الأربعاء، سبتمبر 21، 2011

طلب (الحماية الدولية) شعار حق يُراد به باطل

-->
في أي حراك شعبي عربي
طلب (الحماية الدولية) شعار حق يُراد به باطل
في جمهورية أفلاطون تحتل المُثُل  العليا موقع الرأس المدبِّر في تنظيم العلاقات داخل المجتمع، بين المواطنين أنفسهم من جهة وبينهم وبين الحاكم من جهة أخرى، وهو حلم جميل لكل الذين يُنشدون بناء مجتمعاتهم على أسس سليمة. ولكن بين المثالية والواقعية، بين جمهورية إفلاطون وجمهوريات العالم الراهن بون شاسع وكبير.
وكما عند إفلاطون مبادئ وقوانين نحلم بتطبيقها في المجتمعات المتجانسة (أي ما نعرفه تحت مصطلح الوطن في الفكر الحديث والمعاصر)، نحلم بتطبيق تلك القوانين والمبادئ كذلك في منظومة (الجمهورية الأممية) الراهنة المتمثلة بـ(الجمعية العامة للأمم المتحدة) والمؤسسات الأممية الملحقة بها.
وإذا كانت العلاقات بين الحاكم والمحكوم في الدول المعروفة اليوم في وطننا العربي مختلَّة بشكل كبير وواضح، بحيث تحوَّل الحاكم إلى (طاغية) أو (ديكتاتور)، الأمر الذي أدى إلى ثورة المحكوم ضد الحاكم وظهر بصيغة (الحراك الشعبي) الرافض للأنظمة القائمة وهدف الحراك المعلن العمل على إسقاطها. وفي ظل اختلال موازين القوى بين قدرات الشعب وقدرات النظام راح الكثيرون يفتشون عن صيغ لتعديل ما اختل من موازين. ومن جملة ما تفتَّقت عنه عقول البعض من أفكار رفعوا شعاراً أطلقوا عليه تعبير (الحماية الدولية)، وراحوا يروِّجون لطلب تلك الحماية بشتى الوسائل والأساليب. ولأن أسلوب الحماية الدولية قد ظهرت نتائجه المدمِّرة في ليبيا، ومن قبله العراق وإن كان بصيغ أخرى، شكّل سبباً لدينا للكتابة عنه في مقالنا هذا.
وحول ذلك نستعيد تلك المبادئ لنناقشها. ومن جملة المبادئ الأممية يأتي مبدأ (الحماية الدولية) للشعوب ليحتل موقع الصدارة في دائرة الحراك الشعبي العربي. وفي ظل موازين القوى المختلة لصالح الأنظمة شكَّل هذا المبدأ أحد الأسس الضرورية المطلوب الاستعانة بها في المواجهة الدائرة بين ديكتاتوريات الأنظمة العربية الرسمية والشعب العربي الذي نزل إلى الشارع في معظم أقطار الوطن العربي مطالباً بحقوقه المسروقة، ومن أهم تلك الحقوق  تأتي الحريات الديموقراطية في طليعتها.
وكما أننا نعرف لتطبيق شيء ما يتوجَّب وجود ثنائية (القانون ومن يطبق القانون). وإذا كان جوهر مبدأ الحماية الدولية سليماً، فهل من نطلب منه أن يطبقه يمتلك الحد الأدنى من العدالة والموضوعية؟
فمن أجل تطبيق تلك القوانين لا بدَّ من  وجود آليات مُؤتمَنَة تضمن تطبيقاً صحيحاً وعادلاً لمضمونها.
ولكي لا تختلط لدينا المواقف على قاعدة من هو مع تطبيق المبادئ الصحيحة، ومن هو ضدها، نقر بأن حماية المدنيين حاجة للشعوب المغلوبة على أمرها من ظلم الأنظمة الحاكمة وجورها. واستناداً إليه نعترف بأن الأنظمة الديكتاتورية تستخدم كل الوسائل غير المشروعة لقمع الحراك الشعبي في شتى الأقطار العربية لإسكات صوت الشعب وإعادته إلى دائرة الطاعة والإذعان والسكوت عن الغبن الكبير اللاحق بحقوقها على حاكميها. ومن أجل إعادة التوازن بين طرفيْ المواجهة، كان لا بدَّ من  استحضار ما هو موجود من قوانين ومبادئ أممية تشكل حماية للشعب في مواجهة حاكمه. ولهذا السبب استحضر بعض المعارضين للأنظمة العربية الرسمية مبدأ الحماية الدولية المحفوظ في أدراج الأمم المتحدة. ولكننا بالنظر إلى الصورة من شتى الزوايا نقول: إن استحضار هذا المبدأ في مكانه وزمانه ليس أكثر من (كلمة حق يُراد بها باطل).
وهنا، علينا أن نعرف أين موقع الحق في تلك الكلمة؟ وأين موقع الباطل فيها؟
موقع الحق فيها أنها صِيغت لأسباب محض إنسانية من أجل حماية الدول من أطماع دول أخرى، ولحماية الشعوب من أنظمتها المحلية إذا ما أساءت استخدام العقد المبرم معها، أي العقد بين الشعب والحاكم. ولهذا كان الهدف من إقرارها على صعيد أممي لتوفير أفضل مناخات الحماية لصياغة أسس لعالم أفضل حيث تكاثر فيها دور الدول القوية التي تمتلك كل وسائل القوة ليس للدفاع عن حقوقها فحسب، بل للاستيلاء على حقوق الدول الضعيفة أيضاً، لذا جاء المُشرِّع الأممي لكي يحمي الدول الضعيفة من بلاوي الدول القوية وشرورها وأطماعها، وجاء ذلك مبنياً على القاعدة الحقوقية (حق الدول بتقرير مصيرها). ولأن الشعوب تتعرَّض لظلم الأنظمة التي تحكمها، جاءت الحماية الدولية على قاعدة (حق الشعوب بالحياة الكريمة) ولهذا السبب شكَّلت الأمم المتحدة لجاناً وهيئات دولية من أهمها (اللجنة الدولية لحقوق الإنسان) ومن مهماتها رصد حالة الديموقراطية في كل أنحاء العالم، ونتيجة أعمالها تصدر تقارير دورية. وبتقاريرها تشكل ضغطاً معنوياً على كل الأنظمة التي تخرق مبادئ حقوق الإنسان.
وموقع الباطل فيها أن الدول الكبرى لا تترك للهيئات الأممية مجالاً لأن تكون حيادية وموضوعية في تطبيق المبادئ والقوانين والتشريعات الأممية التي نعترف بأنها حاجة للشعوب المظلومة، وواجباً تمارسه الهيئات الدولية. إن الهيئات واللجان الأممية تعطي نتائج إيجابية إذا كانت حيادية ولا تخضع للتسييس، أي أن تقوم بواجباتها بعيداً عن تأثير القوى الكبرى. ولكن في المراحل الراهنة، وما سبقها من مراحل، أثبتت أن الدول الكبرى بزعامة أميركا والدول الرأسمالية تعمل على إخضاع القانون الدولي والتشريعات الدولية لمصلحتها الخاصة. وبتعبير أدق تتعدد معاييرها ومكاييلها عندما تجمع الصيف والشتاء تحت سقف واحد. فهي تسكت عما يرتكبه حلفاؤها وأنصارها من أخطاء وخطايا، وتشهِّر بمن لا يستجيب لرغباتها أو الذين يواجهونها من موقع الند للند في حده الأقصى، أو بمن لا يستجيب لكامل إملاءاتها بحدها الأدنى. ولكل هذا وضعت تلك القوى كل المؤسسات المُوكَلَة بتطبيق مبدأ (الحماية الدولية) تحت هيمنتها. وراحت تلك المؤسسات، بدلاً من القيام بمهامها بمهنية وموضوعية، تنصاع لمصالح الدول المهيمنة عليها.
إن الأمثلة على غياب الحيادية والموضوعية في نتائج التقارير التي تعدها الهيئات الأممية كثيرة وطويلة ومتشعِّبة، والمتابع الموضوعي لهذه المسألة ليس بحاجة إلى الكثير من البراهين والأدلة لتظهر أمامه حقيقتها. وبناءً عليه يصبح كل من يدعو إلى (حماية المدنيين الدولية) في الحراك الشعبي العربي الراهن، إما غافلٌ أو خبيث. والغافل أنواع: فهو إما متغافل، أو مغفَّل. وإما الخبيث فيسوِّق السُّمَ بالدسم.
وفي حساباتنا لا نجد في رفع شعار (الحماية الدولية) الآن إلاَّ هدفاً واحداً ووحيداً مقتصراً على توفير ممر (شرعي وقانوني) للقوى الكبرى، للتدخل بالشؤون الداخلية للدول التي انطلق فيها الحراك الشعبي. ويعمل على توفير هذا الممر كل القوى (المعارضة) لأنظمتها ممن تربوا في أحضان مخابرات الدول الأجنبية الطامعة بالهيمنة على وطننا العربي. وهؤلاء المعارضين هم كل من تسلل إلى الشارع الثوري ليتلطوا بعبائته الشعبية الشرعية.
وهنا نستدرك لنذكِّر الغافلين عن أبعاد رفع شعار (الحماية الدولية) أن من سيقوم بتطبيق هذا المبدأ هو (مجلس الأمن الدولي) الذي أصبح أداة مطواعة بيد القوى الكبرى، ويعمل بتوجيهاتها وإرادتها، ويحصل على تمويل عملياته من خزائنها على أمل تعويضها فيما بعد من جيوب الشعوب التي وفَّر لها تلك الحماية. وهنا لا تجوز الغفلة عما حصل ويحصل في ليبيا، وهو أكبر دليل على أن القوى الكبرى استطاعت أن تحتل ليبيا بـ(قبعة ثورية)، وتحت المبدأ نفسه (حماية الشعب الليبي) من مدافع (كتائب القذافي) وطائراتها.
إن رفع شعار (الحماية الدولية) كما حصل في الأنموذج الليبي، يعمل الخبثاء على تعميمه في أقطار عربية أخرى، وهم يزيدون من خبثهم عندما يصنِّفون من يرفض هذا الشعار حسب قاعدتين لا ثالث لهما: إما أبيض أو أسود، إما مع الشعب أو مع الديكتاتورية. وفي هذا التصنيف منتهى الظلم والافتراء والاستغفال. وإن خداعهم ينطلي على القسم الأكبر من الحائرين باتخاذ موقف، فيأخذون جانب الشعب وجانب كل من يرفع شعار حمايته من دون حساب لمخاطر (تدويل الحماية)، وهم بمثل هذا الموقف إنما يرتضون أن (يوكلوا الذئاب بحماية الغنم). وهم بمثل هذا الموقف إنما يستبدلون حماية الذئب الأضعف بحماية الذئب الأقوى.



إرسال تعليق