الخميس، سبتمبر 13، 2018

أجوبة صادمة على أسئلة ممنوعة (الحلقة الثالثة)


الظاهرة الدينية بين نار الحرب وجنة السلام
أجوبة صادمة على أسئلة ممنوعة
(الحلقة الثالثة)
ثالثاً: رؤية نظرية في تهذيب أسس المعرفة الدينية

1-صراع الأضداد في العقل البشري سر وجوده
لولا وجود شيطانية الشر لما كان هناك معنى لوجود ملائكية الخير. فالشيطانية والملائكية تكمِّل إحداهما الأخرى. وما هو معنى وجود كاهن (جبران خليل جبران) لو لم يكن (شيطانه) موجوداً. تلك مقدمة لا بُدَّ من الإشارة إليها لكي نتعمَّق بدراسة ثنائيات المتناقضات الكامنة في النفس البشرية.
وإذا كان الله خالقاً للإنسان، فهو وحده المسؤول عما خلق. وهو وحده المسؤول عن خلقه. لقد خلق الله الإنسان على هذا المثال، وخلق فيه كل أنواع النزعات لأنه يعرف تماماً أن صراعها يؤدي إلى حركة دائمة في النفس البشريه، فهو قد ﴿ألْهَمَهَا فُجُورهَا وَتَقْوَاهَا﴾، ولم يفرض عليها لا التقوى ولا الفجور، بل خلق فيها قوة التمييز، فعليها أن تختار ما يحقق سعادتها، ورفض ما يولِّد الألم والتعاسة.
فخلق ثنائية التناقضات سر الخالق في المخلوقات. فمن لا يكابد سر الألم لا يشعر بلذة الشفاء. ومن لا يعاني من الجوع لن يشعر بلذة الشبع. ومن لم يعطش لن يشعر بلذة الشرب. ومن لا يعاني من ألم الفراق لن يشعر بلذة اللقاء. ومن لا يخاف من الظلام لن يتمتع بإشراقة النور. ومن لا... لن... وهكذا تطول اللائحة. وهنا لن نتوقف أكثر أمام سر خلق التناقضات في النفس البشرية الواحدة. كما لن نتوقف أمام ثنائية الاختيار والإلزام، لأن الخالق لو أراد أن يُلزم الإنسان بجانب واحد لما كان قد خلق غريزة ثنائية التناقضات في ذاته؛ ولهذا ترك الخيار أمام الإنسان ليأخذ مجراه، لكي يبقي العقل بحركة دائمة، يختبر ليختار، حتى يصل من خلال نتائج اختياره إلى الخيار الصحيح. ولأن الله خلق اللذة في اختيار الإيجابي، وخلق غريزة الألم في الجانب السلبي، ستكون النتيجة في أن الإنسان في خياراته سيختار كل ما يولِّد السعادة واللذة. وفي المقابل، وإذا كانت معالجة الجانب النفعي الذاتي لا تعتبر كافية لاستكمال الاستنتاجات، فيبقى معالجة الجانب الغيري، لكون الإنسان يعيش خارج ذاته بسبب وجود الإنسان الآخر. وعن ذلك، وإذا لم يأخذ الإنسان كفرد منفعة الآخر بعين الاعتبار، فمن خلال استقراء التجارب البسيطة منها، يمكن للإنسان الفرد أن يولي جانب المنفعة الغيرية الاهتمام الكافي لتؤكد له أن التفتيش عن المنفعة الأنيَّة ليست كافية إذا تجاهل المنفعة الغيرية؛ وعن هذا يمكننا الاستدلال بأن الفرد عندما يعمل لمنفعته الذاتية فقط، فسوف يجد في المقابل أن الآخر إذا عمل أيضاً لمنفعته الذاتية، فسوف تتصارع المنفعتان فيحل الألم مكان اللذة، ليجد كل منهما أن لذة الأنا تتكامل مع لذة الغير.

2-من صراع المتناقضات في النفس البشرية تبدأ مرحلة تهذيب التربية الروحية
ولأن مسألة الروح كانت شغل البشرية الشاغل منذ بداية التكوين الأولى، فهي إذن ذات أهمية بالغة في حياة الإنسان؛ وقد أكَّدت أهميتها عناية الإنسان بعبادة الأوثان الرموز للقوة الخفية، وكذلك أكدت الأديان السماوية أهميتها عندما آمنت بالخالق مجرداً عن كل لوثة مادية.
ولأن الأديان السماوية لم تستكمل عملية التجريد بشكل كامل، فقد جرَّدت الخالق من أي تشكيل مادي، لكنها حافظت على طريق الوصول إلى معرفته بطرق مادية، حسباناً منها أنها الأقرب لمفاهيم العامة من البشر. واستكملت خطأها بأنها أضفت على طريق الوصول إلى خلاص أنفسها بعد الموت وسائل مادية، وصلت إلى حدود تصوير الخالق بصفات البشر الأكثر شدة وبأساً وانتقاماً؛ وهذا الذي دفعها إلى اعتبار نار جهنم مقراً للخطأة والمذنبين؛ وجرى ذلك باعتماد ما يعرفه البشر بالنار الدنيوية لكي يدركوا كم أن عذاب النار الأخروية أشد وأقسى. هذا ما أمسك به الكثير من وعَّاظ الأديان السماوية وأضفوا على تلك النار أوصافاً لا يمكن لعقل بشري أن يألفها، بل يرفض التعذيب بنار الدنيا رفضاً مطلقاً، فكيف بهؤلاء يرضون أن تصدر عن إله رحيم؟ هذا ناهيك عن أفاعي القبر، وعذابات القبر، وشدة قسوة من يستقبلون الميت بالقبر...
حسِبَ كل المنتمين للأديان، أنه لا بُدَّ للخطأة أن يلقوا بعد الموت حساباً يتناسب مع أفعالهم الخاطئة؛ وحسبوا أيضاً أن الإنسان إذا تأكد أنه لا حساب ولا مساءلة بعد الموت يعني أنهم سيرتكبون أخطاء أكثر، ليخلصوا إلى نتيجة أنه لا بُدَّ من التذكير بعذاب أخروي لهم لكي يرتدعوا عن أفعالهم. ولم يقف هؤلاء ولا أولئك عند هذا الحد بل أضفوا على أنفسهم صفة الوكالة عن الخالق بحساب الخاطئين. ووظفوا وكالتهم، التي لم يعرف أحد كيف نسبوها إلى أنفسهم، ليمارسوا كل أنواع التعذيب، ليس بمن أخطأوا بل بمن لم يؤمن بما يؤمنون به من معتقدات غيبية. وعلى الرغم من ذلك، فقد استمرت الصراعات، وسوف تستمر إلى نهاية الكون إذا ما ظلَّت طرق المعرفة الروحية على التقليد ذاته منذ مئات القرون، إذا لم يكن منذ آلافها. وفوق هذا وذاك، فقد حموا ونافقوا أكبر الحكام العتاة، ودافعوا عن الموسرين والأغنياء الذين يكدسون الذهب والفضة بمقادير تفوق تصور الفقراء والمحتاجين والجائعين. فهم إذا برروا دفاعهم عن الأغنياء بأن الفقر والغنى هو شأن من شؤون الخالق، يعطي من يشاء بغير حساب؛ ويعظون الفقراء بأن يصبروا انتظاراً لتعويضهم بعد الممات.
وإذا كنا لن ننتظر تغييراً من حراس الأديان وكهنتها، طالما لم يغيروا بطرائق العمل لخلاص أنفس البشر بعد الموت؛ ولأنهم عجزوا عن أي تغيير لتخليص البطون الخاوية من الجوع؛ كما عجزوا عن إيقاف حمامات الدم التي تجري أنهاراً في صراعات الآلهة العبثية، نرى من حقنا الاجتهاد في التفتيش عن وسائل جديدة للتربية الروحية، طالما هي ثابت من ثوابت الواقع البشري، وثابت من ثوابت المعرفة الإنسانية.
وهنا، سنعالج مسألتين اثنتين، ولكنهما متلازمتين، وهما:
-مسألة الخروج من عقد التربية الروحية التقليدية على مستوى الأفراد في الإرشاد الديني، وكذلك في المعاهد التربوية المدنية.
قرن من الزمن تقريباً يفصلنا عما قاله الشاعر القروي رشيد سليم الخوري، كافية لتقدِّم البرهان على أن الوطن العربي يعاني من مرض الطائفية منذ قرون عديدة. والطائفية التي يقصدها هنا لها علاقة بالأديان السماوية وليس غيرها لأن العرب لا يؤمنون بأديان أخرى، خاصة بعد أن تمَّ القضاء على الوثنية. بل يخاطب الشاعر كل من اعتنق ديناً سماوياً؛ وفيما قاله إفصاح واضح عن أن الأديان التي اعتنقها العرب بدلاً من أن تكون نعمة عليهم، ونعمة على العالم أجمع، فإنها تحوَّلت إلى نقمة تنخر في أسس وحدتنا القومية والوطنية. وقد بلغ به الحنق من تلك النقمة أنه أعطى وحدة المجتمع العربي أولوية على الأديان. وعن ذلك، أنشد قائلاً:
وسيروا بجثماني على دين بَرهمِ!!

هبونيَ عيداً يجعل العُربَ أمَّـةً
وقد حطمتنا بين نابٍ ومنسمِ

فقد مزَّقت هذي المذاهب شملنا
وأهلاً وسهلاً بعـده بجهـنَّم

سلامٌ على كفرٍ يوحِّد بيننا
وإذا كان الله هو الذي أمر بالدين، فإنما من أجل خير البشرية ووحدتها. ولم يأمر بنشر الدين لغاية في ذاته، بل بما فيها من خير للناس، تنشر المحبة والعدل والمساواة؛ والتقوى التي تحضُّ عليها الأديان السماوية، كما نفهمها، هي سلوك دروب القيم العليا، وليس كما يحسب الملايين من الدعاة للدين بأن الله أراد من الحضِّ عليها أن تكون قاعدة لعبادته. إن الله ليس بحاجة إلى عبودية أحد، خاصة أنه هو المنزَّه عن النفعية وكل ما له علاقة بأوصاف للبشر. وإذا كان الله قد خلق البشر، فإنما لكي يكونوا موحَّدين، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، على قاعدة ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ، وليس لكي يقاتلوا لنصرته كما يزعم الكثيرون من المتفيقهين؛ لأن الله ليس بحاجة إلى من ينصره. فإنما النصرة هي تطبيق القيم العليا التي في تطبيقها خير للبشرية.
كل ذلك، يُرتِّب على المؤسسات الدينية من جانب، والمؤسسات الرسمية من جانب آخر، أن يُعيدوا النظر بأساليب التربية الروحية التقليدية، وذلك بالعمل من أجل ما يلي:
-الإقلاع عن كل ما يدعو إلى تكفير الآخر، لأن التكفير هو نوع من الحساب، ومن الثابت أن الحساب هو شأن من شؤون الخالق. وكل من يسعى إلى تكفير الآخر، يعني مساءلته وحسابه وإصدار الحكم عليه، وهذا يعني أن الفاعل إنما ينيب نفسه مكان الخالق، وهذا هو السطو صراحة على مسؤولية الله عن خلقه؛ ومن يتنكَّب هذه المهمة فهو كمن يعتبر أن الله عاجز عن القيام بذلك.

-الإيمان بأن الله قد خلق في الإنسان ملكة الاختيار بين الخير والشر، ومهمة من يتصدى لمهمة الوعظ والفتوى لا تتعدى مسؤولية الكشف عن فضائل الخير ومساوئ الشر. وهناك نصوص واضحة، ومنها: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، فـ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾. وأما الاجتهاد بأن الله قد نسخها، وأمر بالحرب، فيتهافت في مواجهة القاعدة المنطقية التي تقول: لا يمكن لمتغير أن ينسخ ثابتاً. إن استخدام القتال هو وسيلة لتطبيق القيم العليا مثلاً إذا أصرَّ الظالم على ظلمه؛ بينما حرية الاختيار هي الهدف الثابت، وهي القيمة العليا، التي من أجلها يستخدم الإنسان وسائل التوجيه بالتي هي أحسن، أو بالحوار الفكري، أو حتى بالقتال من أجل رفع الظلم عن المظلوم، ومن أجل الدفاع عن حرية الإنسان في التفكير والاختيار.

-إن التربية الروحية التقليدية تستند إلى وسيلة التخويف خاصة فيما يتعلق بأوصاف نار جهنم، على تعددها ورهبتها وفظاعتها، تلك الأوصاف التي تغدقها المؤسسات الدينية، ويتبارى المرشدون في وصف فظاعتها، بتعداد أنواع التعذيب التي تبدأ بحساب القبر، ولا تنتهي بأبشع صفات التعذيب في نار جهنم التي تنتظر المذنب بعد الموت؛ وإنه بدلاً من ذلك، على المؤسسة الدينية أن تقوم بتهذيب وسائل تلك التربية، وذلك بإعداد مرشدين روحيين يمتلكون ثقافة عصرية يضعون مناهج جديدة للتربية الروحية يلتزم بها المكلفون بالإرشاد في أماكن العبادة، ولعلَّ في استحضار بعض التجارب عند الأديان الأخرى ما يفيد في ذلك، والتي تقوم على القواعد والأسس التالية:

3-الاعتراف بأن خلاص الأنفس في الآخرة يتم عن أكثر من طريق:
على أثر زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان، في 14 أيلول 2012، وتوقيعه ما أطلقت عليه الكنيسة الكاثوليكية اسم ( الإرشاد الرسولي ) ، واتتنا الفكرة للاستفادة مما جاء فيه من إيجابيات.
متجاوزين مواقف البابا السياسية من قضايا أمتنا العربية، ومتجاوزين الحملة المشبوهة ضد النبي محمد، الرسول العربي، التي يروِّجها الإعلام الغربي والصهيوني، سنركِّز اهتمامنا على الجانب الروحي فيما جاء بهذا الإرشاد، وهو حق لنا يحفظه مبدأ حرية الرأي كمواطنين في دول تتعدد فيه الأديان السماوية والمذاهب المتفرعة عنها. وهذا الرأي لا يلزمنا بأي تغيير في مبادئ إيماننا الروحي، بل نعتبر اختيارنا لتلك المبادئ حقاً شخصياً وفردياً نُسأل عنه أمام الله عز وجل، وليس أمام أي أحد آخر ممن يزعمون أنهم ( يمثلون الله على الأرض ).
بداية نرى أنه كما في الإسلام دعوات تحسب أن النفس المسلمة هي الوحيدة الناجية من النار، كذلك في المسيحية دعوات مماثلة. وكما في الإسلام دعوات لتغييب مبدأ (لا إكراه في الدين)، كذلك في المسيحية هناك دعوات مشابهة.
وكما تفرَّع الإسلام إلى مذاهب يحسب كل مذهب منها أنه الفرقة الناجية من النار، وغيره من المذاهب الأخرى هي من الفرق الضالَّة؛ وعلى قاعدة هذا الزعم تبادلت المذاهب المختلفة اتهامات التكفير والتضليل والتفسيق، فتقاتلت وتذابحت وتكافرت وتفاسقت، تحت ذريعة احتكار كل منها لموقع الفرقة الناجية من النار. كذلك تفرَّعت المسيحية إلى مذاهب يحسب كل منها أنه المذهب الوحيد الذي يحتكر تعاليم المسيحية بينما غيره من المذاهب والفرق سلكت طريق الهرطقة فأخضعها المذهب الأقوى لمحاكم التفتيش والحكم عليها بالموت أو الحرق.
وكما في الإسلام انتصرت دعوات النقل على العقل، وساد من بعدها عصر التخلف، كانت المسيحية قد سبقتها إلى ذلك.
ومن بعد أن سادت مذاهب النقل الإسلامي مئات السنين، وأخلى العقليون مواقعهم خوفاً من القتل والتنكيل، جاء العصر الحديث ليحمل أملاً جديداً في تاريخ الثقافة العربية بـ(فورة عقلية تنويرية) بين أوساط المفكرين العرب. وما تزال (الفورة) تشق طريقها وإن بصعوبة، فإن ثورة العقل في الدول المسيحية كانت قد سجَّلت نصراً على النقل قبل أكثر من ثلاثة قرون مضت من تاريخ الدول المسيحية.
وإذا كان انتصار (ثورة العقل) في أوساط المفكرين الغربيين على (النصوصيين المسيحيين) لم يؤد إلى إلغاء المسيحية، وثورة العقل لم تكن تريد ذلك؛ كما لم يؤد إلى عقوبات إلهية بتلك الدول، بل على العكس عرفت عصوراً متقدمة جداً من النهضة والرقي؛ وكان من أهمها أن التكافر والاتهام بالهرطقة قد ودَّعا المجتمعات الغربية إلى غير رجعة، واحتل كل مذهب ديني مسيحي مكانه، واحتفظ بكرسيه ومواقعه على الصعيد الدستوري لكل دولة غربية مدنية. وفي المقابل لم يؤدِّ انتصار النقليين في الإسلام إلى مكافآت إلهية، بل على العكس من ذلك عرف الإسلام عصوراً من التخلف والظلمة وما يزال. ولم تقف النتائج عند هذه الحدود بل تخطته وقفزت فوقه ليبقى التكافر والتفاسق والتضالل يشكل منهجاً، يعتبره المتمذهبون السيف المسلول في يد أبناء المذهب (الناجي الوحيد من النار)، والسيف المصلَّت على رقاب أبناء المذاهب الأخرى، التي ليست، حسب زعم ذلك المذهب، أكثر من رقاب الـ( مرتدِّين) والـ(ضالين ) والـ(فَسَقَة ) ؟؟!!...
وإذا كانت معالجة الكنيسة في الغرب، في السنين القليلة الماضية، لإشكالية (الردة) قد لامست طبيعة العصر ورافقته وجددت في تعاليمها بما يتقارب مع مبدأ (لا إكراه في الدين) ، وهي بذلك لم تتجاوز فحسب إشكالية الخلاف بين المذاهب المسيحية، بل تجاوزت إشكالية الخلاف بين الأديان كذلك، فإن الخطوة التالية المقابلة، لكي يتم تفجير الألغام بين حدود الأديان مركونة على عاتق المؤسسات الدينية الإسلامية التابعة لكل المذاهب الإسلامية وفرقها. وتدليلاً على أن الكنيسة الكاثوليكية جاءت لتعالج تلك الإشكالية، في إرشادها الرسولي، نقرأ نصاً يؤكد ذلك، ومما جاء فيما أعلن عنه خلال زيارة البابا ما يلي: (المسلمون يتقاسمون مع المسيحيين الاقتناع بأن الإكراه في الدين غير مقبول، خصوصاً إذا تم بواسطة العنف).
وإذا كان اعتقاد (خلاص الأنفس في الآخرة) هو المبدأ الذي أسس لكل اتهامات التكفير والهرطقة والردة والتفسيق والتضليل بحق الآخرين، من أبرز المبادئ التي تدعو إلى التعصب فالتقاتل فالتذابح بين الأديان والمذاهب، قد ولَّى إلى غير رجعة. هذا المبدأ عالجه الإرشاد الرسولي، الصادر عن بابوية روما منذ سنوات، على الشكل التالي، وبما يؤدي بمعناه: إن لخلاص الأنفس في الآخرة أكثر من طريق غير طريق المسيحية، ومنها طريق الإسلام وسواه.
وبمثل تلك الدعوة تكون الكنيسة الكاثوليكية قد قطعت نصف المسافة تجاه الاعتراف بالمعتقدات الدينية الأخرى، وما على أصحاب تلك المعتقدات إلاَّ أن يقطعوا نصف المسافة الآخر.
قطع نصف المسافة يقتضي إعادة النظر بالقاعدة الفقهية التي تجعل المتغير يلغي الثابت
ومن أجل تأصيل مبدأ الاتهام بالردة، والصراع الفقهي الدائر حول أولوية الدعوة للإسلام بالحوار أو بالقوة، نوجز بما يلي:
في المرحلة المكية من النص القرآني، سادت مبادئ (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، و(وجادلهم بالتي هي أحسن* إنما أنت مبشر لست عليهم بمسيطر ) . بينما الدعوة إلى نشر الإسلام بالقوة جاءت لاحقاً في المرحلة المدنية. وحولها جاء النص القرآني ( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
وعلى قاعدة الناسخ والمنسوخ حسب الفقهاء المسلمون أن (آيات القتال) قد نسخت (آيات الحوار )، فغلَّبوا أسلوب الدعوة للإسلام بالقوة. ولكن تناسى الفقهاء أن (آيات القتال) كانت مرحلية فثبتوها، وأصبحت بمثابة مبادئ ثابتة بالدعوة إلى الإسلام.
لا شك فيه بأن الدعوة للإسلام وغيره لا يجوز أن يتم بغير الحوار، لأن الحوار هو الاعتراف بمبدأ الحرية، والحرية ثابت قيمي إنساني، وهو بالتالي (مبدأ إلهي مقدَّس) ، تؤكده نصوص القرآن المكية إسلامياً، كما تؤكده نصوص كل المفكرين على مستوى البشرية جمعاء، ومنها نصوص المعاهدات الدولية وفي المقدمة منها مؤسسات الدفاع عن حقوق الإنسان. كما أنه لا شك فيه أن مبدأ القوة مبدأ مرحلي من الواجب استخدامه في حالات استثنائية ومنها الحالة التي تتعرَّض فيه الحرية الإنسانية لأي خطر. واستناداً إليه يكون مبدأ الحرية ثابتاً، ومبدأ القتال متغيراً، وبناء على أسس المنطق بكل أشكاله نؤكد أن المتغير لا يجوز أن ينسخ (أي يلغي) الثابت، أي أن مبد (القتال) لا يجوز أن يلغي مبدأ ( الحوار).
وإذا كان من الصعوبة بمكان إقناع الحركات الإسلامية السياسية بتلك المبادئ لأنهم سيأتون بنصوص أخرى يدحضون بها ما نعتبره حقائق، فإننا نراهن على دور المؤسسات الدينية الرسمية في أن تبادر إلى إعادة النظر بما نعتبره إشكالية الاعتراف بالأديان الأخرى، وإلغاء المصطلحات الفقهية: (الفرقة الوحيدة الناجية من النار) ، و(الفرقة الضالة) وغيرها من المصطلحات التي تزرع حب التنافس والتقاتل والتسابق من أجل (دخول الجنة)، لأنها مصطلحات تعمِّق الشرخ والفرقة ليس بين أبناء الأديان المختلفة فحسب، بل بين أبناء المذاهب المختلفة المتفرعة عن الدين الواحد أيضاً.
وأخيراً، هل يمكننا أن نعترف بأن لخلاص الأنفس في الآخرة أكثر من طريق؟

4-كيف يطبِّق الغربيون مبادئ الحرية بالاعتقاد؟
لم تدع الحركة التنويرية في الغرب إلى إلغاء الدين، وإنما فصلت مهمة رجل الدين عن السياسة، واعتبرت أن مهمته الإرشاد الروحي فقط، ومنع التحريض المذهبي والديني؛ هذا وإن شذَّت بعض التيارات عن هذا المبدأ، فإنما علينا أن نحاكم الدولة المدنية في الغرب على المبادئ التي رسمتها لنفسها، وليس على الحالات الشاذَّة التي تظهر هنا أو هناك، التي قد يكون وراءها أغراض سياسية وأمنية. ومما يُنقل عن تقاليد العبادة في أماكنها، والتي دأب الغربيون على ممارستها في الأوساط الشعبية، هو أن لرجل الدين أن يمارس دوره في الإرشاد وتنوير المتدينيين في فضائل المذهب، ويُمنع عليه التحريض ضد المذاهب الأخرى، والأديان الأخرى. وإذا تجاوز مهمته فعلى الحاضرين أن ينهوه عن ذلك، وإذا أصرَّ على سلوكه، فيمكن لأي مواطن أن يشكوه للمحاكم المدنية، أو للمؤسسة الدينية الأم. وهي بدورها تقوم بمحاسبته على أخطائه، وتنزل العقاب به، إما نقلاً إلى مكان آخر، وإما فصله عن المؤسسة الدينية التي يتبع إليها.

5-الشذوذ في التبشير الديني في الغرب استثناء، أما الشذوذ في الشرق فمبدأ عام.
إن القاعدة الشاذة الموجودة في الغرب، فهي خروج شخص أو فئة تعمل على سبَّ وشتم المعتقدات والرموز الإسلامية، بأشكال استفزازية واستعراضية مثيرة، ومصدر هذه الظاهرة ليس دينياً، بل هو مجرد عمل إعلامي تقف وراءه أجهزة استخبارات لها وظائف محدَّدة موجَّهة إلى الشرق الإسلامي، تقصد منها إبقاء حالة الانفعال الطائفي في الشرق على مستويات مرتفعة، خاصة في بيئة تقع على غاية من الاحتقان والتوتر التي شهدتها، وما تزال تشهدها، مرحلة ما سُميَّ بـ(الربيع العربي). وما تتناقله وسائل الإعلام عن الفرقة (8200) التي شكلتها أجهزة المخابرات الإسرائيلية كذراع إعلامي للتحريض الطائفي، وإن كانت لا ترقى إلى درجة اليقين، إلاَّ أن الوقائع تؤكد هذه المعلومات. وما يُروى عنها، أن مدير أحد تلك الشبكات الناشطة على وسائل التواصل الاجتماعي، يكتب جملة تقول: (من هي أفضل: عائشة أم فاطمة؟)، أو (من هو أفضل: علي أم أبي بكر؟)، فتلتهب وسائل التواصل الاجتماعي بالردود الانفعالية، والردود الانفعالية المضادة.
وأما عن الصورة في المجتمع العربي أو الإسلامي، بالنسبة للتبشير الديني، فتختلف كلياً عن الصورة التي يظهر فيها في الغرب. وقد ينال المرشد الروحي الديني في الشرق مكافآت، من قبل الكثير من التيارات الدينية السياسية، بمقدار ما يكون تحريضه على المذاهب الأخرى، أو الأديان الأخرى، قاسياً ومؤلماً. وللأسف يُعتبر الشاذ في مجتمعاتنا هم رجال الدين الذين ينهون عن التحريض ويحضُّون على مبادئ الإرشاد الروحي الذي يعزَّز عوامل الوحدة بين أبناء المجتمع على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية.
وما انتشار الكتب الدينية في المجتمع العربي أو الإسلامي التي يجتهد في محتواها كثير من رجال الدين من دون مسؤولية غير اكتسابهم الأجر في الآخرة كما يقولون؛ تلك الكتب التي تحتل قرءاتها المرتبة الثانية بعد كتب الأبراج وكتب الطبخ، ليست سوى مظهر لافت يفسِّر لنا مستوى الثقافة الروحية المتخلِّفة للكثير من المواطنين العرب والمسلمين. وإذا عرفنا أن الكتب الدينية التي تُنشر وتُباع لا تخضع إلى أي إشراف من الدولة أو المؤسسات الدينية لعرفنا فداحة المشكلة، بحيث تنتشر كتب التحريض والتعبئة التي قد يقوم بها من ينتسبون إلى سلك رجال الدين ممن لا ضوابط لفتاواهم، بل غالباً ما تتسِّم بطابع التحريض والتعبئة.
وطالما أن الواقع هو ما هو عليه من فلتان، يتذرَّع فيها رجل الدين بحديث الرسول الذي يحض على الاجتهاد، قائلاً: من اجتهد فأخطأ له أجر واحد، ومن اجتهد فأصاب فله أجران. وطالما حضَّت فتاوى فقهاء المسلمين على وجوب التقليد، أو أن يكون المسلم مقلداً أحد المراجع وجوباً لكي يفتي عنه؛ يعني ذلك أن المسلم يضمن خلاص نفسه في الآخرة طالما أن وزر الخطأ يقع برقبة المفتي. وطالما أن المفتي يضمن الأجر إذا أصاب أو أخطأ، فيعني هذا فلتان كبير في التربية الروحية، وفلتان أكبر في فوضى الفتاوى المتناقضة، وفلتان على غاربه في وحدة المجتمع. ولهذا، من أجل تجاوز المحنة التي تتعرَّض لها مجتمعاتنا، نرى أولوية التركيز على قضيتين مهمتين، وهما: تهذيب التربية الروحية على شتى المستويات، ونشر ثقافة الدولة المدنية.

إرسال تعليق