الخميس، يوليو 06، 2017

لكي لا يضيع فائض الاحتقان الشعبي هدراً

لكي لا يضيع فائض الاحتقان الشعبي هدراً


في كل مكان من الأرض العربية الواسعة، وبعيداً عن قصور الحكام والطبقات الفائقة الغنى، تنتشر الشكوى، ويرتفع الأنين، ويستفحل الألم، ويتكاثر الموت والتهجير، وتفصل بين المحنة والمحنة محنة أخرى. وبين الخلاص من احتلال باحتلال آخر، وتهجير شعب واستبداله بشعب آخر. وتهجير مذهبي واستبداله بتوطين شعب آخر، وبين الموت والموت موت آخر. وبين التفجير والتفجير تفجير آخر. كلها مآسي مملؤة بالدموع، ومغمَّسة بالدماء، ومجبولة ببقايا الجثث المجهولة الهوية. والبديل عن المجرم مجرم آخر. والتوارث من أكبر المحن، فاستبدال حرامي بلص، والمفسد بأفسد منه.
وهكذا تكبر اللائحة وتطول، وتمتد إلى الحد الذي ليس لها حد. وكأن قانون اللانهاية بالمآسي أصبح القانون الذي يخضع له العربي في بلاد العرب أوطاني، من لحج إلى عدن، ومن تطوان إلى أسوان. ومن محيط الأمة إلى خليجها، ومن جنوب السودان إلى لبنان.
وكأن الأمة التي كانت موطناً للأديان السماوية التي انتشرت في العالم كله، أصبحت تئن من وطأة الأديان لكثرتها، ومن المذاهب لعجائبها وغرائبها. وبدلاً من أن تكون نعمة للبشرية كلها، فقد أصبحت نقمة على الأمة التي أطلقتها واحتضنتها.
وكأن الأمة التي بشِّر أنبياؤها بنشر العدل والمساواة، واضطُهدوا من أجل مبادئهم، وطوردوا وصُلبوا، أصبحت من دون دين، ولأنها انقلبت على تلك المبادئ أصبح دينها غير دين. وكأن الأنبياء الذين ناموا لأنهم عدلوا، لم يعودوا أنبياء لهذه الأمة، فتنكرت لهم ولتعاليمهم. فهل للأمة من مخلٍّص ينهي آلامها كما وعدنا الكثيرون. ولكن المخلِّص الموعود لم يف بما وعد، كما لم يف بوعودهم من وعدونا به.
وبدلاً من كل ذلك، فقد سرقونا باسم الدين، وقتلونا باسم الدين، وهجرونا باسم الدين، وفجروا أنفسهم بين أطفالنا ونسائنا باسم الدين. ونصبوا أنفسهم حكاماً علينا باسم الدين. ولم نكتشف حتى الآن أن تجار الدين والظالمين باسمه لا دين لهم، فدينهم يؤمن بالقتل والسرقة والاستغلال والذبح. ولكنه ليس لهم إله يعبدون كإلهنا الذي استخلفنا بالأرض وما عليها من وعد بالهدوء والسكينة والأمن والعدالة والمساواة.
طفح كيل الشعب، من موجات الجوع والرعب. فنزل إلى الشوارع يملأوها، وكؤوس الجنظل للأنظمة يترعها. وامتدَّ الغضب من البصرة في العراق إلى تونس الخضراء. وأشعل الشعب النار في نفسه من شدة الغليان والاحتراق. وبلغ الاحتقان درجة تنذر بتحويل الساحات إلى محارق لمن تطاول على حق الشعب بالسجون والمشانق. ولما كان المخلِّص عن الساحة غائباً، استولى اللصوص من جديد على هياكل الثورة، وحوَّلوها إلى محرقة جديدة للشعب، فازداد الغضب واللهب، وعبثاً ضحى الشعب فأصيب بالخذلان والتعب.
تكاثر المخلِّصون من شرق وغرب، وكل يقطف من ثمار الدم ما شاء مما لذَّ وطاب، تارة باسم الديموقراطية فزاد العذاب. وتارة باسم الدين فانتشر اللادين.
من المحيط إلى الخليج، ومن عدن إلى الموصل، تتوالى الجرائم وتزداد، وتفتك في رقاب العباد. فامتلأ الكون العربي ظلماً وجوراً، وازدادت النقمة واندلعت. لقد كلَّت أيادي المجرمين، ولكن إرادة الشعب ما وهنت. وصرخات المظلومين تملأ الآفاق، وما قُوبلت سوى بدعوات الظالمين وأئمة النفاق. فالشعب ينتظر المخلِّص الحقيقي. وما المخلص إلاَّ بشر من لحم ودم، وهو أقرب إلى الشعب من حبل الوريد، يسكن بين ضلوعه وفي قلبه، هو ذلك الذي يحمل همومه ويتألم من آهاته. فالمخلِّص ليس وهماً ننتظره، لأنه يسكن في ضميرنا، لأنه هو نحن، ولن يكون لنا من المخلصين إلاَّ من جاع وتألم، ومن تدمع عينه، ويبكي قلبه وينفرط من الألم كلما بكى طفل أو استغاث عاجز أو نادت أرملة تنادي: وامعتصماه.
إن المخلص فينا هو من حمل مبادأنا. فمتى يستجيب ومتى يستنهض الهمم، لقد بلغ الاحتقان الشعبي ذروته وفاض عنها. فمن فائض الاحتقان الشعبي نصنع الثورة الحقيقية التي إذا اندلعت لن تبقى من المحتالين ستراً إلاَّ وتفضحه، وكذاباً إلاَّ وتكشف اللثام عن وجهه. المخلص فينا ليس لغزاً من ألغاز الكهنوت الآتي من الشرق والغرب. هو من ينهض من الحي أو الزاروب، ومن القضاء والمحافظة، من الريف والمدينة. هو كل عربي مثقف يقف إلى جانب أبناء حارته، أو أبناء وطنه، أو أبناء أمته الأكبر. إن المخلِّص فينا هي حركة التحرر العربية التي وإن قلَّ عديدها، فإن عديد الأنبياء كان أقل. وإن كان أعداؤها كُثُراً، فقد كان عدد أعداء المبشرين والمصلحين أكثر بكثير.



إرسال تعليق