الثلاثاء، يوليو 10، 2018

ثلاثة مشاهد في أيار 2018 يجمعها عامل الوباء الطائفي


ثلاثة مشاهد في أيار 2018
يجمعها عامل الوباء الطائفي

من قبيل الصدف أن تجتمع ثلاثة مشاهد متفرقة، في أقطار عربية ثلاثة في شهر واحد. يظهر من مواضعها المكانية أنها غير متجانسة، ولا يمكن الكتابة عنها بمقالة واحدة. والمشاهد الثلاثة حصلت في لبنان والعراق بصفة الحالة الانتخابية، وفي فلسطين المحتلة بصفة نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى مدينة القدس.
ولأنها حصلت في صدفة زمانية واحدة وعلى التوالي، الأولى في السادس من أيار، والثانية في الثاني عشر منه، والثالثة في الرابع عشر من الشهر ذاته. وإن كان جامع العامل الزمني يشكل صدفة، فإن جامع العقيدة الأيديولوجية لا تحكمها الصدفة على الإطلاق. وهذا ما دفع بنا إلى جمع المشاهد الثلاثة بمقال واحد.
فالانتخابات النيابية في لبنان، ومنذ بداية الانتداب الفرنسي عليه، منذ بداية العشرينيات من القرن العشرين، كانت تتم على أساس مناهج الطائفية السياسية، وذلك بتوزيع السلطة بكل مؤسساتها حصصاً على الطوائف. ولأنها منهجية تغيِّب الوحدة الوطنية، ولإدراك من واضعي الدستور اللبناني بخطورة هذا التغييب، فقد ورد في الدستور مادة تعتبر مبدأ المحاصصة الطائفية مرحلياً، يجب تعديله لاحقاً. ولكن لأن العائلات التاريخية كانت نافذة في العهد العثماني، وكانت تشمل كل الطوائف، وهي موزَّعة عليها، كما نص عليه بروتوكول المتصرفية، فقد حكمت لبنان منذ ذلك التاريخ، ووجدت في تقاسمها حصص السلطة حلاً يحفظ لها حصصها في الحكم منذ عهد الانتداب الفرنسي.
وعلى هذا الأساس جرت الانتخابات النيابية في لبنان، التي على الرغم من إقرار قانون الانتخاب مبدأ النسبية على هزالته ومحدوديته، فقد جدَّد أمراء الطوائف لأنفسهم في مقاعد السلطة، وكأن شيئاً لم يكن. ولأن مبدأ المحاصصة الطائفية أنتج حقناً غير مسبوق للغرائز الطائفية والتي هي مرشَّحة للمزيد من الحقن، فكان لا بُدَّ من الاعتراف بخطورة الداء الطائفي، والمطالبة بإلغائه، ولا يمكن إعادة اللحمة إلى اللبنانيين سوى بإلغاء مبدأ المحاصصة الطائفية. واعتباره وباء لا يمكن معالجته سوى باستئصاله.
وأما عن الانتخابات النيابية في العراق، فتجدر الإشارة، قبل تحليل أبعادها، إلى أن لبننة النظام السياسي في العراق، أي تطبيق الأنموذج اللبناني في تطبيق منهج المحاصصة الطائفية، قد جاء بعد الاحتلال الأميركي للعراق وبنوايا مبيَّتة لزرع ألغام بين الطوائف قابلة للانفجار في كل لحظة، بما يتناسب مع مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي يقضي بتقسيم كل قطر عربي على قواعد طائفية. وازداد بعد الهزيمة الأميركية عمقاً وانتشاراً بعد إمساك النظام الإيراني بكل مفاصل الحياة فيه، وذلك لأن النظام المذكور يقوم على أسس طائفية، ولا يمكنه الإمساك بالعراق سوى بناء على التفتيت المذهبي.
واستناداً إلى واقع العراق تحت الاحتلال، جرت الانتخابات النيابية في 12 أيار 2018، على قواعد المحاصصة الطائفية، والتي أغرقت العراق في بحر من الدماء التي سُفكت في الصراع بين الطوائف، والتي لم تهدأ طوال خمسة عشر سنة حتى الآن. وهي أبعد ما تكون عن الديموقراطية السياسية لأنها تتم تحت إشراف سلطات الاحتلال أولاً، وسلطات الاحتلال لا يهمها المضمون الديموقراطي بأكثر من أنها تعمل لإيصال من يخدم مصالحها. ولأنها تجري في ظل قوانين الاجتثاث والمساءلة ثانياً، فهي تقصي من تشاء وتقرر شرعية من تشاء. ولأن القسم الأكبر من العراقيين يعيش في مخيمات التهجير الداخلية وشتى أصقاع الأرض ثالثاً، وهؤلاء إما أنهم محرومون من التصويت، أو أنهم يخضعون للتهديد والوعيد من قبل سلطات الاحتلال وحكومتها. والأكثر خطورة لأنها تجري في ظل تهديد الميليشيات ووعيدهم رابعاً. إنها انتخابات باختصار تتحكم بها مصالح الاحتلال، ومصالح النخب الميليشياوية الطائفية الفاسدة.
وإذا كانت الأوضاع اللبنانية، في ظل النظام الطائفي السياسي، تقف باستمرار على شفير هاوية الاقتتال، فإن الأنموذج العراقي يمثِّل المصير لما قد يكون عليه الوضع في لبنان. وكما أفرزت الانتخابات النيابية تجديداً لأمراء الطوائف منذ أكثر من نصف قرن حتى الآن، فإن نتائج الانتخابات النيابية في العراق تجدد، منذ خمسة عسر سنة، لأمراء الطوائف والميليشيات الطائفية. وسيبقى العراق غارقاً في الدماء الطائفية، ما لم يتخلص من الاحتلال بشكل عام، والاحتلال الإيراني بشكل خاص. وأما السبب فهو بدلاً من أن يتم تعريب لبنان، وتعميم نظام الدولة المدنية فيه، كما كان حاصلاً في معظم الأقطار العربية، فقد أصبح من المخطط للوطن العربي كله أن يتم لبننة تلك الأنظمة فيها. وما مصير ليبيا وسورية واليمن ببعيد عن أنموذج لبننة الأنظمة السياسية فيها.
وأما أبعاد ما يجري في فلسطين المحتلة بعد نقل السفارة الأميركية إلى القدس فليس ببعيد عن المخطط الخبيث الذي يرمي إلى تقسيم الوطن العربي إلى دويلات المحاصصات الطائفية، ومن أجل تشريع دولة الاغتصاب الصهيوني كـ(دولة يهودية) مزروعة في القلب من تلك الدويلات. وذلك لكي تكون الدولة اليهودية، كمتمم لخريطة الشرق الأوسط الجديد.
إن انتشار، ونشر الدعوات الطائفية القائم على قدم وساق في الوطن العربي، يحمل أبعاداً خطيرة على البنية الاجتماعية في الوطن العربي، وتبريراً لإقدام العدو الصهيوني على العمل من أجل قيام (دولة يهودية) لها عاصمة تحمل بصمات يهودية، وذلك أسوة بقيام دويلات طائفية من أديان أخرى لها عواصمها التي تشكل رموزاً دينية. ولعلَّ أخطرها على الإطلاق تبرير قيام دولة يهودية في فلسطين، وهذا ما حدا بدونالد ترامب باعتبار القدس تاريخياً عاصمة لدولة يهودية، وتحويلها من قضية استعمارية لها أهداف سياسية واقتصادية، كما نصت عليها مقررات مؤتمر بانرمان، إلى قضية دينية أيديولوجية على أيدي روَّاد اليمين الأميركي المتطرف، كما أخذت طريقها للعلن في عهد إدارة جورج بوش الإبن، وطريقها للتنفيذ في عهد إدارة دونالد ترامب.
إن نقل السفارة الأميركية إلى القدس، يحمل أبعاداً أيديولوجية دينية. وهي قائمة على أساس أنه من واجب اليهود، يساندهم تيار المسيحيين الأميركيين المتصهينين، الذين يمهدون لمعركة هرمجدون في فلسطين، التي كما يزعمون أنه بها يتم استعادة الهيكل لاستقبال المسيح المنتظر، لكي يشكل الخلاص الأبدي للعالم. وتلك نظرية اعتقد بها أكثر الرؤوساء الأميركيين ولعلَّ من أكثرهم شهرة، دونالد ريغن، وجورج بوش الإبن، ودونالد ترامب.
إننا وعلى قاعدة المنهج الذي قمنا بتحليل أبعاده بتحليل المشاهد الثلاثة، نخلص إلى النتائج التالية:
-تحت خيمة مزاعم حماية حقوق الأقليات الدينية، أو العرقية، تجد القوى الدولية الكبرى ذريعة لتدخلها في شؤون الدول العربية الداخلية. وهذا ما يظهر واضحاً بالعودة إلى قراءة وقائع الانتخابات اللبنانية والعراقية.
-وتحت خيمة المحاصصات الطائفية، يتفتت مواطنو الدولة الواحدة إلى مجموعة من الطوائف، فتضعف اللحمة الاجتماعية فيما بينهم، ويتحولون إلى كتل صغيرة ضعيفة، فتحتاج إلى عامل حماية من الخارج. وتتحول ساعتئذ الدولة إلى مناطق نفوذ للخارج، فتضيع وحدة المرجعية الوطنية، ويصبح أمن الدولة معرَّضاً للاهتزاز كلما تناقضت المصالح الخارجية، فيهبُّ كل مواطن لحمل سلاح الدولة الخارجية التي تحميه.
-إن إعلان يهودية الدولة في فلسطين، يأتي خلافاً لإعلان علمانية الدول في الغرب، تلك الدول التي لم تعلن مسيحية أنظمتها على الرغم من الأكثرية العددية للمسيحيين فيها. أو تلك التي لم تعلن بوذية الدولة على الرغم من الأكثرية العددية للبوذيين فيها.
وإذا كان الإعداد الصهيوني لتنفيذ ما يزعمون أنه وعد إلهي بـ(دولة يهودية) تمتد من الفرات إلى النيل، فإن أقصر الطرق لبلوغ الهدف يمر عبر تطييف الأنظمة السياسية العربية والمجتمع العربي، بما فيه من عوامل للفرقة والاقتتال الطائفي، فتقف عاجزة عن مواجهة (دولة يهودية) موحَّدة القوى متكاملة الإمكانيات ومتعددة أشكال الإسناد الخارجي لها.
وأما لماذا تذعن الدول الغربية للاعتراف بـ(يهودية الدولة) في فلسطين؟
وعن ذلك، نستنتج أن المقصود من ذلك الاعتراف لا يتخطى حدود المنطقة العربية فلأنها ملوَّثة بالوباء الطائفي. ولأن في هذا الوباء دواء لتصفية عوامل الوحدة العربية، أنظمة ومجتمعات قطرية. لذا كان اعتراف القوى الخارجية بنماذج الأنظمة الطائفية السياسية، أو صنعها، أمراً لا يجوز أن يمر مرور الكرام في برامج أحزاب وقوى حركة التحرر العربي، بل لا بُدَّ من وقفة جدية، تفسِّر إصرار  المخططات الخارجية على (لبننة) الأنظمة العربية الرسمية، وإغراق المجتمعات القطرية في وحولها.

وأخيراً، ماذا نقول عن الانتخابات النيابية التي جرت في كل من لبنان والعراق؟ وماذا نقول في النتائج التي تمخَّضت عنها؟
إننا نعتبر أنه طالما نصَّ الدستور في العراق، أو طالما تحوَّل العرف في لبنان إلى قوة الدستور، في تشريع نظام الطائفية السياسية، فإن فيهما ما يخدم المصلحة الصهيونية أمام الرأي العام العالمي، بأنه من حق اليهود في منطقة تسود فيه الأنظمة الطائفية أن يكون لهم دولتهم الدينية، وذلك لأنهم يمثِّلون ديناً من الأديان السماوية الثلاثة. كما من حقهم أن تكون لهم عاصمة يزعمون أن ملكيتهم لها يعود إلى أكثر من ألفي سنة، وكما يزعمون أنهم بنوا في القدس هيكلاً مقدسَّاً فيها، لهم الحق باستعادته وإعادة بنائه. وإنهم في ظل تلك المزاعم تضيع قضية اغتصاب أرض فلسطين من قاموس الرأي العام العالمي. والتي لن يستوعب أبعاد ذلك الاغتصاب سوى القلة القليلة من المثقفين وذوي الضمير في العالم.
على قسوة التشبيه، والمقاربة، ولأن تفتيت المجتمع العربي، في لبنان والعراق، ولاحقاً في أقطار عربية أخرى، على قواعد المحصصات الطائفية، فيه خطر خارجي، وخطر داخلي، وفيه مسؤوليات تترتب على عاتق قوى التحرر والتغيير، أن يناضلوا بكل ما أوتوا من قوة لرفع الخطر المحدق بوحدة دولهم أولاً بنزع فتيل الوباء الطائفي من النفوس والنصوص. وثانياً لكي ينزعوا الذرائع من أيدي الحركة الصهيونية في بناء (دولة يهودية)، أسوة ببقية كيانات طائفية تتشكل في الوطن العربي، وبالتالي في انتزاع ذرائعهم التي من أجلها قاموا باغتصاب أرض فلسطين.
وفي مواجهة التحولات التي تعبِّر عنها المشاهد الثلاثة، التي يجمعها نشر الوباء الطائفي في الوطن العربي، يبقى الحل في التمسك بثوابت التحرير من الاحتلال، وثوابت تحويل المجتمع العربي إلى مجتمع مدني. وتشمل الثوابت رفض قيام أحزاب دينية، أو أحزاب تتسلق على سلالم الطائفية السياسية. وفي هذا الحل يحمل الكثير مما يحبط ألغام المؤامرة المزروعة في دروب المجتمع العربي، والمحافظة على وحدته الوطنية والقومية، رسمياً واجتماعياً.


إرسال تعليق