السبت، يوليو 21، 2018

دور القوى القومية في صحوة الأمة من أمراضها


دور القوى القومية في صحوة الأمة من أمراضها

أصبح من الواضح أن القوميتين الفارسية والتركية يوظفان الدين الإسلامي من أجل خدمة مصالحهما القومية، فما بال العرب، وعلى أرضهم نشأت الأديان السماوية، يتجاهلون ذلك، ويتقاعسون عن حماية مصالحهم، لا بل يستقوون بالخارج طلباً للحماية؟
ومن الواضح تاريخياً أنه لما دبَّ الخلاف بين الخلفاء العرب أنفسهم، حتى بين أفراد العائلة الواحدة حول كرسي الخلافة، استعانوا بالأعراق الأخرى لحماية أنفسهم، كالموالي الفرس، والرقيق المملوكي والتركي. فكان منهم في البداية العنصر الفارسي الذي لعب دوراً مهماً، أثناء عصر الدولة العباسية، في تخريب العلاقات بين أبناء الخليفة الواحد، أو بين الأخوة. وكانت أهدافهم، كما أكدتها الوقائع التاريخية، الطمع بالخلافة، وليس فقط التأثير على الخليفة. وكادوا يصلون لو لم يتدارك الأمر بعض خلفاء بني العباس في إنزال المحنة بالبرامكة.
وتؤكد الوقائع التاريخية أيضاً أن المماليك، الذين استقدمهم خلفاء بني العباس لحمايتهم، دوراً في ذلك. ووصلوا إلى الحكم واضعين الخليفة تحت وصايتهم. وحكموا من العام 1250 واستمر عهدهم إلى العام 1517 .
وكذلك توصَّل الأتراك، وهم أيضاً من الذين استقدمهم بنو العباس لحمايتهم، إلى انتزاع الخلافة من المماليك. وهذه المرة أعلن السلطان العثماني نفسه خليفة، واضعاً شيخ الإسلام تحت سلطته ليفتي له بما يستجيب لمصلحة الخلافة العثمانية، فنشأت منذ تلك المرحلة ظاهرة ما نعرفه اليوم طبقة (فقهاء السلاطين). وهكذا استمرت خلافتهم إلى حين إسقاطها في الحرب العالمية الأولى في العام 1916.
ما أشبه اليوم بالأمس، إذ أنه لما انتقل العرب من تحت دلف الحكم غير العربي، إلى دلف مرحلة الانتدابين الفرنسي والإنكليزي، وبالتالي انتقال العرب بالوراثة إلى قبضة الإمبراطور الأميركي، فلم يتغيَّر عليهم شيء لأنهم سلموا رقابهم من جديد للقوى الخارجية لكي تفصِّل لهم الأثواب التي عليهم أن يرتدوها. وكما كان الرقيق الذي استقدمه الأسلاف من الحكام لحماية عروشهم، فقد استعانوا اليوم بحماية من الخارج لكي يحموا تلك العروش.
وإذا كان التاريخ قد أثبت أن الرقيق لم يكن وفياً، بل طمعوا بالخلافة وأخذوها من العرب، فإن وقائع اليوم تؤكد أيضاً أن طلب الحماية من الخارج لن تشكل الحماية للعروش والكراسي، إذ تحوَّل الحامي إلى إمبراطور كبَّل العرب بقيود الاستعباد، ينهب الثروات، ويوكِّل بالحكم من يأتمر بأوامره، فأصبح حامينا حاكمنا وحرامينا، وأصبحنا نحن أرقاء له مأمورين.
وإنه من المؤسف، أن يضع بعض المثقفين العرب، وهم النخبة التي عليها تقع مسؤولية نشر الوعي في أوساط الطبقة الشعبية، قد وضعوا الأغلال في عقولهم وأفكارهم، فانقسموا بين من يؤيد تلك القوة الخارجية، ومن يؤيد تلك. واستمرأوا طعم العبودية فانصاعوا إلى مرجعياتهم الخارجية، وراحوا يدافعون عنها تحت ذريعة أن هذه القوة الخارجية أو تلك هي التي تشكل خشبة الخلاص للأمة.
إنه العصر الغريب المريب. من يملك سلطة المال والحكم، يقلِّد السلف بالاعتماد على قوى، استقدمها، أو قدمت هي بالقوة، للاستقواء بها لضمان حماية كراسيها في الحكم، فوضعت نفسها بمحض اختيارها في خدمة الذئب الطامع بخيراتنا من دون التساؤل، وهل يمكن للغنم أن يستجير بالذئب لحمايته؟!
إنه العصر الغريب والمريب، من يملك سلطة العقل والثقافة، يقع في أفخاخ القوى الخارجية تحت وهم إخلاصها لقضايا الأمة؟! وهل يقتنع المثقف بأنه للهروب من خطر ذئب عليه أن يطلب الحماية من ذئب آخر؟!
عبء المسؤولية يقع على أحزاب وقوى حركة التحرر العربي
علماً أن الأقلية الواعية لواقعها المريض، والتي تمتلك الحد الأدنى من أشكال الحلول، عليها سلوك دروب النضال من أجل تغيير واقع الحال من حال المرض إلى حال الصحة. وإننا نحسب أن عليها أن تستمر من أجل القضاء على أمراض الداخل خاصة تلك التي تدعو البعض للاستجارة من رمضاء الداخل، التي يمثلها الحاكمون من أبناء جلدتنا العرب، بنار الطامعين من الخارج الإقليمي، أو بنار الطامعين من الدول الكبرى.
إن من أخطر أمراضنا الداخلية التي تعاني الأمة منها، هو مرض التفكك من الداخل، والتسابق على السلطة أولاً، ومرض التفكك المجتمعي الذي تُعتبر الطائفية من أهم عوامله.
فالتسابق على السلطة، وبدلاً من الاستفادة من القيم الجديدة لحكم الدولة الحديثة، باللجوء إلى الديموقراطية بكل أبعادها وجواهرها، فقد تفرَّقت سبل النخب السياسية والاقتصادية ومناهجهم، وغرقوا في صراعات بينية تحمي كل فئة منهم قوة خارجية. ومن عجائب الأمور في عصر الانحطاط هذا، أن الجميع يكادون ينسون ما نصَّت عليه القوانين والتشريعات الأممية والإنسانية وحتى ما نصَّت عليه دساتير الدول التي يحكمونها، أو التي يعيشون في ظل حكمها، على أن التعاون مع الخارج يُعتبر بمثابة جريمة (الخيانة الوطنية).
وإن الأعجب والأغرب من كل ذلك، أن تلك النخب تقتات على فتات الخارج مما يسرقه من ثروات العرب، وحتى لقمة عيشهم. ولذلك لا يطمئن الخارج لوكلائه في داخل كل مجتمع أو كل دولة، سوى للفاسدين ممن مات الضمير في عقولهم وقلوبهم، فتآمروا على الشعب، وراحوا يسرقون عرق جبينه، وحبة دوائه، كما يسرقون بشكل أساسي ثروات بلادهم ما كان منها في سمائها، أو على سطح أرضها، أم ما كان في باطن تلك الأرض.
وإذا كان الخارج قد استفاد من الأمراض الشخصية لوكلائهم في الداخل، فإنه استفاد أيضاً من الأمراض المجتمعية التي تنخر في الثقافة الشعبية، ويأتي في الصدارة منها داء الطائفية الذي استفحل في المرحلة الراهنة بشكل واسع وبشكل أخطر من أية مرحلة، حتى كادت الشرائح الشعبية، داخل المجتمع الواحد، في علاقاتها البينية، تصل إلى ضفاف الاقتتال الطائفي، بما فيه من ويلات تضع المجتمع في صراع دائم، تسابقاً على حيازة موقع ما يزعمون أنها (الفرقة الوحيد الناجية من النار)، أو (الطائفة المنصورة).
لقد دلَّت وقائع التاريخ، أينما حصلت، أن الاقتتال الطائفي هو من أكثر الصراعات دموية بين الشرائح الاجتماعية التي تعتنق أيديولوجيات دينية متعددة. وأما السبب في ذلك، فيعود إلى اعتبار أن كل شريحة دينية، أو مذهبية دينية، إنما تعتقد أنها الفرقة التي كلَّفها الله بنشر دينه. وباعتبار أن من يموت في تلك الصراعات، كما يروِّجون، إنما سيدخل الجنة، لأنه ينفِّذ أوامر الله، أو أنه يقاتل في سبيل الله. ولما تعددت الأديان، وثنية منها أم سماوية. ولما تكاثرت المذاهب داخل الدين الواحد. تكاثرت الحروب بين الأديان، كما تكاثرت الحروب بين المذاهب، والتي فيها يزعم كل دين أو كل مذهب أنه مكلَّف من الله بذلك.
ولأن الصراعات الدينية عبر التاريخ أكَّدت أنها المرض الأول الذي تدخل منه القوى الخارجية، أم كانت النخب الداخلية، فإنما راحت تتستر برداء الدين من أجل كسب الأنصار والمؤيدين إلى صفوفها. واستخدامهم وقوداً للوصول إلى أهدافها ومراميها.
وأما عن الوقائع التي جرت في التاريخ العربي، فأكثر من واضحة، وابتدأت أكثر فصولها دموية بعد وفاة الرسول. وتؤكد تلك الوقائع أن ما جرى بين المسلمين أنفسهم كان أكثر دموية، بما لا يُقاس، مع ما قدَّمه المسلمون في غزواتهم الأولى، بقيادة الرسول العربي، من ضحايا، وقتلى، وشهداء.
لم تأخذ الحروب الدموية استراحة طوال ذلك التاريخ. وكان فيها التعصب للمذهب ذي أهداف سياسية ومصالح شخصية لقوادها. وهذا ما دلَّ عليه التاريخ الدموي في العصر الأموي. وكذلك ما دلَّت عليه الوقائع في العصر العباسي. وما القوى الدخيلة التي تسلَّلت أو سُمح لها أن تتسلل إلى دوائر النخب العربية، لبعيدة عن استغلال الدين طريقاً للوصول إلى السلطة، أو لتنفيذ أهداف سياسية أو اقتصادية.
وهنا، وعودة إلى مطلع هذا المقال، الذي ألقى أضواء سريعة حول التطورات التاريخية التي أحاطت بأسباب تدخل الموالي الفرس الذين اعتنقوا الإسلام، وما عملوا على تمريره من مؤامرات باسم الدين. وما الدور الذي لعبه الرقيق المملوكي عندما استغلوا تقاتل الأخوة وأبناء العم على الوصول إلى كرسي الخلافة، فاستأجروا الرقيق لتقوية مواقعهم، فسيطروا على الخلافة ذاتها عندما أنسوا قوة بدورهم. فحكموا باسم الإسلام، وقمعوا باسم الإسلام، ونهبوا ثروات الأمة باسم الإسلام، وسيطروا على الخلافة ما يفوق القرنين ونصف القرن.
وما الدور الذي لعبه الأتراك، وهم من الذين استجار بهم الخلفاء واستأجروهم لحماية عروشهم، فقد فعلوا ما فعله المماليك، وسيطروا على الخلافة من العام 1516 1916، وحكموا باسم الإسلام، وقمعوا باسم الإسلام، ونهبوا ثروات الأمة باسم الإسلام.
وعلى الرغم من بعض المحطات التاريخية المشرقة التي حمى فيها العرب بلادهم في مواجهة الغزوات القادمة من الغرب، أو من الشرق، كالملات الصليبية، وغزوات التتار والمغول، ومن انضم إليهم عن طريق الإسلام، فإن ما يحصل اليوم وكأنه صورة طبق الأصل عن بعض المحطات التاريخية. فلقد تكالب الشرق والغرب، مستعيناً بالقوى الإقليمية المجاورة جغرافياً، والمجاورة تاريخياً، لكي يعيد الأمة لعربية إلى واقع الهيمنة والاستعباد. وليس من الغريب أن يتم استغلال الدين ستاراً للتسلل من الثغرات الأمراض التي أصابت العرب منذ زمن بعيد، وما زالوا يعانون منها حتى الآن، حتى ليُخيَّل للمتابع لوقائع التاريخ، أن التاريخ يكرِّر نفسه في كل ما له علاقة بالصراعات الطائفية، التي كان استفحال تأسيس الدويلات الطائفية في أواخر العصر العباسي من أهم نتائجها.
ليست القواعد التي وُضعت لتطبيق مشروع الشرق الأوسط الجديد في أوائل القرن الواحد والعشرين لبعيدة عن تلك القواعد التي وضعها العرب بأنفسهم في أواخر العصر العباسي، والتي تعود إلى أكثر من ثمانية قرون مضت.
نظرة واحدة للوراء، لتقييم ما عانى منه العرب للاستفادة من أخطاء الماضي، تكفي من أجل العمل لرفض مسألتين على غاية من الأهمية، وهما:
-الأولى: أن الخلفاء العرب عندما استقووا بالقوى الخارجية لحماية عروشهم، فقد تنازلوا طوعاً لتلك القوى عن تلك العروش.
-الثانية: عندما تسابقوا لحيازة موقع (الفرقة الناجية من النار)، فقد زجَّت كل الفرق المتنازعة بنفسها في نار جهنم، ولم تنج منهم فرقة واحدة لتدخل نعيم الجنة، بل من قطف ثمار الجنة هم أولئك المتاجرون بالدين، من الذين وظَّفوه لخدمة مصالحهم. ولم يبق من جنة الأرض للفقراء، الذين كانوا وقوداً لصراعات الحركات الدينية السياسية، سوى الموت والمزيد من القهر والجوع والمرض.
وإذا كان من الواجب قراءة التاريخ، فعلى من يقرأه أن يستفيد من دروسه. ولكن للأسف فلا أحد يقرأ، وإذا قرأ فلم يتَّعظ.

إرسال تعليق