الخميس، يونيو 07، 2012

تهافت مشاريع الإمبراطوريات الدينية (الحلقة الرابعة والأخيرة)

-->
لأهمية الدور الذي تلعبه حركات الإسلام السياسي في هذه المرحلة،، أضع بين أيدي القراء الكرام المهتمين بالشأن القومي، هذا البحث عسى أن يسد ثغرة في الثقافة القومية حول هذه المسألة الحساسة. ويشكل بحثنا هذا الفصل الرابع من كتاب (تهافت الأصوليات الإمبراطورية).
الحلقة 4/ 4
ثالثاً: حروب التكفير بين المسلمين
ينطلق  أساس الخلاف  بين الفرق الإسلامية  حول الأصول المعرفية والأصول السياسية، وهو خلاف مدعَّم بالجدل الفقهي، بعضه يستند إلى نصوص متفق عليها كنصوص، ومختلف عليها تأويلاً و تفسيراً، سواء أكانت نصوصاً من القرآن، أو أحاديث منسوبة إلى الرسول؛ وإذا كان النص القرآني موحَّداً، فإن الأحاديث النبوية ليست كذلك، فهناك أحاديث يقبلها  طرف ويرفضها الطرف الآخر.  ومن خلال الاختلاف على تأويل النص القرآني، والاختلاف حول الأحاديث النبوية، يصل  اتهام البعض للبعض الآخر حدود التكفير.

1-حديث الفرقة الناجية من النار أصل يقف عليه المسلمون:
وإن اتَّفَقت التيارات والجماعات الإسلامية حول هدف الدعوة إلى بناء دولة إسلامية، فإنهم عند الغوص في التفاصيل، يرون أنفسهم غارقين حتى الأذنين في بحر الخلافات. وإن الخلاف بينهم لا يصب في مجرى التعددية في الآراء، فحوارهم ليس حواراً ديموقراطياً يريدون به الاتفاق حول حقيقة ثالثة، لأن الحوار بين مقدسين حوار عبثي، فإما أن تؤمن بهذا المقدَّس أو تؤمن بذاك، ولا خيار ثالث بينهما. وكل من لا يؤمن بمقدسك فهو فاسق أو صاحب بدعة أو كافر.

أ-نصّ اجتهـادي يكـفِّر نصَّـاً اجتهاديـاً آخر.
تاريخياً كانت بعض الفرق الإسلامية تُكفِّر البعض الآخر. واستمرت محنة التكفير إلى يومنا هذا. إن مواقف التكفير والتبديع، نُشِرَ بعضها في العلن وبعضها وُزِّعَ في السر؛ والكثير الكثير منه ينتشر ثقافة شعبية يقوم بتغذيتها فقهاء مجتهدون، أو معمَّمون ناقصو ثقافة؛ أو متعصبون من العامة ناقصو وعي ومسؤولية.
يكشف أحد الذين كانوا من السنة وتشيعوا، عن تجربته السابقة، فيقول: «نحن لا نعرف غير المذاهب الأربعة، وما عداها فليس من الإسلام في شيء». فقد «تعوَّدت على أن كلمة شيعة هي مسبَّة». وإن «الشيعة عندنا هم أشد على الإسلام من اليهود والنصارى». ويصف الوهابيين بأنهم خالفوا إجماع المسلمين وكفَّروهم وأباحوا دماءهم. وحقدوا على الشيعة أيضاً، وإنهم لا يوفِّرون من التكفير المذاهب الأخرى.
ينفي قيادي، في أحد تيارات الإخوان المسلمين، أن تكون الثورة الإيرانية ثورة إسلامية، لأن الخميني، كما يقول، يتبنَّى «كل العقائد الشاذة للتشيع عبر التاريخ»؛ وإن «الخمينية المارقة» تحذو حذو أسلافها من حركات الغلّو والزندقة، فتتظاهر بالإسلام قولاً، و تُبطِنُ جملة الشذوذ العقيدي،  «الساقطة في شرك الكفر والزندقة».
رجل دين، أخذ بالفقه الشافعي، يتهم حزب التحرير الإسلامي بتحريف دين الله بسبب إيمانه بالقضاء والقدر، أي أن أعمال الإنسان من اختياره، وهذا الكلام، كما يحسبه رجل الدين نفسه، مخالف للقرآن والحديث الصريح، قياساً إلى ما قاله ابن عباس«إن كلام القدرية كفر»؛ وإلى ما قاله عمر بن عبد العزيز، والإمام مالك بن أنس، والأوزاعي: «إنهم يُستتابون فإن تابوا، وإلا قُتِلوا».
وشهادة من (أمير جماعة التكفير والهجرة من الإخوان المسلمين): إن دعوت إنساناً بعينه إلى فكري ومذهبي، ولم يدخل في ما دخلت فيه: «أحكم عليه بالكفر لهذا السبب وحده، بل لا يوجد عندنا سبب للكفر غيره».

ب-لا يلتقي نظامان إسلاميان في وحدة إسلامية سياسية وعقائدية.
سنتناول، كعيِّنة للبحث، وضع نظامين إسلاميين: نظام المملكة العربية السعودية (عقيدته المذهب الوهَّابي)، ونظام الجمهورية الإيرانية و(عقيدته الشيعة الإمامية).
-المملكة العربية السعودية: تأسست على قاعدة المذهب الوهابي الإسلامي، والملكي المتوارث، و«الأحكام تكون دواماً في المملكة الحجازية منطبقة على كتاب الله وسُنَّة رسوله، وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح». لكنها لا تحصر فقهها في مذهب من المذاهب الأربعة،  بل تعتبر أن الطائفة الناجية من النار ليست سوى المملكة العربية السعودية، وهي ليست في حاجة لأي فكر وافد، أو منهج من أي جماعة أو حزب.
وفي المقابل توجه بعض التيارات (من أهل السُنَّة والجماعة) انتقادات لاذعة للمذهب الوهابي، وتنتقص من شأن صاحب المذهب محمد بن عبد الوهاب، بالقول إنه: «ليس من المبرِّزين بالفقه ولا بالحديث، إنما دعوته الشاذة شهرته، ثم أصحابه غلوا في محبته، فسموه شيخ الإسلام والمجدِّد، فتبَّاً لهم وله».
الجمهورية الإسلامية الإيرانية: تأسست في العام (1979م ) على قاعدة نظام إسلامي إثني عشري؛ وجمهوري يستند إلى انتخاب رئيس للجمهورية بواسطة الشعب مباشرة؛ وإلى اختيار مرشد أعلى للجمهورية يُنتَخَب من مجلس يُسمَّى مجلس الخبراء.
تطبِّق الجمهورية عقائد مذهب الشيعة الإثني عشرية، وركيزتها الكتاب والسُنَّة، لكن على قاعدة تفسير أئمة أهل بيت الرسول وتأويلهم لها. يقول الخميني إنه لما امتنع المسلمون عن العمل بهديهم «جعلوا من القرآن الكريم وسيلة (لإقامة) حكومات معادية للقرآن». وهكذا فعل الوهابيون، فحكومتهم خارجة على تعاليم الإسلام، ومذهبهم مليء بالخزعبلات والخرافات. بينما تفخر إيران، يتابع الخميني، باتباع مذهب مؤسسه رسول الله بأمر من الله تعالى، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والأئمة المعصومين. ويطلب من المسلمين أن يقتدوا بالأئمة، وأن لا ينحرفوا قيد أنملة عن عطاء مدرستهم، سواء الأحكام الأولية منه أم الأحكام الثانوية، و«أن أية خطوة منحرفة تشكل مقدمة لسقوط المذهب والأحكام الإسلامية، وحكومة العدل الإلهية».
لن يكتمل طريق الخلاص عبر تحديد وسائل بناء الدولة فحسب، وإنما وجوب كشف القناع عن الظالمين وعن الخارجين على الخط الصحيح، ومنها لعن بني أمية، وأن تُذكَر في ذكرى عاشوراء فجائع ظلم الظالمين في كل عصر وفي كل مصر، ومنهم آل سعود «خونة الحرم الإلهي». وأن يُذكَر ظلمهم مقروناً باللعن.
ويحسب الخميني أن انتصار الثورة في إيران، وإقامة دولة إسلامية قد تحققت «بتأييد إلهي غيبي». وأن « الإسلام، والحكومة الإسلامية هي ظاهرة إلهية».
وإنه بالمقارنة بين نظامين إسلاميين، يستندان إلى الشريعة الإسلامية (الكتاب والسنة) كناظم وحيد لشؤونهما، فهل نرى أي منفذ نخلص منه للاستنتاج بإمكانية توحيدهما؟
ج-الحركات السياسية الإسلامية لا ترتبط بمرجعية دينية واحدة.
تستند الحركات السياسية الإسلامية إلى مسلمات تضفي عليها صفة القداسة، وبتعدد تلك الحركات تتعدد المقدسات، فتتناقض الرؤى والأهداف، فيتحول المقدس إلى محور لحروب بين الحركات. فإذا لم تكن الرؤى حول المقدَّس موحَّدَة، فهي لن تكون مُوحِّدَة. فالأولى بالمقدَّس أن يكون، بل يجب أن يكون، بعيداً عن تعدد الآراء. وإلا فيصبح المقدَّس داخل الدين الواحد مقدسات تتصارع باسم الألوهية. فأين يقف المسلمون من النص المقدَّس؟
إذا كانت ثنائية (المؤمن والكافر) ثابتة عند كل الفرق الإسلامية، فإن ثنائية (الباغي وغير الباغي) سادت قروناً طويلة، وميَّزت العلاقات بين تلك الفرق.
فالثنائية الأولى تعني الصراع بين جماعة المسلمين (كطرف مؤمن) وبين الآخرين (كطرف كافر)، فالثنائية الثانية تعني الصراع بين الفرقة الإسلامية (الناجية) والفرق الإسلامية (الباغية). وتلك الثنائية كانت القانون الذي حدد العلاقات بين الفرق الإسلامية. الأمر الذي يطرح إشكاليات عديدة تحول دون بناء مشروع سياسي يحفظ وحدة المسلمين، ومن أهمها استحالة تأسيس مرجعية دينية إسلامية مركزيـة مُلزِمـة تشكِّل الحَكَم الفيصل في الخلافات والاجتهادات والآراء. والعكس يعني أن أساس بناء الدولة الدينية الإسلامية سيبقى مهتزَّاً تتقاذفه عوامل التمزق والتفتيت؛ ويصبح أكثر صعوبة، بل أكثر استحالة، إذا بُني على قاعدة تعدد الأحكام المقدسة كما هو حاصل بين الفرق الإسلامية، فسوف تتناقض المرجعيات وتتحارب ولن تتنازل فيها إحداهما عن مقدساتها لصالح مقدسات الفرق الأخرى. أما تعددية الاجتهادات، وبالتالي المقدسات، فكانت نتيجة غموض النص الإسلامي. فالنص الديني الإسلامي لم يكن واضحاً جامعاً مانعاً لكي يغني عن أي تفسير أو تأويل، لهذا كثُرَت الاجتهادات فيه؛ ولأنه يُعّدُّ نصاً مقدساً أسبغت كل فرقة إسلامية صفة القدسية على اجتهاداتها الخاصة.
ويعزز الاستنتاج ما جاء في كتاب نهج البلاغة لعلي بن أبي طالب: »لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمَّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً«. ويجاريه في القول فقهاء مسلمون من الشيعة والسنة، كما جاء في أقوالهم: إنه «لو كانت أحكام الشريعة قد أُعطِيَت كلها من خلال الكتاب والسُنَّة، ضمن صِيَغٍ وعبائر واضحة صريحة لا يشوبها أي شك أو غموض لكانت عملية استخراج الحكم الشرعي من الكتاب والسُنَّة ميسورة لكثير من الناس».
وإنه أصبح لكل إمام نص يفوق قدسية النص المقدَّس: «كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ».
د-كمال الشريعة الإسلامية بين المؤيدين والمعارضين:
على الرغم من ذلك أسبغ الفقهاء المسلمون صفة الكمال على الشريعة الإسلامية، ونفاها البعض الآخر، ومن أهم النماذج في تضارب الفتاوى الفقهية، ما يلي:
-يقول زكي أحمد (مفكر إسلامي معاصر): «نحن نعتقد اعتقاداً قاطعاً لا ريب فيه أن الإسلام فلسفة متكاملة لحضارة الإنسان، شرح لنا أدقَّ المسائل الجزئية ... وهذا يعني أن الإسلام لا يحتاج حتى إلى الأمور الصغيرة، فكيف بالأمور الكبيرة».
يؤيده في ذلك محمد مهدي شمس الدين (مرجع شيعي راحل) مُسبِغاً على الإسلام صفة الكمال والاكتمال حتى في أدقِّ التفاصيل، ففيه نظام حياتي كامل، ويحكم بأن الشريعة الإسلامية شاملة مستوعبة لكل ما تحتاجه سُنَّة الحياة من نُظُمٍ وأحكام. وعلى الرغم من ذلك فهو يدعو إلى التكامل مع الحضارات الأخرى، فهو يرى أنه من غير الواقعي أن يقابل المسلمون الحضارات الأخرى بالانغلاق.
لكن الواقع أن أحكام الشريعة الإسلامية على مستوى الأصل، وعلى مستوى التفاصيل لم تكن بالدقة التي تستجيب إلى كل الحاجات البشرية في كل زمان ومكان. أما الدليل على ذلك فهو التباين حول مضامين الاجتهاد والتأويل والتفسير وشرائطها.
وحول ذلك اتَّفَق الجميع على أن النصوص المتشابهة تحتاج إلى تأويل أو تفسير؛ وتُرِكَت المهمة للراسخين في العلم. ومن بوَّاباتهم  دخل النص في نفق من الخلافات الكثيرة. فلكل من السُنَّة والشيعة طرائقه وشروطه في الاجتهاد:
-الشيعة يقبلون التأويل والتفسير من الإمام المعصوم:
-يقول محمد بن يعقوب الكليني: «الشيعة لا يُسلِّمون بأن إكمال الدين وعصمة الرسول  تُغنيانا عن المعصوم لأن الأحكام متجدِّدَة، والأحوال مُتغيِّرة، وحاجة الناس ليست فقط لإمام يحفظ الشرع، وإنما ليفسِّر الأحوال المتجددة» أيضاً.
ويرفض الشيعة الإجماع فهو عندهم الاتفاق المشتمل على قول المعصوم، لا مجرَّد اتفاق العلماء على قول. وهنا يرى عبد الحسين شرف الدين أنه لا دليل للجمهور على رجحان شيء من المذاهب الأربعة. كما أن الاجتهاد والأمانة والعدالة والجلالة غير محصورة بهم. وليس هناك من يجرؤ على تفضيلهم على أئمة بيت النبي.
-والسنة يقبلونهما من إجماع الصحابة:
فأصول الاجتهاد عند السُنَّة أربعة: الكتاب والسُنَّة والإجماع والقياس. ويُقرُّونها من إجماع الصحابة؛ وتلقُّوا أصل الاجتهاد والقياس منهم أيضاً. فإذا وقعت حادثة شرعية من حلال أو حرام، ابتدأوا بكتاب الله، فإن وجدوا فيه نصَّاً أو ظاهراً فزعوا إليه؛ وإن لم يجدوا فزعوا إلى الاجتهاد. ومن شروط الاجتهاد الإجماع.
جاء عند الشافعي: «إذا وجدتم لي مذهباً، ووجدتم خبراً على خلاف مذهبي، فاعلموا أن مذهبي الخبر». ويعتبر مالك بن أنس إن المدينة دار الهجرة والصحابة، وإن أهلها أعلم بالوحي بأحوال صاحب الشريعة، وإن إجماعهم يُعمَلُ به وحده. وحصر أحمد بن حنبل الإجماع بالصحابة دون غيرهم؛ استناداً إلى الحديث الشريف: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين».
بينما يرى عبد الرحمن النجدي (من الوهابية): «على أن الحق لم يكن محصوراً في المذاهب الأربعة ولو كان الحق محصوراً فيهم لما كان لذكر المُصنَّفين في الخلاف، وأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم ممن خرج عن أقوال الأربعة فائدة».
أما عند أهل الرأي، فكان الفقهاء لا يأخذون من الأحاديث إلا قليلاً؛ ودعوا إلى تحكيم العقل والرأي. وربما يقدِّمون القياس الجلي على آحاد الأخبار.
وعلى العموم، غابت المرجعية الواحدة ، وتركت الساحة مفتوحة الأبواب أمام مصالح الفرق الإسلامية، فبَنَت كل منها لنفسها مرجعيتها الخاصة بها، وهيهات استطاعت كل مرجعية مذهبية أن تُلزِم كل فروعها باجتهاد مُوَحَّد؛ فتعددت المرجعيات في داخل المذهب الواحد، واستجاب الفقهاء إلى أساليب التزلُّف والقربى من الله تعالى؛ وانحصر عمل الفقهاء، في سبيل كسب الأجر والثواب؛ فالفقيه لن يخسر بما أفتى شيئاً، وإنما هو الرابح في حالتي الخطأ والإصابة.
هـ- اختلاف الفرق الإسلامية حول هُوِّيَة النظام السياسي للدولة الإسلامية وتضاربها
منذ البدء تأسس الخلاف بين المسلمين حول أحقية من يخلف الرسول. وافترقوا حول أن يكون من سلالة الرسول أم من غيرها. فانتصر الاتجاه القائل باختيار من يحوز قبول أكثرية المسلمين الذين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، ومن بعدها لم تثبت هذه القاعدة ولم تحدد شروطها، بل كانت طريقة الاختيار تتبدل وتتغير كلما واجه المسلمون مهمة تنصيب خليفة جديد. ويصح القول أنها مرَّت بتنصيب أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وانتهاء بعلي بن أبي طالب حيث بلغ الخلاف بين المسلمين ذروته، وافترقوا أيما افتراق بسبب الصراع الدموي عندما دبَّ النزاع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. ومن بعده استمر الخلاف بين الأمويين والعباسيين، ولم يتوقف بعد دخول المسلمين من غير العرب على خط استلام الخلافة، والعودة إلى المرحلة المملوكية والعثمانية ما يفصح بوضوح عما عانى المسلمون من هذه المشكلة.
في ظل تلك المتغيرات، كانت الفتاوى والاجتهادات حول مواصفات الخليفة تأخذ جانب الذي يمتلك القوة العسكرية، فوصلت الأمور إلى درجة تشريع «إمارة الاستيلاء». وكان كل عهد يجد من الفقهاء من يفتون بأحكام شرعية على قياسه. ومصطلح «فقهاء السلاطين» يدل على ذلك.
وبفعل الاختلافات عرفت الدولة الإسلامية مراحل كثيرة تميزت بانقسامها إلى دويلات مذهبية. لجأ فيها الشيعة إلى بناء دويلات تأخذ بمذهبهم، إلاَّ أن المسار الأهم كان انكفاؤهم عن الصراع حول السلطة وبناء دولة إسلامية، وربطوها بشرط ظهور المهدي المنتظر. واستمر حالهم إلى المرحلة المعاصرة التي شهدت متغيرات في مفاهيمهم السابقة عندما أجاز بعض تياراتهم الخروج إلى العلن، وشرَّع دولة« ولاية الفقيه».
أما عند الفرق والحركات السنية المعاصرة، فقد حدَّدت جماعة التكفير والهجرة، أحد فروع الإخوان المسلمين، أسساً فقهية لإحياء الخلافة الإسلامية، ومن أهمها: «إن الخليفة الذي قبله إما أن يُعيِّنَه بالاسم، وإما أن يدخله ضمن ناس يُختار من بينهم، أو إما أن يأتي الاختيار تلقائياً من قبل المقربين للخليفة الأول، فيختارون منهم واحداً، ولا يُترَك للشعب بأن يستفتي عليه».
كما أرست مفاهيم للجهاد وللخلافة، استأنفت فيها ما كانت تمارسه الفرق الإسلامية في القرنين الرابع والخامس الهجري، حتَّمت فيها:
-قتال الحاكم المرتد المبدِّل لشرع الله المُحرِّف لشريعة الإسلام، المبتعد عن الحكم بالقرآن، لأنه «بذلك ينازع المولى عزَّ وجل في ألوهيته، فيجعل لنفسه حق التشريع من دون الله». و«إن ترك الحكم بشرعية الإسلام، والحكم بالقوانين الوضعية كفر بواح، والحاكم الذي يحكم بالقوانين الوضعية كافر مرتدّ». فأجازوا قتال المستبد الكافر وقتله.
-قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام: تستند الجماعة إلى فقه الإمام مالك وإلى قول بن تيمية، وتعتبر أن «إن الشرع الحنيف يأمر بقتال أي طائفة تمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام، أو التي تعطِّل حدود الله وأحكامه». فهم ملعونون، وأينما ثُقِفوا أُخِذوا وقُتِلوا تقتيلاً، وهم بطبيعة الحال أول المرتدِّين.
وتجاريها جماعة تنظيم الفنية العسكرية، أحد فروع الإخوان المسلمين، وتعتبر الحكم القائم اليوم في جميع بلاد الإسلام حكماً كافراً، والمجتمعات في هذه البلاد كلها مجتمعات جاهلية. و﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: من الآية44).
ويخالفهم عدد من المسلمين، إذ أثبت بعضهم بالنص أن دور الخلافة دنيوية وليست دينية، وبعض من أجاز الخلافة فقد أعطى للشعب حق اختيار الخليفة أو عزله.
والشيعة، بشتى فرقهم، شايعوا علياً، وقالوا بإمامته وخلافته نصَّاً ووصية، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده. واعتبروها قضية أصولية، لا يجوز للرسل إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة.
وعلى الرغم من ذلك فقد تباينوا في مسألة التوريث والعصمة: فالإثني عشرية قالوا «بوجوب ثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر». أما الزيدية فساقوا الإمامة في أولاد فاطمة، سواءٌ أكانوا من أولاد الحسن، أم من أولاد الحسين. لكنهم يرفضون العصمة والتقية وغيبة الإمام. ويختلفون مع الشيعة الإثني عشرية بأنهم يقولون إن الأوصاف وليس النص هي الشروط المطلوبة في تنصيب الإمام. ولأنهم يعطون الأولوية لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قالوا: إنه «ليس الإمام منا من أرخى عليه ستره، إنما الإمام من أشهر سيفه».
والإسماعيليـة يرون أن الإمامة انتقلت من الإمام جعفر الصادق إلى ولده الأكبر اسماعيل ومنه إلى ابنه محمد، لأن الإمامة لا تنتقل من الأخ إلى أخيه. ولا تعاني الإسماعيلية من انقطاع سلسلة الأئمة، وإن كانت قد مرَّت بمرحلة من الستر، فإن السلسلة عندهم ما زالت مستمرة حتى يومنا الحاضر.
والشيعة الإثني عشرية (الإمامية) افترقت عن الزيدية بأنها ساقت الإمامة بأولاد الحسين دون أولاد الحسن. وافترقت عن الإسماعيلية بأنها ساقت الإمامة إلى موسى الكاظم (أخ إسماعيل)، ومن بعده ذريته وصولاً إلى المهدي المنتظر، ومن بعده انقطعت سلسلة الأئمة، وبقي الشيعة الإمامية ينتظرون ظهوره، يخضعون لدول لا يؤمنون بصلاحها؛ فهم لم يثوروا على هذه الحكومات والدول، لا لضعف ورهبة فحسب بل لأن الثورة عندهم مؤجَّلة ومرهونة بظهور الإمام الغائب أيضاً.
فبين قائل إن الخلافة ضرورة سياسية، أو قائل إنها حكم إلهي، أو قائل إنه يمكن ابتكار صيغ أخرى لكيفية الحكم في الدولة الإسلامية، تبقى إشكالية أي نظام سياسي نريد مطروحة على بساط الحاجة الضرورية  لتوحيد رؤى شتى المذاهب الإسلامية. وسوف تبقى هذه الإشكالية مستمرةً ما دام كل مذهب يُسبِغ على الشروط، التي يضعها حول خلافة لا تخرج عن أسس العقيدة الإسلامية، صفة القداسة التي لا تُناقش.
لم تنحصر التناقضات، حول مسألة الخلافة، بين المذاهب الإسلامية، فحسب؛ وإنما انتشرت في داخل فقهاء المذهب الواحد أيضاً. و يهون الأمر لو أراد المسلمون، بشتى مذاهبهم وفرقهم، أن يقرروا أي نظام يريدون في داخل دولة ذات أكثرية إسلامية. ويهون الأمر، أيضاً، في تقرير مذهب ولي الأمر، وتحديد أي مذهب إسلامي هو الذي يشكل المرجعية المركزية في حفظ الشريعة، في داخل دولة تنتسب الأكثرية فيها إلى مذهب واحد: تستطيع إيران مثـلاً بأكثرية سكانها الشيعة الإمامية أن تتحكم بتحديد المذهب الفقهي للدولة، كمرجعية دينية مركزية. وتستطيع السعودية بأكثرية سكانها الوهابيين أن تحدد المذهب الوهابي مذهباً للدولة. أما لو تعلَّق الأمر بدولة مثل لبنان تتعدَّد فيها الأديان والطوائف، فتتعقَّد المشكلة كثيراً، وتتكاثر الآراء والفتاوى، ولن تجد حلاً دينياً-سياسياً موَّحدَّاً.
ففي لبـنان، مثلاً، تداخلت الرؤى بين مختلف التيارات الإسلامية حول مبدئية إقامة دولة إسلامية في لبنان. وكانت الرؤى متناقضة بين المذاهب من جهة، وبين التيارات في داخل المذهب الواحد من جهة أخرى. وانقسمت اتجاهات وآراء واجتهادات الفقهاء المسلمين في لبنان إلى ثلاثة اتجاهات:
-الاتجاه الذي يقول بوجوب قيام نظام إسلامي كامـل.
-الاتجـاه الذي يدعو إلى قيام نظام إسلامي في لبنان بشروط وعلى مراحل: يسترشد هذا الاتجاه بالعقيدة الإسلامية لبناء نظام سياسي إسلامي في لبنان، لكنه لا يستعجل الأمور، ولا يتخطَّى المراحل والظروف المحيطة بلبنان خاصة وبالمنطقة عامة، وبوضع المسلمين في العالم بشكل أعم.
-الاتجـاه الذي يدعو إلى التعايش بين الأديان في لبنان كواقع تاريخي.
ولم تشذ الخلافات، في الجزائر مثلاً، بين الحركات الإسلامية من داخل المذهب الواحد. فجبهـة الإنقـاذ الجزائريـة شهدت صراعاً داخلياً، وشرَّعت الديموقراطية البرلمانية محل الشورى في الإسلام، واعتبرت أن السلطة انتهكت الديموقراطية الأمر الذي أدى إلى ردَّات فعل سلبية.
أما حركـة حمـاس الجزائريـة، فترى أن حالة التسيُّب، التي تُغلَّف بلباس الجهاد، تؤدي إلى تمزيق وحدة البلد وقتل المواطنين وسحلهم وذبحهم. كما ترى أن الجماعة الإسلامية المسلَّحة هي جماعات كثيرة تتقاتل مع غيرها، وتتقاتل فيما بينها. حتى وصل الخلاف إلى قياداتها في داخل السجون وخارجها؛ أو من هم خارج الجزائر في أميركا وألمانيا وبريطانيا، فهم جميعاً لم تجمعهم فكرة واحدة. كما أن هناك الحركات الإسلامية الراديكالية التي تنطلق من التبديع ثم تتحوَّل إلى التكفير. وأكثر من قتل من مرتادي المساجد، المعروفين بعدم اعتدالهم في فهم الإسلام، وإنهم «أناس من أهل الإيمان تسلل إلى أفكارهم فكر التكفير والتفسيق على غير فهم».
2-إشكالية مقاربـة النص الإسلامي مع انتشار العولمـة/ الأنسنـة
إن العولمة هي عملية تاريخية، لكن ليس بمعنى التسليم بحتمية القيم التي تُعيد إنتاج نظام جديد للهيمنة من قبل القوى الكبرى. لكن السائد الآن أن بعض التيارات يرفض العلمانية، كرد فعل ضد مظالم الاستعمار، ويرفض الديموقراطية من الزاوية ذاتها، وها نحن نرفض العولمة انطلاقاً من ردود الفعل ذاتها.
في الواقع أن الغرب يمثَّل مصدر إنتاج المبادئ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الحديثة، وهي ليست غير النسخة التي يطبِّقها على نظامه الاجتماعي؛ و أنها أصابت نجاحاً في تغيير الكثير مما كان يعيق مجتمعاته عن بلوغ التغيير. وقد أصابت تقدماً كبيراً في بناء الإنسان الغربي بناء جديداً، وأصابت في بناء الصروح العلمية الهائلة.
بدأت تصل إلينا أولى طلائع الإنتاج الفكري الغربي، منذ أوائل القرن 18م. فاصطفَّت معظم النخب الإسلامية-العربية بين رافض لها بالمطلق أو قابل بالمطلق، والقلة كانت إلى جانب الدراسة والاختيار بعد النقد الموضوعي. وبتنا والحالة هذه في موقع الدفاع السلبي: أي أننا نمتنع عن الإنتاج من جهة، ونقاوم الإنتاج القادم إلينا من الخارج تحت ذريعة أن ما عندنا يكفي ونخاف عليه من التلُّوث.
نحن لا ننكر أن الغرب، يعمل لضمان مصلحته بشكل مباشر، لكننا لن نقتنع أن يكون كل ما يصل إلينا منه موبوء ومُثقَل بأوزار المؤامرة.
ألم تحلَّ العلمانية مثلاً أهم إشكالية كان الغرب يرزح تحت وطأتها قروناً عديدة؟
ألم تكن إشكالية الصراع بين الإيمان الساذج للكنيسة وبين عقل الفلسفة تربك مسيرة الحضارة في الغرب، بل وتدفعها إلى الوراء؟
لكنه لما انتصرت الفلسفة، لم تنهزم الكنيسة، لأن العلمانية «قامت لا على العداء للدين، ولا على إنكار القيم السماوية المُنزَلَة، بل قامت على معارضة الكنيسة كمؤسسة فكرية تعرقل حرية التفكير، وتلاحق العلماء وتُكفِّرهم، وتحرق كتبهم». ولما انعتق فكر العلماء والفلاسفة من إرهاب محاكم التفتيش الكنسية؛ ولما كُتِبَت السلامة لمؤلفاتهم من الحرق والمنع والتحريم؛ ولما أيقن الفيلسوف والمفكر والعالم والناقد أن رقابهم أصبحت بعيدة عن مقصلة التكفير، أخذت رقعة العلوم تتَّسع، فأعطت ثماراً يانعة للتقدم والحضارة الغربية أولاً، وتقدم الحضارة الإنسانية ثانياً.
وتلك هي المشاهد التي تتكرر في مجتمعاتنا بالمقارنة بين ماضي العقل في الغرب، وحاضر العقل في الشرق.
يقول ول ديورانت: «إننا مدينون [في الغرب] لفلاسفة القرن 18م-وربما للفلاسفة الأكثر عمقاً في القرن17 م بالحرية النسبية التي ننعم بها في الفكر والكلام والعقائد وبسببهم استطاعت ديانتنا [المسيحية] أن تتحرَّر أكثر فأكثر من الخرافة البليدة الكئيبة، واللاهوت الذي يبتهج بالتعذيب وبسبب هؤلاء فإننا هنا الآن [في الغرب] نستطيع أن نكتب دون خوف ولا وجل، ولو مع شيء من اللوم».
أما عندنا-في المجتمع العربي والإسلامي-فما زلنا نعيش مراحل محاكم التفتيش، بشكل أو بآخر، بصورة أو بأخرى؛ وهذا بيان لمجموعة من الكُتَّاب والمثقفين والفنانين العرب صدر في العام 1989م، حيث عبَّروا فيه عن واقع الحال قائلين: «تواصل قوى الظلام جهادها ضد العقل والمدافعين عنه، فتحرق الكتب، وتُعدِم كل من كتب كتاباً لا يعجبها، وتبيح دم كل مثقف عرف المسؤولية، تاركة الجهل يأخذ مداه الكامل وها هي تتحرك طليقة في الشوارع والمدن والقرى مستقوية بأعداء العقل والإنسان الذين يريدون لشعوبنا أن تظلَّ غارقة في ظلمات الجهل والخرافة».
لقد استفادت كل حضارات العالم من الحضارات التي سبقتها، وأصبح الجزء الجديد يشكل قيمة أعلى بمجرد أنه جمع بالاستفادة منه مجتمعين أو أكثر، وكل ما نقله مجتمع من مجتمع آخر يكون قد تعولم، وكلما استفادت مجتمعات أكثر من تغيير تم نقله كلما أصبح التغيير ذا صفة إنسانية. ولما كانت الحضارة الإسلامية قد استفادت من حضارات سبقتها، وبدورها أفادت الحضارة العربية الإسلامية حضارات الشعوب الأخرى وعلى الأخص منها الغرب، فليس من المستغرب أن يستفيد العرب والمسلمون من الحضارة الغربية، وإنما الأمر الأكثر غرابة هو أن لا يستفيدوا منها.
وعلى قاعدة أن الحضارة الغربية ليست إشعاعاً نقبله كله، أو مؤامرة نرفضها بالكامل، لا يجوز أن يكون الجزء المفيد منها مرفوضاً، ستكون عولمة الأجزاء المفيدة، أمراً مطلوباً، ليس بانتظار تصديره من الآخرين فحسب، بل علينا استيراده أيضاً.
إن العالم، جمعها عوالم، يشتق منه فعل (عَولَمَ)، والاسم منه (عولمة). وفكرة العالم هي إنسانية وكونية. إلاَّ أنه ليست من السهولة صياغة تعريف دقيق للعولمة، نظراً إلى تعدد تعريفاتها، التي تتأثر أساساً بانحيازات الباحثين الأيديولوجية، واتجاهاتهم إزاءها رفضاً وقبولاً. ومن أهم شروط تعريفها أن تصبح مشاعة لدى جميع الناس. وتذويب الحدود بين الدول. وزيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات».
وكل قيمة عليا هي عالمية، ولكي يكتسب أي مبدأ سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، صفة العالمية لا بُدَّ له من أن يُنشَرَ خارج الدائرة التي نبت فيها إلى الدائرة الأقرب مباشرة، فالأبعدحتى يَعِمَّ كل بقعة في العالم البشري؛ وهكذا يُسبَغُ على هذه القيمة صفة العالمية، ويصبح فعل نشرها «عولمة». فالعولمة هي العمل على تصدير أي مبدأ إلى العالم، فإذا انتشر وقُبِل اكتسب صفة العالمية.
فالعالمية هي صفة لكل قيمة عليا، فهل يمكن لعالمية القيم أن تتحقق؟
إن الخطوة الأولى تبدأ بالاتفاق حول تعريف القيم الإنسانية المقبولة على الصعيد النظري؛ ومن ثم مقاربتها من واقع التعدديات الثقافية والدينية بين المجتمعات شيئاً فشيئاً عن طريق الحوار وليس عن طريق القسر والإكراه.
تُعَدُّ العالمية صفة من صفات الأديان السماوية، بشكل عام:
-فالمسيحية صدَّرت مبادئها وتعاليمها، فوصلت إلى أوروبا، وأصقاع الأرض.
-والإسلام، صدَّر مبادئه وتعاليمه، فوصل إلى الصين شرقاً و جنوب أوروبا غرباً.
-وكل فلسفة قديمة، منذ سقراط حتى الآن، كانت تتعولم بطريقة أو بأخرى: فتعولم أرسطو في الشرق الإسلامي، ثم انتقل إلى الغرب المسيحي بوسائط عربية إسلامية. وعولمت الفلسفة الأوروبية نفسها فانتشرت من أدنى الكرة الأرضية إلى أقصاها، ولاقت صدىً واسعاً في الشرق العربي-الإسلامي منذ قرنين من الزمن.
-ومنذ تأسيس هيئة الأمم المتحدة، في العام 1945م، بفعل انفتاح شعوب العالم على بعضها البعض، بفعل التطور الهائل في وسائل الاتصال والمواصلات، وُلِدَت مجموعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، مما أبرز إلى الواجهة حاجة المجتمع الدولي لتوحيد مفاهيم المصالح، فنشأت الحاجة إلى عولمة القوانين في أكثر من حقل.
فأين يمكن مقاربة بعض التشريعات الإسلامية مع تعددية الانتماءات في العالم؟ بل هل يمكن المقاربة بينهما؟
ولأن البحث واسع جداً، سوف نقصر محاولة المقاربة بين المفاهيم الإسلامية وبين عولمة القوانين على ما يعلق بـ«حقوق الإنسان».
لقد جرت أول محاولة لعولمة قانون موحَّد لحقوق الإنسان، منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في العام 1948، عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان الإعلان المذكور منطلقاً لإصدار ثلاثة صكوك، وهي: العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العام 1966م. والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في العام ذاته. ثم صدر البروتوكول الاختياري. وفي العام 1979م صدرت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. إن للإعلان العالمي سلطان معنوي. أما العهدان فهما معاهدتان مُلزِمتان للدول التي تصدِّقهما بتوقيعها.
أثار الدور الذي تلعبه الأمم المتحدة معظم الهيئات في الشرق العربي-الإسلامي، ودفعها إ لى إصدار أكثر من خمسة عشر مشروعاً، صاغت معظمها هيئات علمية من الجامعيين والدارسين ورجال الحقوق، وإلى بعض المنظمات، مثل: رابطة العالم الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وجامعة الدول العربية.
يشترك معظم هذه المشاريع بطابع الخصوصية المرجعية التي تمتاز بها عن النصوص الأممية، إلا أن بينها ميادين تطابق عديدة. وما يُميِّز المشاريع الأممية عن النصوص الإسلامية فارق جوهري، بحيث تمتاز النصوص الإسلامية في منعها حق الارتداد، وتُعدُّ فيها الحقوق مِنَّةً ربانيَّة، والحريات تخويلاً إلهياً. بينما تنطلق المواثيق الدولية من مبدأ النظام الطبيعي، وأسبغت على قوانينها صفة العالمية؛ وصِيغَت آليات تضمن التزام الناس بها.
وعلى العموم، تُشكِّل هيئة الأمم المتحدة إطاراً دولياً عالمياً يُمثِّل شتى الاتجاهات الدينية في العالم؛ لذا فهي تستند إلى مسألة التعددية الدينية وحرية الاعتقاد. وإنه على أي اتفاقية دولية أن تراعي الاتجاهات المختلَف حولها لشتى أديان البشر على الكرة الأرضية. وإنه إذا تضمَّنَت هذه الاتفاقيات والعهود خصوصيات كل دين، ولكل دين نصوصه المقدَّسة، لامتنعت الصفة العالمية عنها، ولأصبح من المستحيل عولمتها.
فهل العولمة تتحقق في ظل تعددية النصوص المقدَّسة؟
أ-لا حرية للاعتقاد الديني في الإسلام في ظل قانون الردة:
في دائرة المقارنة بين مبادئ الإسلام عن حقوق الإنسان و بين الإعلان العالمي، يحسب بعض الإسلاميين أن الإسلام أرسى المساواة المطلقة بين البشر من دون تفرقة أو عنصرية أو تمييز بسبب اللون أو العرقية أو اللغة. لذا، بالاستناد إلى مقارنة بين النصين الإسلامي والأممي، يحسبون أن مبادئ الإسلام، هي أشمل من المبادئ والمعايير التي أقرَّها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان منذ خمسين عاماً.
ليست هذه المقارنة موضوعية، فوثيقة الأمم المتحدة قد أتت على ذكر مسألتين في غاية الأهمية رفض الإسلام الاعتراف بهما، وهما لُبُّ الصراع الدائر بين الأديان كافة: نصًّت الوثيقة على تساوي كل الأديان على كل الكرة الأرضية، وسجَّلَت اعترافها بها. كما نصَّت على المساواة في الحقوق السياسية والمدنية بين كل الأديان من دون تفرقة أو تمييز.
كان الموقف الإسلامي واضحاً فهو قد رفض السماح بالارتداد عن الدين من جهة، ولم يساو في الحقوق المدنية بين المسلم وغير المسلم من جهة أخرى.
ب-مشكلة الاسترقاق والإماء في الإسلام تتعارض مع القيم الإنسانية العليا:
وتبرز، من جهة أخرى، إشكالية مقاربة النص الإسلامي من العولمة، وهي مشكلة الاسترقاق ومشكلة الإماء. لقد كان نظام الاسترقاق معمولاً به منذ أيام الدعوة الإسلامية الأولى، ولم يُعدَّل حتى الآن. فكان كل من أُسِرَ في الغزوات يجوز استرقاقه، ولما كثرت الفتوحات كثر الاسترقاق من الأمم المغلوبة كثرة هائلة؛ وكان المُستَرقًّون، رجالاً ونساءً وذراري، يُوزَّعون على المسلمين الفاتحين.
كما جاء في النص القرآني: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (محمد: من الآية4). وقد جاء في تفسير هذه الآية ما يؤكد ثبات هذه الشرائع، فالأسير يُخيَّر بين القتل أو الاسترقاق، أو المنُّ عليه أو مفاداته، أو منٌّ من غير فداء. لكل هذا كان جُلَّ ما فعله الإسلام بالنسبة لمسألة الرقيق أن جعل عتق الرقبة كفَّارة عن الذنوب: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (القصص: من الآية3). ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (المائدة: من الآية89).
لا يستقيم الموقف إذا ادَّعى الفقهاء المسلمون أن موضوع الرقيق قد عفَّى عليه الزمن، من بعد أن أصبح لاغياً بحكم الأمر الواقع، لأن النصَّ وتأويلاته باقيان  منهلين أساسيين أمام كل مسلم ليأخذ منهما ما يتناسب مع الظروف التي يعيشها، فهو حرّ أن يستعبد من أسرى الحرب من يشاء إذا شاء، ويفعل ذلك من دون أي حرج شرعي. وهذا ما تؤكده بعض الأخبار الصحفية على قلتها
لم تُشرِّع العقيدة الإسلامية حق الاسترقاق فحسب، وإنما منعت المساواة بين الأرقاء والأحرار، أيضاً: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (البقرة: من الآية178).وقد جاء في تفسير هذه الآية ما يؤكده في الفقه الإسلامي، وعن ذلك جاء عند محمد جواد مغنية: إن الحر لا يُقتَل بالعبد، وإن الرجل لا يُقتَل بالمرأة، أي إن الحر إذا قتل عبداً لا يُقتَلُ به. وإذا قتل الرجل امرأة لا يُقتَلُ بها، فهل هذا محل وفاق بين الفقهاء؟ يتساءل مغنية، ثم يُفصِّل ما جاء عندهم.
إعتراف الإسلام بالاسترقاق بامتناعه عن تحريمه بنص مُحكَم؛ والإقرار بشرعية الطبقية بين سيد و عبد ومنع التساوي بينهما؛ والحال كما هي عليه، فكيف يمكن التوفيق بين عالمية القوانين وعولمتها وبين الشريعة الإسلامية؟
إن المسيحية لم تقف، تاريخياً، موقفاً متميزاً بالنسبة للعبودية فهي علَّمت أن عتق العبد يُعَدُّ كفَّارة عن ذنوب المؤمنين؛ وذهب القديس أوغسطينوس إلى أن العبودية هي عقاب مفروض على الإنسان المذنب. إلا أن «الخطيئة هي التي تجعل الإنسان يَستعبِد الإنسان طيلة حياته، ومثل هذا لا يمكن أن يحدث إلا بحكم الله الذي لا يعرف الظلم، والذي يعرف كيف يكيل العقاب لمن يستحقه».
أما المواثيق الدولية، ومنها اتفاقية جنيف الرابعة، فتُشكِّل، كنص معولم، حماية للمدنيين وللمحاربين: فهي قد حرَّمت في مادتها 33 معاقبة أي شخص عن ذنب لم يقترفه شخصياً. فهذه الاتفاقية حرَّمت ما لم تُحرِّمه الأديان السماوية.
لقد جاءت النصوص العالمية لتُعبِّر بشكل جلي عن تحريم الاسترقاق والاتجار به بشتى أشكالهما من جهة، ولكي تساوي بين جميع الأفراد بالحقوق والواجبات بدون تمييز من أي نوع كان من جهة أخرى. وجاءت لتؤكِّد-في المادة الثالثة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية-على مساواة الرجال والنساء بحق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية.
فهل في ظل هذه الاتفاقية يمكن استرقاق المحاربين وأهاليهم؟ أو هل يمكن أن تُعَدَّ النساء رقيقاً يبقون ملك يمين المنتصر؟ وهل يجوز قتل الرجال والنساء؟ وهل يمكن استرقاق أطفال المحاربين؟
فهل يبقى من مخرج أمام الفقهاء المسلمين إلا أن ينتظروا الواقع لكي يفرض نفسه على الشريعة؟ تلك حقيقة لم يستطع بعض الفقهاء المسلمون إلا أن يتوقفوا عندها، بالقول: «إن الحديث عن الإماء وأحكامهن أصبح بلا جدوى بعد إلغاء الرق».
ج-حقوق المرأة في النص الديني الإسلامي تتعارض مع النصوص الأممية:
صدرت عن هيئة الأمم المتحدة في العام 1979م، وثيقة حقوق المرأة من أجل القضاء على التمييز بين الرجل والمرأة، وبين المرأة والمرأة، ومساواتهما بالحقوق.
بينما يفتقد الفقه الإسلامي والنص القرآني المساواة  بين المرأة والرجل، وبين المرأة والمرأة، وبين الطفل والطفل. ومن جملة عدم المساواة نهى الفقه الإسلامي، قديماً، عن تعليم المرأة بينما اعترف للرجل بهذا الحق.
وحتى اليوم يبرر بعض الإسلاميين تعليم المرأة بشروط، وذلك أن تطابق مواد التعليم فطرة المرأة. وأن يكون مسموحاً للمرأة، في رأي بعضهم، أن تكون مدرسة أو طبيبة، وما هو أكثر من ذلك فهو ضرب من التزيد.
وهناك من الفقهاء الذين ِيُضَيِّقون الخناق، ليس على المرأة فحسب، وإنما ليضع تشريعاً يَحِدُّ فيه من حرية التعلم على الرجل أيضاً.
وبدلاً عن ذلك اتفق كل الفقهاء المسلمين على «أن الإسلام دين عالمي، يصلح لكل زمان ولكل مكان». فدعوا إلى عولمته لأن تعاليمه ليست معروفة لدى الغربيين.
إن المسألة ليست كامنة في أن الغربيين يجهلون الإسلام. ونحسب أن إلغاء التمييز العنصري، وضمان حرية الانتساب إلى الأديان، لم يأت إلا ردَّاً على قوانين الردة الدينية، التي أُسبِغَت عليها صفة القدسية، والتي تتنافى مع حقوق الإنسان.
ولأن عولمة الثقافة والقوانين وتأسيس أرضية مشتركة للتعايش الشعبي الدولي تتعمق أكثر فأكثر، وتمَّت عولمة كثير من المؤسسات الإنسانية والثقافية والقانونية، أصبحت الشعارات العامة الفضفاضة، والدعوات المثالية ليست إلا إغراق الخطاب الديني بالألفاظ التي لا تفيد أية حقيقة علمية موضوعية.
د-فصل الدين عن السياسة إشكالية أخرى تعوق بناء دولة دينية:
كما هي العادة، انهالت على العلمانية -كمبدأ سياسي يفصل الدين عن الدولة، من جهة؛ وكونه آتٍ إلينا من الغرب من جهة أخرى- شتى أنواع التهم؛ فكانت، بحدها الأدنى، أنها تتنافى مع الشريعة الإسلامية وهي مُرسَلَة بمهمة تآمرية ضد الإسلام والمسلمين؛ وفي حدها الأقصى اتهام السائلين عنها والقائلين بها بأنهم كفرة مُلحِدون. أما في أحسن الأحوال فقد وُصِمَت بأنها مبدأ صالح للغرب المسيحي فقط لأن المسيحية تُقِرُّ (ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، أي أن المسيحية هي دين للآخرة وليس للدنيا؛ وتتعارض العلمانية مع الإسلام لأنه دين ودنيا، فلا يمكن فيه الفصل بين الدين والسياسة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن المسلمين، لم يعطوا للغرب-ولأنفسهم أيضاً-أنموذجاً فكرياً، يصلح لبناء نظام سياسي إسلامي يُحتذى به لقيادة البشر في الدنيا و يوصلهم إلى الآخرة بأمان من جهة، ونستطيع أن ننافس فيه الأفكار القادمة من الغرب من جهة ثانية. كما أنه لم يتيسر بين أيدينا-عبر التاريخ الإسلامي كله- أنموذج لنظام سياسي إسلامي نستطيع الاتفاق على أنه كان صالحاً لقيادة المسلمين بشكل سليم أولاً، ولكي نقوم بعولمته في سبيل تصديره للغرب المسيحي، ثانياً. كما أنه ليس بين الأنظمة الإسلامية القائمة حالياً ما يقنع قطاعاً واسعاً من المسلمين أنفسهم لكي يكون المثال المُحتذى، فكيف يمكننا إقناع الغرب المسيحي، وغيره من بلدان الشرق البوذية، مثلاً؟
ألم يوفِّر الغرب المسيحي مئات من السنين من جهد علمائه وفلاسفته وعقلائه عندما استفاد من تجربة العقل الإسلامي-العربي وإنتاجه منذ أخذ ينقل تراثنا وإنتاج عقول علمائنا وفلاسفتنا؟
هـ-الديموقراطية ليست محل اتفاق عند الفقهاء المسلمين:
إن الديموقراطية تعبير غربي، فهي: نظام سياسي- اجتماعي، يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأ المساواة بين المواطنين ومشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة. أما أساس هذه النظرة فيعود إلى المبدأ القائل بأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر الشرعية، وبالتالي فإن الحكومة مسؤولة أمام ممثلي المواطنين وهي رهن إرادتهم.
كانت المجتمعات الغربية قد خضعت لأنظمة الحكم المطلق من خلال مبدأ الحق الإلهي. أما انبثاق النظام الديموقراطي فقد جاء نتيجة عملية تدريجية تمخَّضت عن الصراع الاجتماعي بين الطبقات الحاكمة: الدولة والكنيسة، الملك والنبلاء الإقطاعيون. ومع نهاية نظام الإقطاع، برزت أفكار جديدة مثل حكم النظام الدستوري في بريطانيا، والحق الطبيعي والمساواة السياسية والعقد الاجتماعي والحرية في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية.
لكن «تشعُّب مقومات المعنى العام للديموقراطية، وتعدد النظريات بشأنها، علاوة على تميز أنواعها، وتعدد أنظمتها، والاختلاف حول غاياتها، ومحاولة تطبيقها في مجتمعات ذات قيم وتكوينات اجتماعية وتاريخية مختلفة، يجعل مسألة نمط ديموقراطي دقيق وثابت مسألة غير واردة عملياً».
وبالإجمال فإن الديموقراطية، في التقاليد الغربية، تعني «أن إرادة الشعب ذات حرة لا تتقيد مطلقاً بقيود خارجة عنها، سيدة نفسها، ولا تسأل أمام سلطة غير سلطتها».
ولأن الديموقراطية، كمفهوم سياسي- اجتماعي، من نتاج وضعي من جهة، ولأنها من نتاج الفكر الغربي من جهة أخرى، ولأن لها علاقة بالعلمانية كمفهوم سياسي وضعي من جهة ثالثة، انقسمت المواقف النخبوية العربية والإسلامية من حولها، كل من منطلقاته الخاصة.
آمنت بعض الأوساط النخبوية العربية بأهمية الإرادة الشعبية، وتبنت المبدأ الديمقراطي، وراحت تفتش عن النمط الديموقراطي الذي يتناسب مع واقعنا السياسي والاجتماعي وقيمنا الحضارية والفكرية.
أما اتجاهات السلفيين الإسلاميين فسارت في خط معاكس، مسلَّحة بالنص الديني؛ وهي إشكالية طالما تناقضت مواقف المسلمين من حولها؛ كمثل إشكالية الجبر والاختيار، أي المواقف حول أعمال الإنسان: هل هو مخيَّر أم مسيَّر ؟ وقد وجدت كل فرقة في آيات القرآن ما يدعِّم وجهة نظرها. فاستفاد السياسي من بعض نتائج الجدل حولهما فأيَّد القائلين بالجبرية لصالح تثبيت سلطته وتغليفها بمبدأ الحق الإلهي، فخضع المجتمع الإسلامي لذلك النظام تهيباً من المسلَّمات الدينية التي كانت تحمي السلطة السياسية.
ولأن أصل العقيدة الإسلامية يستند إلى الكتاب والسنة، وهي عند المسلم أوامر إلهية لا يمكن القياس إلاَّ عليها، ولأن بعض المذاهب الإسلامية  ألزمت أتباعها بطاعة (الإمام المعصوم، وأولي الأمر...)، لم يشعر المسلمون أنهم بحاجة للنظر في مسألة الحرية من جانبها السياسي.
وعلى أساس هذه المعادلة خطا بعض الإسلاميين في رسم اتجاهاتهم في مسألتي الحرية والديموقراطية.  فالبعض قال بأن العبودية لله تقتضي الالتزام بأوامره، وإن الحرية هي اتباع الهوى، وهي تتناقض كلياً مع مصدر الشريعة. وهذا مناقض لعبودية الإنسان لله تعالى والتزامه بما يرتضيه.
والبعض الآخر اعتبر أن الديموقراطية والدستور ونظام رئاسة الجمهورية هي تشريعات وضعية من صنع البشر أولاً، ومن صنع الدولة الغربية ثانياً، فإن للإسلام يعتبر أن الديموقراطية وكل ما يُبنى عليها مفهوم كفر، وكل من يختار تشريعاً غير الأحكام الدينية، يكون مرتداً ويُقتل.
وعن الشورى يرى البعض أنها لا تعني رأي الأكثرية، فالموقف الحاسم يكون موقف الرسول. وهذا الرأي يخالفه آخرون تماماً، حيث يعتبرون أن الشورى ملزمة للحاكم حتى لو خالفت رأيه. وأن الشورى تعني اختيار رأي الأمة، على أن تكون مقيَّدة بطاعة الله والرسول وأولي الأمر.
ويحاول  البعض أن يقارب بين مصطلحات الشورى والديموقراطية والحرية، لأن العلاقة بين الشورى والديموقراطية ليست علاقة عداء بالمطلق أو تطابق بالمطلق، وإنهما يتطابقان بأنهما يعطيان السلطة للأمة، ويفترقان بمصدريهما، الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، الأمر الذي يدفع إلى فك الاشتباك بينهما لضرورات واقعية.
ولأن موضوع الديموقراطية شأن سياسي له علاقة بقضية حساسة عند الإسلاميين، متمثلة بوضعهم أمام اختيار حاسم: إما الشريعة كأمر إلهي، وإما القوانين الوضعية كأمر بشري، فإنهم ولحسابات عقيدية سوف يبقون في داخل دائرة الرفض للديموقراطية مثلما أصبحوا في داخل دائرة الرفض للعلمانية قبلها. ولأن مبادئ الشريعة الإسلامية لا تلزم غير المسلمين، دفاعاً منهم عن مبدأ المساواة في الحقوق؛ ولأن الفقه الإسلامي موزع إلى أكثر من مذهب، فلن يستطيع أي مذهب منها أن يلزم المذاهب الأخرى، السبب الذي قد لا يحقق المساواة في الحقوق السياسية حتى للمذاهب الإسلامية في ظل دولة الإسلام. وكل ذلك يشكل حوافز وحاجات أساسية في سبيل إعادة النظر في الموقف السلبي من الديموقراطية.




استنتاجـــات
مرَّت الدولة الإسلامية بقرون عديدة من التجارب، لم تستطيع أن تجد حلولاً لمشاكل المجتمعات الإسلامية من رعاياها. ومع سقوط الدولة العثمانية الإسلامية، واجه المجتمع العربي، كجزء منها، فراغاً فكرياً وسياسياً. فاستعانت النخب العربية المثقفة بالمؤثرات الفكرية والحضارية الأوروبية، للاستفادة منها فى سبيل بناء هوية وحدوية قومية، والتنظير لأسس نظام سياسي بديل.
ففي الربع  الثاني من القرن العشرين، شهد الفكر القومي العربي تطورات مهمة على صعيد الوضوح النظري. ومنذ أوائل الاربعينيات، أنزِلته الأحزاب المنظمة من برج النخب إلى الأوساط الشعبية. وعرف نضجه النظري، بمضامينه الاجتماعية والسياسية وبناه الحزبية الحديثة، مع تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1947م.
وقفت تيارات عديدة في الخندق المواجه للفكر القومي، ومنها: السلفية الإسلامية، والشيوعية الأممية. متجاوزاً العوائق، شق التيار القومي طريقه، منذ أوائل الخمسينيات، وحقق إنجازات رسمية وشعبية. فاستلمت بعض تياراته السلطة السياسية، في كل  من مصر (بواسطة الناصرية)، وسوريا والعراق (بواسطة حزب البعث). أما على الصعيد الشعبي، فقد  غدت المرحلة عصراً ذهبياً للجماهير العربية وللفكر القومي على حد سواء. فاصطدمت بعدد من العوائق منها الذاتي والموضوعي الداخلي، ومنها عوامل الإعاقة القادمة من الخارج.
نتيجة لتلك الظروف أصيب المد القومي بعدد من الانتكاسات والتراجعات لصالح الاتجاهات الرجعية، المحمِّية من القوى الإمبريالية، فانتعشت حركات سياسية ودينية إسلامية بعد فترة من الغياب والتراجع. وحاولت أن تشكِّل البديل للمشروع القومي، وانقسمت إلى تيارات: بعضها المتطرف الذي استخدم العنف وسيلة، وبعضها الآخر استخدم أسلوب التبشير الديني الهادئ.
دعت بعض التيارات إلى إقامة الدولة الإسلامية، بإعادة نظام الخلافة، التي تسهر على: تطبيق الحدود، وحماية الثغور، والعمل بأحكام الشريعة  الإسلامية. ودعت إلى  تكفير الأنظمة القائمة، وأعلنت الجهاد لإسقاطها.
فمنذ السبعينيات تراجع المشروع القومي، وارتفع الخطاب السلفي الإسلامي مستقطباً أوساطاً واسعة من الجماهير التي تؤيد المشروع القومي. وكانت من أهم أسبابه أن الوجدان الشعبي الوحدوي أصيب بحالة من الذهول، في أعقاب الانتكاسات التي لحقت بالبنى السياسية للمشروع القومي، في الوقت الذي لم يكن قد تسنَّى للتيار القومي أن يؤسس البنية البشرية المثقفة، التي تستطيع أن تقدم تفسيراً موضوعياً لكل ما حصل. خاصة أن الجماهير كانت مُغرَقة بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
شكَّلت تلك الأزمات مادة خصبة لكل التيارات الداخلية، المعادية للمشروع القومي، (القطريون الانفصاليون، الشيوعيون الأمميون، الحركات  السلفية الإسلامية، الأنظمة السلفية...)، الأمر الذي استفادت منه المخططات الخارجية التي تهدف إلى إبقاء الأمة في حالة من التفتيت والتجزئة.
لقد كانت للحركات السلفية بنيتها البشرية المؤهلة والمنتشرة في الأوساط الشعبية، والقادرة، بامتلاكها الأصول الثقافية الإسلامية، على كسب ود الجماهير وإقناعها بدون عناء كبير. فوجدت إسناداً نظامياً رسمياً معززاً بمباركة ودعم خارجي. فأصيب المد القومي بالتراجع لحساب انتشار الحركات الأصولية. تلك الحركات التي سلكت دروب الصراع الداخلي على حساب الوحدة النضالية في مواجهة أطماع الخارج.
وجاءت، في أواخر السبعينيات، الحالة الإيرانية التي أسست دولة إسلامية، لتشكِّل مؤثراً مهماً، زرع الأمل في نفوس السلفيين العرب بأن بناء دولة إسلامية ليس مستحيلاً من جهة، ولكي تقدم الدعم المالي إلى كثير من الحركات الأصولية من جهة أخرى.
تلك العوامل مجتمعة تقدم تفسيراً لزخم الصحوة الإسلامية منذ أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، التي من أجلها تسابقت بعض القوى القومية والوطنية، للتقرب منها، بدلاً من تحصين مواقع الفكر القومي، فأخذت إشكالية العلاقة بين القومية والدين، العروبة والإسلام، تطرح نفسها في الوطن العربي. وهذا ما شكَّل دافعاً إلى السؤال عن مستقبل الحركات الأصولية من جهة، ومستقبل الحركة القومية من جهة أخرى.
إن ظاهرة تشرذم الحركات الأصولية لجهة تمايز منابتها الفكرية ومشاريعها السياسية، تدفعنا إلى القول إنه ليست هناك حالة أصولية ذات مرجعية، عقائدية وسياسية واحدة. كما أن ما يسمى بالصحوة الإسلامية لا تحمل، أيضاً، البذور التوحيدية، فهي، حتى الآن، حركة تحمل بذور التفتيت على شتى المستويات الفكرية والسياسية و العقائدية.
قاوم الليبراليون العرب الثقافة الشعبية الإسلامية، تلك التي احتضنت حركات التحرر الوطني، من  دون أن  يعملوا على تهذيبها وتطويرها.  فهم لم ينجحوا في نشر الليبرالية  وفشلوا في إحداث نقلة نوعية في التغيير الثقافي على المستوى الشعبي. الأمر الذي  فتح الأبواب واسعة أمام التيارات الأصولية والسلفية لتلعب دوراً كبيراً في إنتاج ثقافة  أكثر انغلاقاً، وبها لن تستطيع تقديم حلول وحدوية لأنها غارقة في متاهات المذهبية والطائفية والإقليمية، كما هو حاصل الآن بين تياراتها داخل الدين الواحد، والمذهب الواحد. وستبقى موطناً لحروب طائفية داخلية مستمرة.
ولما كانت الحروب المقدسة لن تصل إلى نهاية منظورة، لتكاثرها وتضاربها وتناقضها.
ولما عبرت الثقافة السلفية حدود المجتمع القومي العربي بالدعوة إلى بناء دولة إسلامية أممية، فهي ستعيدنا إلى قرون عديدة من التخلف، تلك التي بنى فيها المسلمون إمبراطورية مترامية الأطراف، لم تقدم للمسلمين إلاَّ الحروب والصراعات بين أبناء الإمبراطورية الواحدة.
ولما كنا عاجزين عن بناء أمتنا، ننشر فيها التفرقة والتفتيت، فسنكون أكثر عجزاً في الاستيلاء على الأمم الأخرى وتوحيدها في مشروع عجزت كل الإمبراطوريات في العالم عبر التاريخ عن حمايته. أوَ لم تكن الإمبراطورية الإسلامية أنموذجاً منها؟
ولأن بناء وحدة على أنموذج ديني أصبح من المستحيلات في ظل حروب المقدسات، دعونا على صعيد أمتنا نعمل من أجل مقاربة موضوعية وعلاقة سليمة بين طرفي التراث والحداثة، الدين والقومية، الإسلام والعروبة.
لا بدَّ من تذكير الحركات الدينية السياسية بأن هدفها في جعل حدود القوميات مفتوحة كشرط ضروري لتصدير الإسلام، وبناء دولته السياسية، بأن هدفهم هذا هو الهدف ذاته الذي رسمه المخطط الأميركي لنفسه، ومضمونه كما جاء في تقرير نشرته مجلة القوات المسلحة الأميركية: إن الحدود الحالية التي رسمتها كل من بريطانيا وفرنسا بشكل عشوائي في القرن التاسع عشر هي حدود غير عادلة. و الحدود المرسومة للدول ليست ثابتة علي الإطلاق والعديد من الحدود من الكونغو إلي القوقاز مرورا بكوسوفا تتغير الآن، ولذلك يرفض المشروع الأميركي التجاوب مع الحجة القائلة: إن هذه الحدود لهذه الدول لا يجب تغييرها، لأنها تعبر عن واقع موجود منذ آلاف السنين.

إرسال تعليق