الثلاثاء، يوليو 03، 2018

حسن خليل غريب في مؤتمر عن التنمية (الحلقة الخامسة والأخيرة)


حسن خليل غريب في مؤتمر عن التنمية
 (الحلقة الخامسة والأخيرة)
خامساً: العلاقة بين التنمية الوطنية والتنمية القومية

من البديهي الاعتقاد أن مشروعات التنمية، بشكل عام، تتَّسع كلما جذبت إليها الرساميل أولاً، وكلما وجدت أسواقاً لاستهلاك منتوجاتها ثانياً. إذن، يُعتبر الرأسمال الكافي للتمويل، والسوق القادرة على استيعاب الكميات الإنتاجية، من أولويات اهتمام الدولة في توفيرها. وغني عن البيان أيضاً، القول بأن مصادر التمويل القومي تضيف إلى التمويل الوطني، دولة وقطاعاً خاصاً، قوة نوعية لأن للرأسمال القومي قوة تضاهي قوة الرأسمال الدولي، وهو ما تخشى الدول الكبرى من توظيفه في المشروعات التنموية الوطنية والقومية، لأنه الرأسمال الأكبر الذي إذا ما تمَّ تجميعه سيشكل قوة منافسة حقيقية لرساميل الدول العظمى. وإذا ما رُبطت أسواق الاستهلاك على مستوى الأقطار العربية، فسوف تمثِّل سوقاً إستهلاكياً يقع في الدرجات العشر الأولى على الصعيد العالمي. تلك حقيقة يعرف العالم الصناعي خطورته على اقتصادياته. فعلى العرب أن يعرفوا مدى إيجابيتها الواسعة على الاقتصاديات الوطنية العربية من جهة، وعلى مجمل الاقتصاد القومي العربي من جهة أخرى. ومن أجل هذا السبب، ليس من المستغرب أن تلجأ الدول الصناعية الكبرى لمنع التنمية في الأقطار العربية أولاً، ووضع العراقيل في وجه أي وعي وحدوي ثانياً.
بداية، وللأسباب التي وردت في المقدمة أعلاه، لا بُدَّ من الإشارة إلى تلازم العلاقة بين مشروعات التحرر السياسي ومشروعات التنمية الاقتصادية. وهذا واضح مما سبق وأشرنا إليه في البند الثالث من هذه الدراسة، وموجزه أن المخططات المعادية ربطت بينهما، عندما نصت مقررات كامبل بانرمان على ذلك، بحرمان الدول العربية «من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية، وعدم دعمها في هذا المجال  ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لإمتلاك العلوم  التقنية» من جهة، و«محاربة أي توجه وحدوي  فيها» من جهة أخرى. واستناداً إلى تلك الحقيقة، يتوجب على كل مخطط تنموي، بشري أو اقتصادي، يتم وضعه من قبل الدولة الوطنية أن تأخذ بعين الاعتبار تلك الحقيقة، وأن تكون محصَّنة ضد تسلل العراقيل من قبل القوى التي أشرنا إليها أعلاه، ومنعها من النفاذ أولاً، وأن تدرك أن المشروعات الوطنية وإن سُمح لجزء منها بالنجاح، إلاَّ أنها تبقى مهدَّدة بالمنع من أن تكون جزءاً من المشروعات القومية ثانياً.
ونعني هنا، بمعركة التحرر السياسي، ليس تحرير الأقطار العربية المحتلة فحسب، بل تحريرها من مجموعة الضغوطات السياسية والاقتصادية التي تمارسها الدول الكبرى على العدد الأكبر من الأنظمة الرسمية، وتعمل على تكبيلها بقيود اتفاقيات ظاهرها يتلطى بالمصلحة المشتركة بين الدولتين، وباطنها فرض المزيد من القيود الاقتصادية من أجل الاستجابة لمتطلبات (اقتصاد السوق)، و(تحرير التجارة العالمية)، بما فيهما من قيود تعرقل مشروعات التنمية الوطنية. وفيه ما يجعل من الشركات الخاصة شركات تتوسَّل الربح المالي على حساب التنمية البشرية للمجتمع.
إقتصاد السوق أوالاقتصاد الحر هو عدم تدخل الدولة في الأنشطة الاقتصادية وترك السوق يضبط نفسه بنفسه. ويعتمد بالأساس على فكرة الحرية الفردية، في أن يقوم الفرد بأى نشاط اقتصادي. ولهذا يفرض هذا النوع من الاقتصاد على الدولة بألا تقوم بأى نشاط اقتصادي يستطيع فرد أو مجموعة أفراد القيام به. وهو يقوم على الملكية الخاصة، للأفراد والمؤسسات، لوسائل الإنتاج والمبادرة الفردية، ويخضع لتفاعل العرض والطلب داخل السوق، والمنافسة الحرة وتحرير الأسعار من أي قيد.
إن النظام الاقتصادي الحر الذي يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة، لا يجب أن يعني تغييب دور الدولة للحد من تغول رأس المال، بل المصلحة الوطنية تقتضي تدخلاً فاعلاً من قبل الدولة لأجل توفير شبكة أمان اقتصادي تستفيد منه الأغلبية الشعبية العظمى، وتستفيد من عائداته الرأسمالية الوطنية، ويتم ذلك عبر مشاركة الدولة كممثل للقطاع العام مع القطاع الخاص المحكوم بضوابط وطنية. والمهم أن مستقبل التنمية والاستقلال الوطني لا يمكن فصل أحداهما عن الآخر. وسيبقى الاستقلال السياسي ناقصاً ما لم يدعم بالاستقلال الاقتصادي، الذي يتحقق في الجوهر من خلال استعادة كامل الموارد والثروات الوطنية ودمجها بالتنمية القومية.

1-تكامل الاقتصاديات الوطنية حافز لإنتاجية قومية:
تُعتبر المشروعات الوطنية ميدان الاختبار الأول للتنمية، وبمقدار نجاحها، ستشكل حافزاً أمام الرأسمالية الوطنية لتوظيف ثرواتها فيها. وهي بالتالي ستشكل حافزاً أمام دخول الرأسمالية القومية إلى ميدان التنمية خارج مواطنها القطرية.
وأما عن الرأسمالية الوطنية، وبنجاح التجارب التنموية، الصناعية والزراعية والتجارية، فستتخلى عن مخاوفها. وهذا الأمر سيشجع أصحاب الرساميل من الأقطار الأخرى على التخلي عن مخاوفها أيضاً. وإزالة المخاوف من شعارات يتم الترويج لها لأهداف عرقلة التحول الاجتماعي، ومن أهمها تصوير الاشتراكية كأنها تقوم على مبدأ (توزيع ثروات الأغنياء على الفقراء).

2-أهمية دور الرأسمالية القومية في التنمية، ودور الدولة الوطنية في حمايتها:
إذا اعتبرنا أن التنمية حق مشروع للشعب العربي. وأنها تصب في مصلحة الأغنياء والفقراء، ينال الأغنياء حصتهم من عائدات التنمية، وينال الفقرء حصتهم من مشاركتهم في عملية الإنتاج، وتنال الدولة حصتها لتوظيفها في إنشاء مشروعات أخرى من التنمية.
وإذا أعتبرنا أيضاً أن موقع التنمية في مفهوم الرأسمالية العربية الراهنة، لا تبتعد عن مفاهيم العولمة الرأسمالية، فأهدافها واحدة وهي الربح أولاً وأخيراً. ولذلك فالعولمة الاقتصادية تفتش عن مجتمع الاستهلاك لتصدير إنتاجها، ولا تكترث بمجتمع الإنتاج في الدول الأخرى حتى لا يوجد منافسين لها. إن الرأسمالية العربية الراهنة، بابتعادها عن الانخراط في مشاريع التنمية الوطنية والقومية، تبرهن على أنها خاضعة للتبعية الاقتصادية الغربية.
لكل ذلك، تعمل القوى الداعية للعولمة، والترويج لها، على تخويف الدول العربية الغنية من أن الدعوة إلى الإسهام في مشاريع التنمية القومية، وكأنها مصادرة لثرواتهم وتوزيعها على الدول العربية الفقيرة. وكذلك تخويف الرأسمالية القومية من خسارة أرصدتها في مشروعات تنموية في الأقطار العربية الأخرى، خوفاً من فشل تلك المشروعات، وبالتالي خسارة الأموال التي يتم توظيفها فيها.
هذا الجانب، يمكن معالجته بتوفير كل الضمانات لحماية الرأسمال العربي، ومن أهمها:
-توفير الأمن الوطني ضد التخريب من أي مصدر أتى.
-سنُّ القوانين والتشريعات الخاصة بتوفير ضمانات تحمي تلك الرساميل.
-توفير أنظمة قضائية وإدارية كافية وكفؤة لمنع الفساد في إدارة المشروعات، وسنّ تشريعات عقابية شديدة بحق كل أعضاء السلك الإداري المسؤول عنها.

3-مجموع الإمكانيات القومية تدعم المشروعات القومية المشتركة:
أصبح من الواضح أن الوطن العربي يمتلك إمكانيات كبيرة تصلح لتكون قاعدة لاقتصاد قوي ومتين. وهي: الثروات الطبيعية المتنوعة. والقوة المالية الكبيرة التي تُعتبر الأرصدة السائلة المجمَّدة بالمصارف الغربية قاعدتها الثابتة. والسوق الاستهلاكي الواسع الذي يتجاوز الثلاثماية مليون عربي. والأيدي العربية العاملة، من اختصاصيين وعمال مهرة وأيدٍ عاملة. كلها تكفي للبرهان على أن الوطن العربي مستهدف بشكل دائم من الرأسمالية العالمية من جهة، وتشكل الحافز الرئيس أمام الدول العربية لكي تتجه نحو تحقيق هدفين أساسيين، وهما: (ثروات العرب للعرب)، و(توظيف رأس المال العربي لمصلحة العرب) من جهة أخرى.

سادساً: في نتائج الدراسة
أصبح من الواضح أنه لا تنمية اقتصادية واجتماعية بوجود الهيمنة السياسية على قرارات الدولة العربية، ومن هنا تأتي أهمية الربط بين هدفي التحرر السياسي والتنمية الاقتصادية. ولعلَّ ما جرى في ما يسمى وقائع (الربيع العربي)، يثبت بما لا يقبل الشك بأنه كان يُقصد منه زرع أكبر ما يمكن من عوامل التفتيت والتجزئة للحؤول دون وحدة المجتمعات الوطنية، وتالياً تعميق الحواجز بين الأقطار العربية للحؤول دون الوحدة العربية. وبين هذا السبب وذاك، تلعب بعض القوى المحلية، تيارات دينية سياسية، والطبقة التجارية الوسيطة، دور الرابط والمشارك مع القوى الرأسمالية الخارجية. ومواجهة الأولى يتم بتعزيز عوامل التنمية لتجفيف أحواض (البيئة الشعبية الحاضنة لها). وأما الثانية فبتطمينها بأن التنمية لا تعني توزيع راسماليها على الفقراء، بل بإشراكهم بها ليتلقوا أجورهم لقاء الجهد الذي يبذلونه، وبالتالي تعزيز مصادر الدخل الوطني والقومي الذي يحقق مصالح الطرفين، الرأسمالية الوطنية، ومصالح الطبقات الفقيرة.
واستناداً إلى ذلك، تقع على عاتق الحكومات الرسمية تعميم (ثقافة التنمية) على الصعيدين الوطني والقومي:
-تبيان أهميتها في تحديث المجتمع ووضعه على طريق الإنتاج بما له من أدوار في تنمية العائدات المالية الوطنية، وفي الحد من البطالة، وتطوير البنى التحتية على شتى أشكالها التي تصب في مصلحة المجتمع الوطني. ولارتباطها الوثيق بالتنمية على الصعيد القومي، يمكن اعتبارها، في حال نجاحها، مرحلة أساسية على طريق التنمية القومية الشاملة.
-تبيان أهمية التنمية القومية، وتكامل الحالات الإنتاجية في الأقطار العربية، واستيعاب كل الطاقات الشابة المتخصصة. وهي تكاملية بالمعنى الاقتصادي من حيث تنوع مصادر الإنتاج ووجود الثروات الطبيعية من صناعية وزراعية، ووجود الرساميل الكبيرة، التي عليها أن تنتقل من دور التراكم السلبي الذي يوفره الجانب التجاري، إلى دور التراكم الإيجابي الإنتاجي الذي يوفِّر عائدات مالية أكبر تستفيد منها الرأسماليتين الوطنية والقومية من جهة، وتصب في مصلحة أوسع الطبقات الاجتماعية من جهة أخرى. هذا علماً أن تكامل التعاون بين الدولة والقوى الرأسمالية الوطنية، وتالياً مع الرأسمالية القومية، مع استصدار القوانين والتشريعات التي تشكل حماية للإنتاجين، الوطني والقومي، من طغيان المنافسة مع السلع الأجنبية في ظل عولمة الأسواق وتحرير التجارة العالمية. كل هذا يؤدي إلى الاستفادة من غزارة الإنتاج القومي، واتساع الأسواق الاستهلاكية القومية.

إرسال تعليق