الخميس، يونيو 07، 2012

تهافت مشاريع الإمبراطوريات الدينية ) (الحلقة الثالثة)


لأهمية الدور الذي تلعبه حركات الإسلام السياسي في هذه المرحلة،، أضع بين أيدي القراء الكرام المهتمين بالشأن القومي، هذا البحث عسى أن يسد ثغرة في الثقافة القومية حول هذه المسألة الحساسة. ويشكل بحثنا هذا الفصل الرابع من كتاب (تهافت الأصوليات الإمبراطورية).

الحلقة 3/ 4

II-إعادة إحياء نظام الخلافة الإسلامية على نهج نائب الإمام المنتظر
(تيار ولاية الفقيه)
تمهيد
تقوم أصول المعرفة  عند الشيعة  على أربعة مصادر: الأول إلهي ينتقل إلى النبي بواسطة الوحي.  والثاني السنة النبوية. والثالث  فيُنقَل  عن  الإمام المعصوم. ويأتي الفقيه مصدراً رابعاً. وتعتبر الإيديولوجية الشيعية أن كل مسلم يتلقى المعرفة من غير هذه المصادر يبتعد عن جادة الصواب في الدين إلى حد الشرك بالله. 
ونظرية المعرفة عند الشيعة هي أساس لنظريتهم السياسية، فللفقيه السلطات نفسها في شؤون الدين والدنيا. وسلطاته مطلقة محصَّنَة بالإرادة الإلهية، فهو «الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام، و الراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله كما جاء عن صادق آل البيت (ع)».  لكنه لم يتسن للشيعة  الإثني عشرية  أن يختبروا  نظريتهم في السياسة، إذا  ما استثنينا  بعض تجاربهم العابرة والقصيرة المدى مثل فترة خلافة علي بن أبي طالب، والتجربة المعاصرة في إيران.
أما ما بين التجربتين، ومنذ أيام الإمام جعفر الصادق، فقد أرجأت الشيعة الإثني عشرية الثورة  لتغيير نظم الحكم  السياسي وإقامة الدولة  الشيعية. وكان سبب الإرجاء  مبدأ التقية بسبب ما واجهه أئمة الشيعة من التضييق على حرياتهم في جميع العهود. فأصبحت عندهم من الدين استناداً إلى قول الصادق «من لا تقية له لا دين له». 
واستمر الوضع حتى العام (260هـ)، حينذاك حصل تطور على غاية من الأهمية بفعل (الغيبة الصغرى) للإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن المهدي المنتظر) وهو ابن خمس سنين.  أما بعد (الغيبة الكبرى) فتوقفت سلسلة الأئمة  عند الشيعة الإثني عشرية، فأرجأت  الثورة  ليس بفعل  مبدأ  التقية هذه المرة  بل لأن  الإمام غاب لأمر مقصود ولا يجوز قيام نظام سياسي إسلامي إلا بعد ظهوره. 
وهكذا عاش الشيعة، عبر التاريخ الإسلامي، يخضعون لدول لا يؤمنون بصلاحها، ويرونها دول جور وسلطات استبدادوهم لم يثوروا علىها لا لضعف ورهبة، فقط، بل لأن الثورة عندهم مؤجلة ومرهونة بظهور الإمام الغائب. 
إن مبدأ التقية، وغياب الإمام الثاني عشر، أوجدا شغوراً في الحياة السياسية عند الشيعة؛ وهذا الشغور كان سبباً في ولادة تيار شيعي أخذ يتساءل: إلى متى يبقى الشيعة خارج دائرة الفعل السياسي الإسلامي؟ وهل يجب أن يبقوا في حالة انتظار-طال أمدها-إلى حين ظهور المهدي المنتظر؟ ومنه نشأ ما أصبح يُعرف بنظام «ولاية الفقيه».
1-كيف تأسس الخط الحزبي السياسي عند الشيعة؟
تعود بداية التفكير الشيعي الإثني عشري بسلوك الخط التنظيمي الحزبي إلى العام (1959م)؛ عندما تأسس حزب الدعوة الإسلامي-الشيعي في العراق، على قاعدة أن يتسلّم علماء الدين الحكم ويقومون به، وأن يطلبوا قيام دولة إسلامية عالمية. وانتقل إلى لبنان في النصف الثاني من  الستينيات من القرن العشرين. ولم يفلح الحزب المذكور في توسيع الدعوة في كل من القطرين. وظل مأسوراً في نادٍ للنخبة. وظلَّ على هذه الحال إلى أن باتت ثورة رجال الدين الشيعة في إيران، في أواخر السبعينيات، تشكل حافزاً أمام الحزب وغيره من أجل تقليدها. فسلك منذ تلك اللحظة طريقين مقلِّدين للأنموذج الإيراني في العراق ولبنان، على الرغم من خصوصيات تكوينهما:
ففي العراق استنهضت الحركة المذهبية الشيعية نفسها، وراحت تعد لأعمال شبيهة بما حصل في إيران بمساعدة من الثورة الإيرانية وتشجيع ودعم، تُرجمت بعدد من العمليات الأمنية، من اغتيالات، وتلاعب في الأمن الداخلي العراقي. إلاَّ أن التجربة الخاصة لها في العراق اندمجت مع تاريخية الصراع العراقي الإيراني وانتهت مظاهرها بانتهاء الحرب الإيرانية العراقية، وانسحبت قياداتها إلى إيران التي عملت على تأهيلها وإعدادها لجولة أخرى، كانت من أهمها محطتين:
-الأولى: انخراطها في أعمال الشغب في محافظات جنوب العراق، أو أنها هي التي أعدَّت لها، بعد العدوان الثلاثيني على العراق مباشرة في شهر شباط من العام 1991، مستظلة تحت حماية جوية أميركية. عرَّفتها وسائل الإعلام المساندة لها بـ«الثورة الشعبانية». ولكن الحركة قُضي عليها بعد أن عاثت فساداً وقتلاً وتخريباً تركت آثاراً سلبية في تلك المحافظات.
-الثانية: تسلل تلك الحركة، هذه المرة مباشرة تحت حماية الاحتلال الأميركي، بحيث كان هذا الدخول منسقاً بشكل عملي واضح من قبل القيادة الإيرانية. وكانت مشاركتها للاحتلال الأميركي، والعمل على إنجاح ما سماه الاحتلال بـ«العملية السياسية»، وقد عاثت تلك الفصائل فساداً في العراق، إن كان عبر حماية الاحتلال وملاحقة المقاومين العراقيين، والتشديد على تقسيم العراق إلى كانتونات طائفية، وافتعال الحرب الطائفية بأعمال القتل والاغتيال وتطهير المناطق من أجل «تشييعها» لأغراض قد تنال من أمن الفيدرالية الشيعية المزمع بناؤها.
أما في لبنان، فسادت حالة الانبهار الإسلامي بنجاح الأنموذج الإيراني، وقد أتاحت هذه الفرصة للنظام الإيراني الجديد استقطاب قسم من شيعة لبنان، وإغراء قياديين كُثُراً من حركة أمل التي أسسها الإمام موسى الصدر منذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين. وبهم أسَّس ما عُرف بـ«حزب الله»، الذي اعتنق مبادئ وإيديولوجيا «ولاية الفقيه» التي طبقها النظام الإيراني كنظام حكم ليست حدوده إيران فحسب، بل يتجاوزها إلى تأسيس دولة إسلامية عالمية أيضاً. وهذا الأمر الثاني يقتضي تأهيل شيعة العالم لتشكيل حركات تدعم النظام الإيراني وتعتبره مركزاً للثورة الإسلامية العالمية.
ومن وسائل الحزب التنظيمية، بداية، أن يجمع طالب العلم بين التحصيل الديني، وبين أنشطة حياة عادية. فالداعي يقوم بنشاط التدريس الديني، ومشاركة الناس في أعمالهم، ومعايشة همومهم وقضاياهم. بالإضافة إلى ذلك، فقد تدرَّب أعضاء الحزب على العمل المسلَّح في أوائل السبعينيات من القرن العشرين.
عمل حزب الدعوة، ومن بعده «حزب الله» -منذ أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، على بناء الشخصية الإسلامية التامة من خلال المدارس والحوزات، وإعداد «الملتزم الرسالي». ويتحصَّن المجتمع الإسلامي عندهم، أي مجتمع «الحكم الشرعي» العامل بولاية الفقيه « الإمام قائد الأمة»، بالمسجد أو بالنادي الحسيني.
أما منطلقات حزب الله: فهي «الرسالة التي يجب أن تعمَّ العالم، وتحكمه، ولا يحكمه الإنسان». وهي ليست «رسالة تبشيرية فقط، وإنما رسالة تبشيرية ورسالة لإقامة مجتمع العدالة في الأرض»؛ وهذا ما سوف يفرض «حالة صراع مع كل التجمعات البشرية التي ترفض أن تتعامل مع الإسلام كرسالة للحياة». ويعلن الحزب أنه يدرس «مشروعاً إسلامياً مبنياً على فكر ورسالة دولة الإسلام الكبرى... وعمل توحيدي للشعوب في المنطقة... وهذا ما عبَّر عنه الخميني بتصدير الثورة». تحت قيادة الرسول، والأئمة المعروفين، وبعدهم الفقهاء الأولين، بانتظار ظهور الإمام المنتظر.
كانت الدعوة إلى مركزية الدولة الإسلامية واضحة في بدايات مراحل تأسيس «حزب الله»، فحمل تابعيه على تجاوز كل ما هو عائلي ووطني، والإقرار بمركزية الثورة الإسلامية في إيران. ولكنه بعد أن اشترك في تظاهرة ترفع شعار (لا حاكمية إلا لله) في بيروت في أوائل الثمانينيات، أخذت تحولات على مواقفه المعلنة تظهر، منذ أوائل التسعينيات من القرن العشرين، حيث أعلن مواقف سياسية جديدة، وذلك بالانخراط في المعركة الإصلاحية التي  كان يرفضها سابقاً، والدعوة إلى ضمان الحريات السياسية والفكرية والإعلامية.
ولكن كيف يمكن لمنهج نظرية الفقيه أن يعالج إشكاليات العلاقة بين المذاهب الإسلامية، والديانات السماوية الأخرى، ومع الأحزاب والحركات القومية؟ 
-حول العلاقات بين السُنَّة والشيعة، يفترض هذا التيار أن بينهما حالة شكلية طائفية أو مذهبية، حدودها نفسية، ربما تعود إلى ابتعاد السُنَّة عن الشيعة في مجتمعاتهم، وإن الزمن يَحِلُّ كثيراً من هذه المشاكل.
-وحول العلاقات مع الديانات السماوية، خاصة بأهل الذمة، فيمكن إعادة النظر فيه. لكن الحزب لم يوضح  ما إذا كان الخطأ في نظام أهل الذمة عائداً إلى الخط الإسلامي، أم إلى إساءة في التطبيق.
-وحول العلاقة مع الحركات القومية، فلا يشعر هذا التيار أن القومية العربية، كإطار ومضمون، شيء واقعي. وتمكن مشاركتها في مواجهة الاستعمار مرحلياً ولكن لا يمكن الاعتراف بشرعية أفكارها.

2-«ولاية الفقيه» نظرية سياسية أممية ذات أبعاد شيعية
 طال  غياب المهدي  المنتظر، وبقي الشيعة في حال انتظار طويلة ملتزمين مبدأ التقية، يخضعون لسلطات لا يؤمنون بصلاحها.  ولأنهم «كانوا آيسين من رجوع الحكومة إليهم، ويرون كأنه بمنزلة أمر ممتنع».  وقد انقرض ملك بني العباس، ولم يظهر أحد من أهل البيت.  ولطول المدة أخذت تتحول إلى تساؤلات عند بعض فقهائهم، فأقر البعض منهم بجواز أن يتولى الفقيه مسئوليات الإمام في فترة غيابه. 
تلقَّف الخميني هذا الاجتهاد، ورأى أن عصر الغيبة الكبرى طال أكثر من ألف ومائتي  عاماً تقريباً، و قد يطول أكثر من ذلك؛ ورأى أن للإسلام «أحكامه النظامية والسياسية وقوانينه الإدارية والعسكرية التي لا تزال صالحة للتطبيق على الحياة العامة من غير  تحوير شعرة [ولا ينقصها إلا أنها] بحاجة  ماسة إلى ضامن، نافذ الكلمة، مُطاع على الإطلاق [وإن الإسلام قد] فوَّض تولي أمور المسلمين إلى الفقهاء  العدول[و] إن وظيفة الفقيه العارف  بأحكام  الشريعة هي  النهضة والانتفاضة وإعلاء كلمة الله في الأرض والمجاهدة وتطهير أرض الله من أعداء الله». 
وهاجم الدعوة لفصل الدين عن الدولة وعن السلطة السياسية، واعتبرها دعوة استعمارية يهدف من ورائها «إلى إبعاد رجال الدين عن ساحة السياسة، وعن التدخل في شؤون الدولة إطلاقاً، لكي ينطلق عملاء الاستعمار في أعمالهم التعسفية».  وهاجم بعض رجال الدين الشيعة من الذين خضعوا لهذه  الدعوة؛ وقد خاطبهم بقوله: «الدعايات الأجنبية عرفتكم إلى الملأ الأعلى شرذمة رجعية مُتزمِّتة تجمَّعت في النجف وقم، وما شأنها والتدخل في سياسة البلاد». 
كما يرى الخميني  أنه في تأخير تأسيس الدولة الإسلامية حتى  ظهور الإمام مؤامرة على الإسلام و المسلمين.  فمضمون الحكم في الإسلام وأسسه ليس موضوع جدل، فالقوانين «جاءت من عند الله لغاية تطبيقها  على الحياة، [و ما على الولاة سوى] تنفيذ الخطة القائمة من دون  ... التدخل في  شؤون أحكام الله على الإطلاق [و] إن ولاة  الأمر في الإسلام يتبعون  الرسول  الأعظم، والرسول يتبع القانون الإلهي الحكيم». 
يرى الخميني أنه من غير الجائز على المسلمين  أن ينتظروا  ظهور المهدي  أكثر  مما انتظروا.  والسبب أن الإسلام يشكل  مجموعة من القوانين  التي جاءت من عند الله  أولاً، ولأنه «لم يختلف أحد من المسلمين في ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية منذ الصدر الأول للإسلام. 
لم يكن الاختلاف حول تشكيل الحكومة أو عدم تشكيلها، وإنما أصبح يتعلق في توفر الظروف المناسبة أو عدم  توفرها، لهذا بعد أن  أصبحت الظروف مؤاتية  في إيران أصبح  لزاماً على المسلمين البحث عن الحكومة وفض  الاختلاف «في نوعية تشكيلها، وفي الشرائط اللازمة في شخص الحاكم الإسلامي؛لأنه إذا اجتمع فقهاء المسلمين في هذا العصر «وأجمعوا رأيهم لكان بوسعهم تشكيل حكومة إسلامية عادلة من غير ريب». 
لكن البحث في الشرائط اللازمة للحاكم، ولبناء الدولة الإسلامية يصبح غير  ذي مضمون في الحالة التي يظهر فيها الإمام المنتظر، لأنه بظهوره -كما يحسب منتظري-«يغنينا من هذه الأبحاث العريضة».  وكأننا بمنتظري لا يخرج عن دائرة المنطق التخميني، فلا  اليقين ثابتاً  عنده في مبدأ انتظار  الإمام، وليس يقيناً  ثابتاً في نظرية  ولاية الفقيه؛ فأيهما الجاهز للتطبيق فهو الأصلح للعمل بمقتضياته. 

3-الشرائط اللازم توفرها في الفقيه الحاكم
يرى منتظري أن السيادة والحاكمية لله تعالى فقط.  والنبي  أيضاً لم يكن له حق الحكم إلا بعد ما فوَّض الله إليه ذلك. والأئمة، أيضاً، قد انتُخِبوا من قبل النبي بأمر الله تعالى، والفقهاء في عصر الغيبة، أيضاً، نُصِبوا من قبل الأئمة، وليس لانتخاب الناس أثر في هذا المجال أصلاً.  فالحكومة الإسلامية ثيوقراطية محضة». 
ولأنه لم يتعيَّن شخص الحاكم الإسلامي بالنص في عصر الغيبة، يحدد منتظري طريقة اختياره وشروطها، فهو يقول : «وجب على الأمة  ترشيحه وانتخابه، إما بمرحلة واحدة أو بمرحلتين: بأن ينتخب أهل كل صقع وناحية بعض أهل الخبرة، ثم يجتمع أهل الخبرة وينتخبون الفقيه الواجد للشرائط والياً على المسلمين».
أما الشرائط  التي يجب توفرها في شخص الفقيه:معرفته الكاملة بالقانون، وعدالته العامة بالتنفيذ. على أن لا تكون معرفة وضعية، وتنفيذاً وضعياً؛ وإنما لا حكم لغير القانون الإلهي يتصدى بتنفيذه الحاكم  الإسلامي  الذي «جاء تعيينه  من قبل الله». 
فللفقيه نائب للإمام، سلطة مُطلَقَة في أصول المعرفة الدينية، والسلطة السياسية المطلقة، فهو له الزعامة الكبرى و هو المصدر للقيادة العليا الإسلامية فالأمراء والقواد هم الممتثلون لأوامره، وهو الواقع في قمة الحكم، والبقية مأمورون مؤتَمِرون وهو المخوَّل من قبل الله في إجراء الحدود».  وللفقيه سلطات واسعة غير محدودة، فبيده  أزمَّة الأمور كلها، الله أعطاه  هذا الاختيار، وأوكل إليه أمر الأمة». 
وعلى الرغم من أنه يرى بأن الفقيه لا يداني النبي والإمام فضيلة أو مكرمة،  يقرر أن هناك حدوداً  للتطابق بين النبي والإمام والفقيه، حيث يقول: «إن الحكومة تكون للعالم العادل: نبياً أم إماماً أم فقيهاً عادلاً». 
وخلاصة القول: اعتمدت نظرية ولاية الفقيه على المفاهيم التالية:
-تشريع تجاوز انتظار المهدي المنتظر، وهو الذي طالت غيبته أكثر من ألف ومائتي عام، لأن غيبته قد تطول مدة مماثلة أو أكثر. 
-للاستعمار مصلحة في فصل الدين عن الدولة، وانتظار  المهدي لكي  يقيم حكومة العدل هو منع رجال الدين من استلام السلطة. 
-إن في الإسلام قوانين إلهية ثابتة لتنظيم شؤون الحكومة الإسلامية. 
-إن الإسلام يواجه مشكلة صلاح أي كان لتطبيق هذه القوانين، وقد وجدها في نائب للإمام، الذي هو (الفقيه). 
4-نظرية ولاية الفقيه تشكيك بيقينية نظرية الظهور
أما بالنسبة إلى مبدأ ظهور المهدي فنجده في صلب نظرية المعرفة عند الشيعة، لأنه لا يجوز أن يطبِّق  القوانين الإلهية سوى إمام  معصوم، كي لا يقع الحاكم  في أخطاء  تضعف الثقة بالتشريع الإسلامي.  لذلك أصبح من الواجب انتظار ظهوره.  أما النظرية الخمينية حول ولاية الفقيه فرأت في مسألة الانتظار ثغرتين:
-الثغرة الأولـى: أن الشيعة انتظروا  مدة طويلة فمن غير  الجائز أن ينتظروا  أكثر. فأصبحت المشكلة و كأنها مسألة  نفاذ صبر، وإذا كان ذلك كذلك فهناك احتمالان:
-الأول: أن يكون نفاذ الصبر من الانتظار هو المشكلة فعلاً. 
-الثاني: أن  تكون مسألة الانتظار  متعارضة مع القوانين الإلهية، التي توجب تعيين إمام معصوم لتطبيق هذه القوانين، كما تنص عليه العقيدة الشيعية الإثني عشرية. 
فإذا كان الاحتمال الأول هو الصحيح، فلماذا طال الصبر إلى مئات السنين؟ أما كان من  الأجدر التوفير على مصالح  المسلمين  الكثير من الوقت  المهدور؟
أما إذا  كان الاحتمال الثاني  هو الصحيح  فكان على  الخميني، رائد تطبيق نظرية ولاية الفقيه،  أن ينتظر ظهور الإمام المعصوم مهما طال الزمن.
لا نصوص نستند  إليها في التحليل، و إنما طريقنا الوحيد هو تفسير  ما يقول، فإن ما يريد أن يقوله يُعبِّر عنه  بمنهج من المداورة و ليس المباشرة. 
وجد الخميني في انتظار الإمام المعصوم الغائب ثغرات، من أهمها:
-إن  الله تعالى لو أراد أن لا يُولِّي الحكم إلا  لإمام معصوم لما كان قد عمل  على تأخير ظهوره مئات من  السنين، و قد تطول المدة  أكثر من ذلك.  وهنا نتساءل: أليست نظرية ولاية الإمام المعصوم المنتظر، كما يدل نفاذ الصبر عند الخميني، مسألة مستحيلة؟
فإذا كان يؤمن فعلاً بوجوب ولاية الإمام المعصوم، وأن هذه الولاية منصوص عليه إلهياً، لكان من  واجبه كشيعي أن ينتظر  ظهوره مهما  طال  الزمن، وإلا فإن نفاذ الصبر من انتظار تحقق أمر إلهي، هو الوقوع في معصية استعجال أمر الله الذي يكون قد عمل على  تأخير الظهور لسبب لا يعلمه إلا هو.  ولكن لشك في الإيمان بولاية الإمام  المعصوم  عجَّل  بالتراجع  عن  ركن  من  أركان  العقيدة الشيعية الإثني عشرية. 
-يرى  الخميني أن المستفيد من  الانتظار هو  المستعمر  نفسه. وإن المستعمر يريد أن  يفصل الدين عن السياسة لمنع رجال الدين من تسلُّم السلطات السياسية.  وهذا يدفعنا إلى التساؤل:
-هل كان الاستعمار موجوداً قبل  العام 148هـ، حينما وضع الإمام الصادق مبدأ التقية؟ وهل كان الاستعمار موجوداً في العام 260هـ-التاريخ الذي اختفى فيه الإمام محمد بن الحسن عن الأنظار؟ 
-وهل غير الفقهاء الشيعة هم الذين صاغوا نظرية الانتظار؟  وهل هناك أي شك بنواياهم السليمة عندما وضعوها؟ وهل أسهمت أية جهة معادية للشيعة في وضعها؟
إن نظرية ولاية الفقيه هي انقلاب على  أسس المعرفة الشيعية  حاول واضعوها أن يوفِّقوا قواعدها  مع أسس تلك المعرفة حتى  لا تبدو متعارضة مع  تراث مئات السنين  من الحجج الفقهية  التي أسست نسقاً معرفياً للشيعة يتميَّزون به عن غيرهم. 
ومع أن مسألة التجديد في الفكر مسألة ضرورية، كان الأجدر بالخمينية ان تطرق بابها بصورة شاملة وليست بصورة جزئية؛ فالمدخل الإصلاحي في التغيير قد يردم ثغرات ليخلق ثغرات أخرى. فهو لا يتوافق مع التيار المطالب بالتجديد الشامل، ولا يرضي التيار المحافظ. وهذا الأمر تنتج عنه حالة تفتيتية جديدة في داخل المذهب الواحد لتخلق أسباباً جديدة للصراع. 
تنطلق عملية التنظير الخمينية لمرحلة البناء الجديدة. فيقوم بناء السلطة السياسية الإسلامية عنده على مسلَّمتين اثنتين:
-وجود الشرائع الإلهية الجاهزة للتطبيق. 
-وإحلال  الفقيه محل الإمام المعصوم للقيام بكل سلطاته السياسية. 
تصور الخمينية أن كل شيء جاهز للبناء الجديد، فعلى المسلم أن يُسلِّم مصيره إلى سلطة الفقيه المطلقة من دون نقاش، لأن كل شيء مرسوم بدقة متناهية؛ فإن ظُلِم المسلم في  ظل  هذه السلطة فلخطأ من جنى يديه، وإن لم يُظلَم فلأنه سلَّم أمره لها. وهل ما تقول به نظرية ولاية الفقيه إلا استحالة جديدة وانتظار جديد؟
فإذا  كان صبر أصحاب نظرية  ولاية  الفقيه قد نفذ بعد  ألف ومائتي عام، فكم هو مطلوب من أعوام الصبر كي تثبت نظرية ولاية الفقيه واقعيتها وصحتها وعدالتها؟
أحدثت نظرية ولاية الفقيه حركة  اعتراض شيعية، فانقسم الشيعة بين مؤيد لها ومعترض عليها.
أما المعترضون من فقهاء الشيعة، فيؤمنون  بوجوب  تطبيق  أحكام الشريعة الإلهية  بواسطة إمام معصوم من آل بيت الرسول، ليشكِّل ضمانة للتطبيق.  ويعتقدون، أيضاً، أن كل راية حكم غير رايته هي راية بدعة وجور، بمعنى أن الإمام المنتظر لا يظهر  إلا إذا  امتلأت  الأرض ظلماً وجوراً؛ فكل من  يتصدَّى للمنكر والجور فهو يخفف منهما ولا يستطيع إزالتهما إزالة  تامة، فهو كمن يرقِّع  الثوب  البالي، فيطيل عمره بدل أن يمزقه.  فالخوئي (ت في أوائل التسعينيات من القرن 20 م) -مرجع شيعي أعلى في النجف-مثلاً، لا يجيز القول والعمل بولاية الفقيه العامة، لضعف  بعض الأحاديث التي  استند إليها  الخميني، و البعض الآخر يحسب أن الاستدلال بها لم يكن على الوجه الصحيح. 
كما اعترض بعض رجال الدين الشيعة الإيرانيين  على النظرية، و حسبوا أنها تتعارض مع العقائد الشيعية، فأصدر أحدهم فتوى دينية يُحرِّمها قائلاً: «من  الممكن أن يصدر الفقيه حكماً غير حكم الله، سهواً وليس عمداً، ومن الطبيعي والقطعي فإن طاعة هذا الحكم غير جائزة». يستطرد الفتوى محذِّراً مما تخلقه من فوضى، لأنه في كل زمان يوجد عدد من الفقهاء.  وإذا اختلفوا فيما بينهم ستدب الفوضى بين مقلدي كل منهم. لذلك فإن فتوى  ولاية  الفقيه، مضرّ بالإسلام، ووصمة عار لجبين الإسلام والشيعة».
ومن اللافت أن هناك مفكر شيعي هو محمد خاتمي، شغل منصب رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران، في العام 1997م، وينتسب إلى المدرسة الخمينية، يقف من موضوع قيام دولة إسلامية موقفاً مرناً يُمَيِّزُه عن الذين يقولون بحتمية قيام مثل هذه الدولة تحت طائلة تكفير من يعتقد بغير هذا.
يبرِّر خاتمي موقفه بأنه « ليس هناك شكل واحد مُتَّفَق عليه بين الفقهاء والمفكرين الإسلاميين للحكم الإسلامي، ولا شرائط مخصوصة مُتَوافَقاً عليها، لأن الفهم الموَّحد، والرؤية المُوحَّدَة للإسلام غير موجودين». لأن «الدين قد حدَّد الضوابط الأساسية والإطار العام، وأما الحكومة فأمر مرجعه إلى الناس. حتى إنه في زمان المعصوم كانت إرادة الناس ورغبتهم شرطاً لحكومته
يستطرد خاتمي قائلاً:  لقد قامت حكومة الرسول، بعد أن بايعه كل أهل يثرب تقريباً. والإمام علي بن أبي طالب يقر بحضور الحاضر وقيام الحجة ووجود الناصر شرطاً أساسياً لقيامه بالحكم.  يستطرد خاتمي، وإنه إذا لم نع أن الفكر قد تطوَّر وتحوَّل، وإنه لا يمكن حبس الأفكار في سجن من حديد، أقول: إننا لن نجد إذ ذاك طريقاً سوى الديموقراطية. ويتابع خاتمي أن الإسلام «لم يقل بأنه من الممكن لنا إجراء حكم الله بأية طريقة وأي شكل وبأي ثمن كان». لهذا فإذا انتخب الناس حكومة دينية «لا ضوابط إسلاميـة لهافإن علينا احترام رأيهمشريطة أن تُصان آنئذٍ حريتي في نقدها، وإعلان ذلك دونما خوف».
أصبح من الواضح أن للاتجاهات السياسية عند الشيعة الإثني عشرية علاقة مع أصول المعرفة عندهم.  وليست هذه الأصول نظرية في الدين فحسب، وإنما هي نظرية في السياسة بمضامين دينية أيضاً.
اتفق التياران، المحافظ والمجدد، على التراتبية المعرفية بمصدريها (الكتاب والسنة)، وعلى وجوب  أن يخلف  الإمام  المعصوم  النبي في قيادة الدولة الإسلامية -دينياً ودنيوياً- وتطبيق الشريعة الإلهية؛ ولكنهما افترقا، لاحقاً  فاستقر  أحدهما على الاعتقاد  التقليدي بأنه لا يجوز لغير المعصوم، بعد ظهوره، أن يحكم الدولة  الإسلامية.  أما التيار المجدد فأجاز ولاية الفقيه، على الرغم من  أنه ليس معصوماً، طالما بقي الإمام غائباً. 
وعلى العموم «يعمل كل  من التيارين  لاستلام السلطة  السياسية، لكن لكل منهما  طريقه المختلف عن الآخر. فالتيار المحافظ يريده طريقاً مثالياً غيبياً إلى حد الاستحالة؛ أما التيار المجدد فيريده واقعياً وعملياً، لكنه في الوقت الذي حاول فيه الخروج من نفق  الاستحالة، يقع أسير طريق وعر وصعب، وأوقع الفكر الشيعي في استحالة جديدة.
للخروج من مأزق الغيبة وانتظار ظهور الإمام، سلك تيار ولاية الفقيه  طريق التوفيق والتبرير؛ ووضع  للفقيه  الوالي  شرائط  وسلطات وصلاحيات تكاد لا تضع فروقاً بينه وبين الإمام المعصوم.  قد يكون وضع ذلك منفعلاً بصفات الأنموذج المثالي  للحاكم الإسلامي من آل  بيت الرسول.  وفعل ذلك تبريراً لانقلابه على نظرية الانتظار، عندما أتى بأنموذج  للحاكم لا يقل شأناً عن الإمام المنتظر  في  محاولة  منه ألاَّ يبتعد  كثيراً عن  النظرية  الأم التي تشترط وجود إمام معصوم لا يخطئ. 
ولهذا فإن ما جاءت نظرية ولاية الفقيه لتتجاوزه، وقعت في محاذيره؛ وقد تكون المحاذير أشد وقعاً، فقد حاولت أن تنزل من الغيبية إلى أرض الواقع، فإذا بها تعمل على الارتفاع بالواقع إلى مستوى الغيبية المستحيلة،  لأنه لا يمكن أن نجد إنساناً يكون جامعاً لهذه الشرائط، خاصة أن نظرية المعصوم لم تخضع للتجربة. 
ومن جانب آخر منعت المذاهب الإسلامية الأخرى الشيعة من استلام السلطة طوال قرون عديدة، فهل سيتقبَّلون نظام ولاية الفقيه في هذا العصر؟ وإنه ما لم  تنل إجماع الشيعة أنفسهم، فهل ستحوز على  إجماع المسلمين؟
إن النتيجة ستكون حرباً بين الشيعة أنفسهم، وستكون كذلك حرباً بين الشيعة والسنة. وإذا أضيفت الحروب بين التيارات السنية نفسها، فلنتصور كم سيكون الواقع مأساوياً للمسلمين. وأين سيكون موقع الإسلام في ميدان التكفير والتكفير المضاد؟
5-نظرية ولاية الفقيه انتصار تيار شيعي على تيار شيعي آخر:
لم تدر حروب التكفير المتبادلة بين المذهبين الشيعي والسني فحسب، بل تدور حتى بين الفرق المتشعبة عنهما أيضاً. وإن كان الشيعة يجمعون على حق آل بيت الرسول بالخلافة، إلاَّ أن التشيع انقسم إلى فرق كفَّر بعضها البعض الآخر:
أ-الخلاف في تحديد ورثة الأئمة: فهناك خلاف بين الحسنيين الذين يحصرون الخلافة بأبناء الحسن بن علي، والحسينيين الذين يحصرونها بأبناء الحسين بن علي. وحصلت افتراقات بين الحسنيين في حصر الخلافة بين ورثة الإمام جعفر الصادق، هل هو اسماعيل أم موسى الكاظم؟ ومنها نشأت الفرقة الاسماعيلية التي حصرت الخلافة بأبناء اسماعيل بن جعفر. بينما استمرت الفرقة التي حصرت الخلافة بموسى الكاظم بن جعفر، وعُرفت بعد غيبة الإمام الثاني عشر، بالشيعة الجعفرية أو الإثنيْ عشرية.
لم يكن النص  واضحاً في استخلاف الأئمة عند الشيعة وإلا لم يكن  الخلاف ليقع بينهم، فتعددت فرقهم. ونحسب أن الخلاف، بين الأخوة، لم يكن لأسباب دينية خالصة، بل قد تكون وراءه أسباب سياسية أو فكرية أو شخصية.
ب-الخلاف حول الجهاد: بين من يطبق مبدأ التقية ومن يرفضه:
في  الصراع الذي كان  دائراً بين  المذاهب  الإسلامية، أو بينها وبين السلطات الإسلامية السياسية، الذي كان حاداً وعنيفاً ودموياً، اندفع الشيعة إلى ابتكار مبادئ  تتناسب مع حدة الصراع وعنفه، ومن أهمها مبدأ (التقية). ولقد اختلف أئمة الشيعة حول شرعية هذا المذهب  أو لا شرعيته، فهل هذا المبدأ سياسي أم ديني ؟ هل هو مرحلي أم استراتيجي؟ متى يأخذ الشيعي به ومتى يتخلى عنه؟ 
لقد عدَّت الفرقة الزيدية هذا المبدأ لا شرعياً.  ولم يقروا سياسة محمد الباقر، وابنه جعفر  الصادق، بالاكتفاء  بالإمامة الروحية من دون  إعلان الثورة. وقالت الجارودية، إحدى  الفرق الزيدية: «من ادعى منهم  الإمامة وهو قاعد في بيته مرخي ستره عليه  فهو كافر مشرك؛ وكل من اتبعه على ذلك، وكل من قال بإمامته». و قال زيد بن علي: «ليس الإمام منا من أرخى عليه ستره، إنما الإمام من أشهر سيفه». 
أما الشيعة الإثني عشرية فعدَّت التقية مسلَّمة دينية وضعها الإمام جعفر الصادق، ابن أخ زيد، قائلاً: من لا تقية له لا دين له. وكان من أهم تأثيراتها فصل الدين عن الدولة. واستمر الأخذ بهذا المبدأ إلى أن هاجمها الخميني  وعدَّها من صنع الاستعمار.
من هنا نحسب أن هناك تلازماً وثيقاً، عند التيار الشيعي المحافظ، بين مبدأ التقية وبين مبدأ الظهور. الأمر الذي انقسم حوله الشيعة الإثني عشرية بين من ظلَّ محافظاً على الالتزام بالمبدأين، وبين من انقلب عليهما سالكاً اجتهاده الخاص بتطبيق نظرية ولاية الفقيه.
فإذا كانت الفرقة الزيدية قد هاجمت القول بمبدأ التقية وقامت بثورتها ضد الأمويين في الوقت الذي لم تكن فيه إشكالية الغيبة والظهور قد بدأت في الفكر الإثني عشري، فها هو التيار المجدد في الوقت الراهن يهاجم مبدأ التقية ويبرر الانقلاب على مبدأ الظهور. 
فالمشكلة ليست في إلغاء هذا المبدأ  أو ذاك من  المبادئ  المذهبية، لأنها ليست  محصورة في دائرة المذهب، بل إن الأهم هو النظر الشامل  في كل البنى المذهبية الإسلامية على حد سواء؛ وتأتي المضامين الفكرية المذهبية على رأس الأولويات في النقد والمراجعة. 

إرسال تعليق