الجمعة، مايو 27، 2011

الثورة المضادة لا تريد إصلاحاً وديموقراطية

-->

الثورة المضادة لا تريد إصلاحاً وديموقراطية
بل تريد تطويقاً لمظاهر المقاومة العربية خاصة في العراق
حسن خليل غريب     في 26/ 5/ 2011
إذا تساءلنا ماذا تريد الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون مع دول المنظومة الرأسمالية والصهيونية العالمية، بإعلان تأييدها للحراك الشعبي العربي الثوري بدءاً من تونس مروراً بمصر وانتهاء بليبيا واليمن وسورية. فماذا يكون جوابنا؟
هل تريد بالحراك خيراً؟
وما هي أهدافها من وراء نواياها؟
لن يختلف إثنان على أن التدخل الأجنبي لا يصب في مصلحة الأمة، بل هو بالتأكيد يعمل على قطف جهود الثوار الحقيقيين وسرقة دمائهم لتحويل أهداف الثورة وسرقتها ووضعها في خدمة المصالح الأجنبية على شتى أشكالها وألوانها. ولكن هناك من يدعو لدعم الحراك كيفما كان، حتى ولوكان تحت عباءة حلف الأطلسي، أو تحويل الحراك إلى حرب أهلية. وهناك من يؤيده على قاعدة أن يمنع الثوار الحقيقيون تسرب أمراض الثورة المضادة إلى صفوف الثورة الحقيقية بمنع تحويلها إلى حرب أهلية أو تحريم الاستعانة بالخارج.
أما ما يجري اليوم على الأرض العربية فأصبح من المعروف والواضح أن انتقال الوسيلةالاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية من الصدمة والترويع إلى الحوار والمفاوضات، أنها لم تكن تغييراً في الأهداف، بل كانت تثبيتاً لها.
وعلى هذه القاعدة تنظر الإدارة الأميركية إلى القضية العراقية، وأصبح من الواضح أن الحوار منصب على الاستعانة بالدول المجاورة للعراق للحصول على مساندة منها لتثبيت احتلال العراق بالطرق السياسية. ولم تكن مناشدة تلك الدول للمساعدة ذات منطلقات وأبعاد إنسانية، بل كانت ذات محتوى يقوم على قاعدة تقاسم الحصص في العراق، وتقسيمها بما يحوز على رضى وقبول من الأطراف المتحاورة.
وقياساً على القاعدة القيمية التي تنص على حق كل دولة في أن تقرر مصيرها، ستكون نتيجة الحوار بالمفهوم التجاري الأميركي خسارة لكل من يشارك على طاولاته سواءٌ أكان الحوار بالسر أم بالعلن.
ويظهر في هذه المرحلة أن هناك صفقات يجري التداول بها بين الولايات المتحدة الأميركية وجيران العراق الجغرافي من عرب وترك وعجم، من أجل إحكام الطوق على المقاومة العراقية لخنقها بتجفيف كل المنافذ الجغرافية والسياسية المتاحة أمامها. وهناك أكثر المؤشرات تؤكد أن من أهم أهداف الثورة المضادة التي تؤسس خطواتها الإدارة الأميركية في بعض الثورات العربية ليست بعيدة عن النيل من المقاومة العراقية.
وإذا كنا نؤمن بأنه ليس كل مخطط مكتوب له النجاح، فإن إيماننا بسعة إدراك المقاومة الوطنية العراقية ووعيها وقوتها التي تتنامى باستمرار يدفعنا إلى الإيمان بأن مخطط خنقها، بعملية عسكرية أم سياسية، بصدمة وترويع أم بحوار مشبوه، أم بتأسيس مواقع لثورات مضادة لن يُكتب له النجاح.
ولهذا نعتبر بأن من أهم أولويات المقاومة في هذه المرحلة بالذات هو أن تمنع كل محاولات تطويقها. نقول ذلك، ونحن نشهد المحاولات المحمومة التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية وهي تركب أكثر من موجة ثورية أو حراك شعبي عربي من أجل إعادة تبييض وجهها الذي ازداد اسوداداً بعد احتلال العراق. تقوم بكل ذلك وعينها على العراق الذي أعلنت أنها ستنسحب منه وكأنها تتجرع السم من جهة، وعينها الأخرى على العدو الصهيوني للمحافظة على أمنه من جهة أخرى. ومن أجل ذلك، فهي تعمل على نصب الشراك هنا أو هناك، في تلك الثورة العربية أو تلك، مستغلة قواها المحلية في قيادة ثورة مضادة للحصول على حصة كبرت أم صغرت في هذا النظام أو ذاك قد يساعدها للحصول على ضمان حصة لها في العراق أولاً، بعد أن عجزت عن مشروعها بالاستحواذ عليه كله، وأما ثانياً فهو تدراك أية ثغرة تشكل خطراً على أمن الكيان الصهيوني.
من أجل توفير مناخات لإنجاح استراتيجيتها الجديدة، لا تزال الولايات المتحدة الأميركية تراهن على إنجاح عاملين مترابطين: منع عمليتها السياسية في العراق من الموات، وتوفير جو جغرافي سياسي مجاور للعراق يضمن حماية تلك العملية. ومن أجل كل ذلك على القوميين العرب أن لا يستهينوا بالأبعاد التي يرمي إليها المخطط الأميركي الآن من وراء بذل أقصى الجهود في إدارة عوامل الثورة المضادة في كل زاوية من زوايا الحراك الشعبي العربي، هذا وإذا كان الحراك يأتي في سياقه الطبيعي عبر تراكمات كبرى ارتكبتها الأنظمة العربية الرسمية، إلاَّ أن القوى المضادة هي الأكثر قدرة على استغلال الحراك لأنها تملك اللوجستيات الكبيرة والدعم الواسع من كل قوى الرأسمالية والصهيونية العالمية. وإذا كانت بعض خيوط ما يجري أصبح معلناً وواضحاً فإن الجزء الأكبر منها لا يزال مكتوماً وسرياً لم يظهر إلى العلن. وقد ننام بين ليلة وضحاها لنجد أن المقاومة العربية مطوَّقة من كل جانب إذا قُيِّض للثورة المضادة أن تخترق صفوف الثوار العرب. وبتطويق المقاومة وتحجيمها، عبر تجفيف منابع حركتها الجغرافية والسياسية، تكون الثورة المضادة قد حققت أهدافها.
وإذا قمنا بتجزئة عناصر المشكلة وتجزئة أهدافها من أجل إضفاء خصوصيات على الثورات، فنستطيع أن نستقرئ ما هو مخطط للساحة العراقية، وكيف نقرأ صورة المستقبل القريب.
-العملية السياسية في العراق تحتضر:
أما بالنسبة للعامل الأول فالعملية السياسية في العراق سائرة نحو حتفها لا محالة، خاصة أن الشارع العراقي الذي استعاد حيويته كفيل، إذا استمر، بإنجاز ساعة احتضار عملاء الاحتلال، إلاَّ أن العامل الثاني هو ما تنسج إدارة أوباما أوهامها وأحلامها على إنجاحه.
ففي داخل العراق، وبفعل انطلاقة الشارع العراقي، وإذا عرفنا من كان يحمي من في العراق، سنعرف من سيبقى منهما ومن سيرحل قبل من.
وإذا عرفنا أن الاحتلال كان يحمي عملاءه، لذلك إذا عزم الاحتلال على الرحيل فسيكون عملاؤه أشد عزماً على الهرب. ولهذا بعد أن أفلس الاحتلال من الصمود على أرض المقاومة في العراق، سيعلن عملاؤه إفلاسهم بأسرع منه.
وإذا كان الاحتلال يراهن على تدعيم عملية بقائه في الربع الأخير من مغامرته الرعناء في العراق، مستنداً إلى دعائم نخرها السوس، فعبثاً سيكون رهانه، حتى ولو كان قد أمر أولئك العملاء بتحصيل اتفاقية جديدة تجدد البقاء لبضع عشرات من آلاف الجنود.
وإننا باستثناء ما قد تبذله بعض القوى العراقية الطائفية أو العشائرية من جهود لاختراق الحراك الشعبي من أجل تحقيق مصالح فئوية، أو توفير أجواء أمنية لإحباط هذا الحراك أو احتوائه. فإننا نستبعد وجود عوامل لثورة مضادة في الثورة الشعبية العراقية لأن حدود الفصل بين المقاومة والاحتلال واضحة ومتمايزة.
وإذا كنا لا نخشى على ثورة الشعب العراقي الذي نزل إلى الشارع من اختراقات ثورة مضادة، فإننا ننظر بعين الحذر إلى مخطط الإدارة الأميركية الذي لا يزال يراهن على تجميع القوى الإقليمية والدول العربية المجاورة لتدعيم خيمة عملائه. ولكن القوى الإقليمية عاجزة أيضاً عن تدعيم ما انهار، لأنها لا شك غارقة بمشاكلها.
وبحساب سريع، وبمعرفة إمكانيات صمود العملية السياسية الداخلية، وضعف ما قد يوفره الجوار الإقليمي من خدمات، إضافة إلى شلل أصاب الاحتلال، نرى أن حاصل نتيجة جمع العوامل الضعيفة لن ينتج حسابياً إلاَّ مجموعاً ضعيفاً.
-دول الإقليم الجغرافي تفتش في الخارج عن عوامل دعم أوضاعها الداخلية:
فدول الإقليم على الرغم مما يبدو من قوتها الظاهرية، فإنها تلجأ اليوم لتدعيم ما تشعر به من ضعفها الداخلي، إذ هي تصدر جهودها إلى الخارج لاستيراد العوامل التي تساعدها على ترميم جدرانها الداخلية. وهي كما وقعت الإدارة الأميركية بشر أعمالها نتيجة مغامرتها غير المحسوبة في العراق، فإن دول الإقليم لا شك بأنها واصلة للوقوع في شر أعمالها أيضاً. وشر أعمالها الكبرى هي أنها أسهمت وتسهم في تفكيك وإضعاف جيرانها العرب، بينما لو أرادت أن تكون قوية فإنها لن تحصل على أهدافها إلاَّ بجيران أقوياء. وما يظهر على السطح من أنه تدخل ظاهر إيراني وتركي بالعمل على مساعدة العرب ليس إلاَّ صحوة إمبراطورية جديدة، وهي أنموذج عجزت الولايات المتحدة الأميركية عن إعادته إلى الحياة بكل قوتها وإمكانياتها، فكيف ستكون نتائج بيدر من لا يستطيع أن يحصل على النزر اليسير من تلك القوة والإمكانيات.
وإذا كانت النصيحة مشروعة في مطلق الأحوال للجميع، وبالأخص منها للجار القريب، فإن وقائع التحولات الحديثة والمعاصرة تؤكد أنه من المستحيل على أية قوة في العالم أن تبني أمجاداً إمبراطورية أثبت التاريخ أنها أمجاد زائلة. وأما الحل فهو أن يتعاون الجيران ليس على غزو بعضهم البعض الآخر، وتفتيت بعضهم لكيانات البعض الآخر، بل أن يعترف كل جار بحق جاره بالعيش بسلام من خلال علاقات متكافئة بعيداً عن الميكيافيلية والخداع.
انطلاقاً من ذلك، فإننا نعتبر أن الأطماع الإمبراطورية التي أثارت اليمين الأميركي المتطرف، وانتحرت على أسوار بغداد بسهام المقاومة الوطنية العراقية، أن تكون قد لقَّنت درساً للجارين القريبين، إيران وتركيا، بأن يقلعا عن أطماع مهما غلفوها بالنوايا الحسنة، لأن وقائع التاريخ القديم، والتاريخ المعاصر يؤكدان على ضرورة الإقلاع عن النزعات الإمبراطورية التوسعية لأنهما بإقلاعهما  يوفران على شعوب إيران وتركيا الدم والمال.
-الثورة المضادة في الحراك الثوري العربي قد تحمل عوامل إرباك للمقاومة:
كما أننا في هذه المرحلة التاريخية التي يعم فيها الحراك الشعبي العربي معظم أقطار الأمة، وإننا في الوقت الذي نراهن فيه على أن قطار التغيير التاريخي قد بدأ، لا نزال نتحمل مسؤولية رؤية ما يجري، ليس فقط على حسابات الثوابت المبدئية في مشاركة الشعب العربي ضد حكامه الذي عاثوا في الأرض فساداً فحسب، بل نحن نتحمل مسؤولية في الكشف عما قد يضلِّل الثوار من مظاهر خادعة لا يأخذونها بعين الحساب أيضاً. ولأن المرحلية في العمل السياسي مبدأ علمي، ومن أهم مفرداته أن تختار بين السيء والأسوأ، بين الأقرب والأبعد، بين الخطِر والأخطر، علينا أن لا نوازن بين الديكتاتورية والاحتلال، بل علينا أن نواجه أي احتمال للاحتلال أولاً، لأنه إذا حصل، فنحن لن نربح الديموقراطية في الوقت الذي نكون فيه قد خسرنا الأرض والثروة.
-الدرس العراقي لا يزال ماثلاً أمام من يريد أن يتعلم:
وإذا كنا قد تعلمنا من المقاومة العربية، وفي المقدمة منها المقاومة العراقية برهاناً على إمكانية مواجهة أكبر قوة في العالم، فإن علينا أن لا نغفل الدرس الآخر المتمثل بخداع الولايات المتحدة الأميركية التي احتلت العراق بذريعة نشر الديموقراطية فيه. أما النتائج فبيِّنة وواضحة.
ولكل هذا نرى أن المقاومة العراقية تتصدى اليوم إلى العديد من العوامل والأشراك التي يتم الإعداد لها من أجل فرض تمديد فترة بقاء الاحتلال في العراق، بحيث يعمل الاحتلال على تدعيم عملية سياسية منهارة في الداخل بالقضاء على الحراك الشعبي العراقي، ومساومة الاحتلال مع دول الجوار الجغرافي على تقسيم الحصص في العراق وغيره، وحصول الولايات المتحدة الأميركية على موطئ قدم في كل نظام سيكون بديلاً للأنظمة العربية القائمة إذا لم تكن الأنظمة البديلة كاملة الولاء لقوى الرأسمالية والصهيونية. وباختصار تعمل المقاومة العراقية على إجهاض محاولات تطويقها وتجفيف الكوى على قلتها التي تطل منها على العالم.


إرسال تعليق