الاثنين، سبتمبر 10، 2018

أجوبة صادمة على أسئلة ممنوعة (الحلقة الثانية)


الظاهرة الدينية بين نار الحرب وجنة السلام
أجوبة صادمة على أسئلة ممنوعة
(الحلقة الثانية)
 ثانياً: في نقد النص الديني

1-الاعتقاد بالأديان السماوية تحولت من نعمة إلى نقمة؟
إن مفهومنا للأديان السماوية التي كانت أرضنا العربية مهبطاً لها، الموسوية والمسيحية والمحمدية، يتحدد بأنها ارتقت بمفهومها للإله من التشكيل الصنمي المادي إلى تجريده عن المادة. وارتقت به من تعددية الأصنام إلى الدعوة لإله واحد غير منظور. كما نادت بأنه لا إله إلاَّ الله الواحد الأحد، الذي على الإيمان به يمكن للإنسان أن يجد خلاصه في الدنيا، وأن يضمن خلاص نفسه بعد الموت.
ولأن الأديان السماوية، هي المتبقي لدى معظم أبناء البشر، والتي استقطبت بتفسيراتها وتأويلاتها نصف عدد سكان الكرة الأرضية تقريباً، والتي انتشرت في شتى أرجاء الكون انطلاقاً من منطقتنا العربية. وعلى الرغم من أن ما يساوي نصف تعداد البشر يدينون بأديان أخرى، كما هو حاصل في الصين والهند، ومعظم دول شرق آسيا؛ ولأن منطقتنا تشهد أكثر الصراعات الدينية حدَّة، منذ بداية التبشير بها، فإننا سوف نتناول الأديان السماوية بالبحث والعناية، لنتساءل:
-لماذا تكاد الصراعات الدينية تقتصر، بشكل واسع وواضح، على منطقتنا العربية؟
-ولماذا لم تعرف مرحلة الأديان الوثنية تلك الحدة من الصراعات، وإنما العكس كان هو الصحيح، ألم يجمع عبدة الأوثان أوثانهم في مكان واحد؟
-لماذا لا نرى ظاهرة الصراعات بارزة في دول شرق آسيا التي تنتشر فيها البوذية والكونفوشية؟
-لماذا لا تنتشر ظاهرة الصراعات الدينية في دول الغرب، خاصة وأنها نقلت الأديان السماوية عن منطقتنا التي كانت مهداً لها؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير، يدفعنا إلى التساؤل بإلحاح وجرأة: هل الأديان السماوية نعمة للمجتمعات العربية أم نقمة؟
إن أسرار الحياة والموت، كما عبَّرت عنها وقائع التطور البشري منذ التكوين الأول للإنسان في هذه المنطقة من العالم، كانت الشاغل الدائم والمستمر، للسكان منذ العصر الحجري وصولاً إلى عصرنا الراهن. فقد تطور مفهوم الإله عند المجتمعات البدائية من التشكيل المادي إلى التجريد الفكري.
فالطوطم، في المجتمعات الوثنية، هو أي كيان يمثل دور الرمز للقبيلة التي يُجمع أفرادها على عبادته، وأحيانا يُقدَّس باعتباره المؤسس أو الحامي لهم. وكانت الطوطمية معروفة عند عرب الجاهلية، وكان لكل قبيلة صنم خاص بها على صورة حيوان أو جزء من الإنسان يقوم بتشكيله من حجر أو تمر. ومما تذكره كتب التاريخ أن العرب قد جمعوا أصنامهم في الكعبة، وكانوا يتعبَّدونها على تعدد أصنامهم، ولم يذكر التاريخ أنهم تصارعوا حولها.
وعلى الرغم من تعدد الطواطم والرموز عند المجتمعات الكبرى أو الصغرى، لم يثبت التاريخ أن الحروب بين القبائل والتجمعات، التي لكل منها طوطمها الخاص، كانت تدور من أجل التبشير بقوة هذا الطوطم أم ذاك. بل كانت الحروب تدور في الغالب الأعم من أجل التوسع في الأرض، أو الغزو من أجل الحصول على الغنائم؛ بينما كان دور الطوطم فقط هو أنه كان يمثل رمزاً لهذه القبيلة أو تلك، والتي تعتقد أنه يحميها ويحرسها.
وهنا تحضرنا واقعة مؤرخة في ذاكرة تاريخ المنطقة، هي أن الأصنام على تعددها بين القبائل والعشائر والتجمعات البشرية، كانت مجموعة في هيكل واحد، كما كان حاصلاً عند الفراعنة، وكما كان حاصلاً في الكعبة في مكة؛ وعلى الرغم من كل ذلك، فلم يسجل التاريخ أن تعدد الأصنام كان قد شكَّل سبباً للاقتتال بين عبدتها على تعدد أصنامهم وطواطمهم؛ بل كانت كل مجموعة بشرية تؤدي واجبات العبادة والطقوس لطوطمها أو لصنمها جنباً إلى جنب المجموعات الأخرى. وباستذكارنا لتلك الظاهرة، فإنما لكي نشير إلى أن الإنسان، منذ تلك العصور السحيقة في التاريخ، كان أميل منه للاعتراف بحرية الآخرين بالاعتقاد الديني، من دون أن يتدخل أحد بحرية الآخر. وبذلك يمكننا الاستنتاج بأن الصراعات الدينية لم تأخذ طريقها بين التعدديات الوثنية، على الرغم من كثرتها وسعة انتشارها منذ العصور السحيقة في تاريخ البشرية المعروف.

2-في نصوص الأديان السماوية ما يحض على التكفير وعلى قتال الكافرين:
وبما أن الفرعون أخناتون حاول أن يوحِّد الأصنام في صنم واحد يمثل (الشمس)، وهو ما يشبه الدعوة إلى عبادة إله واحد، ثار ضده الكهنة وضغطوا من أجل الإبقاء على تعدد الأصنام، احتراماً لمعتقد كل شريحة من شرائح المجتمع المصري. ولم تهدأ ثورة الكهنة المصريين إلاَّ عندما ألغوا فكرة تجميع المعتقدات بمعتقد واحد، وعادت الحياة العقيدية التقليدية إلى مساراتها السابقة.
كما تذكر المصادر المتوفرة، أن النبي موسى كان يعيش في بلاط أخناتون، وعندما حدثت الثورة ضده لأنه دعا إلى توحيد الآلهة بإله واحد؛ ولأن النبي موسى كان من مؤيدي الفرعون أخناتون بالتوحيد، هرب إلى أرض فلسطين للنجاة من ثورة الكهنة، لتبدأ مسيرة ما عُرف لاحقاً بظاهرة الأديان السماوية التي دعت إلى وحدانية الله؛ فجاء السيد المسيح ليُحدث ثورة على الحاخامات اليهود الذين استسلموا لهيمنة الإمبراطورية الرومانية؛ ومن بعده جاء النبي محمد ليُحدث ثورة على نظرية التثليث المسيحية. وبين هذا الانتقال وذاك، كانت عقائد الأديان السماوية الثلاث تحضُّ على قتل كل من لا يعتقد بطريقتها في الإيمان بالله.
ولذلك تذكر وقائع التاريخ أن ظاهرة تكفير الآخرين، والأمر بقتلهم، يؤرَّخ لها بانتشار الأديان السماوية. وعن هذا سنضع شواهد من نصوص تلك الأديان، التي تؤكد ما جاء في هذا الاستنتاج:
-أولاً: جاء في العهد القديم للتوراة، سفر تثنية التشريع، الفصل الثالث عشر: » (1) إذا قام بينكم متنبئ (2) وقال لك تعال إلى آلهة غريبة فنعبدها. (3) فلا تسمع كلام هذا المتنبئ (5) وذلك المتنبئ أو رائي الحلم يقتل حتى ولو كان أخوك أو ابنك أو ابنتك أو زوجتك أو صديقك«.
-ثانياً: العهد الجديد: وحتى لو لم يُوجد نص حول ذلك في العهد الجديد من الكتاب المقدس، كانت محاكم التفتيش المسيحية في أوروبا، التي كانت تُنزل الأحكام القاسية بالمهرطقين، أي الذين لا يدينون بمذهب الكنيسة الحاكمة، دليل واضح على أن كل فرقة من المسيحيين كانت تكفِّر الأخرى، باتهامها بالهرتقة. وتاريخ محاكم التفتيش حافل بوقائع تلك الأحداث.
-ثالثاً: وأما في الإسلام، واستناداً إلى الكتاب والسُنَّة:
-فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا ... وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ و﴿... لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. ﴿هم العدو فاحذرهم﴾، ﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾. و﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾.
-وجاء في السُنَّة النبوية: نُقل عن الرسول أنه قال: (من ارتدَّ منكم عن دينه فاقتلوه). وجاء أيضاً: (تفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة).
وفي كل تلك النصوص التي وردت في كتب الأديان السماوية، وغيرها ما يدعو إلى قتال الذين لا يؤمنون بعقيدة هذا الدين السماوي أو ذاك؛ وهذا ما يتنافى مع ما جاءت به من دعوات إلى المحبة بين بني البشر، والدعوة إلى الحوار، وبالتي هي أحسن. ولكن لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل تعدتها إلى التنفيذ بحيث أكَّدت الوقائع المتلاحقة ذلك.
في وقائع الصراعات الدينية ما يؤكد تنفيذ النصوص بأفعال صحَّ فيها القول: إن أقسى أنواع الصراعات كانت تتم تحت ستار الدعوة إلى الدين. ولأنها كثيرة جداً غطَّت من الزمن قروناً عديدة، وهي ما تزال سارية المفعول ما إن تخبو لفترة حتى تعود نيرانها إلى الظهور من تحت الرماد من جديد. ولذلك سنقوم برصد جزء منها، والجزء هنا يكفي للبرهان على خطورة تلك الصراعات.
-المظهر الأول: كان في مشاركة اليهود بالتحريض على السيد المسيح منذ باكورة دعوته، الأمر الذي أدى إلى صلبه من قبل السلطات الرومانية.
-المظهر الثاني: كان في انقسام الكنيسة المسيحية، قبل ظهور الإسلام، إلى كنيستين شرقية وغربية. فبنت كل منها لنفسها دولة تحكم باسم المسيح، هذا ناهيك عن أن الكنيستين لم تتصارعا مع الوثنية بل كان الصراع بينهما بشكل مباشر. وما محاكم التفتيش، والاتهام بالهرطقة، التي استخدمت فيها أقسى أنواع التعذيب والحرق، بالمناوئين للكنيسة من أبنائها، سوى المظهر الأكثر وضوحاً فيما نرمي إليه.
-المظهر الثالث: كان في انقسام المسلمين إلى فرق ومذاهب، كل منها ينسب لنفسه بأنه يمثِّل (الإسلام الصحيح). ولم تهدأ الصراعات بين الفرق الإسلامية بعد وفاة النبي محمد، حتى بلغت أكثر مظاهرها حدَّة في القرنين الرابع والخامس الهجري. وهي ما تزال مستمرة حتى الآن، أي في هذه المرحلة التي بلغت فيها الصراعات ذروتها وأكثرها دموية.
-المظهر الرابع: كان في الصراعات المسيحية الإسلامية، بدأت في إسقاط الدولة البيزنطية (الروم)، في العشر الأخيرة من الدعوة الإسلامية. وتمددت بوصول المسلمين إلى قلب القارة الأوروبية. وتجددت تحت راية ما عُرف بالتاريخ بـ(الحملات الصليبية) التي شنَّ فيها الأوروبيون حملات استعادة القدس، لإعادة بناء الهيكل، فكانوا يستقرون فترة ويتراجعون أخرى.
-المظهر الخامس: منذ أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، بدأ ظهور تيار اليمين الأميركي المتطرف، الذي يعتقد بأن معركة الخير والشر التي ستكون أرضها منطقة هرمجدون في فلسطين، ستمهِّد لظهور (المسيح المخلِّص). وفيها سينتصر الخير على الشر. وفي ظل أهداف هذا التيار انتمى بعض الرؤوساء الأميركيين إليه، ومن أشهرهم دونالد ريغن وجورج بوش الأبن ودونالد ترامب، ورحوا يعدون لتلك المعركة من خلال زرعهم نواة لها في تأسيس دولة يهودية في فلسطين. ومن أول تطبيقاتها كان احتلال العراق في العام 2003، ومشروع الشرق الأوسط الجديد الذي أخذ طريقه للتطبيق في العام 2012.

3-في التحريض الطائفي حروب دائمة أو مشاريع حروب كامنة تحت الرماد:
يفتخر الإنسان أنه استطاع أن يرتقي بالدعوات الروحية، التي حضَّت عليها الأديان السماوية، من مستوى تجسيدها بحجر أو ثمر، إلى مستوى عالٍ من التجريد بأن الله غير المنظور هو الذي يحميها ويحرسها. فالاعتقاد بأن الصنم أو الطوطم، الذي يعجز عن حماية نفسه، هو الذي يمكنه أن يحمي الروح بعد الموت، ويحمي الإنسان في حياته ويضمن سعادته،  هو اعتقاد بدائي لا يتناسب مع قوة العقل عند الإنسان.
وطالما كان الجزء غير المنظور من الجسد هو ما غادره بعد الموت، فاحترام قوة العقل يقتضي تجريد الإله عن كل صفة مادية، وهي شبيه بالروح التي تغادر الجسد من دون أن تراها عين أو تسمعها أذن. وهذا ما دعت إليه الأديان السماوية، على الرغم من أنها، بطريقة أو أخرى، راحت تجسِّده بمقدمات ونتائج محسوسة؛ وتضفي عليه صفات يتميز بها البشر، كمثل حاجته لعبادة الإنسان؛ أو تهديده ووعيده الموجَّهان للمخطئين من بني البشر؛ فظهر بصفات القاهر والجبار والمنتقم، وما إلى هناك من أوصاف تميِّز الحكام من بني البشر، خاصة منهم الذين طغت عندهم نزعة الشر على نزعة الخير فسعوا لبناء أمجادهم الخاصة، بينما الله خالق البشر لسر إلهي، وليس لنزعة نفعية أخرى. وحتى قضايا الثواب والعقاب، والتهديد بالحرق بالنار، والوعد بالدخول إلى الجنة، لم تسلم من تشكيل الله على مواصفاتها. وما الوعد والوعيد سوى صفات بشرية، وإنما الله قد خلقهما في النفس البشرية معاً وترك للإنسان حرية الاختيار بواسطة التفاضل بينهما. وبذلك
وبناء عليه، فقد فاقت سيئات التشكيل فضائل التجريد. وأصبح الدين عند عامة البشر، تعني التخويف والترهيب، من مظاهر مادية خالصة. وإذا كان السبب يعود إلى ما يحسبه المتفيقهون بالدين الوسيلة الأكثر تبسيطاً لتقريب الفكرة من مدارك العامة، إلاَّ أن التبسيط وسم الدين بسمات المادية؛ وهبط بها من سموها الروحي، الذي تدركه العقول النيِّرة، إلى مستويات مادية ذهبت بسمو الفكر وهبطت به إلى ما دون مستواها السامي. وعن ذلك نرى أن هناك فرقاً شاسعاً بين لذة الروح التي يتذوقها الإنسان نتيجة إتمامه عملاً خيِّراً، وبين انتظاره ثمناً مادياً موازياً لذلك العمل. فالجنة والنار هما رمزان فكريان لعذاب النفس أو سعادتها، وتلك سمة غريزية مغروسة في النفس الواحدة لكي تشكل معياراً للذة والسعادة من جهة، وللعذاب من جهة أخرى.

4-الأمر بالقتل ليس صفة إلهية، بل هو نزعة شر بشرية:
بما أن النزعة النفعية، التي ألصقتها الدعوات السماوية، بالله كخالق للكون، لا يجوز أن تشكل صفات لمن خلقه لأنه ليس بحاجة لبشر عبيد خاضعين، يقوم بتعذيبهم في النار إذا أخطأوا، ويقوم بإسعادهم إذا أصابوا؛ وهو بذلك، وكما صوَّرتها النصوص الدينية، كمن يقوم بتشكيل أجهزة أمنية تراقب البشر، وأجهزة تحقيق، وأجهزة محاسبة ومساءلة، قد تصل إلى أضعاف أضعاف ما أمر بخلقه من بشر، خاصة أن بعض الدعوات الدينية تنسب إلى بعض الأجهزة مما يزعمون خلقها، ملائكة الخير وملائكة الشر، الذين يدخلون مخادع البشر وعقولهم وأفئدتهم، وحتى تحت ألبستهم ليراقبوا، ليس ما يصدر من أفعال فحسب، بل ما يقبع في عقول البشر وأفئدتهم من أفكار ونوايا أيضاً.
وهل كان الله بحاجة إلى خلق كل ذلك لمراقبة البشر ومحاسبتهم، وهو كان قادراً على أن لا يخلق الإنسان عما خلقه عليه؟ بل في مقدرته أن يخلق إنساناً مطيعاً وملتزماً يعفي بها نفسه من ممارسة التعذيب والقهر، وهو الذي لا يصدر عنه سوى صفات الخير والرأفة والعدل.
وإذا ما شكَّك البعض فيما نقول استناداً إلى أن ما جاء في الكتب المقدَّسة إنما هو كلام الله، فنجد ما ندحض به أي تشكيك بالقول إن الله، خالق الكون، ليس بحاجة إلى كلام يصدر عنه، بل هو يخلق في البشر المقدرة على ارتكاب النقيضين، الشر والخير، وخلق في الإنسان المقدرة على التمييز بينهما، وترك له الحرية بالاختيار بينهما. وفي ذلك سرٌّ يمكننا الاستنتاج بأن حرية الاختيار فيه لذة ما بعدها لذة. كما أن في حرية الاختيار ما يُميِّز به سر خلق البشر على هذه الطريقة، عن سر خلق ما يُرمز إليه بالملائكة. ففي الأولى حركة دائمة بين نقيضين تخلق الفرح باختيار طريق الخير، والألم باختيار طريق الشر. وفي كل هذا ما فيه من انتشار مسألة وجود النقيضين في كل مناحي الحياة، ولعلَّ في هذا ما فيه من حركة دائمة تشعر الإنسان بأنه يستطيع أن يخلق أفعاله بنفسه؛ وليس كمثل رمز الملاك الذي تمَّت برمجته على أداء وظيفة محددة من دون أي تدخل لعامل الإرادة عنده. ولعلَّنا نكتشف من وجود الأضداد سر من أسرار الكائن البشري. فالملائكية لا لذة فيها ولا مكابدة، بل هي مجرد عمل روتيني تؤديه آلة صماء كما يحصل في برمجة الكومبيوتر، وغيره من الآلات الألكترونية الحديثة. فلنتصوَّر إنساناً ملائكياً لا تشغل باله ملكة الصراع بين ضدين في نفسه كيف ستكون حالته؛ ونتساءل ما هو المعنى الحقيقي من وراء خلقه؟

إرسال تعليق