الأربعاء، نوفمبر 14، 2018

ماذا لو كان رأس العراق ثمناً لحماية الأمن القومي؟


ماذا لو كان رأس العراق ثمناً لحماية الأمن القومي؟

تتصاعد في المرحلة الراهنة رياح التصعيد الإعلامي الأميركي ضد النظام الإيراني بشكل غير مسبوق في تاريخ العلاقات والتواطآت الأميركية الإيرانية. مما يُخيَّل للمتابع بأن الحرب بينهما أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الاندلاع.
ربما هذا المشهد يدغدغ عواطف أنظمة الخليج العربي، ويضع بلسماً وهمياً على جراح أمنها المهدد من قبل نظام الآيات في إيران. وإذا كانت نهاية ذلك التصعيد صفراً، والأرجح أنها ستكون كذلك، فلن تجد تلك الأنظمة ما يضمن أمنها، لأن الأمن بالإيجار سيبقى مهتزاً، طالما ظلَّ ذلك النظام قابعاً على كتفها الشمالي في العراق. فإن دونالد ترامب، الرئيس الأميركي، كصاحب بدعة (الحماية مقابل ثمن)، ليس جاداً بتصعيد إعلامه ضد النظام الإيراني لأنه بحاجة له بعبعاً يقلق بال دول الخليج العربي، لتستمر في دفع خوة الحماية الأميركية.
ولأن أميركا تعرف فضله علىها (لولا إيران، لما احتلَّت أميركا كابول وبغداد)، وقد سدَّد جورج بوش جزءاً منه عندما سمح له بالعبث في تدمير البنية الصناعية للعراق، ونهب محتوياتها ونقلها إلى إيران، وسدَّد أوباما جزءاً آخر، عندما سلَّم العراق لإيران بعد سحب القوات الأميركية منه في العام 2011، واستكمل الثمن بالتوقيع على الاتفاق النووي الإيراني في العام 2015. هذا التسليم فتح الطريق أمام النظام الطائفي في إيران، للقيام بأكبر عملية غسل دماغ لبعض العراقيين ممن استمرأوا طعم الحكم، فحكموا بالفساد والجريمة مقابل ما سُمح لهم بأن ينهبوه. وكان الذي أثار دونالد ترامب هو أن يستأثر نظام الملالي بالسرقة وحدهم، فجاء ليعمل على تغيير قواعد السرقة لمصلحة أميركا. وهذا ما عملوا من أجله في الانتخابات العراقية من شهر أيار 2018، وفشلوا فيه، كما عملوا من أجله في تعيين الرئاسات الثلاث وفشلوا فيه أيضاً. فخرجوا صفر اليدين باستثناء ما يراهنون عليه بزيادة حصتهم بالسرقة. فكانت التسوية مع النظام الإيراني أمراً واقعاً تتلاءم مع مساومات التجار في توزيع الحصص والغنائم.
وإذا كانت مواقف أنظمة الخليج العربي، في رفض أوامر أوباما، قد أرغمت دونالد ترامب على ما زعم أنه تصحيح لأخطاء سلفه، فهو يترجمها الآن بخلافات مسرحية مع إيران. فعلى تلك الأنظمة أن لا تقع في خديعة، وأن لا تركن إلى وعود أميركية تعتبر أن المصالح الأميركية تحتل الدرجة الأولى في استراتيجيتها الدولية. فليس في السياسة والاقتصاد عدو دائم، ولا صديق دائم، بل ما تنتجه علاقاتها من فوائد تصب في مصلحة الرأسمال الأميركي.
وبناء على ذلك، على أنظمة الخليج الرسمية أن لا تغفل، في معرض مواقفها، أن لأميركا مصالح استراتيجية مع النظام الإيراني، ويأتي في الأولوية منها المحافظة على تحالفهما في العراق لتقاسم الحصص بينهما أولاً وقبل أي شيء آخر؛ ولأنه يمثل نقطة العبور الاستراتيجية الأمريكية إلى المنطقة، كما جاء في خطة احتلال العراق. ولأن تثبيت نظام في العراق قائم على التفتيت الطائفي والعرقي، حاجة أميركية أولى في استمرار تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي وإن خفَّت حدَّة تنفيذه، إلاَّ أنه ما زال المشروع الاستراتيجي في جدول أعمال أميركا وإيران.
والعراق أيضاً، هو المدخل الاستراتيجي للمشروع الإيراني في الهيمنة على المنطقة العربية، ومن دون العراق فلا قيامة للمشروع التوسعي الإيراني، خاصة أنه يعتبر نفسه الأكثر نفوذاً في العراق للأسباب المعروفة، وتأثيره يفوق التأثير الأميركي.
نتيجة لهذه الأسباب، فلا مكان لأنظمة الخليج في العراق. وما بدعة بناء علاقات سعودية مع ميليشيات وغيرها، سوى تضييع لوقت ثمين تهدره في مراهنات عبثية، فعندما أعلن قيام مجلس التنسيق السعودي -العراقي، ظناً من السعودية أنها ستنافس النظام الإيراني في اقتطاع حصة سياسية لها في العراق، لهو تضييع لهذا الوقت. وقد برهنت الانتحابات العراقية المهزلة، وما تلاها من مسرحيات الرؤساء الثلاثة على أن من خان وطنه لن يصدق العهد لأحد أياً كان. ومن راهن على أن الأميركيين سيصدقون العهد بطرد إيران من العراق، خاصة أنها هي التي استجلبته للتحكم بمصيره، فرهانه خاسر من دون شك. وقد أثبت المسرح العراقي، وما حصل فيه من مساومات أميركية إيرانية، منذ أيار الماضي، لهو الدليل الأكبر على أن المصلحة الأميركية هي فوق أي مصلحة أخرى.
وما اعتمادها على حماية أميركية قائمة على إبقاء دور لإيران في العراق، تحسب أنه مكبوح بالقوة الأميركية، لهو عرضة للاهتزاز كلما امتنع نظامها عن دفع خوَّة الحماية.
وأخيراً ما من حل لحماية أمن الوطن العربي بشكل عام، وأمن دول الخليج العربي بشكل خاص، يقع خارج الإرادة العربية، والقرار العربي، والقوة العربية. ولا حلَّ سوى بإخراج النظام الإيراني من العراق، وضمان أمن الوطن العربي من البوابة الشرقية، وهذا ما يضمنه نظام وطني يشكِّل درعاً لتلك الحماية.
وحتى لا يضيع الوقت سدى، فعلى جميع العرب، وفي المقدمة منهم أنظمة الخليج العربي لأنها تملك المال والسلاح، أن يمدوا الشعب العراقي الرافض للاحتلال، أميركياً أو إيرانياً، بوسائل الدعم المادي والسياسي، خاصة أن تجربة ذلك الشعب بإلحاق الهزيمة بالاحتلال الأميركي كان البرهان الأكثر وضوحاً على ما يستطيع أن يفعله.


إرسال تعليق