الأحد، نوفمبر 27، 2011

كيف برأيكم ستنتهي الأزمة في سورية؟

-->
كيف برأيكم ستنتهي الأزمة في سورية؟
عن سؤال موجه من المركز العربي الأوروبي كان الجواب التالي:
لو حددنا باختصار عوامل تفجير الأزمة نستطيع أن ندلي برأي يكون أقرب للواقع من غيره.
أثبتت الوقائع والتقارير أن عوامل داخلية وخارجية كانت وراء تفجيرها.
بداية نقول إن عوامل التفجير كانت بادية في حالة الاحتقان الشعبي الشديد التي تكوَّنت جراء الأخطاء المتتالية التي مارسها النظام السياسي الحاكم. وكانت تلك الأخطاء قد انعكست سلباً على الحياة اليومية المُعاشة للمواطن السوري، وكان من أهمها غياب حقوق الشعب السياسية وحريته في التعبير والاعتراض، بحيث كانت سياسة القمع هي الأسلوب السائد في منع تلك الحرية. وبها غاب دور الشعب في الاعتراض والنقد. ولما تراكمت الأسباب ازدادت عوامل الاحتقان التي وصلت إلى حدود الانفجار، وكأنها كانت تنتظر عود الثقاب الأول ليشعل حالة الغضب.
وفي الخارج تراكمت التناقضات التي سادت علاقات النظام بالإدارات الأميركية المتعاقبة، جراء عدم انجرار سورية واستجابتها للإملاءات الأميركية خاصة فيما له علاقة بـ(أمن إسرائيل)، وأمن قواتها المحتلة في العراق. تلك الإملاءات التي نصَّ عليها القراران 1546، و1559، وفيهما الكثير من أوراق القوة التي يمتلكهما النظام السوري، إذ كانت حساباته تدل على أن التخلي عنها يعني إلغاء لدوره المناط به. وكما كان للنظام في سورية أوراق قوة في مجال تهديد (أمن إسرائيل)، كان لأميركا أوراق قوة تستطيع بها ممارسة الضغط على سورية، ولعلَّ من أهمها احتضان حركة الإخوان المسلمين، وبعض المعارضة السورية التي تركت سورية والتحق معظمها بالخارج وارتبط بمشروعه. ولما اشتدَّت حالة الصراع بينهما، خاصة بعد فشل الاحتلال الأميركي للعراق وهروبه منه نتيجة تأثير المقاومة العراقية، وتلك خسارة لا يمكن لأميركا تعويضها إلاَّ بإعادة الالتفاف عليها من خارج العراق لتضمن بقاء عملائها العراقيين بالحكم، لعبت دوراً أساسياً فيما سُمِّي بـ(الربيع العربي)، ولكنه كان مموهاً بشعارات الشعب العربي، وبمراجعة بسيطة للسيناريو الذي اتبعته دول حلف الأطلسي تؤكد أن ذلك الحلف قد اتَّبع وسائل فيه الكثير من التمويه لاحتلال ليبيا.
وكما حصل في ليبيا، رُسم سيناريو مشابه له في سورية باستثناء بعض الخصوصيات بالوسائل. وقد وظَّفت الولايات المتحدة الأميركية جامعة الدول العربية للقيام بإخراج عربي ينفذ الخطة الأميركية تماماً مدعومة بقوى الحلف الأطلسي.
ولأن ساعة التفجير كانت موقوتة من قبل المشروع الأميركي، في مكانها وزمانها، ولما جاء دور سورية، كان الاحتقان الشعبي في ذروته فحصل الانفجار الشعبي المشروع عندما أُعلن الإنذار الأول. فاختلطت مشروعية الحراك الشعبي السوري بلامشروعية البدء بمخطط التفجير الذي اتخذته الإدارة الأميركية، وبمثل هذا الواقع شاب العلاقة يمشروعية هذا بلامشروعية ذاك لبس شديد ضاعت فيه الرؤية الواضحة لدى الكثيرين. وبهذا شاب العلاقة بين معركة الإصلاح التي تستجيب لمصلحة الشعب مع المعركة الوطنية ضد التدخل الأميركي مسنوداً بالتدخل الأطلسي.
ولكي نعرف كيف يمكن الوصول إلى حل للأزمة السورية فنرى أنه ليس لتحقيق الإصلاحات الداخلية أي تأثير بإنهاء الأزمة، بل ما ينهيها هو الاستجابة لما يحافظ على مصالح دول الحلف الأطلسي. والاستجابة تلك تستهدف حصار المقاومة العربية وإنهائها تحت شعار مكافحة الإرهاب.
وهنا يقع السؤال: هل يستجيب النظام السوري لها؟
مهما قيل عن تكتيكات النظام المرنة، التي تقوم على قاعدة (لو كان بيني وبين عدوي شعرة لمل قطعتها)، لن تتخطى تلك التكتيكات الخطوط الحمر التي وضعها النظام سقفاً لتنازلاته، أي تلك الخطوط التي تضعه تحت رحمة الإملاءات الأميركية. لأنه ساعتئذٍ سيدفع كل رصيده من دون الحصول على ثمن يضمن له مصالحه. ومن أهم تلك المصالح استعادة الجولان، ومنع مخطط التقسيم المرسوم لسورية على مقاييس (حدود الدم) التي لحظها مشروع الشرق الأوسط الجديد، لأن (أمن إسرائيل) لن يكون محمياً إلاَّ بتنفيذ مشروع الدويلات الطائفية.
وهنا لو طرحنا السؤال التالي: هل إذا أنجز النظام سلة من الإصلاحات الجذرية يمكن أن تُحل الأزمة السورية؟
برأيي أن الأزمة لن يتم حلها، والسبب عائد إلى أن من جعل ظاهرة الحراك تتعمق وتتعقد هو استرتيجية (الربيع العربي) التي لم تكن ابتكاراً ثورياً عربياً، بل كانت ابتكاراً غربياً أطلسياً مشبوهاً، زرعت فيه الدول الغربية لغماً أمنياً بتطبيق أسلوب استنزاف النظام بحرب العصابات التي يمكن أن تتطور إلى حرب مواقع فيما لو نجحت تلك القوى بالحصول على (بنغازي) سورية تكون شبيهة بـ(بنغازي) الليبية. وإن استخدام مصطلح (الربيع العربي) و(حقوق الشعب) و(حماية المدنيين) هو أسلوب من يدس السم بالعسل ترغيباً وتمويهاً أمام عيزن الشعب العربي. وهنا يكفي أن نراجع كل التقارير الأجنبية التي تؤكد ضلوع الصهيوني برنار ليفي بالتخطيط والتنفيذ، ليس على شاكلة (الخطوة خطوة) الكيسنجرية، بل على قاعدة سلسلة من الزيارات المكوكية والتنقل بين إدارات القرار الأطلسية وبين الشوارع العربية الملتهبة من جهة، والتفاوض مع المجالس التي أطلقوا عليها تسمية (المجلس الوطني الانتقالي) من جهة أخرى.
إن الأزمة السورية بلغت غاية من التعقيد التي تستعصي على أي حل طالما أن الأطلسيين أطلقوا العنان لمشروع احتلال جديد للوطن العربي تحت عباءة بلغت غاية في التمويه والكذب والخداع، خاصة أن مشروعهم قد نجح في ليبيا الأمر الذي أغراهم ودفعهم لتطبقه في بلد عربي آخر.
ولكن هل من حل؟
الحل الوحيد الذي أراه صالحاً، ولو على المدى البعيد، هو أن ينتقل الحراك الشعبي العربي مؤقتاً من ضفة (الحراك المطلبي لتحرير المصالح الشعبية) إلى ضفة (الحراك الوطني لمنع احتلال بلادهم) وهو الاحتلال المحتمل أن يحصل في ظل سيادة مشروع (حدود الدم) الذي يتم تطبيقه على قدم وساق. وإذا ما نجح هذا الانتقال، وهو سينحج، يصبح من المشروعية المؤكدة أن يستمر الشعب بحراكه المطلبي طالما أنه سيحصل على حدود دنيا من الحقوق يأتي الاعتراف بحق التعبير والتظاهر وتعددية الأحزاب في المقدمة منها.

إرسال تعليق