الاثنين، فبراير 13، 2017

دونالد ترامب ليس مجنوناً (الحلقة الأولى)

دونالد ترامب ليس مجنوناً
ترامب قائد لحركة تصحيحية في سياسة الحزب الجمهوري
(قراءة ثلاثية الأبعاد في التكوين، والمتغيرات، والمواجهة)
الحلقة الأولى:
البعد الأول: قراءة في تكوين ترامب السياسي والإيديولوجي.
(1/ 3)
للأهمية التي يحتلها رئيس أميركي في صياغة سياسة دولية، سنخصص دراستنا هذه للبحث عن موقع المتغير الجديد في الإدارة الأميركية بعد وصول دونالد ترامب إلى رئاسة أميركا. ولأهمية الموقع الأميركي في عصر العولمة، سنتناول البحث في هذا الجانب، من مناظير ثلاثة أبعاد، وهي التالية:
-البعد الأول: قراءة في تكوين ترامب السياسي والإيديولوجي.
-البعد الثاني: احتمال حصول متغيرات في سياسة أميركا.
-البعد الثالث: عوامل مواجهة المرحلة الجديدة في الوطن العربي.
ومن أجل ذلك نلفت نظر القراء الكرام إلى أننا، على مدى ثلاثة أيام متواصلة، سننشر الدراسة على ثلاث حلقات.

الحلقة الأولى:
البعد الأول: قراءة في تكوين ترامب السياسي والإيديولوجي.
في مرحلة التنافس على مقعد الرئاسة الأميركية، وفي وقت مبكر، أعلن روبرت دي نيرو،  الممثل والمنتج الأميركي: (دونالد ترامب يجب أصلا ألا يكون في الموقع الذي هو فيه الآن. فليساعدنا الرب). وأضاف: (إن ما يقوله حقيقة هو جنون كامل وسخف، إنه مجنون تماماً). تلك عيِّنة واحدة مما قيل في دونالد ترامب قبل الانتخابات الرئاسية، وكذلك بعد اعتلائه كرسي الرئاسة. وقد جارى دي نيرو الكثيرون من المحللين والكتاب على المستوى الأميركي والدولي والإقليمي والعربي. وقد غاصت تلك الكتابات والتقارير في أعمق أعماق تفصيلات الحياة الشخصية للرئيس المنتخب. وتكاثرت دعوات التعبئة وكأن الكون أصبح، بوصول ترامب، على فوهة بركان يكاد أن ينفجر، وإن من سيفجره هو دونالد ترامب لوحده، وكأن العالم كان يعيش في سكينة واطمئنان تحت ظل خيمة جورج بوش الإبن، وتحت خيمة خلفه أوباما.
في تلك الحملة ما يلفت النظر في الحكم على رئيس أميركي جديد منتخب من الشعب الأميركي وقام حزبه الجمهوري بتزكيته والعمل من أجل وصوله لكرسي الرئاسة. هذا في الوقت الذي لا ننسى فيه أن وسائل الإعلام، من الغرب ومن الشرق، طبَّلت لوصول جورج بوش الإبن على حصان الحزب الجمهوري، واعتبرت أن (الرب) اختاره من أجل خلاص البشرية. فإذا به يفجِّر العراق كخطوة أولى لتفجير العالم من أدناه إلى أقصاه في سبيل بناء (قرن أميركي جديد). وبعد أن أتى أوباما على حصان الحزب الديموقراطي، دأب على استكمال تفجير العالم بتفجير رهيب وكارثي لمعظم أقطار الوطن العربي.
ولأن دونالد ترامب إبن بار للرأسمالية، خاصة أنه من كبار الرأسماليين، فهو لن يخرج عن المسار المرسوم له من قبل الحكومة الأميركية الخفية. وهنا يتم السؤال: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا قامت قيامة الشارع الأميركي ولم تقعد وكأن فوز ترامب قد جاء خلافاً للدستور الأميركي، وخلافاً لتوجيهات الحكومة الخفية؟
لقد فاز ترامب، بأصوات الأكثرية المطلوبة لنجاحه، وجاء فوزه ممهوراً بقبول الحزب الجمهوري الذي قام بترشيحه. وعلى الرغم من كل ذلك، فقد هاج الشارع الأميركي وماج ضد فوزه، وهذا ما لقي صداه على الصعيد الدولي، سياسياً وشعبياً، على شتى أنواع وسائل الإعلام. وإذا كان ترامب هو ابن المؤسسة الرأسمالية، وممثلاً للحزب الجمهوري، وممثلاً لأكثرية الشعب الأميركي، فإن ذلك يفرض رفع علامات الاستفهام والتعجب، بين من يُطمئن الأميركيين والعالم بوصوله إلى الرئاسة، وبين من يثير الخوف على أميركا والأميركيين بذلك الوصول. وكذلك انقسم الرأي العام الدولي بين مبارك وزارع للخوف من هذا الوصول. ولم تشذَّ مواقف النظام الرسمي والشعبي العربي عن تلك المآلات.
لذلك سنغامر بقراءة لما يحصل في داخل الحكومة الخفية في أميركا. وستكون قراءتنا ليس رصداً لمعلومات أو تقارير، بل ستكون استنتاجات تستند إلى الشق النقدي الذي أعلنه ترامب في خطاب استلامه لكرسي الرئاسة في العشرين من كانون الثاني الماضي. كما تشكل استنتاجات وفرضيات مبنية على تصريحات بعض أركان إدارته ممن كانوا أقطاباً كباراً معلنين، أو غير ظاهرين في وضع مشروع (نحو قرن أميركي جديد) والعمل على تنفيذه منذ أواخر التسعينيات من القرن العشرين. ستكون مغامرتنا مستندة إلى عنوان رئيس، تحت احتمال رئيس، ونلخصه بالسؤال التالي: هل هناك انقسام قد جرى في داخل الحكومة الأميركية الخفية، وقد جاء ترامب ممثلاً لجناح رافض لما جرى في عهديْ بوش وأوباما؟ وهل هناك متغيرات في استراتيجية التنفيذ كما يراها الجناح الذي يمثله ترامب؟
أما عن الاحتمال الأول، ولأن ترامب لم يصل إلى الرئاسة، ولن يستطيع الوصول إليها بجهده وإمكانياته الذاتية، ومن دون مباركة ودعم الجناح الافتراضي الرافض لنتائج ما قام به الرئيسان بوش وأوباما. كما أن الشارع الأميركي، وكذلك أوساط الحزب الجمهوري لن تختار في الانتخابات التمهيدية مجنوناً لترشيحه للرئاسة، فنرى أن الحالة النقدية التي نضجت في داخل الجناح الذي أيَّد وصوله للرئاسة، قد ظهرت في تصريحات ترامب في المرحلة التمهيدية لاختيار مرشح الحزب الجمهوري ، وقبل الانتخابات الرئاسية، والتي يصدر الآن قرارات تنفيذية بسرعة لم يكن يتوقع أحد صدورها قبل أشهر. هذا إذا ما أضفنا إلى فرضيتنا ببروز جناح داخل الحكومة الأميركية الخفية، تلك التقارير التي تصدر عن أوساط كانت مشاركة في تنفيذ مشروع القرن الأميركي الجديد، من سياسيين وعسكريين وأمنيين ومفكرين، وهم كثر من دون شك.
ولعلَّ أقرب النماذج هي تلك التي أشار إليها فوكوياما، بعد أن انسلخ عنهم، وعندما بشَّر بنهاية مرحلة المحافظين الجدد بعد العام 2008، فقد أشار إلى أنهم (سيتواجدون دوماً، وسيبقى لهم أنصار في الادارة ونفوذ فيها على نحو ما).
ومن أمثال هؤلاء، من الذين أقيلوا أو استقالوا، من السياسيين والعسكريين، والذي تحدثنا عنهم بالتفصيل في الفصل الثاني من كتابنا المنشور تحت عنوان (تهافت الأصوليات الإمبراطورية):
أ-سقوط ريتشارد بيرل لأنه استخفَّ بتقديرات الجنرالات العسكريين حول القوة اللازمة لتنفيذ الحرب، ووقف هو ورامسفيلد ووولفويتز ضد تقديرات العسكريين حيث أصرّوا على أن 60 ألف جندياً أميركياً فقط تكفي لتحقيق الانتصار، في غضون أيام.
ب-سقوط بول وولفويتز: بعد ما تكشف من ملفات الــ‏FBI التي اتهمه بأنه اخترع وسائل جديدة لتعذيب المعتقلين في جوانتانامو، وهي اتهامات كفيلة بإقصائه عن تلك الوظيفة إن لم تؤهله للمحاكمة الجنائية‏.
ج-سقوط دوغلاس فيث: بعد أن اتهمه تقرير أعدته وزارة الدفاع الأميركية، بتقديم معلومات «مغلوطة» استخدمت لدعم مبررات شن الحرب على العراق.
د-سقوط دونالد رامسفيلد: نتيجة مجموعة الأخطاء المتراكمة والسلبيات السياسية التي ساهمت بشكل مباشر في إغراق واشنطن في مستنقع العراق. 
هـ-سقوط جون بولتون: منيت إدارة بوش بنكسة دبلوماسية كبرى، مع إعلان تنحيه، فهو مندوبها لدى الأمم المتحدة. ويعادل خروجه سقوط رامسفيلد، وهو ما قد يكون بمثابة انتصار للأمم المتحدة الذي لا يعترف بها، ويسخر من وجودها.
و-سقوط الفريق العسكري: وكان من أهمها استقالة وليم فالون، قائد المنطقة الوسطى، أو أقيل، في أوائل العام 2008، نتيجة افتراقه عن إدارة جورج بوش، ومعارضته لاستخدام القوة العسكرية الأميركية في العالم.
ز-سقوط المفكرين، فوكوياما وبريجنسكي:
-فبالنسبة لـ(فرانسيس فوكوياما): وهو الذي اشتهر بمقاله الذي تحول إلى كتاب معنون بـ(نهاية التاريخ)، إذ اعتبر في وقت صدوره المنهج الاستراتيجي لجماعة (اليمين الأميركي المتطرف). ولكن بعد أن أخذت جرائم الاحتلال الأميركي تصم الآذان، تلقى المحافظون الجدد ضربة قاسية بانسحاب فوكوياما، إذ تراجع عن أفكاره ونظرياته السابقة في كتابه «أميركا على مفترق الطرق». فظهر في كتابه الجديد وكأنه يجري جردة حساب بعد فشل وهزيمة نظريته في العراق. ومع ظهور كتابه الأخير، بات المحافظون الجدد «تحت مرمى النيران الصديقة». ولكنه على الرغم من أنه بشر بنهاية مرحلة المحافظين الجدد بعد العام 2008، فقد أشار إلى أنهم سيتواجدون دوماً، وسيبقى لهم أنصار في الادارة ونفوذ فيها على نحو ما.
-وأما زبغنيو بريجينسكي: مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، فاعتبر أن النموذج الأمريكي البراق قد فقد لمعانه. هذا ما توصَّل إليه في كتابه «فرصة ثانية: ثلاثة رؤساء وأزمة القوة العظمى الأمريكية».  ومن أهم ما قاله: «منذ انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة، صار الرئيس الأمريكي أهم لاعب على الساحة الدولية في أكثر قضايا العالم أهمية، ومع ذلك لم يكن هناك رؤية استراتيجية واحدة». وقد عبَّر بريجنسكي عن افتراقه عن إدارة جورج بوش، قائلاً: لقد أضحى البيت الأبيض قلعة مظلمة مهووسة بالأمن والسيطرة، ومصابة برهاب الارتياب، وقاربت من حدود النزعات العنصرية التي تلقي بظلالها السوداء المخيفة على العالم من حولها.
وبعد أن فقد الجمهوريون السلطة نتيجة إخفاقاتهم الذريعة، وخسارتهم لأهم المخططين لمشروع (القرن الأميركي الجديد). لم ينسحبوا من ميادين المنافسة في الوصول من جديد إلى السلطة. ولعلَّ إقالة أو استقالة أهم رموزهم الفكرية والسياسية والعسكرية، يدفعنا إلى فرضية نظرية تقول إن تلك الأسباب يمكنها أن تكون قد دفعتهم إلى القيام بـ(حركة تصحيحية) في داخل المؤسسة الحزبية. ولذلك جاء ترشيح دونالد ترامب للرئاسة والوصول إلى كرسيها نتيجة حركة متغيرات جديدة على شتى الصعد، ولكن على أن تبقى استراتيجية سيادة أميركا على العالم ثابتة،  ولكن على أن يتم تنفيذها بأدوات ووسائل جديدة مستفيدة من الأخطاء السابقة التي أعلنها أهم من استقالوا من إدارة جورج بوش.
إستنتاجات
ولأن ما جاء في مقدمتنا عن البعد الجمهوري الذي أتى بترامب، رئيساً لأميركا، على قاعدة تصحيح الأخطاء من أجل استعادة ما خسروا في استراتيجيتهم. وإذا حصل العكس فسيكون من المستغرب، لأن حركتهم النقدية للمرحلة السابقة لم تكن لعبثية من أجل الوصول إلى ترؤس الإدارة الأميركية من جديد فقط من دون أي تغيير في وسائل الوصول إلى الهدف الاستراتيجي، بل نحسب أنهم قاموا بمرحلة نقدية من أجل يؤسسوا لمراحل أكثر استقراراً لهم في السلطة.
وإذا ما قمنا بمراجعة ما أعلنه ترامب من تصريحات قبل وصوله إلى السلطة وبعد وصوله إليها، وقمنا بمقاربتها مع ما جمعته مؤسسة الحزب الجمهوري من أخطاء الإدارات السابقة لاكتشفنا أن ترامب جاء ممثلاً لحركة تصحيحية قائمة على إصلاح ما ارتكبته إدارات سابقيه من أخطاء. وهذا ما يدفعنا إلى البحث عنها في المقالة الثانية التي جاءت تحت عنوان: (البعد الثاني: احتمال حصول متغيرات في سياسة أميركا).


إرسال تعليق