الخميس، سبتمبر 06، 2018

أجوبة صادمة على أسئلة ممنوعة (الحلقة الأولى)


الظاهرة الدينية بين نار الحرب وجنة السلام
أجوبة صادمة على أسئلة ممنوعة
(الحلقة الأولى)
أولاً: الصراعات الدينية: تأصيل تاريخي.

مقدمة
طالما عرف تاريخ البشرية المعروف، منذ خلق التكوين الأول حتى هذه المرحلة، مآسي صراعات البشر التي لم تهدأ لحظة من اللحظات التاريخية. تلك الصراعات التي أصبحت كأنها القدر المحتوم الذي رافق الإنسان، منذ مرحلته البدائية الأكثر تعاسة بتخلفها حتى مرحلته الراهنة المتقدمة في علومها. ومع ذلك، فلن نستطيع أن نقول بأن هناك وجهاً بدائياً للحروب كان يستخدم فيها البشر العصا أو المقلاع، ووجهاً متقدماً ومتطوراً يستخدم فيها البشر اليوم أعلى درجات الأسلحة المتقدمة، لأن الحروب ليست بأدواتها بل بمقاصدها ونتائجها. وهذا الاستنتاج ظاهر ومؤكد بأن الحروب لم تصُبَّ في يوم من الأيام في مصلحة الإنسان بل كانت وما زالت تزيده تعاسة على تعاسة، وألماً على ألم، وجوعاً على جوع. وإذا كانت تضمن مصلحة الأقوى، الذي كان ينتصر فيها الإنسان على أخيه، لكنها كانت مغمَّسة بدماء البشر الأضعف، ومتوَّجة بنهب أملاكهم واستعباد أفرادهم؛ وفي هذه المعادلة ما فيها من تناقض مع قيمة إنسانية خلقها الله بنفوس البشر أنهم كلهم سواسية، لأنهم كلهم من خلق وتكوين خالق واحد. لهم جميعاً الحق بالعيش بسعادة وكرامة وحرية.
نتيجة استمرار الصراعات البشرية، حتى تلك التي واجه فيها الإنسان البدائي عوامل الطبيعة الأشد قوة منه، فتعبَّد لها، وخشي من سطوتها، فابتكر طقوس عبادتها كسباً لمرضاتها لعلَّها تحميه مما لا طاقة له بمواجهته، أدَّت تلك النتيجة بالإنسان منذ فجر التاريخ إلى التفتيش عما يحميه، وما يجلب له السعادة في حياته؛ ولما تعب من الانتظار بالحصول على سلامه الذاتي في المرحلة التي يحياها قبل أن يموت، راح يفتِّش عما يضمن سلامه بعد الموت. وهكذا وبالتفتيش عن عامل السلام غير المنظور كانت ظاهرة التدين مترافقة مع الإنسان منذ بداية التكوين، وهكذا خلق كل إنسان إلهاً غير منظور راح يعبده إرضاءً له لكي يوفِّر له عوامل السعادة أثناء حياته وبعد مماته. كان هذا يتم في مرحلة كان يقوم الإنسان بتشكيل إلهه من حجر أو طين، أو يقوم بتنزيهه عن التشكيل.

1-الصراعات الدينية مظهر لصراعات الآلهة:
وراحت الظاهرة الدينية تشهد تطورات لافتة من جيل إلى جيل ومن قرن إلى قرن، ومن مكان إلى مكان؛ وكان البشر جميعهم ينشدون من تعلقهم بتلك الظاهرة السلام الدنيوي والسلام الأخروي. كانت هكذا وهكذا ما تزال، ينتشر التدين ويعم، والمآسي والآلام تستمر أيضاً جنباً إلى جنب الحروب المتواصلة. وإذا كانت أهداف الحروب بشكل عام، في كل الأمكنة والأزمنة، الحصول على الموارد المادية؛ فإنها تطوَّرت إلى مستوى الاقتتال باسم الآلهة، وباسم الأديان والفرق المتشعبة عنها، وخيضت تحت مزاعم التكليف الإلهي بالقتال لنصرة هذا الإله أم ذاك. ووصلت في معظم الأحيان إلى استغلال ظاهرة صراعات الآلهة وتوظيفها من أجل النهب الاقتصادي بالاستيلاء على ثروات الشعوب واستعباد أبنائها.
ولما كانت الصراعات ظاهرة من ظواهر التسابق على لقمة العيش والحياة المادية المريحة، فقد انتقلت إلى صراعات حول طريق الخلاص في الآخرة، وهذا ما أغرق الذين اعتنقوا الأديان السماوية في حروب لم تعرف لها نهاية، وأغرقت البشرية بما يسمى الصراعات بين الآلهة. وكانت الصراعات بين الآلهة الأكثر دموية في تاريخ البشرية. ولأن منطقتنا العربية كانت مهبطاً للأديان السماوية، ولأن الصراعات بين الآلهة كانت الأكثر ظهوراً في هذه المنطقة كان ما سنكتب عنه في هذا العمل محصوراً فيها وعنها. وأما دافعنا فكان في محاولة للإجابة على تساؤل قد يكون ممنوعاً عند المتفيقهين بالدين: هل كانت الأديان السماوية على هذه المنطقة نعمة أم كانت نقمة؟ وهل هي طريق للحروب، أم هي طريق للسلام؟
ومن أجل الحصول على إجابة تشفي غليل العقل الذي كان هبة الخالق للمخلوق، ربما تكون تلك الإجابة صادمة على مقدار ما يكون عليه السؤال ممنوعاً.

2-قراءة في أسس معرفة الروح عند الإنسان البدائي:
مما ينقله التاريخ لنا، أن الإنسان منذ التكوين الأول المعروف عاش في العصر الحجري، حيث كان عديد البشر قليل، والرزق بما تعنيه الموارد الطبيعية كثير. والعصر الحجري يعني أن الإنسان كان يعيش في حالة من التخلف المادي والمعرفي. وإذا كان هدفنا مركزاً على استقراء الحالة الروحية عند الإنسان في هكذا ظروف، فنحسب أن القراءة في تلك المرحلة بعين أنتربولوجية قد تقودنا إلى استنتاجات وتحديد رؤى في كيفية تكوين الأفكار الغيبية، أي تلك التي يفسِّر بها القوى القاهرة التي تؤثر على حياته، أو تلك التي تحدد مصيره بعد الموت. ومعرفة المصير بعد الموت هي المشكلة الأكبر التي ما زالت تؤرقه حتى في عصر التكنولوجيا المتسع الآفاق.
لقد اختبر الإنسان البدائي بحسه العفوي أن الموت مصير كل المخلوقات ومنه مصير الإنسان. وقد تكون مشاهداته العيانية وخبرته الحياتية، هي العامل الأول الذي فجَّر عنده الأسئلة عن مصير من ماتوا. وذلك بعد أن شاهد الإنسان البدائي أن أمه قد ماتت، وأن أباه قد مات، وأن أخوه أو أخته ممن كانوا في عائلته قد ماتوا. فتوقَّف عند سؤاله لنفسه: أين ذهبوا؟ وما هو مصيرهم؟
وفي موازاة ذلك، ولأن عوامل الطبيعة التي تفوق قوتها قوة الإنسان، بما لا يستطيع ردَّ مخاطره، أو صنع ما يوازيه بالقوة، أو القدرة؛ فقد توصَّل الإنسان إلى اكتشاف عامل يخاف منه، أو يشكره على ما يوفِّر له من حاجات، فابتكر التمائم التي تقيه من شرور قوى خفية اعتقد بوجودها؛ أو تقديم الصلوات والخضوع لقوى أخرى طلباً لرضاها. ولعلمه أن هناك من لا يستطيع لقوته صداً أو مقاومة، فقد أخذ ينظر بعين الإعجاب به أو الخوف منه، أو تقديم الشكر له لما يقيه من المخاطر، أو ما يوفر له ما يحتاجه في سبيل البقاء. فوجد تلك العوامل في ظواهر الطبيعة كالشمس والقمر والرياح، تلك التي تقيه مثلاً من الظلام بقوة النور. فوجد في الشمس مصدراً للدفء في مقاومة الصقيع. ووجد في الرياح العاتية ما يهدد حياته،  وفي قوة الصخور التي تقيه من عتو الرياح. وأكثرها تعقيداً في ما يصيبه من أذى أو خير مما يجهل مصدره، فقد عبٍّر عن خوفه منها أو ارتياحه إليها برموز وطواطم، إما أن يخرَّ أمامها شاكراً وإما خائفاً. وكانت الأشباح والأرواح الشريرة من تلك الرموز التي كان الإنسان يخشاها.
وكان من الأشد من بينها غموضاً تلك المتعلقة بالموت، مما لم يجد له مرداً، أو تفسيراً، ولكنه على الرغم من كل ذلك، لم يفكر الإنسان البدائي يوماً ما بأن الإنسان يزول بزوال الجسد المنظور والمحسوس، بل على عفويته وبساطته آمن بأن هناك شيئاً خفياً لا يموت بموت الجسد، ففكَّر بخلاص ذلك الشيء الخفي الذي ترك الجسد، واحتاط لحمايته من الشرور بعد الموت. وعلى الرغم من أنه لم تكشف الأبحاث بعد عن المسمَّى الذي كان الإنسان يطلقه على ذاك الشيء الذي يغادر الجسد، وإنما كان يرمز إلى اعتقاده بوجود تلك القوة الخفية، بأنه كان يدفن بعض الحاجات المادية إلى جانب الجثة عندما يواريها التراب،  يقيناً منه أن الميت، أو الشيء الذي لم يمت، قد يحتاجها بعد مماته؛ بما في هذا السلوك من دلالة على وجود الاعتقاد بالحياة بعد الموت.
لا يُخيَّل للقارئ أن يفهم من هذا أن المقدرة الفكرية عند الإنسان البدائي كانت متقدمة، بل إن المخيَّلة التي يمتلكها كانت بمستوى الغريزة، التي يمارسها من دون أن يعي مصدرها كغريزة الخوف مما يهدد السلامة، أو غريزة الجوع عندما تفرغ المعدة، وغريزة التناسل التي كانت تعني له اللذة الجسدية. وهذا شبيه بعلاقة الوالدين مع المولودات التي يُنجبانها من صبيان أو بنات.
وإذا عرفنا أن ظاهرة عطف الأم على أولادها هي غريزة فُطرت المرأة عليها، هي ذاتها لم تتطور منذ عشرات الآلاف من السنين، فهذا العامل أيضاً كان هو ذاته عند الأم البدائية كما أصبح عليه عند الأم التي امتلكت أعلى درجات الرقي في العلوم. وكذلك ظاهرة التساؤل عن المصير بعد الموت الذي كان يؤرق الإنسان البدائي ويدفعه إلى اعتقادات شتى، هي ذاتها الظاهرة التي ما زالت تؤرق الإنسان الذي بلغ درجات عالية جداً من الوعي والعمق الفكري، والذي لم يصل حتى الآن إلى أجوبة يقينية حاسمة؛ فالظاهرة هي ذاتها التي شغلت تفكير الإنسان في كل الأزمان وكل العصور. وهي التي لم يصل فيها الإنسان بعد إلى يقين كاف لتفسيراته وتأويلاته واعتقاداته. تلك الاستمرارية في هذه الظاهرة تدفعنا للتساؤل: هل لأنها ظاهرة شاملة كل الأزمنة والأمكنة يمكننا اعتبارها غريزة؟ وهل هي شبيهة كما هي علاقة الوالد بالمولود؟ وكما هي غريزة الجنس كعامل لاستمرار التوالد من أجل استمرار الحياة البشرية؟ وكما هي غريزة الجوع كعامل لإبقاء الجسد حياً؟
إن غريزة النسب إلى والدين عند الطفل البدائي، هي ذاتها عند الطفل في المرحلة المعاصرة. وهذا يدل على أنها غريزة تتساوى عند الإنسان منذ العصر البدائي الأول، على سذاجة أسس المعرفة التي كان يمتلكها، وصولاً إلى العصر الحديث، على عمق أسس المعرفة التي يمتلكها.
وكذلك هل الفضول البشري في معرفة مصير الإنسان بعد الموت، ولأنها ظاهرة عامة تتشكل في المستوى ذاته عند الإنسان في كل الأماكن وكل الأزمنة، هل هي غريزة تبعاً لعموميتها ولاستمراريتها.

3-هل التمييز بين الجسد والروح مسألة غريزية؟
كل ما توصَّلت إليه الأبحاث هو أنها أكَّدت أن الإنسان، في مختلف عصور تطوره، ميَّز بين مكونين للإنسان، وهما الروح والجسد، وإن اختلفت معرفته لهذا التمييز بين السطحية والعمق. وإذا كانت ملكة هذا التمييز ليست غريزة، بل هي أقرب منها إلى الغريزة، ويدل على ذلك هو أنها معرفة يشترك فيها كل البشر في كل العصور وفي كل الأمكنة.
ولهذا أصبح من المؤكد أن البشرية تتشارك بمسألتين غريزيتين، وهما:
-العلاقة الغريزية القوية التي تشدُّ أواصر العلاقة بين ذوي النسب البيولوجي الواحد، بحيث يعبَّر عنها بنواة التماسك بين أفراد الأسرة الواحدة، وبغض النظر عن الاستثناءات لأنها تقع خارج القواعد الثابتة والتي لا يُبنى عليها حين الكلام عن تأسيس المجتمع الإنساني.
-والتمييز بين الجسد والروح، التي تعبر عنها ظاهرة الموت، بحيث لم تخرج عن مفهوم أن الإنسان لا يفنى. ومن هذا الفصل ابتدأت إشكالية مصير الإنسان بعد الموت.
وتحضرنا، هنا، قضية طالما أثارت انتباه الإنسان في كل الظروف والأزمان، تتعلق بمعرفة ما هي القوى التي تتحكم بمسار حياة الإنسان في الدنيا، ومصيره بعد الموت.

4-استمرار الاعتقاد بالحياة بعد الموت ليست مسألة عبثية:
تدرَّجت أسس تلك المعرفة بداية من التفتيش عن القوى الطبيعية القاهرة التي تتحكم بمسار حياة الإنسان قبل الموت. وصولاً إلى التفتيش عن معرفة القوى الخفية التي تتحكم بمصيره بعد الموت. فكانت في بداية الأمر تتشكل من العوامل التي يراها الإنسان ويلمسها بشكل مادي ظاهر، والتي عُرفت بـ(عبادة القوى الطبيعية) الفائقة القدرة على تهديد حياة الإنسان، أو توفير أسباب الحياة من شبع أو لذات على اختلاف مستوياتها؛ ووصلت إلى التفتيش عن العوامل الخفية التي تخيَّلها الإنسان منذ بداية تكوينه، والتي عبَّر عنها بالأشباح بداية، وبالأرواح الشريرة تارة أخرى، ولاحقاً بالقوة الإلهية المتعارف عليها بين الأديان السماوية. كل هذا مروراً بما سطَّره الفلاسفة القدماء من تعليلات نظرية تمثِّل التعبير عن وحدة الوجود، ووحدة الخالق، وعلاقة العلة الأولى بالمعلول. وبمثل هذا التطور، وباختلاف وجهات النظر في تفسيرها، كانت الإشكالية واحدة في كل الأزمان والأمكنة، وهذه الحقيقة تستدعي الوقوف عند استمرارها للتفكير والاهتمام بها.
وإذا كانت الشعوب والقبائل، بل حتى الأفراد، في لجوئهم لتفسير القوى الغامضة التي تفوق قدرتها قدرة الإنسان، قد توصَّلت إلى فكرة الطوطم، فإنما كان لكل قبيلة طوطماً رمزاً. وقد أضفى الإنسان البدائي على رغبته، في الإيمان بطوطمه، قوة سحرية يمكن التحكم بمفعولها عن طريق عدد كبير من الممارسات الرمزية؛ ومنها السحر والشعوذة؛ وما إلى هناك من تفسيرات وتأويلات وتخيلات.
وعلى الرغم من تباين التصورات العقلية واختلافها، نجد أن ما بينها رابط واحد لا يمكن إنكاره، هو ملازمة هذه المشكلة لدى الإنسان على الرغم من كل المتغيرات المعرفية ومستوياتها في كل الأزمنة والعصور والأمكنة، وإن في استمراريتها وشموليتها، ما يسمح لنا باعتبارها، غريزة، أو ما يشبه الغريزة، التي تعبِّر عما يشبه اليقين؛ ومفادها أن من خلق غريزة الجوع والعطش والتناسل والعطف والحنان والتضحية والإيثار الأبوي أو الأموي، قد خلق أيضاً غريزة الفضول لمعرفة أسرار الحياة والموت. ولهذا، وعلى الرغم من لايقينية الاعتقاد بأن أسرار الموت والحياة لم تُخلق كغريزة، ملازمة للإنسان، لسبب عبثي؛ بل هو سر آخر يواكبه من أجل البرهان على أن خلق الإنسان ووجوده ليس عبثياً. ولأن البشر كل البشر تجمعهم وحدة التساؤلات، ولن يتخلى الإنسان عنها مهما طال الزمن، فمن المسؤولية الإنسانية أن يتم تنظيم هذا الاعتقاد من أجل مصلحة الإنسان كفرد، ومصلحة الإنسانية وعلاقات البشر البينية.

إرسال تعليق