الأحد، فبراير 08، 2015

بين الثورة على الأنظمة أو الثأر منها


بين الثورة على الأنظمة أو الثأر منها

مسافة إما أن يحمكها الموقف الهادئ أو يسودها الموقف الانفعالي




إن الثورة تعريفاً هي ذلك التفكير الاعتراضي على فعل قديم يقود إلى حراك يؤدي إلى إسقاطه من أجل تغييره من حال إلى حال، أي من حال كان يثير الاعتراض عليه لأنه لم يؤد وظيفته الموكولة له، إلى حال آخر يقوم بوظائفه الطبيعية المحددة له. والثورة بمثل هذا الفهم تُعتَبر فعلاً إيجابياً، لأنها لا تهدم القديم إلاَّ لتبني بديلاً أفضل منه. فالثورة إذن مصطلح يُستخدَم للدلالة على الحركة التي تؤدي الى تغيير جذري في المجتمع.

وأما الثأر تعريفاً فهو انتقام الفرد أو المجموعة ممن أوقع بهم ضرراً. وهي لا تتجاوز ردة فعل غاضبة، يرتكبها صاحبها من دون اكتراث بهوية البديل.

ما يجمع (الثوري) و(الثائر) وحدة الهدف أي النزاع مع الذي أنزل بكل منهما ضرراً وهو (المثأور منه). كما تجمعهما وحدة الوسيلة أي القصاص ممن (تثور) عليه أو (تثأر) منه. ومع ذلك فهما يفترقان بما يحصلا عليه من نتائج. فالثوري يربط فعله بتغيير جذري، بينما الثأري لا يربط ردة فعله بأي شيء إلاَّ بإلحاق الضرر بـ(المثأور منه). وبناء على محتوى المصطلحين تُعتبر الثورة فعل إيجابي بينما الثأر فعل سلبي. والفعل الإيجابي هو فعلٌ واعٍ، بينما الفعل السلبي عبثي ينتقم بقصد الانتقام فقط.

وإذا ما حاولنا أن نسقط مضمون هذه المصلحات على الحراك الشعبي العربي الراهن، لوجدنا الوقائع التالية:

-الحراك الشعبي العربي ضد الأنظمة الديكتاتورية هو من دون شك حراك ثوري. وثوريته تتمثل بالعمل على إسقاط الأنظمة التي تنكَّرت لوظائفها أولاً، ولكن على أن تكون نتائجه بناء النظام البديل الذي يجب أن يختلف عن النظام السابق بشكل جذري ثانياً.

-وأما إذا كانت النتائج غير محسوبة ومرسومة فسيكون الحراك عبثياً، أي أنه يهدم ولكن ليست له الرؤية الواضحة عن النظام الذي يعمل الحراك على بنائه. والعبثية هي نوع من أنواع القدرية التي لا يوجهها مخطط واضح تشرف على تنفيذه قوة واعية تصل به إلى متغيرات جذرية.

وعبثية الموقف الآن، في زمن ما يُسمُّونه افتراءً بـ(الربيع العربي)، تنطلق من الوقائع التي تعبِّر عنها المقولة التالية: «يفجِّر الثورة مجنون، ويستغلها إنتهازي». وبهذا المعنى تتحول الثورة إلى فعل عبثي، وتنتفي عنها صفة الثورية.

إن عبثيتها تمهِّد الطريق أمام الانتهازيين، ومن يسلِّم الثورة لانتهازي كأنه لم يفعل شيئاً، بل تصب نتائج حراكه في أنه أسقط نظاماً خرج عن وظيفته الأساسية وهي العمل من أجل مصالح الجماهير، وفي الوقت ذاته فتح الأبواب أمام انتهازي آخر لن يكترث بتلك المصالح، بل سيكون معادياً للجماهير ومصالحها، وهو بذلك لن يتغير عن سابقه إلاَّ بالإسم. وهذا يعني أن انتهازياً ورث ديكاتوراً. وبعد أن رست أوضاع أكثر الحراكات على هذا المنوال، أصبح الأمرُّ من كل ذلك أنه إذا استمرَّت المواقف المتفائلة على حالها، فهذا يعني أن (الفعل الثوري) تحوَّل إلى (رد فعل ثأري).

وبناء عليه نتساءل: ما هو الواقع الذي رسا عليه الحراك الشعبي العربي بعد مرور أربع سنوات تقريباً على البدء به؟

رافق بداية الحراك الشعبي في عدد من الأقطار العربية انبهار شديد لسرعة انتشاره، وكان يتم تصنيفه ضمن الفعل الثوري لأن الجماهير التي قامت به كانت أهدافها إسقاط الأنظمة الديكتاتورية، ولكن بعد أشهر قليلة بدأ يظهر أن هذا الفعل يفتقد الرؤية الواعية للنتائج التي قد تحصل.

وكان مرد الانبهار به هو أن الجماهير العربية كانت تتحرك بعفوية وشجاعة قلَّ نظيرهما في عصر الأمة الراهن، أي أنه كان فريداً في مسيرة الوطن العربي منذ أن تحررت أقطاره من الحكم العثماني.

وأما الحساب الخاطئ للنتائج فقد كان مُغيَّباً عن معظم التقارير والمواقف التي كانت تصدر عن أفراد أو أحزاب أو حركات، ولهذا استمرت المواقف الإيجابية من الحراك على جمودها، ولم تأبه أو تحسب حساباً لغياب العوامل الأساسية التي يجب أن تمتلكها الثورة، وهي عوامل الوضوح في الأهداف، وغياب القيادة الراشدة المنظمة لذلك الحراك. ولم يقتصر هذا الغياب على حراك دون آخر، بل كان غائباً عن جميع ساحات الحراك. وبالإضافة إلى كل ذلك، فقد ظهر الإنتهازيون من كل حدب وصوب، وتأكد أنهم بدأوا يسيطرون على ساحات الحراك وقاموا بتوجيهها بما يتلاءم مع أهدافهم. وبذلك بدأت الثورة المضادة عملها، وخلت لها الساحات، وتأكد أنها لا بد من أنها ستقطف نتائج التضحيات التي قدمتها الجماهير الشعبية.

في ظل الفراغ الذي تركه غياب عامليْ (وضوح الأهداف والقيادة الراشدة)، تسلل الانتهازيون لكي يستغلوا الثورة التي فجَّرتها حشود الجماهير الهائلة التي ملأت ساحات المدن العربية الرئيسية وميادينها. فكان الانتهازيون جاهزون لسد الفراغ في المنهج السياسي والقيادي لكل الحراكات، وإن الدلائل  كانت كثيرة ومتعددة. ومن خلال مواكبة مسارات التحول الخطير تأكد لقسم من المحللين أن الفعل الثوري للجماهير قد سُرق، وأصبحت الجماهير كتلة من الغاضبين الذين استمروا ليس بالفعل الثوري، بل اتخذوا النهج الثأري موجهاً لحراكهم. ومن ذلك التحول أصبح من الواجب رصده وتشخيصه ليس من أجل إيقاف الحراك بل من أجل تصحيح مساراته ووسائله أينما أمكن الأمر ذلك. ولكن على العكس من كل التوقعات المتفائلة، فقد تحولت الحراكات الشعبية إلى حروب أهلية على أسس طائفية دينية. وأخذت تلوح في الأفق أن تلك الحروب سائرة باتجاه تهديد وحدة الدولة والمجتمع.

ولكي نعرف مدى الانحراف الذي أصيب به الحراك الشعبي سنقف لحظات أمام تصنيف نوعية الانتهازيين، وقوى (الثورة المضادة)، الذين تبيَّن أنهم استلموا راية قيادة الحراك وتوجيهه وتحديد أهدافه نحو مسارات أخرى لا تصب على الإطلاق ليس بمصلحة الجماهير فحسب بل أيضاً بمصلحة المحافظة على أمن الجماهير الثائرة وأهدافهم وكذلك على مصلحة وحدة الدولة والمجتمع.

وبدأ يتأكَّد كل يوم أكثر من اليوم الذي يسبقه أن الانتهازيين الذين أخذوا يسرقون الثورة يتوزعون على مجموعات وقوى في الداخل والخارج، وكما أصبح من الواضح أنهم يتوزعون حسب التقسيمات التالية:

وأما عن الداخل فنستطيع أن نصنِّف الانتهازيين والطامعين بالفئات التالية:

-الانتهازيون من الداخل، الطامعون في الوصول إلى السلطة.

-الحركات الدينية السياسية الطامعة ببناء أنظمة ثيوقراطية (دينية).

-المهجرون هرباً من ديكتاتورية أنظمتهم، وفي أماكن تهجيرهم وقع معظمهم في أحضان المخابرات الخارجية، وتلقوا التدريبات في مؤسساتها، ونالوا المبالغ الكبيرة من أموالها للقيام بمهمات قذرة لتخريب أوطانهم تحت حجة إسقاط الديكتاتوريات، التي صنَّفتها الأجهزة ضمن معايير مزدوجة، ليس لسبب إلاَّ لاستبدالها بأخرى تكون مطواعة للقوى الخارجية، حتى لو كانت أكثر ديكتاتورية فإن إعلام تلك القوى ستقوم بتغليفها بقبعات الديموقراطية.

-المخدوعون من الأنظمة العربية الرسمية، وخاصة منهم الذين يغذُّون ما يتوهمون أنها (ثورة ضد الديكتاتورية).

وبين هذا النوع من الانتهازيين وذاك، ظلَّت الأقلية من المعارضة الوطنية هي التي رفضت مبدأ الوصولية وعسكرة الحراك الشعبي والاستقواء بالخارج حيث لمست مخاطرها على بنية الدولة من التفتيت والانقسام على شتى ألوانها وأشكالها.

وأما عن الخارج، فنستطيع تصنيف الدول والحركات بين متآمرين وطامعين حسب التقسيمات التالية:

-الدول الغربية، تقودها الولايات المتحدة الأميركية، وهي التي وضعت مشروع الشرق الأوسط الجديد، ووجدت الفرصة مناسبة لتطبيقه في ظل حالة الفلتان الأمني في الأقطار العربية، وهي التي أخذت تغذيه لتطيل من عمر العسكرة لاستنزاف الأنظمة من جهة واستنزاف صبر القوى الداخلية الوطنية من جهة أخرى. وهي تعمل الآن ناشطة تحت خيمة (الفوضى الخلاقة) على تفتيت الجيوش العربية، وإلغائها، لتحدث فراغاً امنياً يملأه الفوضويون، والقضاء على كل مكتسبات الأنظمة القطرية. إذ تبقى وحدة الجيوش العربية، على علاتها، ضماناً للمحافظة على وحدة الأرض الوطنية في كل قطر من أقطار الأمة العربية.

-الدول الإقليمية، إيران وتركيا، الطامعتان بإعادة السيطرة على مناطق نفوذها التاريخية، تلك الإعادة التي لن يُكتب النجاح لها من دون أهداف ووسائل دينية سياسية.

-الحركات الخارجية ذات الأهداف الدينية السياسية، التي استغلَّت الفوضى التي عمَّت كل زوايا الحراك، من أجل وضع كل إمكانياتها المالية والتحريضية الطائفية وانتهاز الفرصة التي أتيحت لها وذلك بنصدير برامجها ومناهجها ومشاريعها التقسيمية إلى ساحات الحراك الشعبي وظهرت أنها ذات اليد الطولى في إقصاء غيرها ممن تتناقض أهدافهم مع أهدافها. ولهذا ولكثرة داعميها فقد أصبحت أينما كان من تلك الساحات أنها ذات النفوذ الأول على الصعيد المالي والعسكري والسيطرة على مناطق شاسعة. وليس من المستغرب أنها، مستندة إلى ثقلها الشعبي المنفعل بالفكر الديني الساذج، أنها وصلت لاستلام الحكم في أكثر من قطر عربي.

وأخيراً، لا بد من صرخة تخرق آذان الذين أصيبوا بالصمم، وليس بيدنا ما نقوله أكثر من التالي:

وهنا وبالاستناد إلى وقائع الأمور فقد كان هناك غائبان رئيسان، وهما: الأحزاب التحررية  والأنظمة العربية.

فإذا كانت الأحزاب التحررية تعاني من أزماتها الداخلية وقلة إمكانياتها وتأثيرها وأصبحت على هامش الحراك الشعبي. وإذا كانت الأنظمة العربية، التي على الرغم من كل الخلل الذي ينخر فيها، قد أصبحت ذات قرار مسلوب، وكانت نصيراً لكل أنواع التدخل الخارجي أو مشارك فيه.

وإذا كانت القوى والأحزاب التحررية لا تملك أكثر من إصدار بيان نظري، وهي مفتتة ومنقسمة، وتعجز حتى الآن عن القيام بمبادرة تتوحد فيه صفوفها لتصبح أكثر تأثيراً.

وإذا كانت الأنظمة الصامتة وتلك التي تسهم بشكل أو آخر في إضرام نيران الحروب الأهلية، لا ترى أن لهيب تلك النيران ستطالها مباشرة بعد أن تبلغ المؤامرة نهاياتها.

فهذا يعني أن مصير الحراك الشعبي أصبح في أيدي الخارج، ولم تبق أية بصمة عربية عليه. ولم يبق لدينا ما نقوله إلاَّ أن نستصرخ ضمائر الأحزاب والقوى والحركات القومية والوطنية لتسجل موقفاً سياسياً يدين استمرار الحراك الذي فقد بوصلته، وسادت فيه وسائل (الفوضى الخلاقة)، التي تلتهم نيرانها أخضر الشعب ويباسه وأخضر الدول القائمة ويباسها. وأن تدعو إلى توحيد جهودها التي على الرغم من ضعفها، فإنها سوف تكشف الغطاء عن المؤامرة، وعليها أن لا تقوم بتغطيتها تحت أي شكل من أشكال (المواقف الثأرية)، والبديل عنها أن ترتقي إلى (المواقف الثورية).

كما أن ما نقوله للأنظمة العربية التي ما تزال حتى الآن تحمل حتى العكازات أن تجمع أمرها، وتعي أن النار ستحرق الجميع بلهيبها وأن لا يبقوا صاغرين أمام إملاءات الخارج ويبادروا إلى إطفاء الحرائق المحيطة بحدودهم الجغرافية لأنها ستجتازها طالما ظلت مشتعلة في الدول المجاورة جغرافياً. وتقول بالفم الملآن إن ما يجري في الوطن العربي ليس أقل من مؤامرة حاكتها أصابع الخارج من أجل تفتيت الأمة كلها وتحويلها إلى إمارات ودويلات دينية، ولن تسثني أحداً منهم.

 

 

 

ليست هناك تعليقات: