الأربعاء، سبتمبر 26، 2018

إذا كانت إيران مرفوضة فأميركا ليست الحل


إذا كانت إيران مرفوضة

فأميركا ليست الحل


من متابعة التعليقات والتقارير التي تتناول الجو المتوتِّر، بل والمحموم أحياناً، بين الولايات المتحدة الأميركية والنظام الإيراني في هذه المرحلة، نقرأ فيها أحياناً ما يلفت النظر، ومما يجدر الإشارة إليه، خاصة إذا ما صدرت من قوى نعتبر أنها حريصة على المصلحة القومية العربية، أو ممن هم حريصون على تحرير العراق بشكل ناجز وتام.
من حقائق الأمور أن إخراج النظام الإيراني من العراق، في هذه المرحلة، يقع ضمن الأهداف الاستراتيجية لحركة المقاومة الوطنية العراقية بكل فصائلها العاملة، وهو ما يقع على عاتق تلك الحركة، مدعومة من كل القوى والأنظمة التي تضع هذا الهدف في أولوية استراتيجيتها.
إلى هنا، يبقى التحليل المستند إلى الثوابت أعلاه منطقياً وموضوعياً وعملياً. ولكن ما قمنا بالإشارة إليه من أخطاء في التحليل يتناول ما يصدر عن الإدارة الأميريكية من تهديدات للنظام الإيراني، والإشارة إلى المخططات التنفيذية التي تعلنها بعض التقارير عن تشكيل إدارة بديلة لـ(العملية السياسية) في العراق. من نشر تلك التقارير، أو ما يسميه البعض (تسريبات إعلامية) ينسبونها إلى مصادر موثوقة، يُخيَّل لهذا البعض أن الإدارة الأميركية مزمعة على تنفيذها في أعقاب إنزال الهزيمة بالنظام الإيراني. وتشمل تلك التقارير فيما تشمل عرض أسماء للذين تعتزم الإدارة الأميركية تعيينها في المواقع السياسية والأمنية والإدارية بعد طرد إيران من العراق، وتشمل فيما تشمل استقدام قوات عسكرية وأمنية أميركية، وتوزيعها في مفاصل جغرافية على أرض العراق.
إن المراهنة على مثل تلك التقارير يُعتبر سراباً وتخيُّلات مبنية على حسن النية بالإدارة الأميركية، وهذا خطأ كبير لأن الوقائع، منذ احتلال أميركا للعراق منذ العام 2003، تدل على أن إدارتها السياسية وأجهزة مخابراتها، لم تكن صادقة يوماً ما في ما كانت تعلنه من أخبار وتقارير وتسريب تقارير. بل كانت كلها خادعة، ولم تكن النوايا الأميركية تصب في أي يوم من الأيام، إلاَّ بما يخدم مصالحها السياسية والعسكرية والاقتصادية. ونعطي دليلاً على ذلك، وأنموذجاً واضحاً هو شق العلاقات الأميركية الإيرانية، في ما يتعلَّق باحتلال العراق.
كانت المشاركة بينهما كاملة قبل احتلال العراق وبعد احتلاله. وكانت واضحة أكثر بعد هزيمة القوات الأميركية، ولذلك سلَّمته إلى النظام الإيراني بعد العام 2011، فلأنها تثق بأن ذلك النظام لن يسهم بتحسين أوضاع العراق المحتل، بل سيزيده خراباً وتخلفاً حجمهما ليس بأقل من أحقاد ذلك النظام على العراقيين الذين أرغموه على تجرع السم طوال السنوات الثماني التي استهلكها العدوان الإيراني في الثمانينيات من القرن العشرين.
ولهذا، ولأن أميركا وإيران كانا شريكين في ذبح العراق، فإن اتفاقهما أو اختلافهما على أرضه يصب في دائرة العداء لموقعه الوطني والقومي. ولهذا فإن اختلافهما في هذه المرحلة لن يصب في مصلحة العراق بأكثر من أنهما اختلفا على مقدار الحصص في سرقة ثرواته ونهبها وتدمير بناه الاجتماعية. وهذا ما تؤكده تصريحات دونالد ترامب، قبل انتخابه وبعد استوائه على كرسي رئاسة أميركا، ولعلَّ أكثرها وضوحاً، التصريح التالي: (لقد دفعت أميركا الدم والمال في احتلال العراق، بينما استفادت إيران من ثرواته)، ويتابع التصريح بما يؤدي إلى معرفة الهدف الرئيسي لأميركا في هذه المرحلة، وهو إعلان ترامب عن الإفصاح عن هذا الهدف من تقزيم الدور الإيراني، قائلاً: (إن تصحيح الخطأ يتم باستعادة أميركا ثروات العراق لمصلحة الشعب الأميركي).
هذا وفوق كل ذلك، على العرب جميعاً أن لا يغفلوا تطابق المشروعين الأميركي والإيراني، في العداء المطلق للقومية العربية لأسباب قريبة أكانت أم بعيدة. وإن هذا العداء كان واضحاً في تنفيذ خطوات (مشروع الشرق الأوسط الجديد) القاضي بتقسيم الوطن العربي على أسس طائفية وعرقية ليضمنوا موت الحلم بالوحدة العربية. وإن كان ذلك المشروع الخبيث قد ترنَّح لأسباب عديدة، لا يستوعب هذا المقال شرحها وتفصيلها، إلاَّ أن المشروع قد تأجل تنفيذه إلى ظروف مناسبة في المستقبل، وهذا يتطلَّب أن لا يصل أي اشتباك أميركي إيراني إلى نهايات مأساوية تقطع العلاقات بينهما، بل إن أبعد ما يمكن أن تصل الأمور بينهما لن يكون أكثر من إعادة مبدأ توزيع الحصص، على قاعدة فك الاشتباك المؤقت بينهما لا يصل إلى حدود الطلاق؛ وكل ذلك من أجل إبقاء التحالف بينهما كنواة أساسية لتنفيذ التفتيت على قواعد طائفية لن ينجح فيها المشروع من دون نظام إيراني ثيوقراطي مذهبي.
وإذا كنا اليوم نخوض معركة التحرر من النفوذ الإيراني، كأولوية استراتيجية مرحلية، فإن ذلك لا يعني أن نراهن على حسن نوايا الإدارة الأميركية في إحداث تغيير على الساحة العراقية، بإقفال بواباته في وجه الغزو الإيراني. وما المواقف الأميركية المتوترة والمحمومة، سوى مواقف ظاهرية لتطمين أصدقاء أميركا من الأنظمة العربية الرسمية، ولكن بواطنها تحمل السم الزعاف، السلاح الذي ستشهره أي إدارة أميركية في وجه أصدقائها في ظروف مناسبة لإعادة تنفيذ (مشروع الشرق الأوسط الجديد) وإن بوسائل أخرى؛ وهي تعلم أن المشروع لن يكتمل ولن يرى الحياة سوى بمساعدة ومشاركة من نظام ولاية الفقيه في إيران.


إرسال تعليق