الخميس، فبراير 16، 2017

دونالد ترامب ليس مجنوناً (الحلقة الثالثة والأخيرة)

دونالد ترامب ليس مجنوناً
(الحلقة الثالثة والأخيرة)
(3/ 3)
البعد الثالث: عوامل مواجهة المرحلة الجديدة في الوطن العربي.


إحتمال حصول متغيرات في الأفق الدولي بين الموضوعية والعبثية
إن هدفنا ليس متوجهاً لمعرفة ما يدور في أميركا لأنه شأن أميركي داخلي. بل إن هدف الاهتمام بما قد يحصل من متغيرات في أميركا على صعيد سياستها الخارجية يكمن بمدى علاقته بتقرير مصير الوطن العربي الكبير. ولأن أميركا بسبب أهدافها الاستعمارية هي عدو للعرب، يترتب علينا أن نعرف كيف يفكر العدو، وما يُحتمل أن يلجأ إليه من وسائل في معركة تحقيق أهدافه على أرضنا.
ولذلك، ولأن هناك إدارة أميركية جديدة، فهناك احتمال حصول متغيرات قد تطرأ على سياستها كما تشير إلى ذلك بعض التقارير. وإذا كان وضع الاحتمالات فعلاً مشروعاً، يبقى من المبكر أن نتكلم عن متغيرات فعلية على الصعيد الأميركي اتكاءً على تصريحات، وخطب انتخابية، لهذا الرئيس أو ذاك، لهذه الحكومة أو تلك، قبل أن نرى بأم العين الفاحصة قرارات يتم اتخاذها، بحيث لا نضيفها إلى لائحة المتغيرات المؤكَّدة قبل أن تحصل فعلاً. وكذلك لا نجيز التأكيد على أنها متغيرات بالفعل قبل أن نطمئن إلى الآليات التنفيذية التي تشارك فيها الأطراف المعنية بها في سياق مخطط تنفيذي فيه الحد الأدنى من الوضوح والثقة في مآلاته. ويأتي الوطن العربي في الدرجة الأولى من تلك الأطراف.
ولأن المتغيرات على صعيد وطننا العربي لن تحصل بالسهولة التي قد نتصورها بسبب من المعاناة الكارثية التي تتعرض لها معظم أقطار الأمة، بل لأن ضخامة المأساة جعلت المواطن العربي يحلم بالخلاص منها، ليأخذ استراحة يستعيد فيها وعيه، ولو بأقرب الحلول التي تريحه شخصياً، وليس من المهم أن تكون الأكثرها نجاعة.
لقد انعكست الكوارث بؤساً وحزناً وألماً، بل وانسحاقاً، عند الأكثرية الساحقة من شعبنا العربي التي راحت تنشد السلامة وبعض الهدوء. فقد أصبحت تلك الأكثرية كالأيتام على موائد اللئام، بدءاً من موائد القوى الدولية نزولاً إلى موائد القوى الإقليمية، استقراراً عند مائدة أصغر خلية تخريبية تسهم مجاناً في عملية التخريب والتفتيت والتدمير في بنية الأقطار العربية المادية، انتهاء بتدمير البنية الاجتماعية للشعب العربي.
لقاء كل ذلك، لم يكن من المستغرب أن ينتظر المواطن المكلوم، بعين الأمل، أي تغيير في سياسة البنية الدولية حتى ولو بالشكل لأنه ينتظر الخلاص من معاناة هي أكبر مما يتحمله. ومثال ذلك، كما حصل مع وصول دونالد ترامب رئيساً جديداً للولايات المتحدة الأميركية، إذ منذ تلك اللحظة صرف الآلاف من الكتاب عشرات الآلاف من التوقعات والاجتهادات حول مصير الوضع الدولي بعد تغيير الرئيس الأميركي. وإننا نضيف إليها ما نحسب أنه قد يتحقق على الصعيد الأميركي خاصة، وعلى الصعيد الدولي عامة. وإننا في الحلقة الثالثة من هذا البحث، وبعد أن حددنا سقف الاحتمالات بحدها الأقصى، وبحدها الأدنى، سننظر إلى ارتداداته على الوضع العربي بشكل عام، الذي إن حصل لنرى ما يتوجب على الجانب العربي، على المستوى الرسمي والحزبي، أن يقوم به. وفي أولويات الواجب القومي أن لا يبقى بعيداً وهامشياً وراء الكواليس، بل أن يكون الطرف الفاعل الذي لا يجوز أن يترك تحديد مستقبل الوطن للآخرين لكي يفصلوه على مقاييس مصالحهم الخاصة.

اختراق الأمن القومي العربي من البوابة العراقية شكَّل الثغرة الاستراتيجية
يمكننا أن نعتبر حماية الأمن القومي العربي الهدف الرقم واحد على أية طاولة سياسية تُنصب من أجل إعادة ترتيب وضع المنطقة، لأن السنوات الفاصلة عن تاريخ احتلال العراق أثبتت أن الهدف الاستراتيجي الأميركي ليس استهداف أمن العراق لذاته، بل كان استهدافاً للأمن القومي العربي برمته. وهذا ما أُطلق عليه مخطط سايكس بيكو الجديدة، أو مخطط بناء شرق أوسط جديد، تتفكك فيه كل عوامل الوحدة القطرية التي على الرغم من أنها كانت قاصرة عن السير باتجاه الهدف الوحدوي العربي، إلاَّ أنها تمثِّل الحلقة الوسيطة بين إعادة إنشاء الدويلات الدينية وهدف الوحدة العربية. فتفتيت الدولة القطرية كانت من بين أهم الأهداف التي حاكتها أطماع أميركا بالتعاون الوثيق مع دول الإقليم المحيط بالوطن العربي.
من كل ذلك، كان مشروع الشرق الأوسط الجديد (حدود الدم) يشكل الخطر الأكبر على الأمن القومي العربي. ونحسب إن المشروع المذكور قد بدأ يسير إلى نهايته كما تدل الوقائع التالية:
-أولاً: كما تدل الاحتمالات أن هناك اتجاهاً أميركياً بالعزوف عن هذا المشروع للفشل الذريع الذي لحق به، كما أشرنا إليه في الحلقتين السابقتين.
-ثانياً: المشروع الروسي يتناقض مع مشروع التفتيت القائم على أسس دينية ومذهبية، لأكثر من اعتبار لعلَّ من أهمها أنه يهدد الأمن القومي الروسي، بحيث تتخوف الدولة الروسية من انتقال نزعة التقسيم، إلى الداخل الروسي، ولأن هذا كان هدفاً مهماً من أهداف مشروع الشرق الأوسط الجديد.
-ثالثاً: أخذ المشروع يلفظ أنفاسه بعد التحولات الأخيرة في السياسة التركية، فالإرهاب بدأ يطرق أبواب الأمن القومي التركي، خاصة بعد أن احتضنت إدارة أوباما المشروع الكردي الانفصالي في شمال سورية.
-رابعاً: ظلَّ النظام الإيراني الطرف الوحيد بإصراره على استكمال المشروع، إلاَّ أن الرياح الدولية والإقليمية بدأت تهب على عكس ما تشتهيه سفن النظام المذكور.
وأما المواقف الروسية والتركية فهي واضحة بما ذكرناه من براهين. ولكن الخشية من أن تكون المواقف الأميركية خادعة. ولكننا نحسب أنها أقرب إلى المصداقية منها إلى الخداع، فلعلاقتها بمعالجة الملفات الساخنة مع دول الخليج العربي، وتأتي قضية الأمن الوطني الخليجي في المقدمة منها، وتكاد تكون القضية الخلافية الوحيدة بينها وبين أميركا. وذلك لخطورة الاختراق الإيراني لهذا الأمن. وهذا ما ينبئ بشيء من مصداقية التحولات في المواقف الأميركية من العلاقة مع إيران. ويظهر أن الإدارة الجديدة رفعت سقف تحذير النظام الإيراني إلى التهديد فإلى القرار التنفيذي.
وأما الرياح الروسية، التي على الرغم من حاجتها لمساعدة النظام المذكور المرحلية في سورية، فقد ظهرت بعض مؤشرات التناقض بينهما في سورية ذاتها. وقد يكون هناك مؤشرات أخرى فيما يتعلق بمستقبل المصالح الروسية مع أقطار الوطن العربي. فروسيا لو وُضعت بين خيارات التفضيل بين مصالحها مع إيران ومصالحها مع الوطن العربي لكان عليها أن تختار الثانية.
ولكل تلك الأسباب فالنظام الإيراني، فلنتصور كم سيتحطم رأسه عندما يناطح أكثر من صخرة في وقت واحد؟
احتمالات التغيير تبقى غير موثوقة
أما ثوابت المواجهة فتبقى الأساس
وكي لا ننام على حرير نعومة الاحتمالات وإيجابياتها. تبقى الحقيقة ماثلة في أنه لن يحك الجلد العربي غير الظفر العربي. وإن الظفر العربي، في هذه المرحلة يتمثَّل بعاملين متكاملين، وهما:
-العامل الأول: المقاومة الوطنية العراقية، التي لولا تضحيات أبطالها لما حصلت كل تلك المتغيرات، وهي التي لن تقف بأقل من خروج كل أشكال الاحتلال من العراق، وحرق أصابع الإقليم المتآمر، كما نصَّ منهجها السياسي الاستراتيجي الذي أعلنته في التاسع من أيلول في العام 2003، والذي أكد عليه بيان قيادة قطر العراق في تشرين الأول من العام 2003. وهو المنهج الذي تبناه إعلان التحرير والاستقلال الذي صدر عن (الجبهة الوطنية والقومية والإسلامية) في العام 2004.
إن تحرير العراق ، بدأت نتائجه تظهر في طرد الاحتلال الأميركي في كانون الأول من العام 2011. وأما حرق أصابع النظام الإقليمي الإيراني فقادم لا محالة، وهو الذي إن احترقت أصابعه، سيصبح كل ما تبقى من الاحتلال الحلقة الأضعف.
-العامل الثاني: الممانعة العربية لدول الخليج العربي: ولأنها واجهت إدارة أوباما من أجل حماية أمنها الوطني المهدد من قبل نظام (تصدير الثورة) في إيران، لا نعتقد أنها ستتراجع عنها في عهد إدارة دونالد ترامب، وذلك لأنه ما لم ينزع فتيل الاختراق الإيراني للأمن القومي العربي فكأنه لم يفعل شيئاً. وما المظاهر التي تسربت حتى الآن لهي دليل أولي عن التحول الاستراتيجي في مواقف إدارة ترامب من النظام الإيراني. فقد أعلنت أن إيران تشكل الآن مصدر الإرهاب الأساسي، كما أن هناك نوايا إدراج (الحرس الثوري الإيراني) على لوائح الإرهاب، لأنه يشكل أداة النظام الأساسية للتدخل في شؤون الأقطار العربية، وتأتي الساحتان العراقية والسورية في رأس الأدلة الثبوتية.
إن ما نعتبره متغيرات في موقف إدارة ترامب، حول هذا الجانب، كانت نتيجة حالة الممانعة التي أعلنتها دول الخليج العربي غير عابئة بوعد إدارة أوباما وبوعيدها. لذلك تأكَّدت إدارة ترامب أنها لن تصدق بوعودها في استعادة صداقة تلك الدول من دون إرغام النظام الإيراني على الإقلاع عن مشروعه. وهي تعمل على ذلك فعلاً، من خلال قرارات التصدي لإيران ومنعها من السيطرة على المضائق الاستراتيجة خاصة في باب المندب. وهذه دعوة لوجوب صمود تلك الدول على مواقفها حتى يتم التطبيق الحازم للإجراءات الأميركية الجديدة، وحتى يتأكَّد التزام النظام الإيراني التزاماً موثوقاً بالمحافظة على الأمن القومي العربي.

المقاومة العراقية والممانعة العربية
ترفعان نسبة المناعة في مواجهة المتغيرات القادمة
في خضم موجة الجنون الظاهرة في صورة التدمير الممنهج للوطن العربي، لا بُدَّ من الخروج عن تفاصيل ما يجري هنا أو هناك، وإيلاء الأهمية لمواطن الوجع العربية الاستراتيجية من أجل تحديد العناوين الرئيسة التي على العرب، بشتى أشكال تصنيفاتهم، أن يركزوا على حلها في هذه المرحلة. ولذلك، فإننا نوجزها بعناوين ثلاث، وهي:
-حماية الأمن القومي العربي بشكل غير مجتزئ، لأنه لا أمن قطرياً من دون أمن قومي شامل يتعهد المعنيون بالالتزام بشروطه وموجباته.
-المحافظة على وحدة الدولة القطرية كقاعدة لا يجوز النزول تحتها بغض النظر عن تصنيف النظام الحاكم لهذه الدولة أو تلك.
-المحافظة على هدف الوحدة العربية كسقف أعلى لا يجوز الصعود فوقه، وحدة يتظلل تحت خيمتها كل العرب.

ولأن التفصيل فيها يحتاج إلى مساحات أكثر، نكتفي بالإشارة إليها إلى حين توفر فرصة التفصيل فيها.
إرسال تعليق