع ضميره الوطني والقومي، لأنه يشكل الصورة والمرآة التي نطل بها على العالم الخارجي. وإن سبب المطالبة يعود إلى أمنيتنا  بتأسيس مجلس لوزراء الخارجية العرب ينقلب على المجلس الحالي الذي تتحكم به العبثية واللامبالاة. وإذا كان من غير الواقعي أن يتم هذا الاستبدال الآن لأن إناء النظام العربي الرسمي ينضح بما فيه، فإنه على المتغيرات اللاحقة، كنتائج محتملة لما بعد ثورات اليوم، أن تلحظ هذه المهمة لأننا نريد أن نطل على العالم بوجوه نظيفة بمنطقيتها ووطنيتها وقوميتها.
إرسال تعليق