السبت، يناير 28، 2017

مناقشة في فكر الأصوليات الدينية حول نهاية التاريخ

 مناقشة في فكر الأصوليات الدينية حول نهاية التاريخ
حسن خليل غريب
النص منقول عن كتابنا (تهافت الأصوليات الإمبراطورية)
الصادر عن دار الطليعة بيروت في العام 2009
لو قمنا بعرض النصوص الدينية التي استندت إليها تلك الأصوليات في نظريتها حول نهاية التاريخ، لوجدنا فيها ما يبرر عملها ويشرِّعه، سواءٌ ما كانت أصوله في القرآن الكريم، أم في مقولات الآباء الروحيين (السلف الصالح. ولعلنا في قراءة القليل نفهم الكثير، ). ومن أهمها:

أ-الأصولية الإسلامية تعتبر أن النص القرآني، والسلف حددا نهاية التاريخ.
-«اليوم أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً».
-«كنتم خير أمة أخرجت للناس».
-«لا يصلح الخلف إلاَّ بما صلح به السلف».
-«الفرقة الوحيدة الناجية من النار. والفرقة الضالة، والفرقة المنصورة.. ». والمؤمنون بها، هم وحدهم الذين يدخلون الجنة، أما غيرهم فهم من الفرقة الضالة، ومصيرهم النار.
ومن هذه النصوص، على الرغم من ثبوت الاعتقاد بها عند المسلمين، فقد أحدثت انشقاقات وصلت بالإسلام إلى تفتيته إلى حدود المئات من الفرق والمذاهب والتيارات. حصل ذلك عندما أُخضِع الملتبس منها إلى التفسير والاجتهاد، إذ تباينت النتائج، بسبب جنوح الفقهاء إلى الأخذ بالتفسير والتأويل بما يخدم اتجاهاتهم السياسية والمذهبية. ساعتئذٍ حصل التنافر، ومن بعده التناحر والاقتتال، ومحاكم التفتيش.
لم تبق تلك الوقائع في ذمة التاريخ، لأن امتداداتها لا تزال حاضرة في تاريخنا المعاصر. ومن أهم مظاهره أن انقسم هؤلاء إلى تيارين متناقضين: الدعوة إلى الخلافة الراشدة، والدعوة إلى استعادة آل بيت الرسول لحقهم بالخلافة.

ب-وسائل الأصولية الإسلامية السياسية في إنهاء التاريخ:
ليست الأصولية الإسلامية موحَّدة الاتجاهات والإيديولوجيات، بل تنقسم إلى تيارين رئيسين، لكل منهما وسيلته في إنهاء التاريخ، وهما:
-التيار الذي يتبنى الجهاد لإعادة تأسيس الخلافة الإسلامية. ولكن هذا التيار ليس واحداً أيضاً، فبعض اتجاهاته تجنح إلى التعاون مع أية قوة تطيح بالأنظمة العلمانية، وهذا ما أثبتته علاقات التيارات السلفية المعاصرة مع الإمبريالية الأميركية في كل من أفغانستان والعراق. ويبررون هذا التعاون بالمرحلية، ينقلبون بعدها على الإمبريالية.
كما يحمل هذا التيار إشكاليات في مقدمتها عجز الدولة الإسلامية عن توفير حلول عادلة لجميع مواطني الدولة المتعددي الأديان والمذاهب. وهذا يعني تداول السلطة بين المؤمنين بالمذهب الحاكم من دون إشراك المؤمنين بمذاهب إسلامية أخرى. كما يُعتبر أتباع الأديان الأخرى رعايا للدولة الإسلامية، ولا يتساوون بالحقوق والواجبات مع المسلمين، الأمر الذي يختزن فيه هؤلاء وأولئك الشعور بالغبن والمظلومية، وهو عامل لا يوفر الاستقرار في الدولة.
-تيار الأصولية الإسلامية التي تنهي التاريخ عند ظهور المهدي المنتظر. وعلى أساسها يظل العالم خاضعاً للمتغيرات، بمنهج يتصاعد فيه الظلم، ومن بعد تراكم الظلم كمياً يتحول إلى طفرة نوعية، يعود فيها المهدي المنتظر إلى الظهور ليملأ العالم قسطاً وعدلاً. ويحمل هذا الهدف إشكاليات عديدة، وفي مقدمتها عجز إيديولوجيا الظهور عن توفير حلول عادلة حتى لأتباع المذاهب الإسلامية المتعددة.وهذا يمنع تداول السلطة حتى بين المسلمين أنفسهم، بل تبقى من حق الورثة من الحسينيين من آل بيت الرسول، كما يُمنع الحسنيون الزيديون، على الرغم من شيعيتهم، من هذا الحق، ولا يستثني منع هذا الحق الاسماعيليون كفرقة من الفرق الحسينية.
فالمتغيرات في الفكر المهدوي، أو نظرية «الانتظار» لا تتوقف، ولا ينتهي التاريخ عندها، بل المهدي هو الذي، بظهوره، يعلن تلك النهاية. فهو فكر يغرق في اليأس طالما أن المخلص لم يظهر. ويعني كل هذا أن حياة الذين يسبقون المهدي لا يمكن أن تعرف السعادة، وإذا عرفتها فهو تأخير للظهور. فهل ينفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وهل الدعوة إليها مما يتناسب مع ارتباط ظهور المهدي بالظلم والجور؟
ما موقع القيم والمثل العليا في تلك الدعوة؟
وهل إن من يأمر بالمعروف، مثلاً، أو يمارسه، يُعجِّل بظهور المهدي أم يؤخره؟
ونهاية التاريخ، في الإيديولوجيا المهدوية، لا يمكن أن تتمَّ إلاَّ على يد مخلص ارتبط ظهوره باستفحال الظلم، وإذا لم يستفحل فسيؤخر الظهور، الأمر الذي يطرح التساؤل التالي: هل على المؤمنين بهذه الإيديولوجيا عليهم أن يساعدوا على انتشار الظلم أو على الأقل السكوت عنه؟ أم يساعدون على مكافحته؟
ولأن انتشار الظلم مما يتناقض تماماً مع القيم التي يدعو إليها الإسلام، والأديان الأخرى، وكل الدعوات الإنسانية أيضاً. فهل يحمل استنتاجنا أي تعسف في أن الدعوة إلى سيادة القيم العليا هو عبث ليس أكثر؟

ج-الأصولية اليهودية وعقيدة شعب الله المختار
على القاعدة الإيديولوجية، التي تصف اليهود بأنهم «شعب الله المختار»، تبني اليهودية مخططها من أجل إنهاء التاريخ عندما تتحقق رؤيا حزقيال القائلة: : إن الرب سيأخذ أولاد «إسرائيل» من بين الوثنيين ويعودون مرة ثانية إلى الأرض الموعودة.
إن الحدود الدنيا لتنفيذ الإرادة الإلهية أن يعدَّ اليهود لخوض آخر معركة بين الخير والشر على أرض فلسطين. وما الاهتمام بما سموه «المحرقة اليهودية»، إنما لكي يركّزوا اهتمامهم على تاريخ لهم وحدهم، ثم يشيحون بأنظارهم عن المآسي التي يتعرّض لها غيرهم، أي أنهم يرتكبون بشكل دقيق ما ارتكبه الآخرون في العالم، حين سمح أولئك بحدوث المذابح لليهود.‏
إن بناء سياجٍ حول فرادة المحرقة اليهودية، يعني أن نتخلّى عن فكرة الوحدة الإنسانية. وأن نتخلى أيضاً، عن فكرة كون البشر جميعاً متساوين، بغضّ النظر عن اللون والجنسية، والدّين.
ألم يكن قصف هيروشيما بالقنبلة الذرية ومذبحة (ماي لاي) في فيتنام، إلاّ الرمزين الأكبرين لتلك المآسي الفادحة.‏

د-الأصولية المسيحية تنهي التاريخ عند ظهور المسيح المخلص:
تنظر بعض الفرق المسيحية إلى خلاص العالم عن طريق معركة أخيرة بين أهل الخير وأهل الشر، ينتصر فيها أهل الخير في هرمجدون، وهي معركة فاصلة تمهد لظهور «المسيح المخلص»، وقد وجد هؤلاء ضالتهم في أهداف دولة اليمين الأميركي المتطرف،  التي يحسبون أنها تمهيد للنظام العالمي الإلهي، التي هي بدورها ذات أصول يهودية ثابتة.
إن هذه الفرق واسعة الانتشار في الولايات المتحدة الأميركية ، ومن أهمها تلك التي تسمى بـ«الجماعة الديفيدية». وهي تعتقد أن العالم قد ساده الشر، فهي ملزمة عقيدياً بالقيام بدور في «خلاص البشرية» من الشر السائد. وهي فض الاختام السبعة التي وردت في سفر الرؤيا كمقدمة لـ«نهاية التاريخ»، وإنهم سينتقلون إلى «إسرائيل»، ليقودوا حرب النهاية في معركة (هرمجدون)، وسيصعدون الى السماء ويحكمون مع المسيح ألف عام.
-كما أن هناك عدداً كبيراً من الانجيليين يستدلون بما ورد في سفر دانيال من العهد القديم، وسفر الرؤيا من العهد الجديد على أن الله كتب على البشرية الدخول في حرب نووية، وهي حرب «هرمجدون». وقد اصبح ألوف القسس، الذين يتبعهم الملايين من الأمريكيين، يؤمنون بحتمية الحرب العالمية التي تدمر العالم فيظهر المسيح من بعدها.
-وهناك حزب (شهود يهوه)، الذي يبشر بأن معركة هرمجدون قد اقترب وقتها، وستدور في فلسطين، وأن قيادة لوائها ستكون في يد بني «إسرائيل»، وأنها ستكون معركة عالمية حاسمة تميز بين أهل الخير وأهل الشر، فتبقي على الأوائل، وتهلك الآخرين هلاكاً أبدياً.
-يملك حزب مسيحي دورية إعلامية تصدر تحت اسم (القرن المسيحي) يؤمن بعودة المسيح، ولكن بعد حرب عالمية ساحقة.
وبمراجعة لاعتقادات اليمين الأميركي المتطرف، ومنهم رؤساء للولايات المتحدة الأميركية، كمثل الرئيس ريغان الذي رحَّب بعودة اليهود إلى أرضهم الموعودة، بانتظار هرمجدون والمجيء الثاني للمسيح.
ولا يخرج الرئيس بوش الإبن عن هذا السياق، حيث يعتقد بأن رابطة ذات طابع ديني تربطه بـ«إسرائيل»، فقد جاءت إدارته من منطلق عقائدي. بحيث من المؤكد أن عدداً كبيراً من غلاة الداعين إلى حرب العراق مثل وولفويتز، ودوغلاس فيث، وريتشارد بيرل كانوا من اليهود. ولذا كانت سياسة أمريكا تجاه العراق ترمي في التحليل النهائي الى جعل الشرق الأوسط منطقة آمنة ومروضة لصالح «إسرائيل»».
ولهذا يعتقد بوش الإبن، هو ومن حوله أنهم (رسل العناية الالهية) «. ولقد ردد عدة مرات، ولا يزال يعتقد: «أن الرب دعاه ليرشح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة في مهمة تدخل في نطاق الخطة الإلهية لتطهير العالم من رموز الشر. وقال أيضاً: «لقد أبلغني الرب بأن أهاجم القاعدة والعراق ففعلت« .

3-إيديولوجيا الانتظار ونهاية التاريخ:
لكل أمة من الأمم والشعوب معتقداتها الخاصة وثقافاتها الموروثة والمخلص الذي تنتظره. ولهذا نجد بأن الأفكار والآراء والاتجاهات المرتبطة بمصير العالم مثقلةً بالأوهام والهواجس والأساطير التي تروّج لنهاية العالم الذي هو ليس عالمها، والتاريخ الذي هو ليس تاريخها، والانسان الذي لا يؤمن بمعتقداتها. وأن نهاية العالم «المحكوم بالشيطان قادمة لا محالة»، وتتكرّر الأقوال المشابهة عند شتى الإيديولوجيات الدينية، مثل «الدينونة الكبرى» و«يوم الدينونة» و«تؤلّف ولا تؤلفان» و«عودة المسيح»، و«ظهور المهدي المنتظر» و«دنوّ الساعة» و«اليوم الآخر»...
هذه الأفكار قديمة، نجدها قبل  ومع المسيحية، ومن بعدها في الأديان التوحيدية الأخرى. كما أن الفرق الإسلامية، والشيعية بشكل خاص، افترقت بين من لم يعتقد بنظرية الغياب فالظهور، أما التي اعتقدت بها فلم تتفق حول شخصية الإمام الغائب.
لقد تنامت يقظة هذه الأفكار واستعادتها الدول العظمى في زمن العولمة، وبدت الولايات المتحدة الأميركية على ارتباط بالفكر «الألفي»، وفي هذا قمة التلاقي بين الفكر السياسي العالمي والأساطير الخرافية.
 إن حضوراً كبيراً للفكر الصهيوني في السياسة والإعلام في أميركا يبدو واضحاً مروّجاً للقيامة، محذراً من «أن العالم يتحرّك بسرعة كبيرة نحو (هرمجدون) ، وأن جيل الشباب الحالي سيكون آخر جيل في التاريخ».
وللقدس منزلة كبرى في تغذية اللاوعي الجماعي بثقافة الانتظار. وتعتبر المحور الأكثر تعقيداً الذي تدور حوله الصراعات لقيمتها الدينية. فهي موجودة في الفكر الإسلامي قضية أساسية لوجود ثاني الحرمين الشريفين فيها. ومنه يعتقد المسلمون بأنه المكان الذي عرج فيه الرسول إلى السماء. وهي عاصمة الدولة اليهودية لـ«شعب الله المختار». وتؤمن بعض الفرق المسيحية أن القدس هي المكان الذي سيظهر فيه «المسيح المخلِّص». وفيها يعتقد الشيعة الجعفرية، أن «المهدي المنتظر» سيظهر فيها. وإن القراءة المتأنية للقدس ماضياً وحاضراً ومستقبلاً تجعل الباحث يقرأ بتأن أكثر معاني الثقافة الانتظارية والأبعاد المستقبلية في الصراع مع «إسرائيل» وأبعاد الصراع معها.


إرسال تعليق