السبت، سبتمبر 02، 2017

دحر الاحتلال في العراق أولوية مطلقة

دحر الاحتلال في العراق أولوية مطلقة

من احتلال العراق كانت بداية المؤامرة على الوطن العربي، وعلى أرض العراق يجب أن يتم دحرها. وأما الأسباب فهي متعددة الوجوه والأهداف. وقد عبَّر عنها دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأسبق في إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن، ففي حينها قال: يمثل العراق محوراً لدائرة في المنطقة إذا تم إسقاطه فستتهاوى دولها كأحجار الشطرنج. وبالفعل أخذت الأحجار تتداعي واحداً تلو الآخر. وما أبطأ تداعيها كانت انطلاقة المقاومة الوطنية العراقية.
وغنيٌّ عن البيان أن منظومة الدول التي شاركت بالاحتلال، وعددها أكثر من ثلاثين دولة، هي التي راحت تتداعى واحدة تلو الأخرى، لتلوذ بسلامة جنودها؛ حتى وصل الانهيار إلى الولايات المتحدة الأميركية، عسكرياً واقتصادياً، فلاذت بسلامة جنودها واقتصادها هاربة في أواخر العام 2011.
ولأنها لن تترك العراق لأهله بعد أن دفعت الثمن الباهظ، سلَّمت العراق إلى النظام الإيراني، الذي لا يقل حرصاً عنها في إبقاء العراق تحت هيمنتها، لضمه إلى إمبراطوريتها الموهومة، كحلم عشِّش في مخيلة أولي الأمر فيه.
من كل مشاهد مسلسل احتلال العراق كان كل من شارك فيه، أو قدَّم العون له، أو من سكت عنه، محتلاَ غاصباً له. إلى أن دفعت التطورات بالإدارة الأميركية إلى الاعتراف بخطأ احتلالها، ما عدا النظام الإيراني الذي ظلَّ مصراً على أن احتلاله مشروع، لأنها يبرِّر ما زعم أنه أمر إلهي يقضي بتصدير (الثورة الإسلامية) إلى خارج الأراضي الإيرانية والتي تأتي دول الوطن العربي في الأولوية منها انطلاقاً من تمسكه باحتلال العراق. وهذا الأمر أثار مخاوف معظم الدول العربية، والذي أدى بدوره إلى إعلان إدارة ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأميركية، إلى إعلان غضبه من أن أميركا دفعت الدم والمال، بينما النظام الإيراني اسـتأثر بكعكة احتلال العراق، وأخذ يهدد أمن الدول الصديقة لأميركا.
نحن لا تهمنا شعارات إعلان الندم من أحد، ولا تهمنا إعلانات الحق الإلهي لإيران بتصدير ما تزعم أنه ثورة إسلامية. كما لا يهمنا وقوف الكثير من الدول والحركات السياسية على الحياد. بل ما يهمنا أن يقتنع كل هؤلاء بأن احتلال العراق كانت جريمة يجب أن يحاسب عليها جميع من شاركوا فيها. كما أن يقتنعوا أن الاحتلال هو جريمة دولية بغض النظر عمن شارك فيه، فليس هناك من احتلال عدو واحتلال صديق، فكل من هو موجود على أرض العراق ويدعم عملية الاحتلال السياسية هو بمثابة المحتل.
وحيث إن رئيس الولايات المتحدة الأميركية قد اعترف بخطأ الاحتلال أساساً، واعترف أيضاً بأن إيران تحتل العراق الآن بسبب دعم أميركا لها وسيعمل على إخراجها منه، فلن يعنينا الاعتراف طالما أنه لم يُترجم إلى أفعال. هذا وإذا كنا نبارك الاعتراف، فإننا لن نطمئن إلى أن أميركا ستصحح الخطأ إذا لم تترجم وعودها. وهذا لن يضيرنا شيئاً إذا أسهمت أميركا في إعادة العراق إلى أهله ضمن دائرة الشروط التي أعلنتها قيادة المقاومة الوطنية العراقية، وسيبقى هذا موقفنا المشروط خوفاً من أن يرتدَّ رئيس أميركا على وعوده، خاصة أن الإدارات الأميركية عوَّدتنا على سلوك وسائل الخداع في النظر إلى كل القضايا العربية.
وإن ما هو مطلوب أيضاً، أن يكتشف كل من شارك في احتلال العراق أنه أخطأ في تقديراته سابقاً، ويعمل على تصحيح أخطائه على قاعدة إنهاء احتلال إيران، ويعمل، كما تدل وقائع المواقف المعلنة على أن له مصلجة أساسية في تخليص العراق من الاحتلال الإيراني، لأن ذلك الاحتلال يهدد أمن الوطن العربي كله، وخاصة الدول العربية المحيطة بالعراق.
ولأن الصداقة بين الدول تقوم على مبادئ دولية وإنسانية من أهمها احترام مبادئ المصالح المشتركة بين الدول أولاً، وأن لا تخترق تلك المبادئ سقوف قوانين العلاقات المتكافئة ثانياً، وأن تتم معالجة الخلافات بين الدول على قواعد الحوار والديبلوماسية ثالثاً، وأن لا تُستخدم القوة لفضِّ النزاعات رابعاً، نعتبر كل من يخرق تلك القواعد بالعلاقات مع العرب عدواً حتى يعود إلى رشده، ساعتئذ لا يبقى مبرر لبقائه عدواً بل يتحول إلى صديق حميم.
واستناداً إليه، نعتبر حتى الآن أن من اعترف بلامشروعية احتلال العراق أنه يسير بالاتجاه الصحيح، وكل من أعلن أنه سيساعد العراق على دحر الاحتلال يتقدم خطوة إيجابية جديدة، ولن تكتمل شروط تصنيفه بمثابة الصديق، وشطبه من دائرة العدو، ما لم يتم تحويل الوعود إلى أفعال ملموسة يتم تتويجها بإيصال العراق إلى شاطئ التحرير الكامل والشامل.
بين اعتراف أميركا بخطأ احتلال العراق، واعتراف الأنظمة العربية الأخرى بسوء التقدير عندما داهنت أو شاركت أميركا باحتلاله، يبقى النظام الإيراني هو الوحيد الذي بقي مصراً على الخطأ مدافعاً عن مشروع يحمل أضغاث أحلام من يؤمن بالأساطير والبدع في عصر تغيَّرت فيه الإيديولوجيات الغيبية، وغابت معه إلى غير رجعة.
ولأن تحرير العراق، في زمانه ومكانه، له أولوية مرحلية على طريق تحرير كل أرض عربية محتلة. ولأن كل من يساهم ولو بلبنة في التحرير، حتى من الذين كانوا السبب في احتلاله، يُعتبر عملاً إيجابياً ورافداً مساعداً من روافد المقاومة الوطنية العراقية. ولأننا نعتبر أن المواقف مقياس لتمييز العدو من الصديق، فإن تحويلها من سلبية إلى إيجابية، هو تحويل لتصنيفهم في دوائر الصداقة والعداوة. ولهذا فليس من عائق يحول دون قبول أي جهد دولي أو عربي أو إقليمي يصب في مصلحة عملية التحرير.
ولأن النظام الإيراني ما يزال مصراً على غيه باحتلال العراق، فإن استراتيجية المرحلة تقتضي وضع كل جهد في سبيل دحره. وليس اعتباره صديقاً أخذ البعض يبررون مواقفه في العراق، وفي الوطن العربي، على قاعدة حقه في  تأمين مصالحه تارة، وتارة أخرى على قاعدة أنه له الحق في ملء الفراغ الذي تركه بعض العرب في احتضان قضاياهم. لأن في هذه التبرير ما يحمل كل أنواع التناقض مع قيم حسن الجوار، ومع قيم العلاقات بين الدول، ومع القوانين والتشريعات الأممية، وحتى مع كل قيم العلاقات بين الأنظمة الإسلامية، التي تقول: إذا اقتتل فئتان من المسلمين فاصلحوا بينهما، وقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمرها. وهل أمام الذين يداهنون النظام الإيراني من العرب، أنظمة وأحزاباً، أن يحددوا من هو الباغي؟ وهل الباغي طرف آخر غير الذي عقد حلفاً مع (الشيطان الأكبر) باحتلال العراق؟
إننا وقبل أن نحاسب النظام الإيراني، لأنه عندما يرتكب كل الجرائم في العراق فإنه يقبض ثمناً كبيراً يبلغ حجمه حجم إفلاس دولة غنية كالعراق، علينا أن نحاسب تلك الأنظمة والأحزاب والقوى التي تبرر لنظام غير عربي أن يضمن مصالحه على حساب بلد عربي فيقتل ويدمر وينهب ويهجِّر ويستوطن داعماً شلَّة من الخونة التي تدير عملية سياسية غير شرعية لأنها معيَّنة من قبل احتلال، والاحتلال غير شرعي بكل المقاييس. وهم مدانون أيضاً، لأن الفراغ السيادي الذي تركته الأنظمة العربية لا يجيز على الإطلاق للدول والأنظمة، مهما كان تصنيفها، أن تدمر الشعوب والمجتمعات بحجة أن الراعي كان (عدواً للغنم).
وهنا، وعلى قواعد حسن الجيرة بين العراق وإيران سلك طريقها النظام الوطني في العراق منذ العام 1980، وبعد انتهاء الحرب بينهما منذ التسعينيات من القرن العشرين. والتي أفشل فيها (الحرس الثوري) بقياداته المتشددة كل محاولات تضييق ذات البين بين الدولتين الجارتين. وعلى القواعد ذاتها، بعد احتلال العراق، دعا الرفيق عزت ابراهيم، قائد جبهة الجهاد والتحرير، النظام الإيراني إلى التراجع عن غيه، والعودة إلى رشده من أجل تقصير مسافات الخسائر التي يدفعها الشعبان العراقي والإيراني. وعلى الرغم من كل ذلك، وعلى الرغم من أن الكثير من الدول قامت بمراجعة أخطائها، بقي النظام الإيراني مصراً على ممارسة الجريمة بحق العراق والعراقيين.
وأما الآن، وبعد المتغيرات على الصعيد الدولي والعربي، تبقى المقاومة الوطنية العراقية، ضاغطة على الزناد الذي أطلق رصاصة الرحمة على الاحتلال الأميركي لتطهَّر العراق من كل محتل مهما بلغت قوته أو أوهامه. فعلت ذلك في السابق وحيدة، وحققت ما لم تحققه أية ثورة أخرى في العالم، وهي الآن أكثر تمسكاً بهدف التحرير، وهي تعي تماماً كيف تستفيد من المتغيرات التي حصلت بعين الفاحص المدرك لكل ما يحيط بها من عوامل وظروف جديدة. كما أنها تدرك حجم المزايدات البهلوانية التي تُثار في وجه تحالفاتها، التي تشكك بجدوى تلك التحالفات. ولكنهم ما أدركوا أن المقاومة التي كانت قادرة على مواجهة الاحتلال بكل وجوهه وتعقيداته، لهي قادرة على أن تفصل غثَّ التحالفات الجديدة عن سمينها.
وإذا كان ما نود توجيهه من نصيحة للنظام الإيراني، وللذين ينافقونها القول والنصيحة، هو التالي:
إن دحر الاحتلال الإيراني للعراق، ولكل ما تبقى للاحتلال الأميركي، له أولوية مطلقة، بتحالفاته وشروطه ووسائله. ويبقى عند المقاومة العراقية الخيار الأساسي، إذا ما ظهرت أية بوادر للتلكوء والتسويف والخداع، هو أنها لن تترك سلاح المقاومة بكل اصنافه حتى تحرير العراق بشكل كامل وناجز.




إرسال تعليق