السبت، أكتوبر 06، 2018

التحالف الأميركي – الإيراني يعيد إنتاج العملية السياسية في العراق


بعد تعطيل مسرحي دام أشهراً
التحالف الأميركي الإيراني يعيد إنتاج العملية السياسية في العراق

طال الجدال بين أمراء الميليشيات العراقية حول وسائل توزيع الحصص، بعد الانتخابات المزورة التي حصلت في شهر أيار الماضي. واندلعت أول انتفاضة واسعة في مدينة البصرة صحا فيها العراقيون على نتائج حكم المحاصصة فاكتشفوا ولو متأخرين أن الاحتلال بوجهيه الأميركي والإيراني قد جاء لينهب ويسرق متلطىاً تحت أقنعة من اللصوص والمجرمين، وذهب ضحية الانتفاضة الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين.
تحت غيوم الانتفاضة زعم أمراء الميليشيات، بقيادة حيدر العبادي، أن السبب في عدم تلبية مطالب المنتفضين في البصرة هو أن العراق يمر بمرحلة انتقالية بعد الانتخابات المزعومة، ولكنه تحت ستائر من الخداع والتسويف راح يغدق الوعود ويقطع العهود باتخاذ قرارات فضائية بتلبية المطالب، وما كان يفعل ذلك سوى لإعطاء مزيد من الوقت لأمراء الميليشيات لقمع الانتفاضة، ولترتيب حصصهم في الحكم.
وفي الوقت الضائع من التسويف والخداع أفسح العبادي الطريق أمام أولئك الأمراء لكي يقوموا بتصفية الناشطين في الانتفاضة، فقتلوا منهم من قتلوا، وجرحوا منهم من جرحوا، واعتقلوا منهم من اعتقلوا، وكانت الحصيلة في مصلحة الميليشيات؛ وأما الجماهير البصراوية فلم يبق لديها سوى أن تضيف هذا الملف إلى غيره من وسائل الاحتقان، تحضيراً لجولة أخرى.
وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر من انتظار ما سوف يلده جبل (العملية السياسية)، وبعد مخاض عسير من المفاوضات والتواطآت، وبيع الذمم وشراء الأصوات، تمخَّض جبل العملية السياسية فولد فأراً من فئران التجارب التي درَّبها واحتفظ بها كل من الإدارة الأميركية والنظام الإيراني. وهذا المنهج هو ديدن الاحتلال المركب، الذي يستبدل فأراً بفأر كلما انتهت صلاحية الفأر الذي سبقه. وما دام الحال على هذا المنوال فلينتظر العراقيون وعوداً وعهوداً ممن ديدنهم نهب ثروات الشعوب ومصِّ دماء أبنائها. فلينتظروا صكوك تلك الوعود والعهود التي لن يجدوا مصرفاً في العالم يصرفها بشروى نقير.
في أواخر الشهر الماضي، بدأت عملية توليد فئران العملية السياسية، فابتدأوا بغلق المزاد على انتخاب رئيس مجلس النواب، ورست المزايدة على محمد الحلبوسي، فتلقى التهاني فقط من الدبابير من أنصاره، أو من أنصار تياره، التي تنتظر فتح جرار ثروات العراق لتلعق منها ما لذَّ وطاب، ولتذهب مطالب الشعب المسكين إلى ذمة الله، وعلى الشعب أن يشرب مما تصدِّره مصارف المجاري الصحية التي لم يبق غيرها من مصالح أمام ذلك الشعب المسكين.
وتواصلت عملية التوليد لرئاسة الجمهورية، وعلى قاعدة مساومات طويلة حيث رست نتائجها، على من يتقدَّم بأكثر ما يمكن من التنازلات لمصلحة التحالف الأميركي - الإيراني، فكانت خاتمتها تعيين برهم صالح، وكان في أولوية التنازلات هو أن يوقِّع مرسوم تكليف عادل عبد المهدي، وهو من رست جلسات المزايدة عليه. وقبل أن تحظى كرسي الرئاسة بأول جلسة له عليها، قام بتوقيع مرسوم التكليف. ومن بعدها صفَّق أمراء الميليشيات احتفاء بانتصار الديموقراطية الأميركية والإيرانية، ودعوا بطول العمر لكل من الإدارة الأميركية والنظام الإيراني معاً.
وبين هذا الاحتفال وذاك راحت أبواق الإعلام التابعة للحليفين الأميركي والإيراني، تذر الرماد في عيون المراقبين، وكل منها يبرز أميره بصورة الفائز في جلسات المقاصة في توزيع الحصص، وتعامى الجميع عن أن (العملية السياسية في العراق) كانت نتيجة اتفاق أميركي إيراني لتقاسم الحصص بينهما، وما اختلافهما منذ فترة وجيزة، ليس على جنس الملائكة لأن العملية لها جنس واحد، أبوه وأمه أميركيان إيرانيان، بل لمن تكون الوصاية عليها، أميركية هي أم إيرانية؟
أية ديموقراطية هي تلك التي تذرُّ الرماد في عيون الغافلين؟ وأية ديموقراطية يصل بها الفاسدون إلى كراسي السلطة؟ وأية ديموقراطية هي التي تربض فيها الميليشيات الطائفية على رقاب الشعب العراقي لتجزَّ ما بقي من صوف عليه، هذا إذا بقي شيء يُذكر؟
أية ديموقراطية هي التي يتسابق فيها الحليفان الأميركي والإيراني على تسجيل أوراق قوة في مؤسسات العراق السياسية والأمنية والاقتصادية؟ بل أية ديموقراطية هي التي تسمح بشراء تلك المواقع بعشرات الملايين من الدولارات؟ هل هي لمصلحة الشعب العراقي أم ثمناً لسلخ جلد ثرواته؟
لا منتصر بين الاحتلال الأميركي والاحتلال الإيراني في مسرحية الديموقراطية المهزلة التي مُثِّلت في مسارح (المنطقة الخضراء)، لأن من نال دور البطل فيها، رئيساً لمجلس النواب، أو رئيساً للجمهورية، أو رئيساً للحكومة، ليس عميلاً لإيران وحدها، وليس عميلاً لأميركا وحدها، بل هم عملاء للإثنين معاً، يرهنان قرار العراق لكليهما لقاء ثمن بخس يقبضونه وهو من لقمة عيش العراقيين وأمنهم وصحتهم وكرامتهم.
كفى تمثيلاً على الشعب العراقي، لأن الحل ليس برحيل أحدهما، وليس بيد من وصل إلى الكراسي التي تبيض ذهباً، بل الحل هو واحد، وهو برحيلهم جميعاً من العراق. وإذا كان الحل لن يأتي هبة من أي منهم، بل يأتي من قهر الشعب العراقي الذي ملأ قلوب العراقيين، ولن يبقى الظالم سالماً مهما طال الزمن.


من لم يصدق فليشاهد

إرسال تعليق