الثلاثاء، ديسمبر 18، 2018

أنظمة الطائفية السياسية معابر للتدخل الخارجي


أنظمة الطائفية السياسية معابر للتدخل الخارجي

مرة أخرى يمكن الربط بين ظاهرتين قطريتين، ظاهرة النظام الطائفي السياسي في لبنان والعراق.
مرة أخرى، إذا تكلمنا عن أخطاء الواحد منهما، لا تكتمل الصورة إلاَّ إذا تكلمنا عن الآخر.
من الجدير تكراره أن نقول بأن قرار الولايات المتحدة الأميركية، بـ(لبننة العراق) لم يكن قراراً عبثياً. وهي قد (لبننته) بعد احتلاله. وقد ساندتها في تنفيذه القوى الرأسمالية والصهيونية العالمية، وأتى القرار مناسباً لمصالح نظام الآيات في إيران، فانخرط بتنفيذه بحماسة لا مثيل لها.
لبنان بلد مضى على استقلاله ثلاثة أرباع القرن، ولكن قبل إعطائه الاستقلال، كبَّله الانتداب الفرنسي بنظام تابع للغرب اقتصادياً، ومكَّنه من الاعتماد على نظام المحاصصة الطائفية، لكي تبقى تشكيلاته الطائفية مرتبطة بمنهجية الاتكال على الحماية الخارجية. فكان تدبيراً سياسياً ذا أبعاد اقتصادية وأمنية.
وأما العراق، الذي عجزت قوى الرأسمالية العالمية عن تطبيع نظامه الوطني بأي من تلك المواصفات التي وُضعت للنظام اللبناني، فإنها استخدمت لذلك وسيلة القوة العسكرية لإسقاط النهج الوطني، والعمل على إسباغ شرعية دولية على منهجية (لبننته). وما زالت تلك القوى تعمل جاهدة من أجل ترسيخ تلك (اللبننة)، منذ وطأت أقدام الاحتلال أرضه المقدسة. ومن أجل ذلك استخدمت كل الوسائل، اتصالاً بنظام الطائفية الإيراني، الذي لا يرى نفسه خارج دائرة الانغلاق الطائفي، خاصة أنه يحمل أبعاداً إمبراطورية فارسية. كما أنه لا يجد نفسه أيضاً خارج منهج تفتيت المجتمعات الأخرى من أجل توفير قواعد استناد تشرعن له تدخله في شؤون الدول الداخلية بذريعة حماية من ينتسبون لمذهبه الديني الحاكم.
لبنان مستقل شكلاً، ومحتل جوهراً. وأما العراق فهو محتل شكلاً وجوهراً، ولا يمكن لهذا الاحتلال أن يستقرَّ سوى بنتيجة واحدة هي أن تُستكمل (لبننته).
من تلك المواصفات، ليس من الغريب أن تتشابه المشاهد المسرحية السياسية بالكامل بين القطرين منذ انتخابات شهر أيار 2018 التي أُلصقت بها الديموقراطية عنوة في كل من القطرين؛ واستكملت بمأزق تأليف الحكومة فيهما.
إن ما أعاق تشكيلها، وما يزال، كان عامل المحاصصة الطائفية وذلك من أجل تقسيم المصالح بين زعماء الطوائف، وهذا يعني تقسيم الدولة بين مراكز النفوذ الخارجي. بحيث أن كل مكون مذهبي يشكل قاعدة انطلاق لهذه القوة الخارجية أو تلك. يستمر مأزق الاتفاق على حصص وكأن ما يعانيه البلدان من مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية، قطعة من الجبن على كل زعيم أن يقتطع منها حصته، بينما مصالح البلاد والعباد ليست مما يكترثون له. فليبقى الشعب مريضاً وجائعاً يأكل السموم ويتنشق روائح النفايات. ولتكن النفايات مصدراً لطعام الفقراء والمساكين والممتهني الكرامة. وليبقى التهجير سيفاً مسلطاً على رقاب الكتل الشعبية الهائلة لإلهائها عن همومها بالركض وراء رغيف الخبز، ووراء السقف الذي يأويها.
في واجهة المأزق يتلهى أمراء الطوائف وراء (ديموقراطية المحاصصة)، بينما الذي يقف وراء المأزق الحقيقي يقف وراء الكواليس، يأمر وينصح وينهي ويشجع ويردع، وهذا الواقف هو العامل الخارجي الآمر والناهي. بتسهيل من هنا أو هناك، بتعقيد هنا أو هناك. وأما الأسباب الحقيقية فهي الصراعات الدائرة بين بعض القوى الدولية والإقليمية الماسكة برقاب أمراء الطوائف. والحقيقة هي في أنها تلعب دور (المحاصصين الخارجيين) الذين اختلفوا بعد اتفاق على مقادير حصصهم من غنائم غزو الوطن العربي.
ليس من الغريب أن تترابط تعقيدات الوضع الحكومي في كل من لبنان والعراق، وهي لن تجد طريقها للحل سوى بوصول أميركا وإيران إلى اتفاق على سلة كاملة من المحاصصات.
بين أطماع أميركا وإيران، يتلهى أمراء الداخل بالخلاف على مقادير حصصهم، وهم لن يخرجوا من المولد بأكثر من نتف ريش الشعب، لكي تغنم قوى الخارج بالجوائز المجزية، فيبقى الخاسر الأكبر هو الشعب، سواءٌ أكان ذلك في العراق أم كان في لبنان، ولاحقاً بغيرهم من الأنظمة الرسمية العربية التي هي قيد التشكيل في المرحلة الراهنة.
وإذا كانت الطائفية ترى ذاتها فقط ضاربة عرض الحائط كل القيم الوطنية، والدولة المدنية.
وإذا كان الخارج يتكئ على الحركات الدينية السياسية لتحقيق مصالحه تحت حجة حمايتها،
آن للشعب العربي، وخاصة منه قواه المخدوعة من السياسيين والمثقفين، أن يدرك حقيقة الأخاديع التي يتعرض لها من الخارج تحت ستائر توفير الحماية له. وأن ينتفض في وجه أمراء الطوائف السياسية، وأن ينقلب عليهم لإسقاطهم عن مواقع حازوا عليها بخداع شعبهم وتضليله. وآن للشعبين العراقي واللبناني أن يرفضا المسرحيات التي يتم تمثليها على مسرحيهما السياسيين، وخاصة تمثيلية مأزق تشكيل الحكومتين، التي يقف وراء تعطيل تشكيلها أغراض ومآرب خارجية لا علاقة لها بمصلحة الشعبين.
ففي لبنان ولأنه غير خاضع لاحتلال مباشر، يمكن للشعب اللبناني أن يُسقط أمراءه بنضال سلمي مستمر.
وأما في العراق، ولأنه خاضع لاحتلال أجنبي، ففي طرده للاحتلال يمكنه إسقاط أمراء المحاصصات الطائفية. والعكس صحيح، ففي إسقاط أولئك الأمراء طرد للاحتلال وتطهير الأرض العراقية من دنسه.

إرسال تعليق