الخميس، أكتوبر 19، 2017

لو لم يكن حزب البعث لكان من الواجب أن يكون

لو لم يكن حزب البعث لكان من الواجب أن يكون
(نُشر بالتزامن مع مجلة ألق البعث)


هناك حقيقة على العرب أن يعوها، ليتداركوا المخاطر المحيطة بالأمة العربية، وهي أنها عرضة لمؤامرة مستمرة، منذ بدأت معالم تكوينها الأولى. وهي حقيقة لا تواجهها أمة أخرى على سطح الأرض منذ بداية التاريخ المعروف. وأما لماذا تنفرد الأمة العربية بهذه السمة، فلأن وقائع التاريخ منذ آلاف السنين، تؤكد وجودها. ولذلك وباستعراض مكثَّف لتلك الوقائع يقدِّم البرهان والدليل.
كان العالم المعروف قبل آلاف السنين، يتشكل من ثلاث قارات رئيسة معروفة، وهي: آسيا وأوروبا وأفريقيا. وكانت شعوب قارتي آسيا وأوروبا، بشكل خاص، عندما يمتلك شعب منها عوامل القوة العسكرية، يستخدم الفائض منها للتوسع على حساب الشعوب الأخرى، وهذا ما عُرف بالنظام الدولي السائد في عصر الإمبراطوريات. وعرف التاريخ الكثير من الشعوب التي ضمت إلى أراضيها الخاصة أراض تابعة لشعوب أخرى بالقوة العسكرية. وكانت الشعوب القوية تتبادل عمليات الغزو لتأسيس إمبراطوريات كبرى غالباً ما كانت حدودها تمتد من الصين إلى غرب أوروبا. وبين تلك الإمبراطوريات كانت الأرض العربية تشكل جزءاً منها بحكم موقعها الجغرافي الوسط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. وهذا يصبح من المؤكد إذا ما قمنا بمراجعة تاريخ كل الإمبراطوريات المعروفة، وهي : الإمبراطورية الفارسية، واليونانية، والرومانية، التي تأسست قبل الميلاد. والإمبراطورية المغولية في العصر الإسلامي. ومشروع الإمبراطورية الأوروبية التي ظهرت بلبوس الحملات الصليبية. والتي أتت بعدها إمبراطوريتا إنكلترا وفرنسا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، ومشروع الإمبراطورية الأميركية، وريثة إمبراطورية الانتدابين الفرنسي والبريطاني.
وإذا كان يهمنا التأكيد هنا على الإمبراطوريات التي تأسست قبل الميلاد، فإنما لنبرهن أن المنطقة العربية كان تشكل جزءاً دائماً فيها. إذ كانت تشكل ممراً بين الغزوات الإمبراطورية القادمة من الشرق، أو القادمة من الغرب. ولم يكن يردع التوسع الإمبراطوري رادع، لأن النظام العالمي كان مبنياً على أن القوة الفائضة عند الشعوب كانت توظفها من أجل الغزو والتوسع على حساب الشعوب الأخرى، فكانت حدود الإمبراطورية الناشئة تنتهي عند آخر نقطة تستطيع القوة العسكرية أن تصل إليها. وأما بالنسبة للإمبراطوريات التي تأسست بعد الحربين العالمية الأولى والثانية فإنما تمَّت بناء على اتفاقيات بين عدة دول ظاهرها تنظيم العلاقة المتكافئة بين الدول، وباطنها التوسع من أجل نهب الثروات.
تميَّزت أهداف الدول، التي خططت لإسقاط الإمبراطورية العثمانية، بأنها كانت بمثابة مخططات تآمرية على المنطقة العربية، بدأ وضعها منذ أواخر القرن التاسع عشر على أساس مقررات المؤتمر الصهيوني الأول في العام 1897، ومن بعده بناء على مقررات مؤتمر كامبل بانرمان الذي عقد من العام 1905 1907، وهي الأب الروحي لاتفاقية سايكس بيكو، ووعد بلفور، في أعقاب الحرب العالمية الأولى. والذي كان مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي أقرَّه الكونغرس الأميركي في العام 1980، إبنه الشرعي الذي اختلف عن سابقاته بالوسيلة وليس بالهدف.
ومن دون الخوض في التفاصيل نستنتج بالإجمال أن المنطقة العربية تعيش منذ آلاف السنين تحت وطأة المؤامرة. وإذا لم تكن مؤامرة منظَّمة في عصر الإمبراطوريات التقليدية، فإنما تميَّزت بوضع أسسها التآمرية أثناء التخطيط لوراثة الرجل المريض، وهو الإسم الذي كان يُطلق سياسياً على الإمبراطورية العثمانية بعد وصولها إلى مرحلة الضعف فالانهيار.
فكيف حصلت فصول الأسس التآمرية على المنطقة العربية؟
كان الجانب التآمري المنظَّم قد خُطِّط له في مؤتمر كامبل بانرمان (1905 1907)، ولأن مقرراته كانت خاصة بالاتفاق على طريقة الاستيلاء على الولايات العربية، ولأن الكشف عنها له علاقة بمقالنا عن البعث، كحزب الضرورة القومية، سنقتطع المقررات الخاصة به كما جاءت في نصوص المؤتمر.
شاركت في المؤتمر كل من بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا وإسبانبا والبرتغال. وخرجوا في نهاية المؤتمر بوثيقة سرية اعتبرت أن مصدر الخطر الحقيقي عليها، إنما يكمن في المناطق العربية من الدولة العثمانية.وذلك، حسب الوثيقة، لأن الشعب العربي يمتلك وحدة التاريخ واللغة والثقافة والهدف والآمال وتزايد السكان... ورأى المؤتمر ضرورة العمل على استمرار إبقاء وضع المنطقة العربية متخلفاً، كما الإبقاء على عوامل التفكيك والتجزئة والانقسام وإنشاء دويلات مصطنعة تابعة للدول الأوروبية وخاضعة لسيطرتها. ولذا أكدوا فصل الجزء الأفريقي من المنطقة العربية عن جزئها الآسيوي، للحؤول دون قيام وحدة سياسية بين الشطرين، ولإحكام الحاجز قرر المؤتمرون إقامة الدولة العازلة بينهما، على أن تكون عدوة لشعب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية.وعن ذلك لم يجدوا غير الشعب اليهودي الذي يؤدي هذا الغرض، لذلك نصَّت اتفاقية سايكس بيكو على تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات، وجاء وعد بلفور لإقامة الدولة اليهودية ترجمة عملية لقرارات المؤتمر.
وبناء على ذلك، صبَّت نتائج الحرب العالمية الأولى لمصلحة فرنسا وإنكلترا. وبعد إنهاكهما في الحربين العالميتين، الأولى والثانية، ورثتهما الولايات المتحدة الأميركية، كما ورثت مشاريعهما وكل مخططاتهما بالنسبة للمنطقة العربية. والذي تغيَّر فيها الوسيلة وليست الأهداف. لما وجدت أميركا أن اتفاقية سايكس بيكو، بتقسيماتها الجغرافية لم تحقق الغرض من المحافظة على التقسيم، لا بل على العكس فقد انتشرت فكرة الوحدة العربية بشكل سريع، أقرَّت إدارتها تغيير الوسيلة على قاعدة تفتيت المجتمع العربي في كل أقطاره بوسائل غير جغرافية، فلم تجد وسيلة أنجع من استغلال مرض الطائفية المنتشر بين المواطنين العرب. فكانت ولادة مشروع الشرق الأوسط الجديد في العام 1980، بعد أن وضع أسسه المفكر الصهيوني برنارد لويس.
من كل ما تقدَّم، أصبح من المؤكد أن المنطقة العربية تتعرَّض لمؤامرة مستمرة. وإن معرفة طبيعة المؤامرة وأهدافها يخدم العرب في وضع أسس مواجهتها. من هنا نبدأ بمقارنة خيوط المؤامرة مع طبيعة الأهداف التي وضعها حزب البعث العربي الاشتراكي، ويأتي في المقدمة منها محاربة الاستعمار لأن التآمر على الأمة العربية من طبيعته، ولن يطمئن بال العرب قبل محاربة الاستعمار بشتى الوسائل والصيغ حتى طرده نهائياً عن الأرض العربية. وأما عن أهداف الحزب فهي جاءت رداً واضحاً ضد الأهداف الاستعمارية والصهيونية كما يلي:
1-في مواجهة التقسيم الاستعماري الوارد في مقررات مؤتمر بانرمان، وضع البعث ثابته الأول في الوحدة.
2-في مواجهة إبقاء الشعب العربي متخلفاً، وضع البعث ثابته الثاني في التنمية الاقتصادية على أسس اشتراكية.
3-ولأن الديموقراطية من أسس الوعي الوحدوي والاشتراكي، وبالتالي رفض أي هيمنة أجنبية، وضع الحزب ثابته الثالث في الحرية.
4-ولأن الاستعمار والمؤامرة المستمرة على الوطن العربي صنوان لا يمكن أن ينفصلا، كان هدف الحزب الأساسي في مكافحة الاستعمار.
5-ولأن العامل الطائفي هو من الأمراض الخبيثة التي يتناقض كلياً مع هدف الوحدة المجتمعية، وبالتالي السياسية رفض الحزب الدولة الدينية، وبالتالي الدويلات الطائفية، ودعا إلى بناء دولة قومية، مدنية، علمانية، تضع القوانين التي تساوي بين كل المواطنين على قدم العدالة والمساواة.
6-ولأن الشعور القومي يجمع بين شتى مكونات المجتمع، اعتبره الحزب شعوراً مقدساً، وبذلك صحَّ فيه القول أنه حزب الثورة العربية.
وأما في النتائج، وبعد معرفة ما تتعرض له الأمة العربية من مؤامرات، خاصة أنها أصبحت أكثر وضوحاً في هذه المرحلة، مرحلة ما عُرف بثورات (الربيع العربي)، والتي تم تدمير الحجر والشجر والبشر باسمه، أصبحت الأمة العربية بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى اعتناق أهداف حزب البعث العربي الاشتراكي، لأن فيها وحدها الرد الثوري على كل المؤامرات التي حيكت، وتحاك، وقد تحاك ضدها.
ليست أهداف الحزب وحدها هي التي أثبتت صحتها ومقدرتها على وضع حلول لمشاكل الأمة، بل لأن الحزب أثبت بالفعل وبجدارة قدرته على العمل والنضال من أجل ترجمة القول إلى فعل. وإذا كان الحزب قد ظلَّ صامداً في وجه أعتى مؤامرات الاجتثاث في كل أرجاء الوطن العربي، فإنه من بوابة العراق، التي كان من المخطط منها تقسيم الوطن العربي إلى دويلات طائفية تحكمها قطعان من الوحوش التي عرَّت الدين من جوهره، دفع الحزب عشرات الآلاف من الشهداء من أجل منع الأمة من تجرع كأس التقسيم، وهو مستمر بالنضال حتى تشييع الكأس إلى مثواه الأخير.
لكل ذلك، ولو لم يكن حزب البعث لكان من الواجب أن يكون. ولو لم يكن قد تأسس بعد لكان على كل القوميين العرب أن يؤسسوه.


إرسال تعليق