الجمعة، نوفمبر 03، 2017

سعيد شعيب فارس لم يترجل عن حصان النضال

سعيد شعيب فارس لم يترجل عن حصان النضال

في ذكرى رحيلك يا فارس النضال، نقف اليوم في حضرة الموت الذي اختطفك منا رفيقاً مناضلاً أصيلاً، قضىت حياتك في حزبك، ومن أجل حزبك. فكنت المثال الأمين في ترجمة الأفكار القومية إلى ميدان النضال.
وإذا كان حزب البعث قد ترجم الفكر القومي ونزل به إلى ساحة النضال بعد أن كان في بروج الفكر النظري، فإنك يا أبا حسام كنت ذلك البعثي الأمين الذي لم يترك خندق النضال حتى آخر رمق له في الحياة.
عندما نقل رفيق، من النشطاء في المجتمع المدني، خبر وفاتك، قال: في اليوم ذاته لوفاتك، كانت حركة (بدنا نحاسب) قد نظَّمت اعتصاماً مطلبياً في ساحة النجمة، قال: لو لم يمت سعيد شعيب في ذلك اليوم، لرأيناه كعادته بين صفوف المعتصمين. قال هذا لأن البعثيين يعرفون أنه لا يغيب عن ساحة نضالية واحدة ، ولا يثنيه عن الحضور سوى الموت.
 سعيد شعيب يعتبر أن الساحة الوحيدة للبعث هي ساحة الجماهير المقهورة، الجماهير المحتاجة، الجماهير التي ترفض السطو على حقوقها، الجماهير التي تعيش في عتمة الظلام، وتحتاج إلى حبة الدواء. الجماهير التي لا تجد مدرسة لأطفالهم، أو لا تجد عملاً يقيهم غائلة الحاجة والعوز.
أيها الراحل الغالي
أيها الثائر الصامت، وفي صمت الثوار عبرة ليست كالعبر. أولئك هم الثوار الذين يناضلون في سبيل مجتمعهم وأمتهم العربية، سواءٌ أظهر نضالهم فوق الأضواء، أو تحتها.
يا رفيقي إذا لم تكن تجهر بمواقفك، فإن من يحيطون بك يسجلون عنك مآثرك ومزاياك. ولهذا فقد سجلنا الكثير من الذكريات عنك. لقد كنت حادَّاً أينما يجب أن تكون، وكنت ليِّناً حيث يمكن أن تكون ليناً، وقلَّما كنت حاداً في التعبير عن مواقفك. صفاتك في العلاقة الهادئة مع رفاق الدرب، كانت هي نفسها مع الآخرين من الذين اختاروا طريقاً آخر. فكان مثالك في العلاقة مع الجميع كمثال ما جاء في الآية الكريمة و(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
يا أبا حسام
عماذا نخاطبك، ونحن نودِّعك الوداع الأخير؟
أنذكرك بموسى شعيب، الشاعر المناضل الذي غنى للفقراء والكادحين، وغنى لمزارعي التبغ، وغنى للبنان العربي، كما غنى لأمته العربية وأمجادها؟ أنذكر لك أنه دفع حياته لتحيا كلماته في ذاكرة من غنى لهم؟
فأما عن لبنان، الذي غادرته إلى العراق لتبرهن على أن نضال البعثيين في سبيل رفعة أمتهم وحمايتها لا تعرف الحدود القطرية. بل لأنك تؤمن أن احتلال لبنان هو احتلال للعراق، واحتلال العراق وكأنه احتلال للبنان. فلبيت نداء الواجب القومي للمشاركة في حماية العراق.
ولو لم يكن لبنان مرتعاً لأطماع الصهيونية لما كنت قد التحقت بالمقاومة منذ سنوات شبابك الأولى. ولهذا كنت من الرفاق الأوائل فأسهمت في العرقوب في بناء تجربة المقاومة ضد العدو الصهيوني. حينذاك التحقت بصفوف جبهة التحرير العربية تنفيذاً لتعليمات الحزب. ولأنك كنت تؤمن بأن المقاومة خط استراتيجي في مواجهة الاحتلال، ومواجهة الاعتداءات الصهيونية على لبنان، فأنت تعتز بكل المقاومين الذين انخرطوا فيما بعد في صفوف المقاومة، وهم الذين حملوا السلاح لتحرير الأرض اللبنانية المحتلة.
يا أبا حسام
لو كان الحكم في لبنان عادلاً، لما نزلت إلى الشارع صارخاً في وجه حكامه، مطالباً بحقوق الجماهير اللبنانية المحتاجة.
ولو كان الحكم في لبنان يسلك منهجاً غير منهج المحاصصات الطائفية، لما رفعت صوتك لإسقاط الطائفية من النفوس والنصوص.
يا أبا حسام
إن البعثيين تعاهدوا على الإيمان بمبادئهم، وتعاهدوا على أن لا يتركوا الشوارع، بل أن يملأوها ليهتفوا من أجل بناء لبنان بعيداً عن نفوذ الخارج. ويعتبرون أن نظام المحاصصة الطائفية هو الممر الوحيد الذي يتسلل منه هذا النفوذ إلى صفوف اللبنانيين. والبعثيون يرفضون أن يكون لبنان مجموعة من الأقليات تستجدي الدعم من خارج الوطن، تستجدي الدعم لتستقوي طائفة فينا على الطوائف الأخرى. وآمنوا أن لبنان الحر الديموقراطي الموحَّد هو السبيل الوحيد لمنع طائفة من تكفير الأخرى.
وماذا نقول يا أبا حسام عما يجري من تدمير للأقطار العربية، واحداً تلو الآخر. التدمير الذي ابتدأ من العراق، ومرَّ على ليبيا واليمن ليستقر في سورية، والحبل ما يزال على جرار الأقطار العربية الأخرى.
يؤلمنا، كما كان يؤلمك أن يسعى الآخرون لمعالجة قضايانا. وأن يفرِّغ العرب الساحة للآخرين الآتين من الخارج من كل حدب وصوب، لينيبوا أنفسهم عنا، ويفصلوا الخرائط حسب أطماعهم وأهدافهم، بينما نحن نقتتل بالنيابة عنهم ومن أجل مصالحهم. ولم ندرك أن القتال فيما بيننا هو خسارة للجميع من أهلنا وأبناء قومنا. نحن نتقاتل بينما الرابح الأول هم الآتون من خارج حدود الوطن العربي ليصبحوا أولياء أمرنا، يغذُّون في نفوسنا الأحقاد، ويكدسون السلاح بين أيدينا، لنقتتل وهم يتفرجون، ويتطلعون إلى مصادر ثروتنا ليسرقوا منها ما هو حق لنا.
يا أبا حسام
لقاء ما كنت تعانيه، وما كان يخيف الآخرين، كان يشكل مصدر الأمل عندك. فأنت كنت ترى ما يجري بأنه سيكون مؤقتاً سوف يزول. وإيمانك لم يكن نابعاً من فراغ، بل من ثقتك بأن شعبنا سيعي ما يجري، وسوف ينقلب على ما يجري.
سيفعل شعبنا كل ذلك عندما يكتشف الحقائق، ومن أهمها أنه لا يحك جلد الأمة إلاَّ أبناؤها. ولا ينقذ وحدة الأمة إلاَّ الذين يقاومون في سبيل استعادة القرار العربي، وإنقاذه من بين أيدي الذين يستغلون دماء شعبنا لمصالحهم وأغراضهم.
أيها الراحل الغالي
عندما اخترت حزب البعث طريقاً لتحرير الأمة، فإنما كنت تعتبر أن قضايا الأقطار العربية مترابطة، ولا يمكن فصلها على طرق النأي بالنفس عنها، فأينما استطاع الاستعمار والصهيونية أن يحتل أرضاً عربية، فكأنه احتل الأرض العربية كلها. فأي قطر لم يخضع للاحتلال حتى الآن، فسوف يأتي دوره. ومن لم يتعرَّض للتدمير فدوره في التدمير آتٍ ما لم يستيقظ العرب قبل فوات الأوان.
إن أهداف المؤامرة الصهيونية الاستعمارية منذ أكثر من قرن من الزمن، هو تقسيم الوطن العربي، وتهديم حالة الانصهار المجتمعي بين العرب كافة.
فمنذ أن احتلت الصهيونية فلسطين كانت البداية التي تمهد لاحتلال الوطن العربي بكامله على أن يبقى شعبنا العربي متخلفاً تنخره الطائفية والاقتتال الطائفي.
ومنذ أن احتُّل العراق، فإنما كان البداية المرسومة لاحتلال أقطار عربية أخرى، وهذا ما لم يخفه أركان إدارة جورج بوش منذ وُضعت خطة احتلاله. وحينها قال دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع في حكومة جورج بوش: إذا سقط العراق فسوف تتداعى الأقطار العربية الأخرى واحداً يتلوه آخر، كما تتداعى أحجار الدومينو.
ولكن إزاء ذلك كله، أحبطت المقاومة الفلسطينية تنفيذ المشروع الصهيوني، وأجَّلت تنفيذه بالكامل. حصل هذا الإنجاز عندما كانت للمقاومة قرارها الفصل في مقاومة الاحتلال الصهيوني. فالمقاومة كانت موحدَّة القرار، وعليها الآن في هذا الظرف بالذات أن تعود كل الفصائل لتتظلَّل تحت خيمة منظمة التحرير الفسطينية.
وفي المقابل، أحبطت المقاومة العراقية مشروع الاحتلال الأميركي للعراق وألحقت الهزيمة به. وهي حتى الآن ما تزال تمسك بقرارها الهادف لإنجاز تحرير العراق بشكل كامل ونهائي.
إنها المقاومة كخط استراتيجي لتحرير الأمة العربية تبقى الأمل الوحيد في إحراز النصر على عربدة العدو الصهيوني، وعلى خداع الاستعمار ومشاريعه.
إنها المقاومة الجديرة بالاحتضان القومي. وإنها المؤهلة لإعادة استرداد القرار العربي المسلوب. وفي مثل الحالة تلك، سيدخل العرب إلى دائرة الوعي، وذلك حينما يستشعرون مدى الخطر المحدق بهم جميعاً، شعباً وأنظمة رسمية.
يا رفيقي
إننا نعاهدك، كما عاهدنا الذين رحلوا من قبلك، أننا على العهد باقون. ونتوجه بالتحية والإكبار والاعتزاز لكل شهداء البعث، وشهداء الأمة العربية من الذين قضوا على طريق تحرير أمتهم من الاحتلال والعبودية



إرسال تعليق